تصنيف واشنطن الحوثيين جماعة إرهابية... ورقة ضغط أم تعقيد المعقّد؟

متحدث باسم الخارجية الأميركية وصف أسلوب الجماعة بـ «غير الجدي»... وحضها على تغيير سلوكها

صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)
صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)
TT

تصنيف واشنطن الحوثيين جماعة إرهابية... ورقة ضغط أم تعقيد المعقّد؟

صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)
صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)

يجزم متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية بأن سياسة واشنطن حول اليمن لم تتغير أهدافها، وقال: «إنها ثابتة»، واختزلها في «العمل مع شركائنا الدوليين لتحقيق السلام والازدهار والأمن في اليمن».
يتزامن ذلك مع سجال يمني برز بعد تواتر الأنباء حول عزم واشنطن تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، إذ اعتبرته أطراف ورقة ضغط جيدة فيما ذهبت أخرى إلى أنه تعقيد للمشهد اليمني المعقد.
ولا تزال واشنطن تعتقد بالعبارة الكلاسيكية: «لا يوجد حل عسكري للصراع». لكن المتحدث نفسه وصم سلوك الحوثيين بعدم الجدية في السلام.
في وقت متأخر من يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تلقت «الشرق الأوسط» أجوبة المتحدث باسم الخارجية الأميركية عبر البريد الإلكتروني، وكانت الأسئلة تحوم حول الجدل الذي وصفته وسائل إعلام أميركية بأنه محتدم في أوساط وزارة الخارجية الأميركية، وهو تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية.
في اليوم التالي نقلت «رويترز» عن الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي قوله: «سيكون من المناسب تماما تصنيف الولايات المتحدة جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن على أنها منظمة إرهابية أجنبية»، مضيفا: «الجميع يعلمون أن قدرا كبيرا من أسلحة الحوثيين وأن جزءا كبيرا من آيديولوجيتهم يأتي من إيران، لذلك فهي بالتأكيد منظمة إرهابية مدعومة من الخارج».
وقالت الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تناقش علنا «المداولات بشأن التصنيفات أو التصنيفات المحتملة المتعلقة بالإرهاب». بيد أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية تحدثوا عن ذلك.
يوم الأربعاء 11 نوفمبر الحالي، عقد المبعوث الأميركي الخاص لشؤون فنزويلا وإيران إليوت أبرامز اجتماعاً مع الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي في الرياض.
ونشرت «الشرق الأوسط» في اليوم التالي تصريحاً للمبعوث قال فيه إن «تصنيف الحوثيين ميليشيا إرهابية موضوع تحت النقاش في واشنطن، إذ ترتبط المسألة بنقاشات سياسية وقانونية».
وقبل الشروع في نقاش مسألة التصنيف تجدر الإشارة إلى ما أضافه المتحدث باسم الخارجية الأميركية. إذ أوضح أن «الولايات المتحدة تواصل دعم جهود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث وجيران اليمن «في جهودهم من أجل جلب الأطراف المتصارعة إلى توافق سياسي... لا شك أن الحلّ الدائم سيتطلب تنازلا من جميع الأطراف»، متابعا «تتركّز جهودنا على دعم اتفاق سياسي شامل ينهي الصراع، ويضع حلاً للوضع الإنساني المتردي».
وتشدد واشنطن على أن «تقديم إيران للمساعدات المميتة للحوثيين يؤجج الصراع، ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن»، يقول المتحدث: «نحن نؤمن بقوة بأن الحوثيين بحاجة إلى تغيير سلوكهم والتوقف عن مفاقمة الأزمة الإنسانية في اليمن. وعليهم أن يوقفوا الاعتقال التعسفي للأشخاص ومهاجمة السكان المدنيين والبنية التحتية والشحن، وأيضاً التوقف عن العمل مع الحرس الثوري الإيراني، الذي صنّفناه باعتباره منظمة إرهابية أجنبية». وأكمل قائلا: «في الشهر الماضي، هرّب النظام الإيراني حسن إيرلو، العضو في الحرس الثوري الإيراني إلى صنعاء، ويطلق على نفسه الآن لقب (السفير)... هذه الأعمال جميعها تدلّ على أن الحوثيين ليسوا جادّين في البحث عن حلّ سياسي من أجل إحلال السلام في اليمن».
وتطالب الولايات المتحدة إيران وفقاً للمتحدث «بوقف تهريب الأسلحة للحوثيين، الذي يشكّل مخالفة لقرارات مجلس الأمن الدولي ووقف تمكين أعمال الحوثيين العدوانية ضد اليمن وجيرانه بما في ذلك السعودية».

سيناريوهات ومداولات
أجرت «الشرق الأوسط» حديثاً مع ناشطين يمنيين حول التصنيف، ورصدت سجالات نشرتها وسائل الإعلام الغربية حول نجاعة التصنيف.
برز سيناريوهان. الأول يذهب إلى أن ذلك سيعطل عمل الوكالات الإغاثية الدولية إنسانياً، ويعقد المشهد المعقد سياسياً. الثاني يرى في التصنيف ورقة ضغط على الحوثيين سياسياً، وهناك استثناءات ستحول دون عرقلة العمل الإنساني.
نقلت «واشنطن بوست» عن بيتر سالزبيري كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية قوله بأنه إذا تم التعجيل بالتنصيف «فقد نشهد تجفيف التجارة والتدفقات المالية في جميع أنحاء اليمن، وتفجير العملية الدبلوماسية، وسيقرر الحوثيون أنهم بحاجة إلى الرد من خلال زيادة وتيرة الهجمات على السعودية مع اللجوء إلى إيران للحصول على مزيد من الدعم».
وفي تعقيبه على تلك السردية، يقول البراء شيبان الباحث السياسي اليمني: «لو تأملنا في السنة الأخيرة لرصدنا أن الحوثيين في الأصل رفعوا من حدة تصعيد هجماتهم التي تستهدف السعودية، في المقابل الغارات الجوية الهجومية للتحالف خفت بشكل ملحوظ...» الباحثون لم يستوعبوا كيف يفكر الحوثيون.
ويرى شيبان أن «المجتمع الدولي وفي ظل هذه الظروف لا يملك أوراق ضغط حقيقية على الجماعة»، فلا يوجد من يضطرها إلى التنازل من الناحية الأمنية أو العسكرية، أو حتى أن تقدم خطوات جدية نحو السلام، لأنها لا تشعر أن المجتمع الدولي يملك ضدها شيئا، والوقائع أثبتت ذلك في الحديدة، حين رفضت الميليشيات نزع الألغام التي زرعتها، ورفضت محادثات فك الحصار عن محافظة تعز، لم تستطع الأمم المتحدة بكل هيئاتها أو مؤسساتها أن تقنع الحوثيين حتى بالتوقف عن مسألة تجنيد الأطفال، والآن هناك انهيار مالي كبير بسبب سطوة الجماعة على البنوك في صنعاء وغيرها.
يكمل شيبان: «أعتقد أن الأفكار التي تتداولها الأمم المتحدة منذ فترة حالمة، والكلام على الورق جميل، لكن أثبتت الوقائع أنه لا يمكن تنفيذه على الأرض، أبرز مثال هو أن كل الخطط الأمنية والعسكرية التي تم الاتفاق عليها فشلت بما فيها دعوات التهدئة ووقف إطلاق النار، والسبب الرئيسي عدم وجود ورقة الضغط».
في المقابل يقول خلدون باكحيل وهو ناشط سياسي يمني: «كناشط ومهتم بقضايا السلام والأمن الإقليمي بالمنطقة أعتقد أن إضافة أي تعقيدات على ديناميكية الصراع باليمن والمنطقة لن تضيف إلا أعباء باهظة الأثر على المشهد المعقد سلفا بالمنطقة، ولعل الأخبار المتواترة حول نوايا أطراف بالإدارة الأميركية بتصنيف حركة أنصار الله المعروفة (بالحوثيين) كتنظيم إرهابي سيكون قراراً بدفن أي آمال للتسوية السياسية في الأمد المنظور، وستجهض عملية السلام باليمن بقيادة الأمم المتحدة وتنفيذ القرار الأممي 2216، وسيؤدي إلى مآلات اقتصادية وإنسانية مدمرة».

مآلات التصنيف
«كمواطن يمني يحزنني قيام أي دولة بتسمية أي طرف يمني كتنظيم إرهابي ومساواته على غرار (القاعدة) و(داعش) والجماعات التكفيرية، فهذا أمر مجاف للموضوعية والحقيقة، ولا يخدم بلادي» يقول باكحيل، ويضيف «ما آمله كمواطن يمني من الأصدقاء في الولايات المتحدة هو دعم جهود المبعوث الأممي وقنوات الحوار والتفاوض والتهدئة وبناء الثقة وتوقيع الإعلان المشترك لوقف إطلاق النار».
من ناحيته أجاب البراء شيبان بالقول إن «تصنيف الجماعة كجماعة إرهابية وهي بطبيعة الحال تستوفي كل الشروط التي تستوجب تصنيفها إرهابية مثلها مثل (طالبان)؛ سيسمح للمجتمع الدولي أن يحاورها من منطلق قوة، وأن يكون في المستقبل تقديم خيار إزالة اسم الجماعة من قائمة الإرهاب عامل ضغط. إذا سمحت بتشكيل حكومة جديدة وتقدمت بشكل جدي نحو السلام... كل هذه الخطوات أوراق يمكن أن تفاوض عليها الأمم المتحدة، ومن هذا المنطلق أعتقد أنها خطوة في الاتجاه الصحيح».
واستدل الباحث اليمني بسياسة الضغط القصوى التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران. إذ قال: «لقد ساهمت في عدم خوض طهران أي مغامرات جديدة في المنطقة». وعلل ذلك بأن «الإدارة الأميركية في واشنطن لديها رادع كبير أمام إيران».
وذهب شيبان إلى أن الأمم المتحدة بإمكانها الاستفادة من هذه الخطوة وعليها ألا تقع في الخطأ نفسه مرتين. «لقد ناشدنا الأمم المتحدة في يونيو (حزيران) 2014 قبل سقوط صنعاء بأن تصنف قيادات الحوثيين في قوائم العقوبات، ولكنها تأخرت في حينها والنتيجة سقطت صنعاء، وعندما أدرجت الأمم المتحدة عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين وعبد الخالق الحوثي كان الوقت متأخرا، لا يجب تكرار الخطأ هذا مرة أخرى، خصوصا أننا نرى أن الجماعة توسع نطاق عملياتها العسكرية وتصعّد استهدافها للسعودية، والإشكالية هنا تكمن في ضرورة التحرك السريع، لا يمكن أن ننتظر حتى تتحول الجماعة إلى تهديد وخطر أكبر على الأمن الدولي والإقليمي ثم يصحو العالم على كارثة ويصنفها جماعة إرهابية، ولكن سيكون ذلك الوقت متأخرا أيضا».
وأكمل شيبان: «الحوثيون لم يستهدفوا السعودية بشكل أوسع ليس لأنهم لا يريدون ذلك، لكن السبب لأنهم لا يملكون القدرة الكافية على شن هجمات كبيرة. وهنا تكمن المشكلة في فهم جماعة الحوثي. فالحوثيون عندما يقال إنهم لم يهاجموا أميركا أو إسرائيل فهذا يحصل لأنهم لا يستطيعون فعل ذلك، وليس لأنهم لا يريدون... عندما تمكنت الجماعة من الأقليات مثل البهائيين واليهود في اليمن هم أول من تضرر من الحوثيين»، جازما بأن «هذا سبب كفيل بتصنيفهم إرهابيين، لإعادتهم صوب المحادثات والالتزامات».


مقالات ذات صلة

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

وكانت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود قد انتهت في وقت سابق من هذا العام، في حين أعلنت حكومته في مايو (أيار) «فترة انتقالية» رغم وجود اتفاق مع المعارضة على إجراء الانتخابات.

وسعى حسن شيخ محمود إلى تحويل الصومال نحو نظام انتخابات ديمقراطية، بديلاً عن النظام القائم على شيوخ العشائر، إلا أن مساعيه قوبلت بمعارضة من قادة الأقاليم، معتبرين أنها محاولة للاستحواذ على السلطة.

وفي ظل سيطرة «حركة الشباب» المتمردة على أجزاء واسعة من البلاد، لم يُحرَز سوى تقدم محدود في تنظيم الانتخابات خارج عدد قليل من المناطق المحلية. غير أن لجنة الانتخابات أعلنت في بيان أن الانتخابات البرلمانية ستُجرى في 15 أبريل (نيسان) 2027، على أن تليها انتخابات رئاسية مقررة في 15 مايو.

وقالت إن الانتخابات الرئاسية ستُجرى وفقاً لقانون «ينص على أن مدة ولاية الرئيس هي خمس سنوات، تبدأ بتاريخ أداء الرئيس اليمين لتولي المنصب».

وتولى حسن شيخ محمود السلطة عام 2022، لكنه يعتبر أنه مُنح عاماً إضافياً في الرئاسة بعد إقرار البرلمان في وقت سابق من هذا العام تعديلاً دستورياً وضع إطاراً للانتخابات، ومدّد الاستحقاق الانتخابي. وقاطعت أحزاب المعارضة ذلك التصويت ورفضت التعديلات.


هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
TT

هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

شنَّت الميليشيا الحوثية، الخميس، هجوماً بالصواريخ على محيط قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من الحراسة الرئاسية وإصابة آخرين، ووقوع أضرار مادية في المنشأة.

وبينما أقرَّت الجماعة بتنفيذ الهجوم، أكدت وزارة الإعلام اليمنية سلامة رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة، مشيرة إلى أنهم لم يعودوا يعقدون اجتماعاتهم داخل القصر بصفة دائمة تحسباً لهذه الهجمات.

واطمأن رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، في اتصالات هاتفية، على سلامة عضوي مجلس القيادة الفريق الركن عبد الرحمن المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وأعضاء الحكومة، عقب الهجوم الإرهابي، حيث استمع إلى تقرير أولي بشأن آثاره، والإجراءات المتخذة للتعامل مع تداعياته.

وأكد العليمي أن الهجوم الحوثي على القصر يمثل امتداداً لنهج الميليشيات في الاعتداء على المطارات والمنشآت النفطية والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، وتهديد أمن المنطقة وممراتها المائية، ويكشف مجدداً عن الطبيعة الإرهابية للحوثيين، وعجزهم عن مواجهة إرادة اليمنيين في استعادة المؤسسات الوطنية.

وشدَّد الرئيس على أن الدولة ستواصل أداء مسؤولياتها الدستورية بكل حزم، وأن حماية منشآتها السيادية، ومواطنيها مسؤولية لا تقبل المساومة، مُوجِّهاً الجهات العسكرية والأمنية المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة والتصدي للتهديدات الإرهابية، والرد المناسب على مصادر التهديد، وفقاً للقانون وبما يكفل حماية المدنيين والأعيان المدنية.

العليمي اطمأن هاتفياً على المحرمي والصبيحي والزنداني وأعضاء الحكومة عقب الهجوم (سبأ)

بدوره، أكد مجلس الوزراء أن الاعتداء على قصر معاشيق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يكشف عن النهج الإرهابي للحوثيين وإمعانهم في استهداف المدنيين، مشدداً على أنه لن يثني الحكومة عن أداء مسؤولياتها، وواجباتها تجاه المواطنين، ومواصلة معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب التي تمضي بها عملية «فجر اليمن».

وأوضح المجلس، في بيان، أن هذا الاستهداف يأتي في سياق نمط متصاعد من الإرهاب الحوثي الذي لم يقتصر على استهداف مؤسسات الدولة، بل امتد إلى الاعتداءات على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية في السعودية، وقصف الأحياء السكنية بمحافظتي تعز ولحج، بما يعرض حياة المدنيين للخطر ويضاعف معاناتهم.

ونوَّه البيان إلى أن الحوثيين يمثلون تهديداً مباشراً لأمن اليمن وجواره، وللاستقرار الإقليمي والمصالح الحيوية في المنطقة، مضيفاً: «لن يكون مستقبل اليمن رهناً لميليشيا تحمل السلاح في وجه شعبها، وتستهدف أمن جيرانها، وتراهن على العنف لتعويض رفض اليمنيين لمشروعها الانقلابي».

ودعا المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف واضح وحازم إزاء هذه الاعتداءات، وعدم التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة عن سياقها، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.

وأشار البيان إلى مُضي الحكومة في أداء واجباتها، ومساندة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية والمقاومة الشعبية في معركة استعادة سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها وخدماتها، وحماية المواطنين، بالتوازي مع مواصلة الجهود السياسية والاقتصادية والإنسانية اللازمة لتخفيف معاناة الشعب اليمني.


نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
TT

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

تزداد المخاوف في ظل تصاعد أعداد النازحين الجدد في اليمن مع استمرار الحوثيين في استهداف التجمعات السكنية بمدينة تعز وأريافها، في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بفعل ارتفاع الإصابات المشتبه بها بالكوليرا، وتراجع قدرة المرافق الصحية على تلبية الاحتياجات المتنامية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات إلى مناطق النزوح.

وتتداخل تداعيات القتال مع المخاطر الصحية التي تلاحق الفارين من منازلهم، إذ لا تنتهي معاناة الأسر بمغادرة مناطق المواجهات، بل تبدأ رحلة أخرى لتأمين المأوى والمياه النظيفة والرعاية الطبية، في ظل اكتظاظ مواقع النزوح ومحدودية الخدمات الأساسية.

وتحذر البيانات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية في تعز، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، قد يدفع مزيداً من السكان إلى الفرار، بينما تزداد المخاطر الناجمة عن انتشار الأمراض في بيئات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع إجمالي حالات الكوليرا المشتبه بها والمبلّغ عنها في اليمن خلال عام 2026 إلى 8034 حالة، بينها 27 وفاة. وسُجّل نحو ربع الحالات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد القتال واستمرار نزوح السكان.

الحوثيون يواصلون استهداف التجمعات السكنية في تعز وأريافها (إعلام محلي)

وتتركز 92 في المائة من الحالات المبلّغ عنها في خمس محافظات هي أبين ولحج والضالع وتعز وعدن، وهي مناطق تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، ما يزيد الضغوط على الخدمات الصحية وشبكات المياه والإصحاح البيئي.

ولا تقتصر التداعيات الصحية على الأراضي اليمنية؛ إذ أبلغت السلطات الصحية في جيبوتي عن 44 حالة إسهال مائي حاد، ووفاة واحدة بين اللاجئين اليمنيين هناك، في مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية والصحية المرتبطة بحركة السكان.

وتحذر المنظمة من أن الاكتظاظ في مواقع النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، وتعطل الخدمات الصحية، عوامل تزيد احتمالات انتقال الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة، وغير ذلك من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً أن الإصابة بالمرض قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة عندما يتعذر الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على مياه آمنة، فيما تواجه الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها صعوبات في تحمل تكاليف العلاج وتأمين احتياجاتها اليومية.

تعز في صدارة النزوح

تظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بفعل التصعيد الحوثي بلغ 217 ألفاً و303 أشخاص حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتستضيف محافظة تعز 55 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنحو 45 ألفاً و390 نازحاً، ثم عدن بـ26 ألفاً و112 شخصاً.

وفي تعز، تعد مديريات جبل حبشي والمعافر والشمايتين من أكثر المناطق استضافة للنازحين، بأعداد بلغت، على التوالي، 32 ألفاً و346، و31 ألفاً و230، و24 ألفاً و942 شخصاً. وشهدت هذه المديريات أيضاً بعضاً من أشد الأعمال العدائية خلال الأيام الأخيرة.

وتزداد صعوبة الاستجابة الإنسانية مع تعذر الوصول إلى معظم مواقع النزوح في تعز بسبب استمرار الصراع، الأمر الذي يضع أعداداً كبيرة من الأسر أمام احتمالات نقص المساعدات والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الناجمة عن النزوح وتفشي الأمراض.

الفارون من هجمات الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية ما ساعد على تفشي الأمراض المعدية (إعلام محلي)

وتحذر منظمة الصحة العالمية كذلك من الضغط المتنامي على المرافق الطبية التي تستقبل آلاف المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن نحو 500 مرفق صحي في تسع محافظات متضررة من تصاعد النزاع يفتقر إلى دعم الشركاء.

ويعني استمرار هذا النقص أن قدرة النظام الصحي على التعامل مع الإصابات الناجمة عن القتال والأمراض المعدية تواجه تحديات متزامنة، في وقت تحتاج فيه مناطق النزوح إلى استجابة تجمع بين توفير الخدمات العلاجية والمياه النظيفة وتحسين الظروف الصحية في أماكن الإيواء.