تصنيف واشنطن الحوثيين جماعة إرهابية... ورقة ضغط أم تعقيد المعقّد؟

متحدث باسم الخارجية الأميركية وصف أسلوب الجماعة بـ «غير الجدي»... وحضها على تغيير سلوكها

صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)
صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)
TT

تصنيف واشنطن الحوثيين جماعة إرهابية... ورقة ضغط أم تعقيد المعقّد؟

صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)
صواريخ باليستية دمرها تحالف دعم {الشرعية} معروضة في مؤتمر صحافي للمتحدث باسمه العميد الركن تركي المالكي في يوليو الماضي (غيتي)

يجزم متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية بأن سياسة واشنطن حول اليمن لم تتغير أهدافها، وقال: «إنها ثابتة»، واختزلها في «العمل مع شركائنا الدوليين لتحقيق السلام والازدهار والأمن في اليمن».
يتزامن ذلك مع سجال يمني برز بعد تواتر الأنباء حول عزم واشنطن تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، إذ اعتبرته أطراف ورقة ضغط جيدة فيما ذهبت أخرى إلى أنه تعقيد للمشهد اليمني المعقد.
ولا تزال واشنطن تعتقد بالعبارة الكلاسيكية: «لا يوجد حل عسكري للصراع». لكن المتحدث نفسه وصم سلوك الحوثيين بعدم الجدية في السلام.
في وقت متأخر من يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تلقت «الشرق الأوسط» أجوبة المتحدث باسم الخارجية الأميركية عبر البريد الإلكتروني، وكانت الأسئلة تحوم حول الجدل الذي وصفته وسائل إعلام أميركية بأنه محتدم في أوساط وزارة الخارجية الأميركية، وهو تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية.
في اليوم التالي نقلت «رويترز» عن الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي قوله: «سيكون من المناسب تماما تصنيف الولايات المتحدة جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن على أنها منظمة إرهابية أجنبية»، مضيفا: «الجميع يعلمون أن قدرا كبيرا من أسلحة الحوثيين وأن جزءا كبيرا من آيديولوجيتهم يأتي من إيران، لذلك فهي بالتأكيد منظمة إرهابية مدعومة من الخارج».
وقالت الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تناقش علنا «المداولات بشأن التصنيفات أو التصنيفات المحتملة المتعلقة بالإرهاب». بيد أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية تحدثوا عن ذلك.
يوم الأربعاء 11 نوفمبر الحالي، عقد المبعوث الأميركي الخاص لشؤون فنزويلا وإيران إليوت أبرامز اجتماعاً مع الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي في الرياض.
ونشرت «الشرق الأوسط» في اليوم التالي تصريحاً للمبعوث قال فيه إن «تصنيف الحوثيين ميليشيا إرهابية موضوع تحت النقاش في واشنطن، إذ ترتبط المسألة بنقاشات سياسية وقانونية».
وقبل الشروع في نقاش مسألة التصنيف تجدر الإشارة إلى ما أضافه المتحدث باسم الخارجية الأميركية. إذ أوضح أن «الولايات المتحدة تواصل دعم جهود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث وجيران اليمن «في جهودهم من أجل جلب الأطراف المتصارعة إلى توافق سياسي... لا شك أن الحلّ الدائم سيتطلب تنازلا من جميع الأطراف»، متابعا «تتركّز جهودنا على دعم اتفاق سياسي شامل ينهي الصراع، ويضع حلاً للوضع الإنساني المتردي».
وتشدد واشنطن على أن «تقديم إيران للمساعدات المميتة للحوثيين يؤجج الصراع، ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن»، يقول المتحدث: «نحن نؤمن بقوة بأن الحوثيين بحاجة إلى تغيير سلوكهم والتوقف عن مفاقمة الأزمة الإنسانية في اليمن. وعليهم أن يوقفوا الاعتقال التعسفي للأشخاص ومهاجمة السكان المدنيين والبنية التحتية والشحن، وأيضاً التوقف عن العمل مع الحرس الثوري الإيراني، الذي صنّفناه باعتباره منظمة إرهابية أجنبية». وأكمل قائلا: «في الشهر الماضي، هرّب النظام الإيراني حسن إيرلو، العضو في الحرس الثوري الإيراني إلى صنعاء، ويطلق على نفسه الآن لقب (السفير)... هذه الأعمال جميعها تدلّ على أن الحوثيين ليسوا جادّين في البحث عن حلّ سياسي من أجل إحلال السلام في اليمن».
وتطالب الولايات المتحدة إيران وفقاً للمتحدث «بوقف تهريب الأسلحة للحوثيين، الذي يشكّل مخالفة لقرارات مجلس الأمن الدولي ووقف تمكين أعمال الحوثيين العدوانية ضد اليمن وجيرانه بما في ذلك السعودية».

سيناريوهات ومداولات
أجرت «الشرق الأوسط» حديثاً مع ناشطين يمنيين حول التصنيف، ورصدت سجالات نشرتها وسائل الإعلام الغربية حول نجاعة التصنيف.
برز سيناريوهان. الأول يذهب إلى أن ذلك سيعطل عمل الوكالات الإغاثية الدولية إنسانياً، ويعقد المشهد المعقد سياسياً. الثاني يرى في التصنيف ورقة ضغط على الحوثيين سياسياً، وهناك استثناءات ستحول دون عرقلة العمل الإنساني.
نقلت «واشنطن بوست» عن بيتر سالزبيري كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية قوله بأنه إذا تم التعجيل بالتنصيف «فقد نشهد تجفيف التجارة والتدفقات المالية في جميع أنحاء اليمن، وتفجير العملية الدبلوماسية، وسيقرر الحوثيون أنهم بحاجة إلى الرد من خلال زيادة وتيرة الهجمات على السعودية مع اللجوء إلى إيران للحصول على مزيد من الدعم».
وفي تعقيبه على تلك السردية، يقول البراء شيبان الباحث السياسي اليمني: «لو تأملنا في السنة الأخيرة لرصدنا أن الحوثيين في الأصل رفعوا من حدة تصعيد هجماتهم التي تستهدف السعودية، في المقابل الغارات الجوية الهجومية للتحالف خفت بشكل ملحوظ...» الباحثون لم يستوعبوا كيف يفكر الحوثيون.
ويرى شيبان أن «المجتمع الدولي وفي ظل هذه الظروف لا يملك أوراق ضغط حقيقية على الجماعة»، فلا يوجد من يضطرها إلى التنازل من الناحية الأمنية أو العسكرية، أو حتى أن تقدم خطوات جدية نحو السلام، لأنها لا تشعر أن المجتمع الدولي يملك ضدها شيئا، والوقائع أثبتت ذلك في الحديدة، حين رفضت الميليشيات نزع الألغام التي زرعتها، ورفضت محادثات فك الحصار عن محافظة تعز، لم تستطع الأمم المتحدة بكل هيئاتها أو مؤسساتها أن تقنع الحوثيين حتى بالتوقف عن مسألة تجنيد الأطفال، والآن هناك انهيار مالي كبير بسبب سطوة الجماعة على البنوك في صنعاء وغيرها.
يكمل شيبان: «أعتقد أن الأفكار التي تتداولها الأمم المتحدة منذ فترة حالمة، والكلام على الورق جميل، لكن أثبتت الوقائع أنه لا يمكن تنفيذه على الأرض، أبرز مثال هو أن كل الخطط الأمنية والعسكرية التي تم الاتفاق عليها فشلت بما فيها دعوات التهدئة ووقف إطلاق النار، والسبب الرئيسي عدم وجود ورقة الضغط».
في المقابل يقول خلدون باكحيل وهو ناشط سياسي يمني: «كناشط ومهتم بقضايا السلام والأمن الإقليمي بالمنطقة أعتقد أن إضافة أي تعقيدات على ديناميكية الصراع باليمن والمنطقة لن تضيف إلا أعباء باهظة الأثر على المشهد المعقد سلفا بالمنطقة، ولعل الأخبار المتواترة حول نوايا أطراف بالإدارة الأميركية بتصنيف حركة أنصار الله المعروفة (بالحوثيين) كتنظيم إرهابي سيكون قراراً بدفن أي آمال للتسوية السياسية في الأمد المنظور، وستجهض عملية السلام باليمن بقيادة الأمم المتحدة وتنفيذ القرار الأممي 2216، وسيؤدي إلى مآلات اقتصادية وإنسانية مدمرة».

مآلات التصنيف
«كمواطن يمني يحزنني قيام أي دولة بتسمية أي طرف يمني كتنظيم إرهابي ومساواته على غرار (القاعدة) و(داعش) والجماعات التكفيرية، فهذا أمر مجاف للموضوعية والحقيقة، ولا يخدم بلادي» يقول باكحيل، ويضيف «ما آمله كمواطن يمني من الأصدقاء في الولايات المتحدة هو دعم جهود المبعوث الأممي وقنوات الحوار والتفاوض والتهدئة وبناء الثقة وتوقيع الإعلان المشترك لوقف إطلاق النار».
من ناحيته أجاب البراء شيبان بالقول إن «تصنيف الجماعة كجماعة إرهابية وهي بطبيعة الحال تستوفي كل الشروط التي تستوجب تصنيفها إرهابية مثلها مثل (طالبان)؛ سيسمح للمجتمع الدولي أن يحاورها من منطلق قوة، وأن يكون في المستقبل تقديم خيار إزالة اسم الجماعة من قائمة الإرهاب عامل ضغط. إذا سمحت بتشكيل حكومة جديدة وتقدمت بشكل جدي نحو السلام... كل هذه الخطوات أوراق يمكن أن تفاوض عليها الأمم المتحدة، ومن هذا المنطلق أعتقد أنها خطوة في الاتجاه الصحيح».
واستدل الباحث اليمني بسياسة الضغط القصوى التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران. إذ قال: «لقد ساهمت في عدم خوض طهران أي مغامرات جديدة في المنطقة». وعلل ذلك بأن «الإدارة الأميركية في واشنطن لديها رادع كبير أمام إيران».
وذهب شيبان إلى أن الأمم المتحدة بإمكانها الاستفادة من هذه الخطوة وعليها ألا تقع في الخطأ نفسه مرتين. «لقد ناشدنا الأمم المتحدة في يونيو (حزيران) 2014 قبل سقوط صنعاء بأن تصنف قيادات الحوثيين في قوائم العقوبات، ولكنها تأخرت في حينها والنتيجة سقطت صنعاء، وعندما أدرجت الأمم المتحدة عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين وعبد الخالق الحوثي كان الوقت متأخرا، لا يجب تكرار الخطأ هذا مرة أخرى، خصوصا أننا نرى أن الجماعة توسع نطاق عملياتها العسكرية وتصعّد استهدافها للسعودية، والإشكالية هنا تكمن في ضرورة التحرك السريع، لا يمكن أن ننتظر حتى تتحول الجماعة إلى تهديد وخطر أكبر على الأمن الدولي والإقليمي ثم يصحو العالم على كارثة ويصنفها جماعة إرهابية، ولكن سيكون ذلك الوقت متأخرا أيضا».
وأكمل شيبان: «الحوثيون لم يستهدفوا السعودية بشكل أوسع ليس لأنهم لا يريدون ذلك، لكن السبب لأنهم لا يملكون القدرة الكافية على شن هجمات كبيرة. وهنا تكمن المشكلة في فهم جماعة الحوثي. فالحوثيون عندما يقال إنهم لم يهاجموا أميركا أو إسرائيل فهذا يحصل لأنهم لا يستطيعون فعل ذلك، وليس لأنهم لا يريدون... عندما تمكنت الجماعة من الأقليات مثل البهائيين واليهود في اليمن هم أول من تضرر من الحوثيين»، جازما بأن «هذا سبب كفيل بتصنيفهم إرهابيين، لإعادتهم صوب المحادثات والالتزامات».


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.