نظم استشعار مطوّرة لرصد جودة الهواء وخزن الطاقة

أبحاث «كاوست» في علوم المواد تسهم في تقديم حلول للمشكلات المعاصرة

يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية
يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية
TT

نظم استشعار مطوّرة لرصد جودة الهواء وخزن الطاقة

يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية
يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية

شهدت المراكز البحثية العالمية ومن ضمنها جامعة «كاوست» زيادة هائلة في إنتاج البحوث في مجال الهياكل المعدنية العضوية ذات التأثير على الاقتصاد الوطني والعالمي.
وفي إطار خطة المملكة العربية السعودية لتنويع اقتصادها، بعيدًا عن مجال صناعة النفط وبهدف خلق اقتصاد معرفي شهد المجال البحثي في السعودية أيضا تحولا كبيرا، إثر تأسيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) البحثية للدراسات العليا على شاطئ البحر الأحمر في عام 2009. وتعمل الجامعة على تعظيم مساهماتها في تحقيق رؤية المملكة 2030 والتركيز بصورة خاصة على أبحاث استراتيجية ذات أهمية عالمية، خاصةً في مجالات الطاقة، الغذاء، الماء والبيئة.
تطبيقات واعدة
ويجتهد علماء «كاوست» للبقاء في الطليعة في مختلف التخصصات ومن ضمنها مجال علوم «المواد أو الأطر أو الهياكل المعدنية العضوية» والتي تعد من مجالات الكيمياء المتقدمة في القرن الحادي والعشرين لما لها من تطبيقات واعدة في تخزين الطاقة واحتجاز ثاني أكسيد الكربون وفصل الغازات وبالتالي الإسهام في مواجهة تحديات التدهور البيئي.
وحينما نتحدث عن «الأطر المعدنية العضوية» فإننا نتحدث عن بلورات مسامية، تم اختراعها في أوائل التسعينات، وهي مواد تتميز بوجود مسام في هيكلها. تلك المسام ذات أبعاد كافية لتسمح باستضافة جزيئات أخرى وانتشارها عبرها. ويمكن للباحثين من خلال تغيير المعادن والروابط العضوية أن يتحكموا بدقة في شكل منظومة المسامات الميكروية في المادة، وحجمها، ووظائفها، والتي تؤثر بدورها على قدرة المادة على امتزاز بعض الجزيئات. وتسمح هذه الخصائص الفريدة للأطر المعدنية العضوية بحدوث تغيير كيميائي للتركيبة الداخلية بحيث يمكن استخدامها في فصل وتخزين الغاز والتحفيز الكيميائي والتطبيقات الطبية الحيوية.
وتمتاز المواد التي طورها باحثو «كاوست» بقيادة البروفسور محمد الداودي من قسم العلوم والهندسة، بإمكانية تحسين أبحاث الطاقة الخضراء خاصةً أن لديهم سجلا طويلا حافلا بالإنجازات شمل ثلاثة من مراكز أبحاث الجامعة، والمختبرات المركزية، بالإضافة إلى شركاء في الصين والمملكة المتحدة. وفيما يلي بعض أبرز الأبحاث والدراسات والابتكارات التي طورها علماء «كاوست» في مجال «الأطر المعدنية العضوية» خلال السنوات القليلة الماضية.
مواد متعددة الاستخدامات
أحدث الأبحاث التي أجراها الباحثون في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تمثل في تطوير طريقة رائدة لتخليق العيوب في الأطر المعدنية العضوية وتصويرها والتحقيق في تأثيرها الكيميائي باستخدام مجهر إلكتروني نافذ. ورغم الاعتقاد السائد فقد أثبت هؤلاء العلماء بأن البلورات المثالية ليست بالضرورة الأكثر نفعًا، فالعيوب الموجودة في البناء البلوري المرتب للأطر المعدنية العضوية يمكن استغلالها في تكييف تلك المواد متعددة الاستخدامات، للاستعانة بها في تطبيقات محددة.
وسيمكن تخليق عيوب محددة في الأطر المعدنية العضوية باستخدام المعالجة الكيميائية ومراقبة كيفية تطور أنماطها من إجراء ضبط دقيق لها، بهدف تعديل خصائصها الكيميائية، كما سيأخذ هذا المجال إلى مستويات غير مسبوقة من التحكم.
ويمكن أن يخلق تغيير أنواع المعادن بهذه المجموعات المعدنية، وكذا تغيير بنية الروابط بينها، تنوعًا هائلًا في الأطر المعدنية العضوية من ناحية تفاوت شبكة المسام واختلاف الخصائص الكيميائية.
ويتمثل اثنان من التطبيقات الرئيسية الممكنة للأطر المعدنية العضوية في استخدامها كعوامل محفزة، وكمواد امتزاز وفصل للغازات على نحو شديد الانتقائية.
وعن آخر ما توصل إليه الباحثون في مجال الأطر المعدنية العضوية، يقول البروفسور يو هان، أستاذ علوم الكيمياء في «كاوست»: «أكبر مفاجأة نكشف عنها أن هناك عيوبًا متنوعة في جميع الأطر المعدنية العضوية تقريبًا، حتى تلك التي كانت تعد مثالية في السابق».
ويوضح هان أن التحقيق في أمر العيوب يمثل تحديًا لأن بلورات الأطر المعدنية العضوية تكون هشة ويمكن أن يتلفها بسهولة شعاع الإلكترونات المستخدم في المجهر الإلكتروني التقليدي.
وقد تغلب الفريق البحثي على هذه المشكلة باستخدام كاميرا العد الإلكتروني شديدة الحساسية، بالإضافة إلى طرق مصممة خصيصًا لتحليل الصور.
وباستخدام تلك الطريقة فائقة القدرة والدقة على النظر بعمق في الأطر المعدنية العضوية، كشف الباحثون عن نوعين من العيوب يمكن أن يوجدا معًا، بسبب الافتقار إلى مجموعات معدنية وروابط معينة.
كما استكشف الباحثون أيضًا كيفية تخليق العيوب في الأطر المعدنية العضوية باستخدام المعالجة الكيميائية ومراقبة كيفية تطور نمط العيوب. وهو ما يمكن من إجراء ضبط دقيق للعيوب بهدف تعديل الخصائص الكيميائية للأطر المعدنية العضوية.
وأثبت فريق «كاوست» قوة هذه الاستراتيجية باكتشاف أن أحد الأطر المعدنية العضوية - والذي يحتوي على عيب نقص المجموعات المعدنية - يكون أكثر نشاطًا من الناحية التحفيزية، مقارنة بالأطر المعدنية العضوية التي بها عيب الروابط المفقودة.

نظم استشعار مطورة
> ضبط جودة الهواء. تقدم آخر أحرزه باحثو «كاوست» في مواجهة أحد أبرز التحديات التي تواجه البشرية في هذا العصر وهو تلوث الهواء يجتهد العلماء في إيجاد حلول وتقنيات من أجل توفير جودة هواء عالية للعمل بأمان وفاعلية. وفي هذا الاتجاه نجح الباحثون في الجامعة في تطوير أجهزة استشعار إلكترونية ترصد في آن واحد ثلاثة عوامل محورية على الأقل بالغة الأهمية لمراقبة راحة الإنسان وسلامته وضمانهما خاصةً للعاملين في الأماكن المغلقة الصغيرة، بدايةً من رواد الفضاء وأفراد أطقم الغواصات وانتهاءً بعمال المناجم وعمال الإنقاذ.
وكان باحثو «كاوست» قد ابتكروا إطاراً معدنياً عضوياً يستطيع أن يراقب خصائصه بذاته يمكنه من امتصاص الرطوبة الزائدة في الغرفة ثم إطلاقها ثانيةً فقط عندما تنخفض الرطوبة.
يمكن للأطر المعدنية العضوية تلك التي طورها هؤلاء العلماء أن تنظم الأجواء ببراعة وتضبطها ضمن مستويات الرطوبة المريحة والصحية التي وضعتها الجمعية الأميركية لمهندسي التدفئة والتبريد والتكييف. كما يمكن استخدامها لتعديل مستويات الرطوبة في الأماكن المغلقة.
> رصد الغازات الضارة. وفي ذات الاتجاه طورت مجموعة بحثية أخرى في «كاوست» مادة مسامية ذات جيوب مصممة خصيصاً ومدمجة في بنيتها، وذات قدرة واعدة على استشعار الغازات الضارة.
ولصنع أداة استشعار إلكترونية يمكنها اكتشاف آثار غاز ثاني أكسيد الكبريت، قام الباحثون بطلاء طبقة رقيقة من تلك المادة على قطب كهربائي. وتعد أداة الاستشعار تلك خطوة مهمة نحو الوصول إلى أجهزة عملية تستطيع اكتشاف الغازات الخطرة في الهواء آنياً وفي الوقت الحقيقي.
> تنقية المواد البتروكيماوية. الإنجاز الآخر الذي حققه باحثو «كاوست» في أبحاث «الأطر المعدنية العضوية» تمثل في تطوير مواد مسامية تزيل البروبان (غاز ضار) من البروبيلين، وذلك لتحسين القدرة الإنتاجية للبوليبروبيلين. وجدير بالذكر فإن البوليبروبيلين يستخدم في ميادين صناعية عديدة تقدر بمليارات الدولارات، مثل حاويات المواد الغذائية والأثاث البلاستيكي، كما أن البروبيلين يعد المادة الخام الرئيسة في الصناعات البتروكيماوية.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»