إجراءات احترازية صحية في الحرم المكي مع زيادة تدفق المعتمرين

استقرار حالات «كورونا» النشطة في السعودية تحت عتبة 8 آلاف

تواصل الإجراءات الاحترازية الصحية في المسجد الحرام مع زيادة أعداد المعتمرين (واس)
تواصل الإجراءات الاحترازية الصحية في المسجد الحرام مع زيادة أعداد المعتمرين (واس)
TT

إجراءات احترازية صحية في الحرم المكي مع زيادة تدفق المعتمرين

تواصل الإجراءات الاحترازية الصحية في المسجد الحرام مع زيادة أعداد المعتمرين (واس)
تواصل الإجراءات الاحترازية الصحية في المسجد الحرام مع زيادة أعداد المعتمرين (واس)

استقرت الحالات القائمة والمصابة بفيروس كورونا الجديد (كوفيد - 19) في السعودية تحت عتبة ثمانية آلاف حالة، كمؤشر مطمئن على انضباط الإجراءات الاحترازية التي تقدمها الجهات المعنية، بالإضافة إلى متابعة تطبيق أفراد المجتمع للبرتوكولات الصحية، لا سيما في مواقع الزحام مثل المساجد والأسواق والمستشفيات.
وأعلنت وزارة الصحة السعودية رصد 7 آلاف و637 حالة نشطة لا تزال تتلقى الرعاية الطبية، مشيرة إلى أن الحالة الصحية لمعظم أصحابها مطمئنة، منها 787 حالة حرجة.
كما رُصد شفاء 402 حالة، ليصل عدد المتعافين إلى 337 ألفاً و788 حالة. في المقابل سُجلت 392 حالة مصابة جديدة ليصبح عدد الحالات المؤكدة في البلاد 350 ألفاً و984 حالة، فيما بلغ عدد الوفيات 5 آلاف و559 حالة، بإضافة 19 حالة وفاة جديدة.
من جهة أخرى، تواصلت الإجراءات الاحترازية الصحية في المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة، لحماية الزوار والمعتمرين من خارج السعودية وداخلها، ومنع انتشار الفيروس بين الزوار. وتتابع إدارة الساحات بالمسجد الحرام عمليات الإشراف على ساحات المسجد الحرام، وتنظيم الممرات، ومتابعة سير ضيوف الرحمن داخل وخارج المسجد الحرام، مع ضمان تطبيق الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي فيروس كورونا.
وأوضح أحمد العتيبي مدير إدارة الساحات بالحرم المكي، أن من بين مهام العاملين تطبيق الإجراءات الاحترازية، والتباعد بين المصلين حسب الملصقات على الأرضيات، وكذلك العمل على تسهيل وصول المصلين إلى الساحات داخل المسجد الحرام، بحيث يصل الجميع إلى أروقة المسجد الحرام وتوسعاته بكل يسر وسهولة.
وأضاف العتيبي، أنه في الحالات الطارئة يتطلب الأمر إخلاء الممرات وعدم السماح لأحد بالجلوس فيها، والتسبب في إغلاقها، وكذلك تمكين الفرق الإسعافية من الوصول إلى الحالات المرضية التي تحتاج إلى التدخل السريع، ولتفعيل ذلك تم تكثيف أعداد المراقبين فيها لضمان خلوها من كل ما يعوق حركة المصلين أثناء دخولهم إلى المسجد الحرام وخروجهم منه.
- الإمارات
من جهتها، أعلنت الإمارات تسجيل ألف و146 إصابة جديدة، ليبلغ الإجمالي 143 ألفاً و289 حالة، فيما أُعلن عن وفاة مصاب ليبلغ عدد الوفيات في البلاد 515 حالة. في المقابل رُصد شفاء 668 حالة جديدة، ليصل إجمالي حالات الشفاء إلى 138 ألفاً و959 حالة.
- عُمان
في سلطنة عمان، أُعلن عن تسجيل 363 حالة إصابة جديدة، ليرتفع الإجمالي إلى 118 ألفاً و503 حالات، فيما بلغت حالات الوفيات ألفاً و310 حالات. في المقابل تماثلت للشفاء 108 آلاف و968 حالة من أصل 118 ألفاً و503 حالات قائمة في البلاد.
- الكويت
في الكويت، أُعلن عن تسجيل 735 إصابة جديدة، ليرتفع الإجمالي إلى 132 ألفاً و478، في حين تم تسجيل خمس حالات وفاة، لترتفع حالات الوفاة إلى 816 حالة. وفيما يتعلق بحالات الشفاء، رُصد شفاء 738 إصابة، ليبلغ مجموع حالات الشفاء 123 ألفاً و314 حالة.
- البحرين
في المقابل، أعلنت البحرين تسجيل 192 إصابة جديدة، في الوقت نفسه أُعلن عن تماثل 237 حالة أخرى للشفاء، ليصل إجمالي الحالات المتعافية إلى 81 ألف حالة، فيما بلغ العدد الإجمالي للوفيات 329 حالة.
- قطر
على الصعيد ذاته، أعلنت قطر تسجيل 230 إصابة جديدة، لترتفع الحصيلة الإجمالية للجائحة إلى 134 ألفاً و433 إصابة، كما سُجلت 214 حالة شفاء، ليصل إجمالي حالات الشفاء إلى 131 ألفاً و490 حالة.


مقالات ذات صلة

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي. كانت الثقافة يومها نافذة يتعرف من خلالها الفرنسيون على تاريخ المملكة، فيما كانت الرياض تختبر مساحة جديدة للتعريف بتراثها خارج حدودها.

بعد أكثر من عقد ونصف، تغير المشهد؛ أصبحت الثقافة أحد المكونات الأساسية في العلاقة السعودية-الفرنسية، وتحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً لهذا التعاون، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين.

وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في وقت أصبحت فيه هذه المجالات جزءاً من الاقتصاد الجديد للمملكة، وليس مجرد نشاط ثقافي موازٍ للعلاقات السياسية.

العلا... عندما تصبح الثقافة مشروعاً اقتصادياً

في العلا تتقاطع الآثار مع السياحة، والهندسة مع البيئة، والفنون مع الاقتصاد، وقد وسعت الشراكة السعودية-الفرنسية في المحافظة نطاق التعاون ليشمل التخطيط الحضري، والتراث، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والتدريب، والفنون، لتقدم نموذجاً مختلفاً عن العلاقة التقليدية بين دولة مستثمرة وشركات أجنبية.

الرئيس الفرنسي مع وزير الثقافة السعودي خلال زيارته منطقة الحِجر في العُلا (واس)

فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية.

وهذا النوع من التعاون ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف «رؤية السعودية 2030» في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.

رحلة بدأت من اللوفر

لم تكن العلا البداية؛ في عام 2010 احتضن متحف اللوفر معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، في محطة عكست اهتماماً فرنسياً متزايداً بالتاريخ السعودي.

وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012.

متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل انتقلت فيه العلاقة الثقافية من التعريف بالمملكة إلى بناء مشاريع مشتركة داخل المملكة نفسها.

الثقافة تدخل الاقتصاد

التغير الأهم أن الثقافة لم تعد قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فالسياحة تحتاج إلى النقل، والضيافة، والتقنية، والمتاحف تحتاج إلى الهندسة، والتشغيل، والتعليم، والفعاليات الكبرى تحتاج إلى الرياضة، والإعلام، والخدمات الرقمية، ومن هنا أصبحت الثقافة جزءاً من منظومة اقتصادية متشابكة.

ويظهر ذلك في اتساع مجالات التعاون المحتملة بين البلدين لتشمل السياحة، والضيافة، والاقتصاد الإبداعي، والألعاب الإلكترونية، والرياضة، وهي قطاعات تتوافق مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

الرياضة... لغة جديدة للشراكة

وتمنح الرياضة العلاقة بعداً إضافياً، فاستضافة فرنسا لفعاليات مرتبطة بكأس العالم للرياضات الإلكترونية، بالتزامن مع زيارة ولي العهد، تقدم مثالاً على انتقال الرياضة من مساحة المنافسة إلى مساحة للتقارب الاقتصادي، والثقافي.

مجموعة من المحترفين يتسابقون للحصول على كأس العالم للألعاب الإلكترونية بالعاصمة السعودية 2024 (إكس التابع للبطولة)

والرياضة السعودية نفسها أصبحت صناعة عالمية تستقطب الاستثمارات، والمواهب، والفعاليات، بينما تمتلك فرنسا خبرة واسعة في تنظيم البطولات، والأحداث الكبرى.

وتتقاطع المصالح هنا كما تتقاطع في الثقافة والسياحة: السعودية توفر سوقاً، ومشروعات، ورأسمال متنامياً، وفرنسا توفر خبرة صناعية وتنظيمية وثقافية عريقة.

التعليم... الاستثمار الأقل ظهوراً والأطول أثراً

ولا يقتصر التبادل على المشروعات؛ فالتعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية في البلدين يفتح مساراً مختلفاً لنقل المعرفة، وبناء رأس المال البشري.

وتظهر أهمية هذا المسار في القطاعات التي تريد المملكة التوسع فيها، خصوصاً العلوم، والتقنية، والابتكار، والصحة، والهندسة.

فالمشروعات قد تُبنى خلال سنوات، لكن الكفاءات التي تديرها يمكن أن تصنع أثراً يمتد لعقود.

شراكة بين تجربتين

تختلف التجربة السعودية عن الفرنسية في كثير من التفاصيل، لكن هذا الاختلاف نفسه يخلق مساحة للتعاون.

فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً في الثقافة، والمتاحف، والفنون، والصناعات الإبداعية، فيما تعيش السعودية مرحلة تحول واسعة تعيد خلالها صياغة قطاعات الثقافة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

ولهذا لا تقوم الشراكة الجديدة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بل على مزج الخبرة الفرنسية بالمشروع السعودي الجديد.

وهذا ما يجعل الثقافة في العلاقات بين البلدين أكثر من «ملف ناعم»؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد جديد، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة مصالح مشتركة لا تتأثر بسهولة بتغير الملفات السياسية.

من الماضي إلى المستقبل

على مدى قرن تقريباً، مرت العلاقات السعودية-الفرنسية بمراحل متعددة؛ من التمثيل الدبلوماسي الأول، إلى اللقاء التاريخي بين الملك فيصل وديغول، ثم التوسع في الاقتصاد، والدفاع، وصولاً إلى رؤية جديدة للشراكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

واليوم لا تذهب الرياض إلى باريس للحديث فقط عن الماضي؛ بل عن مدينة مستقبلية، ومتحف جديد، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية وتقنية متقدمة، ومشروع طاقة، واستثمار طويل الأمد.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر سمات العلاقة السعودية-الفرنسية وضوحاً: إن الجسر الذي بدأ بالثقافة أصبح اليوم يحمل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا معه.


من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
TT

من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

تدخل العلاقات السعودية ـ الفرنسية مرحلة مختلفة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، باريس؛ إذ لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية التي طالما شكلت أساس العلاقة، بل باتت تتحرك على مساحة أوسع تجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة، وتضع تنفيذ المشروعات في صدارة المرحلة المقبلة.

وتحمل زيارة الدولة دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، كونها تأتي في توقيت يختبر فيه البلدان قدرة الشراكة التي جرى بناؤها خلال السنوات الماضية على الانتقال من مستوى التفاهمات والاتفاقات إلى مشروعات ذات أثر مباشر، في وقت تعيد فيه التحولات الاقتصادية السعودية رسم احتياجاتها من الشركاء الدوليين، فيما تبحث فرنسا عن موقع أكثر رسوخاً في مسار التحول الذي تشهده المملكة.

ويعكس انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي للمرة الأولى، خلال الزيارة، هذا التحول في طبيعة العلاقة؛ فالمجلس الذي أُنشئ في أعقاب زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السعودية نهاية 2024، صُمم ليكون إطاراً جامعاً للعلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية وغيرها، بما يمنح التعاون بين الرياض وباريس قناة مؤسسية على مستوى قيادتي البلدين.

شراكة تبحث عن «المشروع»

في السنوات السابقة، كان من السهل تعداد مجالات التعاون السعودي - الفرنسي: الطاقة، والدفاع، والطيران، والنقل، والثقافة والسياحة. أما المرحلة الجديدة فتبدو أكثر ارتباطاً بسؤال مختلف: ما الذي يمكن أن يبنيه البلدان معاً؟

وهنا تتقاطع أولويات «رؤية السعودية 2030» مع القدرات الصناعية والتقنية الفرنسية؛ فالسعودية توسع اقتصادها خارج القطاعات التقليدية، وتبحث عن تقنيات متقدمة وخبرات صناعية ونماذج استثمارية قادرة على دعم قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والصحة والسياحة والضيافة والطاقة الجديدة.

ولي العهد السعودي خلال لقاء سابق مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

في المقابل، تنظر الشركات الفرنسية إلى السوق السعودية باعتبارها واحدة من كبرى ساحات النمو الجديدة في العالم، لا مجرد سوق للمنتجات والخدمات. ويمنح حجم المشروعات السعودية وتنوعها، الشركات الفرنسية، فرصة للمشاركة في مراحل مختلفة من دورة المشروع؛ من التصميم والهندسة إلى التشغيل والتوطين ونقل المعرفة.

وتظهر الأرقام اتساع القاعدة الاقتصادية للعلاقة؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية إلى نحو 18.52 مليار دولار (69.45 مليار ريال) في 2024، مقارنة بنحو 7.49 مليار دولار (28.09 مليار ريال) في 2015، وفق البيانات الواردة في الدراسات الحديثة عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وخلال عقد واحد، بلغ إجمالي التجارة السعودية - الفرنسية نحو 93.04 مليار دولار (348.9 مليار ريال)، في مؤشر إلى أن العلاقة الاقتصادية أصبحت أكثر رسوخاً من كونها نتاجاً لصفقة أو مشروع منفرد.

الطاقة... العلاقة التي تتغير دون أن تنقطع

لسنوات طويلة، شكلت الطاقة أحد أكثر جسور العلاقة صلابة. إلا أن طبيعة هذا التعاون تتغير مع تحول قطاع الطاقة نفسه؛ فمن الشراكات الكبرى في التكرير والبتروكيماويات، وفي مقدمتها «ساتورب» بين «أرامكو السعودية» و«توتال إنرجيز»، تتجه أجندة التعاون إلى مجالات أوسع تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب المعادن الحيوية.

وهذا التحول يلتقي مع سعي الرياض إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، ومع رغبة باريس في توسيع حضور شركاتها في مشاريع التحول الصناعي والطاقة منخفضة الانبعاثات.

وبذلك لم تعد الطاقة في العلاقة السعودية - الفرنسية ملفاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من إعادة صياغة الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتقنيات التي ستخدم الاقتصادين خلال العقود المقبلة.

من المورد إلى الشريك

ينسحب التحول نفسه على التعاون الدفاعي؛ فالعلاقة التي قامت تاريخياً على التدريب والتسليح وتطوير القدرات العسكرية، تتحرك تدريجياً نحو مجالات أكثر ارتباطاً بالتوطين ونقل التقنية والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المحلية.

ويمنح توجه المملكة إلى توطين جزء أكبر من صناعاتها الدفاعية، الشراكات الدولية، معنى مختلفاً؛ فالمطلوب لم يعد فقط الحصول على منظومة أو منصة عسكرية، بل بناء قدرة محلية مستدامة حولها.

وهذا يفتح مجالاً أمام الشركات الفرنسية للمشاركة في منظومة أوسع تشمل التصنيع والخدمات الهندسية والتدريب والبحث والتطوير.

باريس بوابة أوروبية... والرياض مركز ثقل إقليمي

لا تنفصل الأجندة الاقتصادية عن السياق السياسي؛ فالسعودية تمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً متزايداً في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، بينما تتمتع فرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وحضور مؤثر داخل الاتحاد الأوروبي وقدرة على التحرك في ملفات المنطقة.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية - ديسمبر 2024 (رويترز)

ومن هنا اكتسب التنسيق بين الرياض وباريس أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا وأمن الملاحة.

وفي ظل اضطراب طرق التجارة والطاقة في المنطقة، تبرز كذلك أهمية البحث عن مسارات أكثر تنوعاً ومرونة لنقل الطاقة والسلع بين الشرق الأوسط وأوروبا، وهو ملف يتقاطع فيه الاقتصادي مع الاستراتيجي.

العلا... الوجه الأكثر وضوحاً

إذا كانت الطاقة والدفاع يعكسان الجانب الاستراتيجي من العلاقة، فإن العلا تقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر وضوحاً للشراكة التي تتشكل حول مشروع طويل الأمد.

الرئيس الفرنسي وأمير المدينة المنورة ووزراء الثقافة والخارجية والتجارة ومسؤولون من الجانبين في صورة جماعية بمنطقة «الحِجر» التاريخية (واس)

فالتعاون الفرنسي في العلا لم يقتصر على السياحة؛ بل امتد إلى التخطيط والهندسة والآثار والثقافة والفنون والتدريب والتعليم والبيئة، ليصبح أحد أبرز النماذج على دخول الخبرة الفرنسية في مشروع سعودي يتجاوز فكرة الاستثمار التقليدي.

ومن خلال هذا النوع من المشروعات، تلتقي الخبرة الفرنسية مع التحول السعودي في قطاعات الثقافة والترفيه والسياحة، وهي قطاعات باتت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الجديد للمملكة.

علاقة لها تاريخ... لكن أجندتها للمستقبل

تعود العلاقات الدبلوماسية السعودية - الفرنسية إلى عام 1926، فيما افتتحت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في جدة عام 1932. غير أن محطة الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 ولقاءه بالرئيس شارل ديغول، مثلا منعطفاً مهماً في بناء علاقة سياسية أكثر عمقاً.

ومنذ ذلك الوقت، توالت الزيارات والاتفاقات، وصولاً إلى مرحلة شهدت خلالها العلاقات توسعاً متسارعاً بالتزامن مع «رؤية السعودية 2030».

لكن أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية تكمن في أنها تأتي بعد تراكم طويل من الاتفاقات والتفاهمات، وفي وجود إطار مؤسسي جديد للشراكة.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

ولذلك، تبدو المهمة الأساسية أمام الرياض وباريس اليوم، أقل ارتباطاً بإثبات قوة العلاقة، وأكثر ارتباطاً بإظهار ما تستطيع هذه العلاقة إنتاجه.

فالمعادلة التي تتشكل بين البلدين لم تعد: ماذا تبيع فرنسا للسعودية؟ وماذا تشتري السعودية من فرنسا؟ بل كيف يمكن للطرفين أن يستثمرا التحولات الكبرى في اقتصاديهما وموقعهما الدولي لبناء مصالح مشتركة تمتد لسنوات مقبلة.

وهذا تحديداً ما يجعل زيارة الدولة إلى باريس محطة في مسار العلاقة، وليس مجرد محطة جديدة فيه.


السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز)

لا تصل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في ظرف إقليمي عادي. فالمنطقة تعيش مرحلة تعيد فيها الحروب وأمن الملاحة تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي، فيما تواجه الدول الأوروبية أسئلة متزايدة حول استقرار إمدادات الطاقة، ومرونة طرق التجارة. وفي هذه البيئة تكتسب الشراكة السعودية-الفرنسية بعداً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

فالرياض وباريس تنظران إلى أمن المنطقة من زاويتين متكاملتين: السعودية من موقعها في قلب منظومة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، وفرنسا من موقعها الأوروبي والدولي، بما يجعل التنسيق بينهما ذا أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية خطوط الإمداد، وفتح بدائل أكثر أمناً، ومرونة.

وتأتي الزيارة فيما يتجه البلدان إلى بحث تنويع مسارات نقل الطاقة، والخدمات اللوجستية، بما في ذلك المسارات البحرية، والمشروعات الإقليمية المرتبطة بالسكك الحديدية، وخطوط الأنابيب، في محاولة لبناء شبكة لا تعتمد على مسار واحد في منطقة باتت الجغرافيا فيها عاملاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي يلتقي بوزيرة تحوّل الطاقة الفرنسية آنياس بانييه روناشيه بالرياض في يوليو 2023 (واس)

الأمن لم يعد عسكرياً فقط

أظهرت السنوات الأخيرة أن أمن الطاقة لا يبدأ عند منشأة إنتاج، ولا ينتهي عند محطة استقبال في أوروبا. فالممر البحري، والميناء، وخط الأنابيب، وشبكة الكهرباء، ومراكز التخزين أصبحت جميعها حلقات في مفهوم واحد للأمن، ومن هنا تتقاطع المصالح السعودية والفرنسية.

وتملك السعودية موقعاً محورياً بين الخليج والبحر الأحمر، بينما تمتلك فرنسا حضوراً عسكرياً وبحرياً في المنطقة، إضافة إلى موقعها داخل المنظومة الأوروبية.

ويمنح ذلك الطرفين مساحة للتنسيق في أمن الملاحة، وحماية طرق التجارة، وتطوير البنية التحتية التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية.

الطاقة تتغير

ولا تنحصر المسألة في النفط؛ فالعلاقة السعودية-الفرنسية تتحرك باتجاه الهيدروجين، والطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون، بما يعكس التحول في طبيعة سوق الطاقة نفسها.

أعضاء الوفدين الفرنسي والسعودي في مجال الطاقة خلال اجتماعهم بالرياض في يوليو 2023 (واس)

وتملك السعودية ميزة الموارد، والمساحات، والإمكانات الاستثمارية، بينما تمتلك فرنسا قاعدة صناعية وتقنية واسعة في الطاقة، والهندسة، والنقل.

وإذا نجح الطرفان في دمج هذه المزايا فإن التعاون يمكن أن ينتقل من شراء الطاقة، أو تطوير منشأة إلى بناء منظومات إنتاج، ونقل، وتكنولوجيا.

الاقتصاد في قلب الحسابات

تأتي هذه الملفات في وقت ارتفع فيه حجم التجارة السعودية-الفرنسية إلى نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما قفز رصيد الاستثمارات الفرنسية في المملكة خلال أقل من عقد من نحو 7.49 مليار دولار (28.1 مليار ريال) إلى 18.53 مليار دولار (69.5 مليار ريال).

لكن الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها اتجاه العلاقة المقبلة؛ فالرهان الأكبر يتمثل في الاستثمار في القطاعات التي ستقود الاقتصاد خلال العقد المقبل: الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والصحة، والسياحة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والطاقة الجديدة.

وهنا تلتقي «رؤية السعودية 2030» مع «فرنسا 2030» في البحث عن اقتصاد أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والابتكار.

شراكة تتجاوز الثنائية

وتحمل باريس كذلك قيمة سياسية بالنسبة إلى الرياض؛ ففرنسا ليست فقط دولة أوروبية ذات اقتصاد متقدم، بل هي عضو دائم في مجلس الأمن، وقوة ذات حضور تاريخي في الشرق الأوسط. وفي المقابل ترى باريس في السعودية طرفاً لا يمكن تجاوز دوره في أي ترتيبات إقليمية واسعة.

وتتسع مساحة التشاور بين البلدين لتشمل القضية الفلسطينية، ولبنان، وسوريا، وأمن البحر الأحمر، إلى جانب التطورات الإقليمية الأوسع.

ولهذا فإن مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي-الفرنسي، الذي يعقد اجتماعه الأول خلال الزيارة، يأتي في توقيت مناسب لتحويل هذا التواصل إلى آلية أكثر انتظاماً، وربط الملفات الاقتصادية بالسياسية والاستراتيجية.

من خريطة الموانئ إلى خريطة المصالح

ما تبحثه الرياض وباريس في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بممر جديد للطاقة، أو مشروع نقل جديد؛ إنه في جوهره محاولة لبناء شبكة مصالح قادرة على الصمود أمام الأزمات.

فكلما تنوعت مصادر الطاقة وطرق نقلها، وكلما تعددت مسارات التجارة، وتوطنت التقنيات والصناعات، أصبحت الدول أقل تعرضاً للصدمات المفاجئة.

ومن هنا يمكن قراءة الزيارة السعودية إلى باريس باعتبارها جزءاً من نقاش أوسع حول شكل المنطقة، والعلاقة بين الخليج وأوروبا في السنوات المقبلة.

فالرياض تريد أن تكون مركزاً اقتصادياً ولوجستياً عالمياً، وباريس تريد أن تحافظ على حضور أوروبي مؤثر في منطقة تعيد تشكيل موازينها، وعلى هذه المساحة تحديداً تلتقي مصالح البلدين.