مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

ينطلق اليوم بدورة رابعة

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
TT

مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)

تنطلق مساء اليوم الدورة الرابعة من مهرجان الجونة السينمائي والفيلم المختار للمناسبة هو «الرجل الذي باع ظهره» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. وهو واحد من 64 فيلماً تم اختيارها داخل المسابقات أو خارجها وآتية من شتى أنحاء العالم.
القيمة الفعلية لهذه الدورة هي في أنه يُقام رغم تفشي «كورونا» حول العالم. تأثير ذلك الوباء على السينما كأفلام وكعروض وكمهرجانات، كبير والعديد من المهرجانات التي كان من المفترض بها أن تُقام خلال هذه السنة انكفأت بطريقتين: هي إما ألغت دوراتها أو لجأت إلى البث الافتراضي حتى لا تغيب عن البال والعين.
«الجونة» (ومهرجان القاهرة من بعد) اختار أن يُقام رغم المحاذير، لكن ليس بتجاهلها. يقول مديره العام انتشال التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «راعينا إجراءات حاسمة ربما أكثر مما رأيناه في فينيسيا هذه السنة». من بينها، يقول: «تستطيع الدخول إلى المهرجان، لكنك لن تستطيع الخروج منه ثم العودة إليه. إذا خرجت فلن تستطع العودة».
- مفهوم خاص
الإجراءات الأخرى المتخذة هو ترك مسافة آمنة حين دخول الصالة ما بين كل شخصين والالتزام بمعايير المسافة ذاتها حين التجمّع للدخول، وبالتالي اعتماد مبدأ الحجز المسبق لهذه الغاية.
قد يجد الجمهور المصري نفسه إزاء معايير لم تكن واردة بالنسبة لمن حضر هذا المهرجان في دوراته الثلاث السابقة أو أي مهرجان آخر، لكن الدافع لقبول الواقع الجديد المفوض على من يقرر الحضور هو مهم بحد ذاته. هذه دورة أخرى يتم فيها تقديم عدد كبير من الأفلام المشتركة في أقسام المهرجان بغاية تكريس دور المهرجان بين المشاهدين كملتقى فني يُقام سنوياً في منطقة سياحية تطل على البحر الأحمر وتبدو كما لو أنها مجمعاً كبيراً لمن ينشد الراحة أو الاستجمام ولربما وجد أنه يود شراء واحد من «الفيلات» المتوفرة للبيع. بذلك يلعب المهرجان دوراً تعريفياً للمنطقة بمحالاتها وفنادقها وبيوتها وحدائقها وليس دوراً ترويجياً كون القادمين إلى المهرجان من خارج مصر هم سينمائيون لديهم هموم مختلفة.
حقيقة أن السفر من وإلى مصر هو، كالسفر من وإلى دول المنطقة من قبرص إلى لبنان والأردن وإسرائيل، يتطلب إصدار تصاريح طبية واحتمال القيام بفحوص طبية يجعل المراقب يتوقع أن يكون عدد المسافرين من خارج مصر أقل منه هذا العام مما كان عليه في الأعوام السابقة. إن لم يكن، فإن شغل المهرجان على نفسه في الأعوام الماضية مكّنه من تجاوز معضلات طارئة كهذه.
الوضع يفرض نفسه كذلك على صانعي الأفلام العرب.
رغم أن المهرجان لم يدّعِ سابقاً ولا الآن أنه بيت للسينما العربية، فإن السينما العربية تجد نفسها بلا بيت هذا العام كما وجدت نفسها في الأعوام السابقة.
مهرجان دبي السينمائي كان أفضل ما تحقق لها منذ عقود. استقبل أفلامها وصانعيها ومنحهم المناسبة المهمّة لكي يعرضوا ويلتقوا ويعودوا إلى المهرجان عاماً بعد عام. مهرجان أيام قرطاج السينمائية لعب دوراً مهماً بدوره، لكنه لن يرى النور هذه السنة إلا عبر عروض مستعادة. مهرجان مراكش غاب وعاد ثم يغيب مجدداً هذا العام، وهو حتى حين كان في ذروته لم يمنح السينما العربية (ولا حتى المغربية) أكثر من منصّة محدودة العدد.
والمهمّة في هذه الصدد آلت إلى مهرجان القاهرة الذي كان دوماً حريصاً على استقبال الأفلام العربية وزاد هذا الحرص بعد غياب مهرجان دبي.
المفهوم العام لمهرجان الجونة يختلف عن مفاهيم وهويّات المهرجانات الأخرى. بذلك هو أقرب إلى منظومة مهرجان أبوظبي السينمائي الذي نظر، خلال سنوات وجوده، إلى السينما ككل، ومال إلى اعتبار أن «العالمية» يجب أن ترتفع عن «العربية»، بمعنى أنه لم يطرح نفسه كمهرجان لعرض وتسويق السينما العربية بحد ذاتها، بل كل الأفلام من مصادرها المختلفة من بينها الأفلام العربية.
- حضور وغياب
إنه منوال صحيح لكن هذا لا جعل المنوال الآخر خطأ. وحتى ضمن هذا المنوال الذي يعمل عليه مهرجان الجونة اليوم تبقى هناك الحاجة للبحث عن أفلام عربية يمكن تقديمها في أطر المسابقات أو خارجها.
هذا العام لديه مجموعة مثيرة للاهتمام علماً بأن عدد المنتج من الأفلام في أكثر من عاصمة عربية شهد هبوطاً واضحاً عما كان عليه في السنوات السابقة. وإذا بحثنا عن الأفلام الصالحة للشاشات المهرجاناتية وجدناها أقل بكثير مما كانت عليه لحين قريب.
ربما وجود فيلمين قصيرين فقط من مصر، هو إعلان نموذجي لهذه الحالة. الفيلم الأول من 15 دقيقة بعنوان «ستاشر» لسامح علاء والثاني من 11 دقيقة بعنوان «الخد الآخر» لساندر كنعان.
لبنان حمل إلى الجونة ثلاثة أفلام واحد منها طويل (تقريباً، إذ لا تزيد مدّة عرضه عن 67 دقيقة) بعنوان «نفَس» لريمي عيتاني. الفيلمان الآخران قصيران: «حاجز» (Roadblock) لداليا نمليش والثاني «شكوى» لفرح شاعر.
تطرح تونس ثلاثة أفلام أيضاً، طويل واحد هو «الرجل الذي باع ظهره»، كما تقدّم، وقصيران «البانو» لأنيسة داود و«تسلل صريح» لسامي تليلي.
لا شيء قادماً من سينمات المنطقة الخليجية بأسرها، علماً بأن «الرجل الذي باع ظهره» جمع بعض التمويل السعودي المصدر، لكن إنتاجه الفعلي تونسي - فرنسي - سويدي مشترك.
فيلم مغربي واحد هو «ميكا» للمخرج المعروف إسماعيل فروخي يشترك في مسابقة الفيلم الطويل وفيلم جزائري واحد هو «جزائرهم» للينا سويلم (في مسابقة الأفلام الوثائقية) وكلاهما بمعونة مالية فرنسية.
ثم هناك فيلم فلسطيني - أردني واحد هو «200 متر» لأمين نايفه ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
في المقابل خمسة أفلام أميركية متوفرة أحدها لجيا كوبولا بعنوان Mainstream يعرض خارج المسابقة. كذلك حال فيلم فيغو مورتنسن «سقوط» (Falling) الذي جمع تمويله كذلك من بريطانيا والدنمارك. الثالث هو «صائدو الفطر» لغريغوري كرشو ومايكل دوَك يعرض داخل مسابقة الفيلم التسجيلي. إلى هذه المجموعة فيلمان يعرضان على جمهور باحث عن الخاص جداً، الأول إعادة عرض لفيلم تشارلي تشابلن «الصبي» (The Kid) وفيلم حديث بعنوان «هوبر- وَلز»، وهو تسجيلي يشمل مقابلة أجراها الراحل دنيس هوبر مع الراحل أورسن وَلز وتم جمعها مع إضافة وثائقيات لها.
جل الأفلام الباقية آتية من دول أوروبا المختلفة. سنجد فرنسا وبولاندا وألمانيا وإيطاليا جنباً إلى جنب أفلام من روسيا وصربيا وأوكرانيا وجورجيا.
هذا هو الشمل المتوقع في كل مهرجان لكن بعد ثلاث دورات سابقة فإن مسيرة مهرجان «الجونة» رغم كل جهوده لكي يتبوأ مركزاً صدارياً كأحد أهم المهرجانات السينمائية حول العالم ما زالت في مطلعها، وربما بقيت كذلك، طالما أن المنافسة الكبرى متوفرة عبر مهرجانات استولت على الاهتمام الأول لصانعي الأفلام وكوّنت لنفسها الهوية التاريخية والفنية التي بات من المعتاد للمخرجين والمنتجين تداولها. لا نتحدّث عن الثلاثة الذهبية «كان» و«برلين» و«فينيسيا» بل كذلك عن لوكارنو وصندانس وتورونتو وكارلوفي فاري وحفنة أخرى من المهرجانات المنتشرة حولنا.
واقعياً، وصل المهرجان المطل على البحر الأحمر للنجاح المأمول والمعقود له حالياً منذ دورته الأولى التي أقيمت سنة 2017. ثبّت دعائمه بفضل إدارة انتشال التميمي له وخبرته. ثم تقدّم انطلاقاً منذ ذلك الحين ليصبح الوليد الجديد للمهرجانات العربية - العالمية المحتفى به.
اليوم هو على سدّة نجاح كان حققه سريعاً خلال العامين السابقين وكل التأييد لمثابرته ضمن هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم بسبب «كوفيد - 19». لكن الطريق من هنا لن تكون أسهل من طريق البدايات.
في هذا الإطار هو كما في حالات مهرجانات كثيرة حول العالم: تنجح في التأسيس ثم في الاستمرار وبعد ذلك تجد نفسها في موضع لا يتغير من عام لعام. شيء ما (وهذا الناقد لم يحضر بعد أي من دوراته) تشعر به مفقوداً هنا: ربما المكان النائي، ربما نوعية الجمهور البعيد عن العاصمة، وربما الحاجة إلى ابتداع قسم جديد يفرض نفسه أكثر مما فعلت الأقسام والبرامج الرسمية الأخرى.
لكن مما لا شك فيه هو أن الخطوات الصعبة المتداولة كل سنة أثمرت حتى الآن على مهرجان فعلي يتوق عديدون التوجه إليه حباً بالأفلام والشمس والإطلال على البحر الأحمر.
- جوائز الدورات السابقة
> الدورة الأولى (2017): خلت من الجوائز.
> الدورة الثانية (2018):
الروائي الطويل: «أكواريلا» لفكتور كوساكوفسكي (بريطانيا - ألمانيا)
التسجيلي الطويل: «أرض مُتَخيّلة» لهو سيو هاو (سنغافورا، الهند).
أفضل فيلم عربي تسجيلي: «عن الآباء والأبناء» لطلال دركي (ألمانيا)
جائزة الفيلم الإنساني: «يوم الدين» لأبو بكر شوقي (مصر).
> الدورة الثالثة (2019):
الروائي الطويل: «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلا (السودان).
التسجيلي الطويل: «التحدث عن الأشجار» لصهيب قسم الباري (السودان، فرنسا).
أفضل أفلام عربية:
روائي: «بابيشا» لمنيا مدّور (الجزائر)
تسجيلي: «إبراهيم، إلى أجل غير مُسمّى» للينا العبد (لبنان).
- جوائز برونزية:
«آدم» لمريم توزاني (المغرب)، «كابول، مدينة الرياح» لأبوزار أميني (أفغانستان).


مقالات ذات صلة

«أيام السينما اللبنانية» تحتفل بيوبيل الـ10 سنوات ضمن برنامج حافل

يوميات الشرق يكرّم المهرجان الفنان جورج خبّاز (الجهة المنظمة)

«أيام السينما اللبنانية» تحتفل بيوبيل الـ10 سنوات ضمن برنامج حافل

يحطّ مهرجان «أيام السينما اللبنانية» رحاله في كندا للمرة العاشرة، في احتفالية تجمع عشاق السينما اللبنانية وتتنقّل بين 3 مدن كندية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تنطلق فعاليات «مهرجان ميروبا السينمائي» في 28 أغسطس الحالي (بلدية ميروبا)

«مهرجان ميروبا السينمائي» يُطلق نسخته الأولى من المدرّج السياحي

كان «مدرّج ميروبا» قد استضاف على خشبته عدداً من أبرز الفنانين اللبنانيين ضمن مهرجانات ميروبا الفنية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)

«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

يؤكد المخرج السنغافوري أنّ الفيلم، رغم استناده إلى أسطورة صينية شهيرة، لا يتعامل مع شخصياتها على أنها آلهة أو رموز مقدّسة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)

الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

يطمح القائمون على الحدث لإعادة لبنان إلى موقعه الريادي على الخريطة الثقافية العالمية...

فيفيان حداد (بيروت)

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.


هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز