مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

ينطلق اليوم بدورة رابعة

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
TT

مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)

تنطلق مساء اليوم الدورة الرابعة من مهرجان الجونة السينمائي والفيلم المختار للمناسبة هو «الرجل الذي باع ظهره» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. وهو واحد من 64 فيلماً تم اختيارها داخل المسابقات أو خارجها وآتية من شتى أنحاء العالم.
القيمة الفعلية لهذه الدورة هي في أنه يُقام رغم تفشي «كورونا» حول العالم. تأثير ذلك الوباء على السينما كأفلام وكعروض وكمهرجانات، كبير والعديد من المهرجانات التي كان من المفترض بها أن تُقام خلال هذه السنة انكفأت بطريقتين: هي إما ألغت دوراتها أو لجأت إلى البث الافتراضي حتى لا تغيب عن البال والعين.
«الجونة» (ومهرجان القاهرة من بعد) اختار أن يُقام رغم المحاذير، لكن ليس بتجاهلها. يقول مديره العام انتشال التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «راعينا إجراءات حاسمة ربما أكثر مما رأيناه في فينيسيا هذه السنة». من بينها، يقول: «تستطيع الدخول إلى المهرجان، لكنك لن تستطيع الخروج منه ثم العودة إليه. إذا خرجت فلن تستطع العودة».
- مفهوم خاص
الإجراءات الأخرى المتخذة هو ترك مسافة آمنة حين دخول الصالة ما بين كل شخصين والالتزام بمعايير المسافة ذاتها حين التجمّع للدخول، وبالتالي اعتماد مبدأ الحجز المسبق لهذه الغاية.
قد يجد الجمهور المصري نفسه إزاء معايير لم تكن واردة بالنسبة لمن حضر هذا المهرجان في دوراته الثلاث السابقة أو أي مهرجان آخر، لكن الدافع لقبول الواقع الجديد المفوض على من يقرر الحضور هو مهم بحد ذاته. هذه دورة أخرى يتم فيها تقديم عدد كبير من الأفلام المشتركة في أقسام المهرجان بغاية تكريس دور المهرجان بين المشاهدين كملتقى فني يُقام سنوياً في منطقة سياحية تطل على البحر الأحمر وتبدو كما لو أنها مجمعاً كبيراً لمن ينشد الراحة أو الاستجمام ولربما وجد أنه يود شراء واحد من «الفيلات» المتوفرة للبيع. بذلك يلعب المهرجان دوراً تعريفياً للمنطقة بمحالاتها وفنادقها وبيوتها وحدائقها وليس دوراً ترويجياً كون القادمين إلى المهرجان من خارج مصر هم سينمائيون لديهم هموم مختلفة.
حقيقة أن السفر من وإلى مصر هو، كالسفر من وإلى دول المنطقة من قبرص إلى لبنان والأردن وإسرائيل، يتطلب إصدار تصاريح طبية واحتمال القيام بفحوص طبية يجعل المراقب يتوقع أن يكون عدد المسافرين من خارج مصر أقل منه هذا العام مما كان عليه في الأعوام السابقة. إن لم يكن، فإن شغل المهرجان على نفسه في الأعوام الماضية مكّنه من تجاوز معضلات طارئة كهذه.
الوضع يفرض نفسه كذلك على صانعي الأفلام العرب.
رغم أن المهرجان لم يدّعِ سابقاً ولا الآن أنه بيت للسينما العربية، فإن السينما العربية تجد نفسها بلا بيت هذا العام كما وجدت نفسها في الأعوام السابقة.
مهرجان دبي السينمائي كان أفضل ما تحقق لها منذ عقود. استقبل أفلامها وصانعيها ومنحهم المناسبة المهمّة لكي يعرضوا ويلتقوا ويعودوا إلى المهرجان عاماً بعد عام. مهرجان أيام قرطاج السينمائية لعب دوراً مهماً بدوره، لكنه لن يرى النور هذه السنة إلا عبر عروض مستعادة. مهرجان مراكش غاب وعاد ثم يغيب مجدداً هذا العام، وهو حتى حين كان في ذروته لم يمنح السينما العربية (ولا حتى المغربية) أكثر من منصّة محدودة العدد.
والمهمّة في هذه الصدد آلت إلى مهرجان القاهرة الذي كان دوماً حريصاً على استقبال الأفلام العربية وزاد هذا الحرص بعد غياب مهرجان دبي.
المفهوم العام لمهرجان الجونة يختلف عن مفاهيم وهويّات المهرجانات الأخرى. بذلك هو أقرب إلى منظومة مهرجان أبوظبي السينمائي الذي نظر، خلال سنوات وجوده، إلى السينما ككل، ومال إلى اعتبار أن «العالمية» يجب أن ترتفع عن «العربية»، بمعنى أنه لم يطرح نفسه كمهرجان لعرض وتسويق السينما العربية بحد ذاتها، بل كل الأفلام من مصادرها المختلفة من بينها الأفلام العربية.
- حضور وغياب
إنه منوال صحيح لكن هذا لا جعل المنوال الآخر خطأ. وحتى ضمن هذا المنوال الذي يعمل عليه مهرجان الجونة اليوم تبقى هناك الحاجة للبحث عن أفلام عربية يمكن تقديمها في أطر المسابقات أو خارجها.
هذا العام لديه مجموعة مثيرة للاهتمام علماً بأن عدد المنتج من الأفلام في أكثر من عاصمة عربية شهد هبوطاً واضحاً عما كان عليه في السنوات السابقة. وإذا بحثنا عن الأفلام الصالحة للشاشات المهرجاناتية وجدناها أقل بكثير مما كانت عليه لحين قريب.
ربما وجود فيلمين قصيرين فقط من مصر، هو إعلان نموذجي لهذه الحالة. الفيلم الأول من 15 دقيقة بعنوان «ستاشر» لسامح علاء والثاني من 11 دقيقة بعنوان «الخد الآخر» لساندر كنعان.
لبنان حمل إلى الجونة ثلاثة أفلام واحد منها طويل (تقريباً، إذ لا تزيد مدّة عرضه عن 67 دقيقة) بعنوان «نفَس» لريمي عيتاني. الفيلمان الآخران قصيران: «حاجز» (Roadblock) لداليا نمليش والثاني «شكوى» لفرح شاعر.
تطرح تونس ثلاثة أفلام أيضاً، طويل واحد هو «الرجل الذي باع ظهره»، كما تقدّم، وقصيران «البانو» لأنيسة داود و«تسلل صريح» لسامي تليلي.
لا شيء قادماً من سينمات المنطقة الخليجية بأسرها، علماً بأن «الرجل الذي باع ظهره» جمع بعض التمويل السعودي المصدر، لكن إنتاجه الفعلي تونسي - فرنسي - سويدي مشترك.
فيلم مغربي واحد هو «ميكا» للمخرج المعروف إسماعيل فروخي يشترك في مسابقة الفيلم الطويل وفيلم جزائري واحد هو «جزائرهم» للينا سويلم (في مسابقة الأفلام الوثائقية) وكلاهما بمعونة مالية فرنسية.
ثم هناك فيلم فلسطيني - أردني واحد هو «200 متر» لأمين نايفه ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
في المقابل خمسة أفلام أميركية متوفرة أحدها لجيا كوبولا بعنوان Mainstream يعرض خارج المسابقة. كذلك حال فيلم فيغو مورتنسن «سقوط» (Falling) الذي جمع تمويله كذلك من بريطانيا والدنمارك. الثالث هو «صائدو الفطر» لغريغوري كرشو ومايكل دوَك يعرض داخل مسابقة الفيلم التسجيلي. إلى هذه المجموعة فيلمان يعرضان على جمهور باحث عن الخاص جداً، الأول إعادة عرض لفيلم تشارلي تشابلن «الصبي» (The Kid) وفيلم حديث بعنوان «هوبر- وَلز»، وهو تسجيلي يشمل مقابلة أجراها الراحل دنيس هوبر مع الراحل أورسن وَلز وتم جمعها مع إضافة وثائقيات لها.
جل الأفلام الباقية آتية من دول أوروبا المختلفة. سنجد فرنسا وبولاندا وألمانيا وإيطاليا جنباً إلى جنب أفلام من روسيا وصربيا وأوكرانيا وجورجيا.
هذا هو الشمل المتوقع في كل مهرجان لكن بعد ثلاث دورات سابقة فإن مسيرة مهرجان «الجونة» رغم كل جهوده لكي يتبوأ مركزاً صدارياً كأحد أهم المهرجانات السينمائية حول العالم ما زالت في مطلعها، وربما بقيت كذلك، طالما أن المنافسة الكبرى متوفرة عبر مهرجانات استولت على الاهتمام الأول لصانعي الأفلام وكوّنت لنفسها الهوية التاريخية والفنية التي بات من المعتاد للمخرجين والمنتجين تداولها. لا نتحدّث عن الثلاثة الذهبية «كان» و«برلين» و«فينيسيا» بل كذلك عن لوكارنو وصندانس وتورونتو وكارلوفي فاري وحفنة أخرى من المهرجانات المنتشرة حولنا.
واقعياً، وصل المهرجان المطل على البحر الأحمر للنجاح المأمول والمعقود له حالياً منذ دورته الأولى التي أقيمت سنة 2017. ثبّت دعائمه بفضل إدارة انتشال التميمي له وخبرته. ثم تقدّم انطلاقاً منذ ذلك الحين ليصبح الوليد الجديد للمهرجانات العربية - العالمية المحتفى به.
اليوم هو على سدّة نجاح كان حققه سريعاً خلال العامين السابقين وكل التأييد لمثابرته ضمن هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم بسبب «كوفيد - 19». لكن الطريق من هنا لن تكون أسهل من طريق البدايات.
في هذا الإطار هو كما في حالات مهرجانات كثيرة حول العالم: تنجح في التأسيس ثم في الاستمرار وبعد ذلك تجد نفسها في موضع لا يتغير من عام لعام. شيء ما (وهذا الناقد لم يحضر بعد أي من دوراته) تشعر به مفقوداً هنا: ربما المكان النائي، ربما نوعية الجمهور البعيد عن العاصمة، وربما الحاجة إلى ابتداع قسم جديد يفرض نفسه أكثر مما فعلت الأقسام والبرامج الرسمية الأخرى.
لكن مما لا شك فيه هو أن الخطوات الصعبة المتداولة كل سنة أثمرت حتى الآن على مهرجان فعلي يتوق عديدون التوجه إليه حباً بالأفلام والشمس والإطلال على البحر الأحمر.
- جوائز الدورات السابقة
> الدورة الأولى (2017): خلت من الجوائز.
> الدورة الثانية (2018):
الروائي الطويل: «أكواريلا» لفكتور كوساكوفسكي (بريطانيا - ألمانيا)
التسجيلي الطويل: «أرض مُتَخيّلة» لهو سيو هاو (سنغافورا، الهند).
أفضل فيلم عربي تسجيلي: «عن الآباء والأبناء» لطلال دركي (ألمانيا)
جائزة الفيلم الإنساني: «يوم الدين» لأبو بكر شوقي (مصر).
> الدورة الثالثة (2019):
الروائي الطويل: «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلا (السودان).
التسجيلي الطويل: «التحدث عن الأشجار» لصهيب قسم الباري (السودان، فرنسا).
أفضل أفلام عربية:
روائي: «بابيشا» لمنيا مدّور (الجزائر)
تسجيلي: «إبراهيم، إلى أجل غير مُسمّى» للينا العبد (لبنان).
- جوائز برونزية:
«آدم» لمريم توزاني (المغرب)، «كابول، مدينة الرياح» لأبوزار أميني (أفغانستان).


مقالات ذات صلة

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

ثقافة وفنون نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

أعلن منظمو مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، منح نجم «هوليوود» والمخرج جورج كلوني جائزة «الأسد الذهبي» تقديراً لمجمل مسيرته الفنية.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)

«أفلام السعودية»... «النخلة الذهبية» تُضيء الرحلة

بقيت الحكايات التي حملها شعار الدورة «كلّ حكاية رحلة» مفتوحة على محطات جديدة...

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يعد الفيلم التجربة الأولى لمخرجه (الشركة المنتجة)

إشتياق أحمد زهاد: «الفتاة الكفيفة والفيل» رحلة لاكتشاف البصيرة

قال المخرج البنغلاديشي إشتياق أحمد زهاد إن فيلمه «الفتاة الكفيفة والفيل» لا يقدم حكاية عن فتاة فقدت بصرها بقدر ما يطرح تساؤلاً حول معنى الرؤية نفسها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق فيلم الافتتاح (ملك الأكتاف) في الحفل الذي شهده حضور كبير من السينمائيين السعوديين (المهرجان)

«أفلام السعودية»... افتتاح ينسج حكاية جديدة

من غرزة إبرة تبدأ الحكاية... هكذا استهل الفيلم الوثائقي «ملك الأكتاف» للمخرجة مرام الخالدي حفل افتتاح الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية.

إيمان الخطاف (الدمام)
خاص المخرجة السعودية هيفاء المنصور (مهرجان أفلام السعودية)

خاص هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط»: المرأة الحقيقية بطلة أفلامي

تنسج المخرجة السعودية هيفاء المنصور رؤيتها لشخصياتها من خلال أفلامها؛ عبر قصص لنساء يحملن القوة والضعف، والانتصار والانكسار.

إيمان الخطاف (الدمام)

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)
TT

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط، بل كان صوتاً يعكس ثقافتها وحبَّها للسينما وجدِّية طرحها. هذا قبل أن تتسلَّم الإدارة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2016. ومنذ ذلك الحين أصبح حضورها أكبر على مستوى العمل السينمائي. تركت النقد، وهي تدرك أهميته في تأسيس كيان سينمائي أشمل، وتصفه بأنه «جزء سياسي من ثقافة السينما».

ريما المسمار المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» (غيتي)

«شورت شورتيز»

> إذا نظرنا إلى السنوات الخمس الماضية على الأقل، ما أبرز إنجازات «آفاق» من وجهة نظرك؟

- يتمثَّل أحد أبرز إنجازات «آفاق» في الاستمرار بدعم الفنون والثقافة في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة جداً، لضمان استمرار الفنانين وصانعي الأفلام في تطوير أعمالهم وسرد قصصهم ومشاركتها مع جماهير داخل المنطقة وخارجها. كما عملت «آفاق» على توسيع دورها من مؤسسة مانحة إلى جهة تبني منظومة ثقافية متكاملة تشمل التدريب والإرشاد والبحث والدعم المؤسسي. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت «آفاق» في تعزيز شراكات إقليمية ودولية لدعم الفنانين والممارسين الثقافيين في مختلف التخصصات، مما انعكس على ارتفاع حضور الأفلام والمبدعين العرب في المهرجانات والمنصات العالمية، وتعزيز حضور السرد العربي على المستوى الدولي.

> أخيراً، قدَّمت «نتفليكس» النسخة الثالثة من «نساء في عالم السينما» التي أنتجتها «آفاق». ما نتائج النسختين السابقتين التي أدَّت إلى استمرار هذا التعاون؟

- أظهرت نجاحات النسختين السابقتين وجود حاجة واضحة إلى دعم دائم لصانعات الأفلام العربيات الصاعدات. استفادت المشاركات ليس فقط من التدريب، بل أيضاً من الإرشاد المهني وتبادل التجارب والرؤى الإبداعية، والتعرُّف إلى شبكات المبدعين في المجال. كما واصل عدد من المشاركات تطوير مشروعاتهن بشكل احترافي بعد انتهاء البرنامج، مثل الأردنية عائشة شحالتوغ، مخرجة «ثورة غضب» الذي طُوِّر ضمن إحدى النسخ السابقة، واختير مؤخراً للعرض الأول في آسيا ضمن مهرجان «شورت شورتيز» السينمائي الآسيوي في اليابان. ويعكس استمرار التعاون بين «نتفليكس» و«آفاق» التزاماً مشتركاً بدعم المواهب النسائية العربية، وتمكين أصوات جديدة من الوصول إلى المشهد السينمائي.

> تبعاً لذلك، كيف ترين قدرة السينما العربية الجديدة على استيعاب المواهب النسائية أمام الكاميرا أو خلفها؟

- شهدت السينما العربية تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة من حيث الحضور والمشاركة، إذ أصبح مزيد من النساء يعملن في الإخراج والكتابة والإنتاج والمجالات التقنية التي كانت أقل إتاحة سابقاً. كما باتت السينما في المنطقة أكثر تقبلاً لوجهات النظر الجديدة والتجارب المختلفة، مما يخلق مساحة أكثر ملاءمة لقصصٍ تقودها النساء. مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتمويل والاستمرارية وفرص الإرشاد والتطوير المهني. ويبقى التغيير الحقيقي مرتبطاً بتمثيل النساء، ليس فقط إبداعياً، بل أيضاً على المستوى البنيوي داخل الصناعة.

> هل ترين أن دور «آفاق» مكرَّس لخدمة المرأة في السينما، أم أنه دور يهدف أيضاً إلى تعزيز حضور السينما العربية ككل؟

- تتجاوز رسالة «آفاق» دعم النساء فقط، فهي تهدف أساساً إلى تعزيز الفنون والثقافة بجميع أشكالها في العالم العربي. ويأتي دعم صانعات الأفلام ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة ثقافية أكثر شمولاً وتنوعاً واستدامة. فالسينما العربية لا يمكن أن تتطوَّر بشكل كامل إذا بقيت بعض الأصوات غير ممثَّلة بالشكل الكافي. وبالتالي، تُسهم مبادرات مثل «مختبر الفيلم القصير» في تعزيز تمثيل النساء، وفي الوقت نفسه في تطوير السينما العربية ككل.

«ثورة غضب» (نتفليكس)

منظومة نسائية

> هل تشجيع الخبرات والمواهب النسائية، في نظرك، مسألة منفصلة عن وضع السينما العربية عامة؟

- من وجهة نظري، هما مترابطان بشكل عميق. فدعم صانعات الأفلام جزء من تعزيز صحة وتنوع المنظومة السينمائية بأكملها. فكلما زاد تمثيل الأصوات المختلفة، أصبحت الصناعة أكثر ثراءً وديناميكية، وأكثر تعبيراً عن المجتمع. كما أن تشجيع مشاركة النساء يُسهم في توسيع نطاق سرد القصص وإثراء السرديات الثقافية.

> من هنَّ مخرجات وكاتبات المستقبل من خلال متابعتك لنشاطاتهن في السنوات الأخيرة؟

- هناك جيل لافت من صانعات الأفلام الصاعدات في المنطقة اليوم، لا يتميز فقط بجودة الأعمال، بل أيضاً بتنوع الأصوات والموضوعات والأساليب السينمائية. ومؤخراً، في مهرجان «كان» العام الحالي، عُرضت 3 مشروعات كانت قد تلقَّت الدعم من «آفاق» بقيادة نسائية، من بينها المخرجة سارة ريما التي عُرض فيلمها «مقنين» (À quoi rêvent les Maknines) بوصفه الفيلم الجزائري الوحيد المشارك في مهرجان «كان» هذا العام. كما شاركت سارة إسحاق بفيلمها «المحطة»، وهو أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان «كان». وقد برز أيضاً عدد من المخرجات اللواتي يقدمن أعمالاً جريئة ومختلفة. لكن الأهم من ذكر أسماء محددة هو الإقرار بأن ظهور هذا الجيل بأكمله يُعيد تشكيل مستقبل السينما العربية بشكل جماعي.

> نشأتِ ناقدة سينمائية معروفة قبل دخولك هذا المعترك. هل هناك من حنين إلى ممارسة النقد السينمائي بوصفه جزءاً أساسياً من الثقافة السينمائية؟

- يظل النقد السينمائي جزءاً أساسياً من ثقافة السينما، لأنه يخلق مساحة للتأمل والحوار والتفاعل العميق مع الأفلام. كما يُساعد النقد في وضع السينما ضمن سياقات اجتماعية وسياسية وفنية أوسع. ورغم أن دوري اليوم مختلف، فإن هذا البعد النقدي ما زال يؤثر في طريقة تفكيري تجاه السينما والسرد والإنتاج الثقافي.

تؤكد ريما أن 3 مشروعات مدعومة من «آفاق» بقيادة نسائية شاركت في مهرجان «كان» هذا العام


4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
TT

4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)

THE VIOLINIST

• إخراج: راؤول غارسيا، وإرفين هان

(جيد)

• إسبانيا، سنغافورة (2026) | جائزة أفضل فيلم أنيميشن طويل في مهرجان «أنيسي»

على عكس ما تعرضه صالات السينما من أفلام «الأنيميشن» تكاد تتساوى في السقوط بين القبول والركاكة، تزخر أفلام مهرجان «أنيسي»، المتخصص في سينما «الأنيميشن»، بعدد وفير من الأعمال التي تقوم على تفاعل لافت بين الرسم والتسجيل، وبين الرسم والدراما. وهي ليست أفلاماً للتسلية؛ ولذلك تتحرر من هاجس الترفيه.

يُعد «عازفة الكمان» أحد أفضل هذه الأفلام. فهو فيلم درامي يدور حول امرأة تُدعى (فَي) وصبي يُدعى (كاي)، ويتتبع تاريخهما المتشابك مع فترة الغزو الياباني لسنغافورة. الموسيقى والاحتلال هما وجها هذه الحكاية: الأول يمثل الأمل وما يرافقه من حزن، والآخر يكشف عن أثر الغزو في المجتمع عموماً، وفي حياة «فَي» على وجه الخصوص.

لكن الفيلم ليس على المستوى نفسه طوال مدته. فمن ناحية، يقدّم معالجة بصرية جيدة للفترة التاريخية، ومن ناحية أخرى يتراجع مستواه عندما يحاول التوسع في الشخصيات الثانوية؛ إذ يعاملها باهتمام وإتقان أقل.

A NEW DAWN

• إخراج: يوشيتوشي شينوميا

• اليابان (2026)

دراما عن شاب يواجه التقدُّم

(وسط) شهد هذا الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين الأخير. وهو دراما تتخللها مقاطع غنائية كثيرة، فضلاً عن أحداث تتمحور حول بطله كيتارو، الذي يفاجأ بقرار حكومي يقضي بهدم مصنع للألعاب النارية توارثته عائلته جيلاً بعد جيل. والغاية من ذلك شق طريق يربط هذه المدينة الصغيرة بمدن أخرى. يقرر كيتارو مقاومة القرار.

وسرعان ما يطرح المخرج يوشيتوشي شينوميا، في أول أفلامه الروائية الطويلة، العلاقة بين تمسّك الشاب بإرثه التاريخي، وبين فكرة الانتقال إلى المستقبل. وعلى المشاهد أن يكون محباً للغناء الياباني حتى يتفاعل مع هذا الجانب من الفيلم؛ إذ يشكّل الغناء عنصراً رئيسياً يكاد، إلى جانب الرغبة في توفير أجواء جمالية، يحوّل الحكاية نفسها عنصراً ثانوياً.

«فجر جديد» (ملف مهرجان أنيسي)

THE OBSESSED

• إخراج: واتارو تاكاهاشي

• اليابان (2026)

فانتازيا توفِّر أقل مما تطمح إليه

(وسط)

تتكرر في هذا الفيلم بعض المشكلات التي شابت «فجر جديد» (أعلاه)، مع أنه يمتلك حكاية أكثر إثارة للاهتمام. يدور «الاستحواذ» حول شاب ياباني يُدعى جوزيبي، مهووس بعادات واهتمامات متباينة؛ فهو محقِّق خاص حين يشاء، وجامع فراشات حين يرغب، ومغنٍ في سائر الأوقات. ولو أن المخرج أحسن الموازنة بينها، ورسم خيطاً درامياً واضحاً يربط هذه الاهتمامات ويبررها نفسياً أو درامياً، لبلغ الفيلم مستوى أعلى من مجرد إثارة الغموض حول بطله.

وكما في «فجر جديد»، تطغى الرغبة في إبراز الجماليات البصرية وتنفيذ الأفكار، على الحكاية التي تتحول عنصراً ثانوياً مقارنة ببناء الأجواء. أما الرسم، فيخفق، بحد ذاته، في تقديم إنجاز فني متكامل.

«الـ58» (ملف مهرجان أنيسي)

58th

• إخراج: كارل جوزيف إ. بابا

• الفلبين (2026)

تاريخ سياسي يعود رسماً

(جيد)

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقعت، نتيجة خلاف بين سياسيين في مقاطعة ماغوينداناو بالفلبين، مجزرة مروعة ذهب ضحيتها 58 شخصاً، معظمهم من الصحافيين الذين كانوا يغطون الانتخابات المحلية. يعود الفيلم إلى تلك الحادثة ليركز على ابنة أحد الضحايا، وهي تستعيد ذكرى والدها، ومن خلاله تلك الأحداث.

إنها رينافي موماي، ابنة المصور الصحافي رينالدو موماي، الشخص الوحيد بين الضحايا الـ58 الذي ما زالت جثته مفقودة. ويتخذ الفيلم من رينافي، إلى جانب شخصية مخرج يظهر داخل الأحداث، مدخلاً للعودة إلى الماضي. ولا يخوض في التفاصيل أو يحلل ملابسات الواقعة، لكنه لا يحيد عن هدفه في استحضارها وتسليط الضوء عليها.

وقد أُولي هذا الفيلم عناية كبيرة على صعيد رسم الشخصيات والبيئة المحيطة. استخدم المخرج التصوير الحي، ثم حوّل مشاهده إلى رسوم متحركة، على غرار فيلمي المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» (2001) و«سكانر داركلي» (2006).

ويمنح هذا الأسلوب العمل صلة بالواقع، لكنه يبقى غير مبرر فنياً، ولا ينتمي انتماءً كاملاً إلى فن الرسوم المتحركة. وإلى جانب ذلك، فإن الفيلم منفذ بواقعية شديدة، وتتناسب حكايته مع فيلم روائي مصور بالكاميرا الحية. ومع ذلك، فإن اختيار المخرج تقديمه في قالب أنيميشن يُعد خطوة جريئة، تضاهي في جرأتها أهمية الموضوع الذي يتناوله.


10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
TT

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)

حسبة سريعة لأفضل 10 أفلام (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) تمّت مشاهدتها منذ مطلع العام. تكشف هذه القائمة، إلى حدٍّ ما، عن استمرار الثراء في تناول الموضوعات الهادفة بأساليب فنية تستحق التقدير، رغم تحديات الذكاء الاصطناعي وطغيان أفلام الأبطال الخارقين وأشكال الترفيه الخالية من القيمة.

الأب وابنه في «الجكارندا» (لو فيلم بيلبوكيه)

1- «الجاكراندا»

إخراج: حسن فرحاني (الجزائر)

رحلة وثائقية يقوم بها المخرج في ذاكرة وحياة والده الكاتب الجزائري أمزيان فرحاني. العنوان هو اسم تلك الأشجار الجميلة التي يحنّ إليها الأب ضمن ما يفتقده من عالم مضى في مدينة تغيّرت عمّا كانت عليه. ليس الفيلم نوستالجيا تكتفي بالمشاعر وتتجنّب العمق، بل هو مزج بين حياة الكاتب ومدينته، يحمل كلٌّ منهما تاريخه ويمضي في مساره.

2- «خروج آمن»

إخراج: محمد حمّاد (مصر)

دراما تدور حول شاب يعمل حارساً لمبنى سكني، محاطاً دوماً بالمشاغل والمشكلات التي يفرضها عليه محيطه. سمعان (يؤديه بإتقان مروان وليد) يعيش مخاوف ووحدة قاسيتين في واقع لا يقل قسوة. لا بطولات ولا انتصارات، ولا حتى إنجازات، في عالم صغير مغلق. يعتمد المخرج إيقاعاً لا يخون رتابة البيئة وطبيعتها، ويعالج بمهارة مخاوف بطله من البيئة الاجتماعية التي تثقل كاهله.

3- «لمن يجرؤ»

إخراج: دانيال عربيد (لبنان، فرنسا)

هذا أفضل فيلم أخرجته دانيال عربيد إلى اليوم. امرأة تنقذ شاباً سودانياً يصغرها بسنوات عدة من اعتداء بدني. تنمو العلاقة العاطفية بينهما سريعاً، إذ يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر في مواجهة رفض المجتمع من منطلق عنصري. هيام عبّاس ما زالت تقدّم جديداً جيداً مع كل دور تؤديه. هي امرأة قوية وعنيدة في مواجهة محيطها الاجتماعي.

فيكتوريا لوينغو وخافيير باردم في «المحبوبة» (كاباللو فيلمز)

4- The Beloved

إخراج: رودريغو سوروغويَن (إسبانيا)

دراما عن مخرج سينمائي صارم (خافيير باردم)، يطلب من ابنته الممثلة أداء بطولة فيلمه المقبل. تنتقل العلاقة المتوترة بينهما في الحياة إلى الفيلم داخل الفيلم الذي نشاهده. يحمل عمل المخرج سوروغويَن سمات موهبة بصرية لافتة؛ فمشاهده حادّة لكنها صادقة، وخافيير باردم يوفّر، بحد ذاته، متعة فنية جمّة.

5- Fatherland

إخراج: بافل بافليكوفسكي

جزء من سيرة حياة الروائي توماس مان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولته الخروج من أزمات البحث عن الهوية والمكان معاً. يحيط الفيلم بالتوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وبين ابنته (ساندرا هولر). ‬ قد لا يصل الفيلم إلى مستوى أعمال بافليكوفسكي السابقة، لكنه يقترب منها.

6- Flies

إخراج: فرناندو إيميك (المكسيك)

دراسة لشخصية امرأة تجاوزت سن الشباب (ترستينا سانشير)، تعيش وحيدة وتعتمد على نفسها في كل شيء. تضطر إلى تأجير غرفة في منزلها لرجل ترقد زوجته في مستشفى قريب. وتشترط عدم وجود أطفال في الغرفة، لكن الرجل يضطر إلى جلب طفله معه. عندئذٍ تكتشف المرأة معنى لحياة افتقدتها طويلاً. حوار مقتصد وإخراج يعتمد أساساً على دلالات الصورة.

7- In Waves

إخراج: فيونغ ماي نغيووِن (فرنسا)

رسوم متحركة متقنة تقنياً وثريّة الألوان، تنساب بسلاسة لتحكي قصة شاب لا يجيد رياضة ركوب الأمواج، إلى أن تساعده فتاة على اكتسابها. تتغيّر حياته كما لو كان بحاجة إلى يد ترفعه من البراءة إلى الثقة بالنفس. يختلف الفيلم لا في حكايته فحسب، بل أيضاً في أسلوبه الموجّه إلى الراشدين.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وفنياً لافتاً يمتد من الجزائر إلى تشيلي

8- The Loneliest Man in Town

إخراج: راينر فريمل وتيزا فيكو (النمسا)

بطل هذا الفيلم رجل تأثر بأغاني «البلوز» التي أدمن سماعها، ويغني ما يحفظه منها في حانة صغيرة أمام جمهور محدود. يعيش وحيداً بلا عائلة ولا أهل ولا أصدقاء، إلى أن يقرر الهجرة إلى أميركا في نهاية الفيلم. إخراج مقتصد لمشاهد لا تؤلف حكاية متكاملة بقدر ما ترسم ملامح حياة رجل وحيد.

9-Project Hail Mary

إخراج: فيل لورد وكريستوفر ميلر

(الولايات المتحدة)

فيلم خيال علمي عن رحلة فضائية يقودها رايان غوسلينغ لمنع جرمٍ كوني يهدد بحجب أشعة الشمس عن الأرض. يجمع الفيلم بين التشويق والمؤثرات البصرية المتقنة وحكاية مؤثرة عن الصداقة، مقدّماً متعة لهواة الخيال العلمي ومعالجة قادرة على استقطاب جمهور أوسع.

10- The Red Hangar

إخراج: خوان بابلو سالاتو (تشيلي)

ضابط مشرف على حظيرة طائرات في تشيلي عام 1973، يجد نفسه تحت سلطة قيادة عسكرية تشن حملة اعتقالات واسعة إثر الانقلاب الذي أطاح بالسلطة السابقة. يتحوّل المكان إلى سجن ومركز للتعذيب، ما يضع الضابط أمام خيارات صعبة. يلتقط المخرج هذه اللحظة المفصلية ويبني عليها ما يدور في أعماق شخصيته.