مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

ينطلق اليوم بدورة رابعة

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
TT

مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)

تنطلق مساء اليوم الدورة الرابعة من مهرجان الجونة السينمائي والفيلم المختار للمناسبة هو «الرجل الذي باع ظهره» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. وهو واحد من 64 فيلماً تم اختيارها داخل المسابقات أو خارجها وآتية من شتى أنحاء العالم.
القيمة الفعلية لهذه الدورة هي في أنه يُقام رغم تفشي «كورونا» حول العالم. تأثير ذلك الوباء على السينما كأفلام وكعروض وكمهرجانات، كبير والعديد من المهرجانات التي كان من المفترض بها أن تُقام خلال هذه السنة انكفأت بطريقتين: هي إما ألغت دوراتها أو لجأت إلى البث الافتراضي حتى لا تغيب عن البال والعين.
«الجونة» (ومهرجان القاهرة من بعد) اختار أن يُقام رغم المحاذير، لكن ليس بتجاهلها. يقول مديره العام انتشال التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «راعينا إجراءات حاسمة ربما أكثر مما رأيناه في فينيسيا هذه السنة». من بينها، يقول: «تستطيع الدخول إلى المهرجان، لكنك لن تستطيع الخروج منه ثم العودة إليه. إذا خرجت فلن تستطع العودة».
- مفهوم خاص
الإجراءات الأخرى المتخذة هو ترك مسافة آمنة حين دخول الصالة ما بين كل شخصين والالتزام بمعايير المسافة ذاتها حين التجمّع للدخول، وبالتالي اعتماد مبدأ الحجز المسبق لهذه الغاية.
قد يجد الجمهور المصري نفسه إزاء معايير لم تكن واردة بالنسبة لمن حضر هذا المهرجان في دوراته الثلاث السابقة أو أي مهرجان آخر، لكن الدافع لقبول الواقع الجديد المفوض على من يقرر الحضور هو مهم بحد ذاته. هذه دورة أخرى يتم فيها تقديم عدد كبير من الأفلام المشتركة في أقسام المهرجان بغاية تكريس دور المهرجان بين المشاهدين كملتقى فني يُقام سنوياً في منطقة سياحية تطل على البحر الأحمر وتبدو كما لو أنها مجمعاً كبيراً لمن ينشد الراحة أو الاستجمام ولربما وجد أنه يود شراء واحد من «الفيلات» المتوفرة للبيع. بذلك يلعب المهرجان دوراً تعريفياً للمنطقة بمحالاتها وفنادقها وبيوتها وحدائقها وليس دوراً ترويجياً كون القادمين إلى المهرجان من خارج مصر هم سينمائيون لديهم هموم مختلفة.
حقيقة أن السفر من وإلى مصر هو، كالسفر من وإلى دول المنطقة من قبرص إلى لبنان والأردن وإسرائيل، يتطلب إصدار تصاريح طبية واحتمال القيام بفحوص طبية يجعل المراقب يتوقع أن يكون عدد المسافرين من خارج مصر أقل منه هذا العام مما كان عليه في الأعوام السابقة. إن لم يكن، فإن شغل المهرجان على نفسه في الأعوام الماضية مكّنه من تجاوز معضلات طارئة كهذه.
الوضع يفرض نفسه كذلك على صانعي الأفلام العرب.
رغم أن المهرجان لم يدّعِ سابقاً ولا الآن أنه بيت للسينما العربية، فإن السينما العربية تجد نفسها بلا بيت هذا العام كما وجدت نفسها في الأعوام السابقة.
مهرجان دبي السينمائي كان أفضل ما تحقق لها منذ عقود. استقبل أفلامها وصانعيها ومنحهم المناسبة المهمّة لكي يعرضوا ويلتقوا ويعودوا إلى المهرجان عاماً بعد عام. مهرجان أيام قرطاج السينمائية لعب دوراً مهماً بدوره، لكنه لن يرى النور هذه السنة إلا عبر عروض مستعادة. مهرجان مراكش غاب وعاد ثم يغيب مجدداً هذا العام، وهو حتى حين كان في ذروته لم يمنح السينما العربية (ولا حتى المغربية) أكثر من منصّة محدودة العدد.
والمهمّة في هذه الصدد آلت إلى مهرجان القاهرة الذي كان دوماً حريصاً على استقبال الأفلام العربية وزاد هذا الحرص بعد غياب مهرجان دبي.
المفهوم العام لمهرجان الجونة يختلف عن مفاهيم وهويّات المهرجانات الأخرى. بذلك هو أقرب إلى منظومة مهرجان أبوظبي السينمائي الذي نظر، خلال سنوات وجوده، إلى السينما ككل، ومال إلى اعتبار أن «العالمية» يجب أن ترتفع عن «العربية»، بمعنى أنه لم يطرح نفسه كمهرجان لعرض وتسويق السينما العربية بحد ذاتها، بل كل الأفلام من مصادرها المختلفة من بينها الأفلام العربية.
- حضور وغياب
إنه منوال صحيح لكن هذا لا جعل المنوال الآخر خطأ. وحتى ضمن هذا المنوال الذي يعمل عليه مهرجان الجونة اليوم تبقى هناك الحاجة للبحث عن أفلام عربية يمكن تقديمها في أطر المسابقات أو خارجها.
هذا العام لديه مجموعة مثيرة للاهتمام علماً بأن عدد المنتج من الأفلام في أكثر من عاصمة عربية شهد هبوطاً واضحاً عما كان عليه في السنوات السابقة. وإذا بحثنا عن الأفلام الصالحة للشاشات المهرجاناتية وجدناها أقل بكثير مما كانت عليه لحين قريب.
ربما وجود فيلمين قصيرين فقط من مصر، هو إعلان نموذجي لهذه الحالة. الفيلم الأول من 15 دقيقة بعنوان «ستاشر» لسامح علاء والثاني من 11 دقيقة بعنوان «الخد الآخر» لساندر كنعان.
لبنان حمل إلى الجونة ثلاثة أفلام واحد منها طويل (تقريباً، إذ لا تزيد مدّة عرضه عن 67 دقيقة) بعنوان «نفَس» لريمي عيتاني. الفيلمان الآخران قصيران: «حاجز» (Roadblock) لداليا نمليش والثاني «شكوى» لفرح شاعر.
تطرح تونس ثلاثة أفلام أيضاً، طويل واحد هو «الرجل الذي باع ظهره»، كما تقدّم، وقصيران «البانو» لأنيسة داود و«تسلل صريح» لسامي تليلي.
لا شيء قادماً من سينمات المنطقة الخليجية بأسرها، علماً بأن «الرجل الذي باع ظهره» جمع بعض التمويل السعودي المصدر، لكن إنتاجه الفعلي تونسي - فرنسي - سويدي مشترك.
فيلم مغربي واحد هو «ميكا» للمخرج المعروف إسماعيل فروخي يشترك في مسابقة الفيلم الطويل وفيلم جزائري واحد هو «جزائرهم» للينا سويلم (في مسابقة الأفلام الوثائقية) وكلاهما بمعونة مالية فرنسية.
ثم هناك فيلم فلسطيني - أردني واحد هو «200 متر» لأمين نايفه ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
في المقابل خمسة أفلام أميركية متوفرة أحدها لجيا كوبولا بعنوان Mainstream يعرض خارج المسابقة. كذلك حال فيلم فيغو مورتنسن «سقوط» (Falling) الذي جمع تمويله كذلك من بريطانيا والدنمارك. الثالث هو «صائدو الفطر» لغريغوري كرشو ومايكل دوَك يعرض داخل مسابقة الفيلم التسجيلي. إلى هذه المجموعة فيلمان يعرضان على جمهور باحث عن الخاص جداً، الأول إعادة عرض لفيلم تشارلي تشابلن «الصبي» (The Kid) وفيلم حديث بعنوان «هوبر- وَلز»، وهو تسجيلي يشمل مقابلة أجراها الراحل دنيس هوبر مع الراحل أورسن وَلز وتم جمعها مع إضافة وثائقيات لها.
جل الأفلام الباقية آتية من دول أوروبا المختلفة. سنجد فرنسا وبولاندا وألمانيا وإيطاليا جنباً إلى جنب أفلام من روسيا وصربيا وأوكرانيا وجورجيا.
هذا هو الشمل المتوقع في كل مهرجان لكن بعد ثلاث دورات سابقة فإن مسيرة مهرجان «الجونة» رغم كل جهوده لكي يتبوأ مركزاً صدارياً كأحد أهم المهرجانات السينمائية حول العالم ما زالت في مطلعها، وربما بقيت كذلك، طالما أن المنافسة الكبرى متوفرة عبر مهرجانات استولت على الاهتمام الأول لصانعي الأفلام وكوّنت لنفسها الهوية التاريخية والفنية التي بات من المعتاد للمخرجين والمنتجين تداولها. لا نتحدّث عن الثلاثة الذهبية «كان» و«برلين» و«فينيسيا» بل كذلك عن لوكارنو وصندانس وتورونتو وكارلوفي فاري وحفنة أخرى من المهرجانات المنتشرة حولنا.
واقعياً، وصل المهرجان المطل على البحر الأحمر للنجاح المأمول والمعقود له حالياً منذ دورته الأولى التي أقيمت سنة 2017. ثبّت دعائمه بفضل إدارة انتشال التميمي له وخبرته. ثم تقدّم انطلاقاً منذ ذلك الحين ليصبح الوليد الجديد للمهرجانات العربية - العالمية المحتفى به.
اليوم هو على سدّة نجاح كان حققه سريعاً خلال العامين السابقين وكل التأييد لمثابرته ضمن هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم بسبب «كوفيد - 19». لكن الطريق من هنا لن تكون أسهل من طريق البدايات.
في هذا الإطار هو كما في حالات مهرجانات كثيرة حول العالم: تنجح في التأسيس ثم في الاستمرار وبعد ذلك تجد نفسها في موضع لا يتغير من عام لعام. شيء ما (وهذا الناقد لم يحضر بعد أي من دوراته) تشعر به مفقوداً هنا: ربما المكان النائي، ربما نوعية الجمهور البعيد عن العاصمة، وربما الحاجة إلى ابتداع قسم جديد يفرض نفسه أكثر مما فعلت الأقسام والبرامج الرسمية الأخرى.
لكن مما لا شك فيه هو أن الخطوات الصعبة المتداولة كل سنة أثمرت حتى الآن على مهرجان فعلي يتوق عديدون التوجه إليه حباً بالأفلام والشمس والإطلال على البحر الأحمر.
- جوائز الدورات السابقة
> الدورة الأولى (2017): خلت من الجوائز.
> الدورة الثانية (2018):
الروائي الطويل: «أكواريلا» لفكتور كوساكوفسكي (بريطانيا - ألمانيا)
التسجيلي الطويل: «أرض مُتَخيّلة» لهو سيو هاو (سنغافورا، الهند).
أفضل فيلم عربي تسجيلي: «عن الآباء والأبناء» لطلال دركي (ألمانيا)
جائزة الفيلم الإنساني: «يوم الدين» لأبو بكر شوقي (مصر).
> الدورة الثالثة (2019):
الروائي الطويل: «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلا (السودان).
التسجيلي الطويل: «التحدث عن الأشجار» لصهيب قسم الباري (السودان، فرنسا).
أفضل أفلام عربية:
روائي: «بابيشا» لمنيا مدّور (الجزائر)
تسجيلي: «إبراهيم، إلى أجل غير مُسمّى» للينا العبد (لبنان).
- جوائز برونزية:
«آدم» لمريم توزاني (المغرب)، «كابول، مدينة الرياح» لأبوزار أميني (أفغانستان).


مقالات ذات صلة

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

يوميات الشرق أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

برحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية.

أحمد عدلي (القاهرة )

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.