«المركزي» الإيراني يعلن اتفاقاً مع بغداد لإعادة مستحقات مالية

اقتصاديون: الزيارة تستهدف «فك خناق» العقوبات الأميركية عبر العراق

محافـظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي يجري مباحثات مع نظيره العراقي مصطفى غالب مخيف في بغداد أمس (إرنا)
محافـظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي يجري مباحثات مع نظيره العراقي مصطفى غالب مخيف في بغداد أمس (إرنا)
TT

«المركزي» الإيراني يعلن اتفاقاً مع بغداد لإعادة مستحقات مالية

محافـظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي يجري مباحثات مع نظيره العراقي مصطفى غالب مخيف في بغداد أمس (إرنا)
محافـظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي يجري مباحثات مع نظيره العراقي مصطفى غالب مخيف في بغداد أمس (إرنا)

أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، بعد مشاورات مع مسؤولين عراقيين في بغداد، أمس، التوصل إلى اتفاق لإعادة مستحقات إيرانية من تصدير الكهرباء والغاز، فضلاً عن تنمية التبادلات البنكية والتجارية.
ويقول الجانبان الرسميان العراقي والإيراني إن زيارة محافظ البنك المركزي الإيراني إلى بغداد تأتي في إطار التعاون المصرفي بين البلدين ومناقشة المستحقات المالية الإيرانية على العراق، فيما يعدّ اقتصاديون أنها «تأتي في إطار محاولة إيرانية لفك خناق العقوبات الأميركية المتواصلة ضد طهران».
وأصدر البنك المركزي العراقي، أمس، بياناً مقتضباً ذكر فيه أن الزيارة تأتي في «إطار التعاون في القطاع المصرفي بين الجانبين وسبل الحلول والمعالجات للمستحقات المالية الخاصة بالجانب الإيراني ضمن حدود الأطر الخاصة بذلك».
وفي مقابل البيان العراقي المقتضب حول طبيعة الزيارة وأهدافها، نشطت وسائل الإعلام الإيرانية في تغطية الحدث، وقالت وكالة «إرنا» الرسمية: «زيارة همتي والوفد المرافق له وهو من كبار مسؤولي المالية والتجارة، في إطار متابعة إعادة مستحقات إيران من العملة الصعبة وتسديد الديون العراقية لإيران».
ونقلت وكالة «إرنا» عن همتى قوله إنه توصل إلى اتفاق مع «البنك المركزي» و«بنك التجارة» العراقيين لإطلاق الأصول المالية الإيرانية في العراق. وقال إنه أجرى مباحثات مع نظيره العراقي، مصطفى غالب مخيف، ورئيس «بنك التجارة» العراقي، سالم جواد عبد الهادي الجلبي، حول التبادلات التجارية وتحرير الموارد الإيرانية، بهدف شراء السلع الأساسية.
ولفت همتي إلى أن بلاده لديها ذخائر مالية «لافتة» من موارد تصدير الغاز والكهرباء إلى العراق.
وفي وقت لاحق، استقبل رئيس الوزراء العراقي، مصطفي الكاظمي رئيس البنك المركزي الإيراني. وقالت وكالة «إرنا» إن المسؤول الإيراني تلقى وعوداً من الكاظمي بمتابعة «تنفيذ الاتفاق»، خلال الأسبوع الحالي.
وبذلك، أعرب همتي عن أمله بأن تشهد العلاقات بين الجانبين خطوات «إيجابية» فيما يخص المجالات الاقتصادية والبنكية. وقال: «وفق مشاورات اليوم ووعود المسؤولين العراقيين، نحن متفائلون بالمستقبل، وسنرى نتائجه على العلاقات الاقتصادية والبنكية». وقال إن «الجمهورية الإسلامية تتطلع إلى أن تأخذ من مواردها المالية بقدر حاجتها»، لكنه أشار إلى «موانع أساسية» وصفها بـ«التنفيذية» في الحصول على الذخائر المالية.
وذكرت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن محافظ البنك المركزي العراقي مصطفى غالب مخيف الذي تسلم مهام عمله الشهر الماضي، اقترح على الجانب الإيراني «تشكيل لجنة مشتركة بحضور مسؤولين مصرفيين وماليين من البلدين لإيجاد الحل اللازم لتسوية القضايا المالية بين إيران والعراق».
وهذه أول زيارة خارجية يقوم بها محافظ البنك المركزي الإيراني بعدما فرضت الولايات المتحدة، الخميس الماضي، عقوبات شاملة على 18 مصرفاً إيرانياً بهدف عزل نظامها المالي عن الاقتصاد العالمي. وقال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين إنها «تظهر التزامنا وقف الحصول غير القانوني على الدولار الأميركي».
وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن العقوبات الأميركية الجديدة على مصارف البلاد «محاولة لمنع التحويلات المالية من أجل شراء الدواء والأغذية»، لكن محافظ البنك المركزي الإيراني نفى أي تأثير للعقوبات على إعفاءات الولايات المتحدة لشراء الدواء والأغذية، معلناً استمرار البنوك الإيرانية في تحويلات مالية عبر نظام «سويفت»، لشراء السلع الإنسانية. وقبل زيارة هتمي بيوم، أصدر الرئيس روحاني تعليمات إلى الجمارك بتسريع آليات ترخيص السلع من النقاط الحدودية، فيما وجه أوامر إلى وزارة الاقتصاد بتنشيط التبادل التجاري مع دول الجوار لمواجهة العقوبات الأميركية.
وخلال الأيام الماضية، سجلت العملة الإيراني أدنى مستويات الانخفاض، مقابل الدولار الأميركي الذي وصل إلى 320 ألف ريال.
وسبق همتي زيارته إلى بغداد بإعلان قرار البنك المركزي الإيراني، ضخ 50 مليون دولار يومياً إلى سوق العملة، لاحتواء تدهور سعر العملة الإيرانية.
وكان همتي قد أعلن الخميس عن «أخبار سارة» تخص إعادة الأصول والموارد الإيرانية، وذلك في محاولة للحد من ضغط العقوبات الأميركية الجديدة على الأسواق.
وفي وقت يضع فيه المسؤولون الرسميون الزيارة في الإطار المعتاد للعلاقات المالية والتعاون المصرفي بين بغداد وطهران، ينظر خبراء عراقيون للزيارة بعين «التشكيك والارتاب»، بالنظر للظروف الاقتصادية المعقدة التي تمر بها إيران عقب العقوبات الأميركية الجديدة التي شملت 18 مصرفاً إيرانياً، وبالتالي سعي طهران للالتفاف على تلك العقوبات عبر البوابة المصرفية العراقية الموضوعة أساساً في عين الرقابة الأميركية.
وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، عدّ في وقت سابق أن «العقوبات الأميركية الجديدة تستهدف ما تبقى من قنوات مفتوحة أمام بلاده لشراء الغذاء والدواء».
وفرضت «الخزانة الأميركية»، الخميس الماضي، عقوبات جديدة على 18 مصرفاً إيرانياً، في إطار سياسة «الضغوط القصوى» التي تمارسها واشنطن ضد طهران، على خلفية الخلاف بينهما حول البرنامج النووي وملفات أخرى تتعلق بزعزعة إيران حالة الاستقرار في المنطقة. ويشاع أن العقوبات الأميركية الجديدة تستهدف عزل الجهاز المصرفي الإيراني عن النظام المالي العالمي بالكامل.
وتعليقاً على زيارة المسؤول المصرفي الإيراني، يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني إن «الزيارة غير اعتيادية بالمرة بالنسبة للجانب الإيراني. الأمر واضح تماماً، هم يبحثون عن مخرج لأزمتهم الخانقة التي أوجدتها العقوبات الأميركية».
ويضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «العقوبات الجديدة ضد طهران طالت أهم المصارف الإيرانية التي تمول قضايا الاستيراد والتصدير، وذلك يعني أنهم يواجهون مشكلة حقيقية، لذلك يسعون، عبر القطاع المصرفي العراقي، للالتفاف على ذلك، ومعروف أن لديهم مصارف غير قليلة في العراق تعمل لصالحهم بالسر». ويستبعد المشهداني تعلق الزيارة بالمستحقات المالية الإيرانية المترتبة على العراق؛ «لأن طهران يمكنها الحصول عليها؛ وهي معروفة وتتعلق باستيراد الكهرباء والغاز، ولا تتجاوز حدود ملياري دولار».
ولمح إلى أن «إيران ربما تستفيد من المعايير الجديدة التي وضعها مدير البنك المركزي العراقي مؤخراً وتتعلق بالمصارف المؤهلة لدخول مزاد العملة في البنك».
ويتفق أستاذ السياسة النقدية في جامعة بغداد، إحسان جبر مع ما يذهب إليه زميله المشهداني من أن الزيارة محاولة إيرانية لمواجهة العقوبات عبر البوابة العراقية.
ويقول جبر لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن لطهران أن تقدم أي شيء لبغداد في المجال المصرفي في ظل العقوبات التي تعاني منها. من الواضح أنهم يسعون لتمرير الأموال عبر المصارف العراقية، خصوصاً ونحن نعلم أن لإيران مصارف تعمل تحت لافتات عراقية». ويضيف: «هذه الزيارة غير مفيدة للعراق، وربما لها عواقب وخيمة إذا ما اكتشفت الولايات المتحدة الأميركية أن العراق بات ممراً للأموال الإيرانية الخارجة والداخلة، وسبق أن وضعت (الخزانة الأميركية) مجموعة مصارف عراقية في القائمة السوداء لتعاملها مع (الحرس الثوري) الإيراني و(حزب الله) اللبناني ومؤسسات أخرى».
ويرى جبر أن «إيران ليس أمامها إلا العراق لحل أزمتها، وذلك بكل تأكيد ستكون له تداعياته الكارثية على العراق في حال جازفت الدوائر المالية المصرفية العراقية وحاولت التحايل على العقوبات الأميركية لصالح طهران».



إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.