أميركا اللاتينية أكثر مناطق العالم تضرراً من «كوفيد ـ 19»

أوروبا تشدد قيودها في ظل مخاوف من تفاقم الموجة الثانية

احتجاجات في روما وعدد من المدن الأوروبية أمس على قيود «كورونا» (إ.ب.أ)
احتجاجات في روما وعدد من المدن الأوروبية أمس على قيود «كورونا» (إ.ب.أ)
TT

أميركا اللاتينية أكثر مناطق العالم تضرراً من «كوفيد ـ 19»

احتجاجات في روما وعدد من المدن الأوروبية أمس على قيود «كورونا» (إ.ب.أ)
احتجاجات في روما وعدد من المدن الأوروبية أمس على قيود «كورونا» (إ.ب.أ)

باتت أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي أمس (السبت)، المنطقة الأكثر تضرراً جراء فيروس «كوفيد - 19»، مع أكثر من عشرة ملايين إصابة مسجلة، في وقت يُرغم فيه ارتفاع عدد الإصابات بشكل مقلق في أنحاء أوروبا، السلطات على اتخاذ تدابير جديدة بما في ذلك فرض قيود صارمة في عدد من المدن.
كما سجلت قارة أميركا اللاتينية والكاريبي نحو 367 ألف وفاة، وفق حصيلة أعدتها وكالة الصحافة الفرنسية. وأصبحت المنطقة الأكثر تضرراً في العالم من حيث عدد الإصابات والوفيات، وتواجه «النتائج الأسوأ صحياً واقتصادياً» في العالم بسبب الوباء، فيما توقع البنك الدولي انخفاضاً بنسبة 7.9 في المائة، بإجمالي الناتج الداخلي للمنطقة بنهاية العام الجاري.
وسُجلت أكثر من نصف الإصابات ضمن القارة، في البرازيل (أكثر من خمسة ملايين إصابة)، تليها كولومبيا بما يقارب المليون إصابة، ثم الأرجنتين وبيرو، وكلتاهما أيضاً اقتربت من المليون إصابة. ويُتوقع أن يتجاوز عدد الوفيات في البرازيل 150 ألفاً، بعد نحو 8 أشهر من تسجيل أولى الإصابات، في حين يواصل عدد الوفيات اليومية التراجع ببطء. ويسجل هذا البلد الكبير الذي يبلغ عدد سكانه 212 مليون نسمة، أكبر عدد وفيات ناجمة عن الوباء في العالم بعد الولايات المتحدة، بينما تسجل بيرو أكبر عدد وفيات بالنسبة إلى عدد السكان مع مائة وفاة لكل مائة ألف نسمة.
أما في أوروبا، التي تعد أكثر من 6.2 مليون إصابة بالمرض وقرابة 240 ألف وفاة، فتتكثف القيود الجديدة في مواجهة الوضع الذي يواصل تفاقمه. ففي ألمانيا، ينبغي على المتاجر وكل المطاعم والحانات إغلاق أبوابها بدءاً من أمس حتى نهاية الشهر الحالي، على الأقل. ومع تسجيل أكثر من أربعة آلاف إصابة جديدة كل يوم، حذرت المستشارة أنجيلا ميركل من أنه في حال لم يستقر عدد الإصابات الجديدة خلال الأيام العشرة المقبلة، فستخضع البلاد لقيود جديدة. كما منع بيع الكحول في محطات الوقود والمتاجر بدءاً من مساء أمس.
وقبل أيام، قال رئيس بلدية العاصمة مايكل مولر: «ليس هذا وقت السهر»، لتبرير اتخاذ مثل هذا الإجراء. وقررت أيضاً البلدية اليسارية فرض قيود مشددة على التواصل الاجتماعي، وبات لا ينبغي أن تتخطى التجمعات في الخارج الخمسة أشخاص ليلاً، وخلال النهار لا يمكن أن تتخطى الخمسين.
وسجلت الجمهورية التشيكية من جهتها، لأربعة أيام على التوالي ارتفاعاً في عدد الإصابات اليومية، ما قد يدفع السلطات إلى فرض عزل جديد في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 10.7 ملايين نسمة. كما أعلنت بولندا المجاورة صاحبة الـ38 مليون نسمة، أمس، أنها سجّلت عدد إصابات قياسياً؛ خمسة آلاف إصابة جديدة خلال 24 ساعة.
وسجّلت في المملكة المتحدة الدولة الأكثر تضرراً في أوروبا، أكثر من 42 ألف حالة وفاة وأكثر من نصف مليون إصابة. وتعد مدينة نوتينغهام الأكثر تضرراً في إنجلتر. ويُتوقع أن يعرض رئيس الوزراء بوريس جونسون استراتيجيته أمام نواب البرلمان غداً (الاثنين)، للتصدي لانتشار الفيروس. وكتب مستشاره الاستراتيجي إدوارد ليستر إلى النواب في شمال غربي إنجلترا، المنطقة المتضررة بشكل خاص جراء الوباء، لتنبيههم إلى أنه «من المرجح جداً» أن تُطبق قواعد أكثر صرامة في «بعض المناطق». وأُرغمت الحانات والمقاهي في خمس مناطق اسكوتلندية تضم مدينتين أساسيتين؛ هما غلاسكو وإدنبره، على إغلاق أبوابها لمدة تتجاوز الأسبوعين.
كما يزداد الوضع خطورة في فرنسا التي سجلت 20339 إصابة جديدة خلال 24 ساعة، وهو رقم قياسي جديد، وفق الأرقام الرسمية الصادرة مساء الجمعة. ولم يستبعد المجلس العلمي التابع للحكومة فرض إغلاق محلي في بعض المناطق «إذا كان ذلك ضرورياً».
وأعلنت من جهتها الحكومة الإسبانية حالة الطوارئ الصحية في منطقة مدريد من أجل احتواء ارتفاع عدد الإصابات التي بلغت أكثر من 10 آلاف إصابة يومياً كمعدل في الأيام الأخيرة، معيدةً فرض إغلاق جزئي في العاصمة كان القضاء قد ألغاه في اليوم السابق.
وفي الولايات المتحدة، اعتبر الدكتور أنطوني فاوتشي كبير أطباء الإدارة الأميركية، أن تصريحات ترمب التي رحّب فيها بتعافيه من الفيروس بفضل علاج تجريبي، قد تثير «كثيراً من الالتباس». وبعد مفاوضات، استمرت أكثر من شهرين واتسمت بتغيير ترمب مواقفه بشكل جذري، وضع البيت الأبيض مبلغ 1800 مليار دولار على الطاولة من أجل خطة إنعاش اقتصادي جديدة، على أمل التوصل إلى اتفاق مع الديمقراطيين قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات الرئاسية.
وفي روسيا، ارتفع عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في روسيا بواقع 12846 حالة أمس، وهي زيادة يومية قياسية جديدة منذ بدء الجائحة هذا العام، ليقفز بذلك العدد الإجمالي للإصابات إلى أكثر من مليون. وقال مركز إدارة أزمة كورونا في روسيا إن البلاد سجلت 197 وفاة جديدة بالفيروس خلال الـ24 ساعة الماضية، ليرتفع إجمالي الوفيات إلى 22454.
وبشكل عام، ارتفع إجمالي عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في مختلف أنحاء العالم إلى 36 مليوناً و883 ألفاً و768 حالة حتى الساعة السابعة و15 دقيقة، وفقاً لبيانات جمعتها جامعة «جونز هوبكنز» الأميركية ووكالة «بلومبرغ» للأنباء. وبلغ عدد الوفيات بسبب الفيروس مليوناً و68 ألفاً و198 حالة.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟