عن عالم كيسنجر: التراجيديا المحتَّمة

حصل على جائزة نوبل للسلام ولقب بـ«عرَّاف العالم الغربي»

عن عالم كيسنجر: التراجيديا المحتَّمة
TT

عن عالم كيسنجر: التراجيديا المحتَّمة

عن عالم كيسنجر: التراجيديا المحتَّمة

طال العمر بهنري كيسنجر. فهو الآن في السابعة والتسعين، وما زال يعتبر عند مثقفي العالم الغربي أكثر رجال الدولة والدبلوماسية الباقين على قيد الحياة تأثيراً في صياغة واقع عالمنا المعاصر - وقد صوّت أساتذة علوم السياسة وباحثوها عبر الجامعات الأميركية عام 2014 على اعتباره أكثر وزراء الخارجية فعالية خلال الخمسين سنة الأخيرة، ولا يزال كبار متعاطي السياسة في الولايات المتحدة على تنوع اتجاهاتهم يطلبون مشورته ورأيه فيما يستعصي عليهم من الأمور، رغم أنه لا يحتفظ بأي منصب رسمي، فهذا ديك تشيني - الذي تولى منصب نائب الرئيس قال حينها: «ربما أنا أتشاور مع هنري كيسنجر أكثر من أي أحد آخر»، وهذه هيلاري كلينتون كتبت «كيسنجر صديق مقرّب وكنت لا أستغني عن نصائحه عندما كنت أتولى منصب وزيرة الخارجيّة»، وكثيراً ما شوهد في زيارات متكررة لسكان البيت الأبيض: من كارتر إلى ريغان، ومن جورج دبيليو بوش إلى ترمب اليوم.
تمتع كيسنجر دائماً في المخيال الغربي بمكانة وشهرة لم يسبقها إليه ربما سوى نجوم الفكر السياسي في العصور الأوروبية ما قبل الحديثة ميكافيللي وريشيليو وماتزييني، ومن دون أدنى شك هو أهم من تولى مناصب وزير الخارجية ومستشار الأمن الأمني في تاريخ الدولة الأميركية، وكان يسمى داخل أوساط ثعالب السياسة في وزارة الخارجيّة البريطانيّة بـ«عرّاف العالم الغربي»، وقد حصل على جائزة نوبل للسلام (1973)، وعلى أعلى جائزة للكتاّب في بلاده (الجائزة الوطنيّة للكتاب - 1980) عن مؤلفاته - المرجعية لمثقفي الغرب وواسعة الانتشار -، وتلك مكانة لا بأس بها لأكاديمي تخصصه الدّقيق تاريخ مؤتمر فيينا، ومهاجر من ألمانيا المدمّرة بالحروب إلى العالم الجديد.
ومع مطلق النجوميّة تلك، فإن كيسنجر وسياساته لم تكن موضع اتفاق أبداً لا داخل الولايات المتحدة ولا خارجها، ولا أيّام توليه المناصب الرسمية ولا بعد تركها، وطالما تعرضت مواقفه لانتقادات من اليمين الأميركي قبل اليسار بوصفها غير أخلاقيّة وذرائعية ومرحليّة، كل بحسب مرجعيته الآيديولوجية.
البعض رآه مجرم حرب موغلاً في دماء الملايين وظّف إمكانات دولة العالم الأعظم لفرض الهيمنة على الشعوب الفقيرة وتدمير مجتمعات كاملة من لاوس وكمبوديا إلى فيتنام، ومن تشيلي إلى بنغلاديش دون أن يرفّ له جفن، ناهيك بالطبع عن آلاف القتلى والمعوقين من الشبان الأميركيين ومنهم بيرني ساندرز المرشّح الرئاسي السابق عن الحزب الديمقراطي الذي صرّح خلال جدال انتخابي هذا العام بأنّه «فخور بكونه ليس صديقاً لهنري كيسنجر»، فيما اعتبره البعض الآخر مسؤولاً عن تراجع هيبة الولايات المتحدة في العالم نتيجة دفعه باتجاه الحلول الدبلوماسية عبر القنوات الخلفيّة بدل فرض نفوذ الإمبراطورية من خلال فائض القوة الهائل - ومنهم الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان في خطابه أمام مؤتمر الحزب الجمهوري 1976 - الذي اتهمه والرئيس جيرالد فورد بتعريض الولايات المتحدة للخطر، وربما الاندثار بعدما تسببا بتوجهاتهما المهادنة بتراجع بلادهما إلى المركز الثاني في مواجهة القوة العسكريّة السوفياتية.
هذا التفاوت الحاد في النظرة إلى الرجل وتقييم أعماله انعكست بالضرورة على الكتب التي رصدت تجربته فانحازت إلى طرفي النقيض، لكن أغلب نتاجات المؤسسة الثقافيّة الرسميّة كانت متعاطفة معه، بل هناك مؤخراً موجة مستجدة من رؤية أكثر تفهماً لواقعية السياسة الكيسنجريّة وتقبلاً لهفواتها الأخلاقيّة لمصلحة أهميتها الفائقة في تحقيق انتهاء الحرب الباردة لمصلحة المنظومة الرأسماليّة - الأميركيّة، ومنها مؤخراً السيرة التي وضعها له الأكاديمي اليميني البريطاني نيل فيرجسون وطوَّبه فيها نبياً للمثاليّات. ولذلك فإن كتاب باري غيوين - المحرر بـ«نيويورك تايمز» - الصادر حديثاً «التراجيديا المحتّمة: هنري كيسنجر وعالمه*» يبدو الأكثر توازناً إلى الآن ويقدّم قراءة أعمق للمنهجيّة الكيسنجريّة - إن جاز التعبير - ويضعها في سياقات قابلة لاستخلاص العبر - أقلّه من قبل الساسة الغربيين المعاصرين - : نظرته إلى التاريخ وفهمه لديناميكيات القوّة، وموقفه من الديمقراطيّة، ومنهجيته في تحقيق الغايات الاستراتيجية بغض النظر عن طبيعة الوسائل المستخدمة في ذلك، وتصوره للنظام السياسي العالمي.
ليس نص غيوين (نحو 450 صفحة) بسيرة ذاتيّة لكيسنجر الشخص من المهد إلى اللحد بقدر ما هو متابعة للرحلة الفكرية للرجل خلال المراحل المختلفة لحياته من بداياته الأكاديميّة بجامعة هارفارد - معاصراً لرفاق مثل زيبيغنيو بريجنسكي وصمويل هانتغتون وستانلي هوفمان وآرثر شليزنجر جونيور - مروراً بتجربة السلطة في خدمة الرئيسين نيكسون وفورد، وانتهاء بدوره لاحقاً كعرّاف و(شامان) يستعان برأيه في إدارة واشنطن لأوجاع العالم. ولذلك يتضاءل الجانب الشخصي المحض عن «العزيز هنري» - كما كان يدعوه تحبباً الرئيس المصري الراحل أنور السادات - لمصلحة استنطاق للفلسفة السياسية الواقعيّة التي تستهدف الحفاظ على المصالح القوميّة العليا للولايات المتحدة ببناء توازنات للقوى الدوليّة تضمن عقلنة الصراعات، وترشيدها في إطارات خطوط حمراء وخوضها دائماً ضمن منظور طويل المدى بدلاً من الوقوع في مطبات اللحظي والمرحلي والعابر.
غيوين يرى أن تجربة كيسنجر لا يمكن فهمها دون إدراك تأثره العميق بمعضلة صراعات القوة والنفوذ في أوروبا ما قبل الحرب العالميّة الثانية، وتلك الهشاشة المفرطة للنظام الديمقراطي الذي أمكن للقوى الفاشية في غير ما بلد تسلقه لإنهاء الديمقراطيّة الليبرالية وانتخاب الديكتاتوريين، ومن ثم الدخول في صراعات طاحنة ضد برغوازيات الدول الأخرى كانت أثمانها البشريّة والمادية فادحة ومؤلمة. وهو من خبرته الشخصيّة تلك طعّم السياسة الخارجيّة الأميركيّة بواقعيّة عملانيّة جريئة وازاها فكريّاً في ميادين العلوم النظريّة والمعارف الأخرى جيل المثقفين اليهود الذين هاجروا من أوروبا الرايخ الثالث واتخذوا الولايات المتحدة وطناً جديداً: حنة أريندت وليو ستراوس وهانز مورغينثاو وغيرهم الذين خلصوا بطرق مختلفة إلى النتيجة نفسها: البشر، يمكن خداعهم وسوقهم لخدمة الديماغوجيّات وليسوا بقادرين على مواجهة الشر أو حتى رؤيته أحياناً.
ولا شكّ أن كيسنجر كان أكثر بصيرة من صقور النخبة الأميركيّة بإحساسه المتشائم بالتراجيديا المحتمّة، إذ أدرك أن جبروت الإمبراطوريّات ليس دائماً، إذ هي تتجه حتماً إلى السقوط (روما القديمة) أو الضعف (بريطانيا المعاصرة)، مما يستدعي البحث عن طرائق غير القوة العسكريّة المحضة لتمديد الهيمنة، وهي عنده في بناء توازنات لقوى متقاطعة ومتنافسة في نوع من نظام عالمي يضمن أن أي منها لن يكون قادراً على مواجهة الولايات المتحدة في أي وقت قريب. فبدلاً من معاداة الكتلة الشيوعيّة كقطعة صماء واحدة مثلاً، كان كيسنجر وراء نظريّة منع التحالف بين الصين والاتحاد السوفياتي عبر التقارب مع بكين، وكذلك دعوته المتكررة سابقاً واليوم في تحجيم المنافسة الحادة مع العملاق الصيني الصاعد، لأن ذلك سيكون بشكل أو آخر ترجيحاً لكفة العناصر المتصلبة والصقور الذين قد يصبحون أعظم نفوذاً وأكثر عداءً للولايات المتحدة، والاشتباك الإيجابي مع روسيا لمنع تصاعد خطر مواجهة نووية ديستوبيّة، وخوض حروب تقليم الأظافر الإقليميّة كوجه آخر للدبلوماسيّة وضمن حدود وقواعد اشتباك لمنع تدحرجها في مواجهة كارثيّة بين الدول الكبرى.
إذا وضعنا أكوام الجثث التي تسببت بها سياسات كيسنجر وقتها جانباً، فإن هذه الواقعيّة لسياسته الباردة تبدو شديدة العقلانيّة مقارنة بالتوجهات الحاليّة لإدارة الرئيس ترمب.
غيوين مع دفاعه عن سياسات كيسنجر الدمويّة في جنوبي شرق آسيا وأميركا الجنوبيّة بوصفها ضرورات استراتيجية وتكاليف لا بد من دفعها لضمان استمرار توازن القوى العالمي على حاله لمصلحة تأبيد هيمنة الولايات المتحدة ومنع انكسارها فإنه مع ذلك يُبقي مسافة نقديّة من موضوع كتابه، تسمح له باعتبار العقل الاستراتيجي في الثنائي نيكسون - كيسنجر، كان الأول فيما كانت عبقريّة الثاني وراء تنفيذ الاستراتيجيّات وتحويلها إلى مكاسب للمشروع الأميركي. العارفون بدواخل إدارة نيكسون يعلمون بأن الرئيس - بصفته الشخصيّة كصديق - دعاه لطلب معالجة سيكولوجية تخفف من جلواء هستيريا صراعات القوة التي استحوذت عليه.
ينقل جون فاريل من «نيويورك تايمز» عن كيسنجر إعجابه الشديد بشخصيّة الكاردينال ريشيليو. والأخير كان داهية سياسة، قال عنه البابا أوروبان الثامن يوماً «إذا كان ثمّة إله يحكم هذه الدنيا فإن الكاردينال سيواجه حساباً عسيراً على ما ارتكبت يداه، وبعكس ذلك فإنّه سيكون قد عاش حياة صاخبة أصاب فيها من النجاح». البابا لن يجد بالطبع كلمات أفضل لوصف كيسنجر لو كان التقاه.



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).