60 ألف مريض بالسرطان مهددون في مناطق الحوثيين

اتهامات للميليشيات باستهداف القطاع الصحي والتمييز في تقديم العلاج

مرضى ومراجعون أمام مستشفى الثورة بصنعاء الشهر الماضي (رويترز)
مرضى ومراجعون أمام مستشفى الثورة بصنعاء الشهر الماضي (رويترز)
TT

60 ألف مريض بالسرطان مهددون في مناطق الحوثيين

مرضى ومراجعون أمام مستشفى الثورة بصنعاء الشهر الماضي (رويترز)
مرضى ومراجعون أمام مستشفى الثورة بصنعاء الشهر الماضي (رويترز)

أفادت مصادر طبية في صنعاء بأن استهداف الميليشيات الحوثية المتكرر للقطاع الصحي في مناطق سيطرة الجماعة، يهدد حياة مرضى السرطان الذين ارتفعت أعدادهم لتصل إلى 60 ألف حالة، بينهم 18 ألف في محافظتي إب وتعز.
وفي وقت تواصل فيه الجماعة إغلاق وتعطيل عمل المؤسسات والمراكز التي تعمل على علاج ودعم مرضى السرطان في صنعاء ومدن أخرى، كشفت مصادر طبية لـ«الشرق الأوسط» عن تضاعف معاناة آلاف المرضى من الأطفال والنساء، بسبب تدهور القطاع الصحي. وأكدت أن مرضى السرطان في صنعاء وريفها ومحافظات إب وتعز وعمران وذمار وحجة وريمة وغيرها «يعانون الأمرين جراء انعدام الأدوية المجانية المقدمة لهم من منظمات دولية وغياب معظم الخدمات الصحية وتردي الأوضاع المعيشية لأسرهم».
وتحدثت المصادر عن استمرار الميليشيات منذ اجتياحها صنعاء في قطع جميع الخدمات الصحية، سواء الأساسية أو الثانوية، واكتفائها بنهب ما تبقى من مقدرات الدولة ومواردها وتسخيرها لخدمة مجهودها الحربي وزيادة أرصدتها المالية.
إلى ذلك، شكا المئات من المرضى المصابين بالسرطان من انعدام العلاج وانقطاع الخدمات الطبية بمناطق السيطرة الحوثية، مشيرين إلى أنهم يواجهون خطر الموت بسبب فشل الجماعة في إدارة المرافق الصحية وعبث قادتها بالموارد والمساعدات وبيعها.
وتقول سلمى (40 عاماً)، وهي مصابة بسرطان الثدي في صنعاء اكتفت باسمها الأول خوفاً من بطش الحوثيين: «وصلت إلى مرحلة أنتظر فيها الموت بدلاً من انتظار جرعة العلاج الكيماوي التي غالباً ما تذهب لمن لديهم المحسوبيات في مركز علاج الأورام السرطانية» في المستشفى الجمهوري بصنعاء. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أنتظر أحياناً لأسابيع عدة للحصول على جرعة الدواء وأدفع في المقابل مبالغ ورشى وغير ذلك، بينما هناك حالات تأخذ العلاج بالمجان وبكل سهولة، والسبب الوحيد هو وجود علاقة وطيدة بينها وبين عناصر الجماعة الحوثية».
وشكا حسن، وهو رجل من محافظة ذمار قدم إلى صنعاء لعلاج والده السبعيني الذي يعاني من سرطان في الكبد، من «الإهمال والتغاضي عن الوضع المزري الذي وصلت إليه المراكز والأقسام والمؤسسات الخاصة المعنية بعلاج ومكافحة السرطان». ودعا المنظمات الدولية والمعنيين إلى «سرعة إنقاذ مرضى السرطان الذين يواجهون خطر الموت ويتجمعون بالمئات أمام المراكز والمؤسسات والمستشفيات في صنعاء أملاً في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة التي تمكنهم من تجاوز هذا المرض الخبيث وكل آلامه».
وأوضح أطباء وعاملون صحيون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن المئات من مرضى السرطان باتوا يعانون من مضاعفات وظروف صعبة في ظل سياسات الميليشيات الخاطئة وعدم توافر الإمكانات والأدوية، الأمر الذي أثر سلباً على علاجهم.
وكشف عاملون في قسم السرطان في مستشفى الثورة بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن أن القسم يستقبل يومياً عشرات الحالات المصابة بالسرطان، قادمة من قرى ومناطق يمنية عدة واقعة تحت سيطرة الحوثيين. وأكدوا أن القسم بات «عاجزاً» عن تقديم أدنى الرعاية الصحية للمرضى، نظراً إلى ارتفاع أعداد المرضى المتوافدين إليه وضعف الإمكانات وعدم وجود التجهيزات المناسبة لعلاج السرطان، ناهيك عن الانعدام شبه الكلي للأدوية والمستلزمات الطبية الأخرى المتعلقة بالعلاج والمكافحة.
وطبقاً للعاملين الصحيين، تستقبل مراكز علاج أمراض الأورام السرطانية بمناطق سيطرة الحوثيين يومياً من 30 إلى 35 حالة مرضية من الذكور والإناث، ومن فئات عمرية مختلفة، طبقاً لإحصاءات يومية. وأكدوا أن الأطفال والشباب حتى عمر الأربعين يشكلون النسبة الأكبر من الإصابات بالأورام السرطانية.
وكشف مصدر طبي في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن استقبال المركز الوطني لمعالجة الأورام في العاصمة أكثر من 600 حالة شهرياً، وسط إهمال وتقاعس كبيرين من جانب سلطات الانقلاب. وأكد أن المئات من مرضى السرطان «باتوا على شفا الموت نتيجة توقف أو تراجع عمل المراكز والمؤسسات المتخصصة بمكافحة مرض السرطان في مناطق الجماعة، ومنها المركز الوطني لعلاج الأورام والمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، نتيجة العبث والاستهداف الحوثي المنظم».
وأبدى المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه تخوفه من استمرار توقف المساعدات المقدمة من المنظمات والمؤسسات الخيرية ورجال الأعمال، كونها المصدر الوحيد الداعم للمراكز حالياً، خصوصا بعد إيقاف الجماعة الميزانيات التشغيلية للمراكز منذ اجتياحها صنعاء في 2014.
وفي سياق استهدافها لما تبقى من القطاع الصحي بمناطق سيطرتها، أنشأت الجماعة أواخر العام 2018 صندوقاً مزعوماً لمكافحة السرطان وعينت أحد عناصرها ويدعى عبد السلام المداني، رئيساً له، بهدف السيطرة على التمويلات والمساعدات لمراكز علاج السرطان سواء الحكومية أو تلك التابعة لمؤسسات خيرية ولمنظمات المجتمع المدني.
وأكدت مصادر خاصة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات استحدثت الصندوق عقب تلقي مركز الأورام مساعدة مالية بمبلغ مليون دولار من منظمة الصحة العالمية في 2018 وبينت أن الجماعة سعت حينها إلى فرض الصندوق كجهة رسمية لاستقبال مساعدات الجهات الدولية على أن يتولى مهمة إدارة المساعدات والمنح.
وسبق ذلك بأيام استحداث الانقلابيين هيئة جديدة تحت اسم «رابطة مرضى السرطان» بغية الالتفاف على الدعم الإنساني الدولي، وإصدارهم حينذاك لتوجيهات ألزمت المستشفيات والهيئات الحكومية في صنعاء بالتعامل مع تلك الرابطة المستحدثة وتقديم الدعم عبرها. وأشارت المصادر إلى أن «الجماعة هدفت من خلال إنشاء الرابطة إلى إحلالها محل المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، على نحو يمكنها من الالتفاف على الدعم الإنساني المقدم لمرضى السرطان من مركز الملك سلمان ومن منظمات دولية ورجال أعمال وغيرهم، لتسخير كل ذلك لتمويل مجهودها الحربي وإثراء قادتها».
وفي تقرير سابق، قدرت منظمة الصحة العالمية وجود 30 ألف مريض جديد بالسرطان في اليمن كل عام، مؤكدة أنها سجلت خلال عام واحد فقط نحو 10 آلاف حالة جديدة ولم تحصل سوى 40 في المائة من الحالات على العلاج بشكل كامل ومناسب.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».