الاستهلاك المفرط... هل تكفي «قوارب النجاة» لإنقاذ سكان الأرض؟

رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)
رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)
TT

الاستهلاك المفرط... هل تكفي «قوارب النجاة» لإنقاذ سكان الأرض؟

رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)
رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، اقترح عالم البيئة الأميركي غاريت هاردن ما أسماها «أخلاقيات قارب النجاة»، إذ اعتبر أنه في العالم المعاصر ذي الموارد المحدودة يمكن النظر إلى كل دولة غنية على أنها قارب نجاة مليء بالأثرياء نسبياً، وفي محيط كل قارب يسبح عدد كبير من فقراء العالم. ويرى هاردن أنه إذا سُمح لأي من هؤلاء الفقراء بالصعود إلى قارب النجاة، فستحدث الفوضى ويغرق الجميع، ولذلك من واجب الأشخاص على قارب النجاة تجاه جنسهم أن يكونوا أنانيين ويُبعدوا الآخرين!
استعارة هاردن المجردة من العواطف هي ما يحكم العالم حالياً. فالأسوار على حدود البلدان الغنية تزداد ارتفاعاً في وجوه المهاجرين من الدول الفقيرة. وفي أكثر من مكان، ترتفع أصوات ترفض المساومة على نمط الحياة في مقابل استقبال المهاجرين أو تقديم العون للبلدان الأكثر فقراً. ولكن هل موارد العالم شحيحة إلى درجة حرمان الأكثرية من العيش الكريم؟ أم أن نمط الحياة في البلدان الغنية يستنزف ثروات الأرض على نحو غير عقلاني؟
- استنزاف للطبيعة
أفضل مقياس متاح لتقييم تأثيرات مستوى المعيشة المرتفع على أنظمة دعم الحياة على كوكب الأرض هو مؤشر «البصمة البيئية» الذي يقدر مساحة الأرض المطلوبة لتزويد كل إنسان بالطعام والملابس والموارد الأخرى إلى جانب امتصاص التلوث الناتج عن الإنتاج والاستهلاك. تُظهر آخر معطيات البصمة البيئية أن الحفاظ على نمط حياة المواطن الأميركي استلزم 8.1 هكتار من مساحة الأرض في سنة 2016. بينما احتاج الأستراليون والكنديون إلى 6.6 و7.7 هكتار على التوالي، والبريطانيون 4.4 هكتار، والألمان 4.8 هكتار، واليابانيون 4.5 هكتار، علما بأن المتوسط العالمي هو 2.75 هكتار. وتبلغ البصمة البيئية للمواطن الصيني 3.6 هكتار، في حين أن بلداناً تتصدر العالم في معدل النمو السكاني مثل الهند ومعظم أفريقيا لم تتجاوز بصمتها البيئية 1.2 هكتار.
وفي العالم العربي، تبلغ البصمة البيئية للمواطن السعودي 6.2 هكتار، وترتفع في الإمارات لتصل إلى 8.9 هكتار وفي الكويت 8.6 هكتار وفي قطر 14.4 هكتار. وهي في مصر 1.8 هكتار وفي الجزائر 2.4 هكتار، فيما تتراجع إلى نحو هكتار أو أقل في معظم الدول العربية الأخرى.
توجد علاقة وثيقة بين أنماط الحياة الاستهلاكية واستنزاف الموارد الطبيعية وتراجع حالة البيئة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، تؤكد الدراسات على وجود صلة بين زيادة الاستهلاك وارتفاع مؤشرات انبعاثات الكربون والنيتروجين وتناقص المواد الخام وتراجع التنوع الحيوي وانحسار الموارد المائية والإفراط في استهلاك الطاقة.
وكان تقرير لمنظمة «أوكسفام» وجد أن 10 في المائة من البشر الأغنى في العالم مسؤولون عن نصف انبعاثات غازات الدفيئة العالمية. وفي المقابل، تقتصر مساهمة النصف الأفقر عالمياً على 10 في المائة فقط من مجمل الانبعاثات. ويبين التقرير بوضوح الصلة بين نمط الحياة الاستهلاكية وتغير المناخ، علما بأن مواطني الدول النامية هم الأكثر هشاشة تجاه العواصف العاتية والجفاف والصدمات المناخية القاسية الأخرى. ويشكك التقرير في الفرضية القائلة بمسؤولية المواطنين في البلدان الفقيرة عن نمو الانبعاثات سنوياً، إذ يقترح أن هذا النمو ناتج عن زيادة حجم التصنيع في هذه البلدان لصالح الدول الغنية، مما يعني أن الانبعاثات المرتبطة بنمط حياة الغالبية العظمى من الفقراء لا تزال أقل بكثير من نظرائهم الأثرياء في الدول الاستهلاكية.
ويحذر بحث، نُشر في دورية «نيتشر كوميونيكشنز» في منتصف العام الحالي، من الأثر العميق للإفراط في استهلاك الموارد على البيئة والتنمية. ويخلص البحث إلى أن الانتقال نحو الاستدامة لن يتحقق من دون إجراء تغييرات في نمط المعيشة تتكامل مع التطورات التقنية المستجدة، مما يستلزم تقليلاً في حجم الاستهلاك وتغييراً بنيوياً من خلال اعتماد منتجات أكثر استدامة.
ويقترح البحث اتباع سياسات بيئية جديدة وفعالة لخفض الاستهلاك وتقليل آثاره السلبية، تشمل على سبيل المثال الضرائب البيئية، والاستثمار في المشاريع الخضراء، وإعادة توزيع الثروة، واعتماد أسبوع عمل أقصر لبناء اقتصاد أكثر خضرة. وكذلك تفكيك الدافع الرأسمالي للثروة، بحيث لا تكون الغاية هي مراكمة الأصول والأموال وإنما التمتع بنوعية حياة أفضل تراعي سلامة البيئة وحقوق الأجيال القادمة.
وكانت مجموعة تضم 83 شخصاً من أثرياء العالم دعوا، في رسالة نشرتها صحيفة «الغارديان» في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، إلى زيادة الضرائب على الأغنياء لدفع تكاليف الانتعاش الاقتصادي بعد جائحة «كوفيد - 19». وطالبت المجموعة السياسيين بتحقيق المساواة العالمية، والاعتراف بأن زيادة الضرائب على الأغنياء وضمان الشفافية الضريبية الدولية أمران ضروريان لتسوية قابلة للتطبيق على المدى الطويل.
- تحقيق المزيد بموارد أقل
توقع «نادي روما» عام 1972 أن تؤدي الزيادة المطردة في الطلب على الموارد إلى انهيار اقتصادي عالمي مفاجئ. ولكن الدراسات حول استهلاك الموارد والنمو الاقتصادي أظهرت أن المجتمعات تصل في مرحلة ما إلى تحقيق النمو الاقتصادي باستخدام موارد مادية أقل. فوفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، مثلاً، حصل تراجع ملحوظ في استهلاك المعادن في الولايات المتحدة اعتباراً من سنة 1970. فيما استمر الاقتصاد الأميركي في النمو. وفي 2015 انخفض إجمالي الاستخدام الأميركي للحديد الصلب بأكثر من 15 في المائة من أعلى مستوى له في 2000، وكذلك انخفض استهلاك الألومنيوم بأكثر من 32 في المائة والنحاس بنسبة 40 في المائة عن ذروتيهما.
وتعد الولايات المتحدة أكبر منتج في العالم لكل من فول الصويا والذرة وتحتل المركز الرابع في إنتاج القمح. وبمقارنة مؤشرات استهلاك الأسمدة والمياه والأراضي الزراعية، يُلاحظ انخفاض استخدام الأسمدة بنسبة 25 في المائة عن ذروته في 1999. وبحلول سنة 2014 انخفض إجمالي المياه المستخدمة في الري بأكثر من 22 في المائة عن الحد الأقصى المسجل في 1984. كما انخفض إجمالي الأراضي الزراعية إلى مستويات تنافس أدنى نقطة في القرن السابق. في المقابل، ارتفع استهلاك بعض المواد في الولايات المتحدة، مثل الإسمنت والرمل والحصى، التي تدخل في صناعة البناء، وكذلك المنتجات البلاستيكية.
ومن اللافت أن استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة في 2017 انخفض بنسبة 2 في المائة عن ذروته في 2008. كما انخفض انبعاث غازات الدفيئة على نحو أسرع بالمقارنة مع إجمالي استهلاك الطاقة، نتيجة التحول عن الفحم الحجري إلى الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء.
وإلى جانب الولايات المتحدة، توجد مؤشرات على أن دولاً صناعية أخرى بدأت بتجاوز ذروة «منحنى كوزنتس» الذي يقيس العلاقة بين النمو الاقتصادي والتلوث البيئي، مثل بريطانيا التي أطلقت الثورة الصناعية قبل قرنين من الزمن ووصلت إلى ذروة استهلاكها للموارد بين 2001 و2003. وتُظهر بيانات «يوروستات» أن بلداناً من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا شهدت على العموم استقراراً أو انخفاضا في إجمالي استهلاك المعادن والكيماويات والأسمدة في السنوات الأخيرة.
أما الدول النامية، لا سيما التي تحظى بنمو متسارع مثل الهند والصين، فهي لم تصل بعد إلى مرحلة التراجع عن استهلاك الموارد. لكن من المتوقع حدوث هذا التحول في المستقبل القريب بفضل التطورات التقنية، كما هو حاصل في قطاع الطاقة النظيفة.
- على من تقع المسؤولية؟
صحيح أن مساهمة المواطن الأميركي في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون آخذة في التراجع منذ سنوات، ولكن الانبعاثات العالمية لا تزال في تصاعد والكمية التي تسبب بها المواطن الأميركي الواحد في 2018 تزيد عما أنتجه مواطنان صينيان أو 8 هنود أو 15 باكستانياً أو 6 مصريين أو 46 يمنياً أو 118 إثيوبياً في السنة ذاتها. وإذا اتبع 7.8 مليار إنسان، هم تعداد سكان العالم حالياً، نمط الاستهلاك الأميركي، فإن الأرض ستكون تحت ضغط تلوث يعادل فعلياً ما ينتجه 25 مليار إنسان.
ومن ناحية أخرى، فإن التراجع في كمية الموارد المستهلكة لإنتاج سلعة ما قد يؤدي إلى زيادة الأثر البيئي السلبي في مكان آخر. على سبيل المثال، تتضاعف قدرة الأجهزة الرقمية على معالجة المعلومات كل سنتين تقريباً، وبينما يتناقص حجم هذه الأجهزة، تزداد أنواع المواد المستخدمة في تصنيعها. ففيما كانت رقائق الكومبيوتر في الثمانينات تحتاج إلى 11 مادة، تستلزم الآن نحو 60 مادة، وهذا يعني مزيداً من التنقيب عن العناصر النادرة وإضراراً بالبيئة في أماكن بعيدة.
من الضروري خفض الاستهلاك الزائد الذي لا يهدف إلى تلبية الاحتياجات الحقيقية، بالتوازي مع توفير المزيد من البدائل المستدامة بيئياً، حتى لو كان ذلك يعني تراجعاً في النمو. فقد تبين أن ما اعتبره غاريت هاردن «قارب نجاة» في سبعينيات القرن الماضي ما هو إلا يخت فاخر للمجتمعات الغنية، يستنزف موارد الأرض المحدودة ويعرض الجميع للغرق.


مقالات ذات صلة

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.