الاستهلاك المفرط... هل تكفي «قوارب النجاة» لإنقاذ سكان الأرض؟

رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)
رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)
TT

الاستهلاك المفرط... هل تكفي «قوارب النجاة» لإنقاذ سكان الأرض؟

رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)
رجل يصطاد قرب محطة كهرباء تدار بالفحم الحجري في شنغهاي (أ.ف.ب)

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، اقترح عالم البيئة الأميركي غاريت هاردن ما أسماها «أخلاقيات قارب النجاة»، إذ اعتبر أنه في العالم المعاصر ذي الموارد المحدودة يمكن النظر إلى كل دولة غنية على أنها قارب نجاة مليء بالأثرياء نسبياً، وفي محيط كل قارب يسبح عدد كبير من فقراء العالم. ويرى هاردن أنه إذا سُمح لأي من هؤلاء الفقراء بالصعود إلى قارب النجاة، فستحدث الفوضى ويغرق الجميع، ولذلك من واجب الأشخاص على قارب النجاة تجاه جنسهم أن يكونوا أنانيين ويُبعدوا الآخرين!
استعارة هاردن المجردة من العواطف هي ما يحكم العالم حالياً. فالأسوار على حدود البلدان الغنية تزداد ارتفاعاً في وجوه المهاجرين من الدول الفقيرة. وفي أكثر من مكان، ترتفع أصوات ترفض المساومة على نمط الحياة في مقابل استقبال المهاجرين أو تقديم العون للبلدان الأكثر فقراً. ولكن هل موارد العالم شحيحة إلى درجة حرمان الأكثرية من العيش الكريم؟ أم أن نمط الحياة في البلدان الغنية يستنزف ثروات الأرض على نحو غير عقلاني؟
- استنزاف للطبيعة
أفضل مقياس متاح لتقييم تأثيرات مستوى المعيشة المرتفع على أنظمة دعم الحياة على كوكب الأرض هو مؤشر «البصمة البيئية» الذي يقدر مساحة الأرض المطلوبة لتزويد كل إنسان بالطعام والملابس والموارد الأخرى إلى جانب امتصاص التلوث الناتج عن الإنتاج والاستهلاك. تُظهر آخر معطيات البصمة البيئية أن الحفاظ على نمط حياة المواطن الأميركي استلزم 8.1 هكتار من مساحة الأرض في سنة 2016. بينما احتاج الأستراليون والكنديون إلى 6.6 و7.7 هكتار على التوالي، والبريطانيون 4.4 هكتار، والألمان 4.8 هكتار، واليابانيون 4.5 هكتار، علما بأن المتوسط العالمي هو 2.75 هكتار. وتبلغ البصمة البيئية للمواطن الصيني 3.6 هكتار، في حين أن بلداناً تتصدر العالم في معدل النمو السكاني مثل الهند ومعظم أفريقيا لم تتجاوز بصمتها البيئية 1.2 هكتار.
وفي العالم العربي، تبلغ البصمة البيئية للمواطن السعودي 6.2 هكتار، وترتفع في الإمارات لتصل إلى 8.9 هكتار وفي الكويت 8.6 هكتار وفي قطر 14.4 هكتار. وهي في مصر 1.8 هكتار وفي الجزائر 2.4 هكتار، فيما تتراجع إلى نحو هكتار أو أقل في معظم الدول العربية الأخرى.
توجد علاقة وثيقة بين أنماط الحياة الاستهلاكية واستنزاف الموارد الطبيعية وتراجع حالة البيئة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، تؤكد الدراسات على وجود صلة بين زيادة الاستهلاك وارتفاع مؤشرات انبعاثات الكربون والنيتروجين وتناقص المواد الخام وتراجع التنوع الحيوي وانحسار الموارد المائية والإفراط في استهلاك الطاقة.
وكان تقرير لمنظمة «أوكسفام» وجد أن 10 في المائة من البشر الأغنى في العالم مسؤولون عن نصف انبعاثات غازات الدفيئة العالمية. وفي المقابل، تقتصر مساهمة النصف الأفقر عالمياً على 10 في المائة فقط من مجمل الانبعاثات. ويبين التقرير بوضوح الصلة بين نمط الحياة الاستهلاكية وتغير المناخ، علما بأن مواطني الدول النامية هم الأكثر هشاشة تجاه العواصف العاتية والجفاف والصدمات المناخية القاسية الأخرى. ويشكك التقرير في الفرضية القائلة بمسؤولية المواطنين في البلدان الفقيرة عن نمو الانبعاثات سنوياً، إذ يقترح أن هذا النمو ناتج عن زيادة حجم التصنيع في هذه البلدان لصالح الدول الغنية، مما يعني أن الانبعاثات المرتبطة بنمط حياة الغالبية العظمى من الفقراء لا تزال أقل بكثير من نظرائهم الأثرياء في الدول الاستهلاكية.
ويحذر بحث، نُشر في دورية «نيتشر كوميونيكشنز» في منتصف العام الحالي، من الأثر العميق للإفراط في استهلاك الموارد على البيئة والتنمية. ويخلص البحث إلى أن الانتقال نحو الاستدامة لن يتحقق من دون إجراء تغييرات في نمط المعيشة تتكامل مع التطورات التقنية المستجدة، مما يستلزم تقليلاً في حجم الاستهلاك وتغييراً بنيوياً من خلال اعتماد منتجات أكثر استدامة.
ويقترح البحث اتباع سياسات بيئية جديدة وفعالة لخفض الاستهلاك وتقليل آثاره السلبية، تشمل على سبيل المثال الضرائب البيئية، والاستثمار في المشاريع الخضراء، وإعادة توزيع الثروة، واعتماد أسبوع عمل أقصر لبناء اقتصاد أكثر خضرة. وكذلك تفكيك الدافع الرأسمالي للثروة، بحيث لا تكون الغاية هي مراكمة الأصول والأموال وإنما التمتع بنوعية حياة أفضل تراعي سلامة البيئة وحقوق الأجيال القادمة.
وكانت مجموعة تضم 83 شخصاً من أثرياء العالم دعوا، في رسالة نشرتها صحيفة «الغارديان» في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، إلى زيادة الضرائب على الأغنياء لدفع تكاليف الانتعاش الاقتصادي بعد جائحة «كوفيد - 19». وطالبت المجموعة السياسيين بتحقيق المساواة العالمية، والاعتراف بأن زيادة الضرائب على الأغنياء وضمان الشفافية الضريبية الدولية أمران ضروريان لتسوية قابلة للتطبيق على المدى الطويل.
- تحقيق المزيد بموارد أقل
توقع «نادي روما» عام 1972 أن تؤدي الزيادة المطردة في الطلب على الموارد إلى انهيار اقتصادي عالمي مفاجئ. ولكن الدراسات حول استهلاك الموارد والنمو الاقتصادي أظهرت أن المجتمعات تصل في مرحلة ما إلى تحقيق النمو الاقتصادي باستخدام موارد مادية أقل. فوفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، مثلاً، حصل تراجع ملحوظ في استهلاك المعادن في الولايات المتحدة اعتباراً من سنة 1970. فيما استمر الاقتصاد الأميركي في النمو. وفي 2015 انخفض إجمالي الاستخدام الأميركي للحديد الصلب بأكثر من 15 في المائة من أعلى مستوى له في 2000، وكذلك انخفض استهلاك الألومنيوم بأكثر من 32 في المائة والنحاس بنسبة 40 في المائة عن ذروتيهما.
وتعد الولايات المتحدة أكبر منتج في العالم لكل من فول الصويا والذرة وتحتل المركز الرابع في إنتاج القمح. وبمقارنة مؤشرات استهلاك الأسمدة والمياه والأراضي الزراعية، يُلاحظ انخفاض استخدام الأسمدة بنسبة 25 في المائة عن ذروته في 1999. وبحلول سنة 2014 انخفض إجمالي المياه المستخدمة في الري بأكثر من 22 في المائة عن الحد الأقصى المسجل في 1984. كما انخفض إجمالي الأراضي الزراعية إلى مستويات تنافس أدنى نقطة في القرن السابق. في المقابل، ارتفع استهلاك بعض المواد في الولايات المتحدة، مثل الإسمنت والرمل والحصى، التي تدخل في صناعة البناء، وكذلك المنتجات البلاستيكية.
ومن اللافت أن استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة في 2017 انخفض بنسبة 2 في المائة عن ذروته في 2008. كما انخفض انبعاث غازات الدفيئة على نحو أسرع بالمقارنة مع إجمالي استهلاك الطاقة، نتيجة التحول عن الفحم الحجري إلى الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء.
وإلى جانب الولايات المتحدة، توجد مؤشرات على أن دولاً صناعية أخرى بدأت بتجاوز ذروة «منحنى كوزنتس» الذي يقيس العلاقة بين النمو الاقتصادي والتلوث البيئي، مثل بريطانيا التي أطلقت الثورة الصناعية قبل قرنين من الزمن ووصلت إلى ذروة استهلاكها للموارد بين 2001 و2003. وتُظهر بيانات «يوروستات» أن بلداناً من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا شهدت على العموم استقراراً أو انخفاضا في إجمالي استهلاك المعادن والكيماويات والأسمدة في السنوات الأخيرة.
أما الدول النامية، لا سيما التي تحظى بنمو متسارع مثل الهند والصين، فهي لم تصل بعد إلى مرحلة التراجع عن استهلاك الموارد. لكن من المتوقع حدوث هذا التحول في المستقبل القريب بفضل التطورات التقنية، كما هو حاصل في قطاع الطاقة النظيفة.
- على من تقع المسؤولية؟
صحيح أن مساهمة المواطن الأميركي في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون آخذة في التراجع منذ سنوات، ولكن الانبعاثات العالمية لا تزال في تصاعد والكمية التي تسبب بها المواطن الأميركي الواحد في 2018 تزيد عما أنتجه مواطنان صينيان أو 8 هنود أو 15 باكستانياً أو 6 مصريين أو 46 يمنياً أو 118 إثيوبياً في السنة ذاتها. وإذا اتبع 7.8 مليار إنسان، هم تعداد سكان العالم حالياً، نمط الاستهلاك الأميركي، فإن الأرض ستكون تحت ضغط تلوث يعادل فعلياً ما ينتجه 25 مليار إنسان.
ومن ناحية أخرى، فإن التراجع في كمية الموارد المستهلكة لإنتاج سلعة ما قد يؤدي إلى زيادة الأثر البيئي السلبي في مكان آخر. على سبيل المثال، تتضاعف قدرة الأجهزة الرقمية على معالجة المعلومات كل سنتين تقريباً، وبينما يتناقص حجم هذه الأجهزة، تزداد أنواع المواد المستخدمة في تصنيعها. ففيما كانت رقائق الكومبيوتر في الثمانينات تحتاج إلى 11 مادة، تستلزم الآن نحو 60 مادة، وهذا يعني مزيداً من التنقيب عن العناصر النادرة وإضراراً بالبيئة في أماكن بعيدة.
من الضروري خفض الاستهلاك الزائد الذي لا يهدف إلى تلبية الاحتياجات الحقيقية، بالتوازي مع توفير المزيد من البدائل المستدامة بيئياً، حتى لو كان ذلك يعني تراجعاً في النمو. فقد تبين أن ما اعتبره غاريت هاردن «قارب نجاة» في سبعينيات القرن الماضي ما هو إلا يخت فاخر للمجتمعات الغنية، يستنزف موارد الأرض المحدودة ويعرض الجميع للغرق.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».