«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

أميركا تقترب من شهر الدسائس والفضائح الانتخابية والصفقات المشبوهة

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب
TT

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

يجادل العديد من الديمقراطيين في الولايات المتحدة بأنه إذا أجريت انتخابات الرئاسة الأميركية اليوم في ظل استطلاعات رأي تمنح مرشحهم جو بايدن التقدم على منافسه دونالد ترمب، فإنهم سيستعيدون البيت الأبيض. وحقاً، بعض الاستطلاعات أعطت بايدن تقدماً بـ297 صوتاً في المجمع الانتخابي، أي أكثر بـ27 صوتا عما يحتاجه للفوز. ولذا فهم في سباق مع الوقت للإبقاء على هذه النتائج والحفاظ على أسباب تقدمهم، عبر الاستثمار في النتائج التي سببتها جائحة كوفيد - 19. سواء على المستوى الصحي مع أرقام الإصابات والوفيات المخيفة، أو على المستوى الاقتصادي والنتائج الكارثية التي ضربت قطاعاته كلها تقريباً.
في المقابل، يرى الجمهوريون أنه كلما تحسنت أرقام الجائحة والاقتصاد، تعززت حظوظ ترمب. إلا أنهم في ظل عجزهم عن تأجيل الانتخابات للاستثمار في عامل الوقت أيضا، قد يلجأون إلى مفاجآت أخرى، أو ما يعرف بـ«مفاجأة أكتوبر».

في مصطلحات السياسة الأميركية، «مفاجأة أكتوبر». و«المفاجأة» حدث إخباري يجري توقيته بشكل متعمد، أو يحدث أحيانا بشكل عفوي، ويكون له تأثير مباشر على نتيجة الانتخابات العامة، التي ستشهد تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب وانتخاب عدد من حكام الولايات وانتخاب الرئيس. وبما أن الانتخابات تجري في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن الأحداث التي تجري في أكتوبر لديها إمكانات أكبر للتأثير على قرارات الناخبين المحتملين، وخصوصاً، على الناخبين المستقلين والمترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد... فإما أن يغير الحدث مسار الانتخابات برمتها أو يعزز بقوة اتجاهات التصويت المسبقة.

ويليام كيسي أطلق التسمية

المصطلح نفسه صاغه ويليام كيسي، الذي شغل منصب مدير حملة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان عام 1980 ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (السي أي إيه) في عهده لاحقاً.
في حينه أطلق المصطلح على المفاجأة السياسية التي واكبت انتخابات ذلك العام، ومؤداها أن حملة ريغان عقدت صفقة سرية مع إيران لتأجيل إطلاق سراح الرهائن الأميركيين الـ52 الذين احتجزتهم مجموعة من الطلاب الإسلاميين في السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما، وذلك لإفشال حظوظ الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر من الفوز بولاية ثانية.
يومذاك، تزامنت التغطية الإخبارية مكثفة لإعلان كارتر حول الرهائن مع بيان الحكومة الإيرانية بأن إطلاق سراحهم لن يحصل إلا بعد الانتخابات، وهو ما جرى في الواقع بعد ساعات على حفل تنصيب ريغان، أي في 20 يناير (كانون الثاني) 1981. وحظي هذا الأمر باهتمام واسع النطاق، بعد تسريب صحيفة «الواشنطن بوست» خبر تأهب إدارة كارتر لشن عملية عسكرية واسعة النطاق لإطلاق سراح الرهائن. ووفق كتابات وتقارير صحافية في ذلك الوقت، لعب ديفيد روكفلر، الرئيس السابق لمجموعة «تشايس مانهاتن» المصرفية دوراً كبيراً في دعم حملة ريغان وسخر قوته المالية لدعم معارضي كارتر. وساعد فريق روكفلر (وهو ابن إحدى أبرز العائلات السياسية والمالية الأميركية) في جمع ونشر شائعات حول «مكافآت» محتملة وعد بها كارتر إذا جرى الإفراج عن الرهائن. وهي ادعاءات قالت حملته الانتخابية إنها أعاقت المفاوضات التي كانت تجرى مع إيران لإطلاق سراحهم. وغالباً ما يجري تناول الدور الذي تلعبه تلك العائلات والشركات الكبيرة والمؤسسة السياسية في واشنطن للتأثير على الانتخابات الرئاسية في اختيار الشخصية التي تتناسب مع مصالحها.
وفي هذا الشأن، كتب جوزيف ريد، رئيس فريق موظفي روكفلر الذي عينه ريغان لاحقاً سفيراً في المغرب، رسالة لعائلته بعد الانتخابات قال فيها «لقد بذلت كل جهدي لإحباط أي جهد من جانب مسؤولي كارتر لإنهاء مفاجأة أكتوبر»، في إشارة على ما يبدو إلى جهود روكفلر لإحباط صفقة إطلاق سراح الرهائن. ولكن رغم ذلك، حين دعا غاري سيك، عضو مجلس الأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجيمي كارتر (قبل إعفائه من مهامه بعد أسابيع من ولاية ريغان) إلى فتح تحقيق في هذه القضية في مقالة افتتاحية في صحيفة «النيويورك تايمز»، قبل انتخابات عام 1992، كان الرد الأولي من الحزبين في الكونغرس متشككاً. إذ رفض الديمقراطيون في مجلس النواب منح الإذن بإجراء التحقيق، ورفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ تخصيص 600 ألف دولار لإجرائه.
لكن الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، صرح بأن «حملة ريغان أبرمت صفقة مع طهران لتأجيل الإفراج عن الرهائن». وأكد أنه «بحلول الشهر الذي سبق الانتخابات الرئاسية الأميركية في 1980. كان العديد في الدوائر الحاكمة في إيران يناقشون علانية حقيقة إبرام الصفقة لمنع إعادة انتخاب كارتر». وكرر بني صدر ادعاءاته هذه في كتابه «دوري لأتحدث: إيران والثورة والصفقات السرية مع الولايات المتحدة».
كذلك كشفت تقارير أخرى أن حملة ريغان تمكنت من الحصول على أوراق عن «استراتيجية» نقاشات كارتر قبل المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما عام 1980. وزُعم أيضاً أن حملة ريغان استعانت بمسؤولين متقاعدين من «السي آي إيه» وجاسوس داخل إدارة كارتر لجمع المعلومات حول سياسته الخارجية، بحسب تقرير لمجلة «تايم» عام 1983.

إيران كونترا

وفي يونيو (حزيران) 1992، اتهم كاسبار واينبرغر، وزير الدفاع السابق في عهد رونالد ريغان، بالتورط في قضية «إيران كونترا». ورغم قوله إنه عارض بيع إيران السلاح مبدئياً، فإنه شارك في إجازة نقل صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع إليها، وهي أسلحة استخدمت لوقف تقدم دبابات الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية. ووجهت إلى واينبرغر لاحقا عدة تهم جنائية بالكذب في ملف إيران. واتهم الجمهوريون، بسخط، المستشار المستقل لورانس والش بتوقيت توجيه لائحة الاتهام لواينبرغر بهدف الإضرار بفرص إعادة انتخاب جورج بوش الأب (الذي خلف ريغان). ومع اقتراب موعد محاكمته، ظهرت معلومات أكثر صلابة عن الدور المباشر لبوش. وقال هوارد تيشر، مستشار ريغان لشؤون الشرق الأوسط، أن بوش كان على علم بصفقة الأسلحة في ربيع 1986. كذلك، نشرت مذكرة إسرائيلية أوضحت أن بوش كان ضالعاً في الصفقة خلال يوليو (تموز) 1986.

بوش الابن... وأوباما وماكين

وقبل أيام من انتخابات نوفمبر عام 2000، أكد توماس جيه كونولي، وهو محامي دفاع بارز ومرشح ديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ماين عام 1998، لأحد المراسلين أن المرشح الرئاسي الجمهوري جورج بوش الابن كان قد تعرض للتوقيف بسبب قيادته سيارته وهو ثمل في تلك الولاية عام 1976. وأكد بوش التقرير في مؤتمر صحافي بعد لحظات من الكشف عنه.
وفي 31 أكتوبر 2008، قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية، أفادت وكالة «أسوشييتد برس» أن زيتوني أونيانغو، عمة المرشح الديمقراطي باراك أوباما، كانت تعيش كمهاجرة غير شرعية في بوسطن. ولقد حُرمت من حق اللجوء وأمرت بمغادرة الولايات المتحدة عام 2004. في المقابل وصف البعض الارتفاع القياسي في معدل البطالة في أكتوبر 2008 بأنه «مفاجأة أكتوبر»، لحرمان مرشح الجمهوريين السيناتور الراحل جون ماكين من الفوز أمام منافسه الديمقراطي أوباما، في خضم أزمة الرهن العقاري وانهيار أسواق المال وإفلاس عدد من البنوك الكبرى وانهيار قطاع السيارات.

شريط ترمب وتسريبات هيلاري

وفي 7 أكتوبر عام 2016. نُشر شريط فيديو يعود للعام 2005، يظهر المرشح الجمهوري دونالد ترمب يقول بلغة صريحة، إن النساء سمحن له بتقبيلهن ولمسهن لأنه «نجم». وأثارت تصريحاته غضب العديد من السياسيين من كلا الحزبين. ومع أن ترمب قد اتُهم بالتمييز على أساس الجنس في عدة مناسبات من قبل، فإنه اعتذر لاحقا عن هذه التصريحات، بقوله إنها «لا تعكس من هو». لكن نشر الشريط أدى إلى سحب العديد من الجمهوريين تأييدهم له، من بينهم المرشح الرئاسي السابق سيناتور أريزونا جون ماكين، وسيناتورة ولاية نيو هامبشير كيلي أيوت، والمرشحة الجمهورية وسيدة الأعمال البارزة كارلي فيورينا. وطلب منه كثيرون آخرون ممن لم يؤيدوه من قبل، التنحي عن منصب المرشح الجمهوري، بمن فيهم وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
وخلال الفترة نفسها، بدأ موقع «ويكيليكس» حملة لإطلاق رسائل بريد إلكتروني ومقتطفات من حساب جون بوديستا، مدير حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وعُرفت تلك المقتطفات فيما بعد بـ«تسريبات بوديستا» التي سلطت الضوء بشكل سلبي جدا على كلينتون، وتضمنت مقتطفات صوتية من الخطب التي ألقتها لمجموعة متنوعة من البنوك، وأسئلة النقاش التي سُربت إليها قبل مناظرتها مع ترمب.
وبعد ثلاثة أسابيع، يوم 28 أكتوبر، أعلن جيمس كومي مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) في رسالة إلى الكونغرس أنه سيتخذ «خطوات التحقيق المناسبة» لمراجعة رسائل البريد الإلكتروني الإضافية المتعلقة باستخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. جاء ذلك بعد العثور على رسائل بريد إلكتروني اكتشفت على جهاز كومبيوتر صادره «إف بي آي» أثناء التحقيق مع النائب السابق أنتوني وينر بعد اتهامه بإرسال صور فاضحة إلى قاصر. وعُثر على رسائل البريد الإلكتروني على جهاز كومبيوتر يستخدمه كل من وينر وزوجته السابقة هوما عابدين، كبيرة مساعدي كلينتون، وفقا لمسؤولي «إف بي أي».

الهجرة وتهم العنصرية

وفي انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ وانتخابات مجلس النواب عام 2018، تحولت «قافلة المهاجرين» من أميركا الوسطى، إلى «مفاجأة أكتوبر». إذ نشر الرئيس ترمب معلومات عن القافلة في تغريدات له على تويتر. وأطلق لاحقاً إعلاناً تلفزيونياً انتقده الكثيرون باعتباره عنصرياً (وهو ما أجبر حتى محطة «فوكس نيوز» اليمينية المؤيدة لترمب ومحطة «إن بي سي» وموقع «فيسبوك» على إزالة الإعلان، بينما رفضت محطة «سي إن إن» بثه).
ومن ثم، هيمنت القضية على النقاش في العديد من شبكات الأخبار، ووجهت الانتقادات لترمب. وبدلا من أن تؤدي «قافلة المهاجرين» إلى دعم حظوظ المرشحين الجمهوريين الذين كانوا يهيمنون على مجلسي الشيوخ والنواب، فإنهم خسروا سيطرتهم على مجلس النواب وانتقلت إلى الديمقراطيين.

المفاجأة الجديدة المنتظرة

في أي حال، إذا كانت الاتهامات توجه دائما للجمهوريين بأنهم لطالما برعوا في استخدام «مفاجأة أكتوبر» لقلب اتجاهات التصويت، عبر محاولة تفجير إما مفاجأة سياسية أو فضيحة شخصية، أو عقد صفقات ما، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى الجهود التي سيبذلها كل من ترمب وبايدن للعثور على «مفاجأة أكتوبر» لهذا العام، في ظل قائمة من الخيارات الضيقة أمامهما.
ومع إثارة صحيفة «ذي أتلانتيك» قضية امتناع ترمب عن زيارة مقبرة الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وتصويره بمظهر المنتقد المُهين للقوات الأميركية، تحولت القضية إلى «مفاجأة» مبكرة، وضعت الجمهوريين في موقف دفاعي، بعدما كانوا يأملون بتسليط الضوء على ملفات أخرى، كملف الأمن والقانون.
ولعل ما أثار حفيظة ترمب ومناصريه هو أن وسائل إعلامية أخرى هبت لتأكيد تقرير الصحيفة، أبرزها وكالة «الأسوشييتد برس» وصحيفتا «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز»، بل حتى قناة «فوكس نيوز» الداعمة لترمب.
في المقابل، يتوقع الديمقراطيون أن يواصل ترمب السعي لتحقيق إنجاز في سياسته الخارجية، والاستثمار في ملفاتها... من التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، إلى عقد صفقة حول إيران أو كوريا الشمالية، بجانب إعادة العسكريين الأميركيين من الخارج. وحقاً، بعدما أعلن ترمب عن سحب ما يقرب من 12 ألف جندي من ألمانيا، بدا أن الأمر لم يكن كافياً. وفعلاً، أعلن في واشنطن بالأمس عن التوجه لسحب نحو ثلث القوات الأميركية المنشورة في العراق خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأيضاً ما ينطبق على العراق سينطبق على أفغانستان. إذ ينوي ترمب سحب القوات بالكامل من هناك، وعديدها 8600 جندي، إلا أن الخروج من أفغانستان قبل إجراء انتخابات قد يسمح لطالبان بالاستيلاء على السلطة، وإن كان سيسمح لترمب بالقول إنه يفي بوعده «أميركا أولاً».
كوريا الجنوبية هي مكان آخر محتمل لخفض القوات، لأن سيول لن تستسلم لطلب ترمب بدفع مبلغ 5 مليارات دولار سنويا لدعم كلفة وجود القوات الأميركية فيها. ويتهم الديمقراطيون ترمب بأنه قد يحاول عقد قمة جديدة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وقد يعده حتى بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية.

«ورقتا» الأمن والاقتراع

ويرجح الديمقراطيون أن يكرر ترمب نشر قوات الأمن الاتحادية لمواجهة المحتجين المحليين في ظل استمرار الاحتجاجات على خلفية عنف الشرطة والتمييز العنصري ضد الملونين. ويقولون إن تجربة مدينة بورتلاند شكلت رداً على سياسته لفرض «القانون والنظام». إذ بمجرد خروج القوات الاتحادية منها انتهت الفوضى فيها!. لكن احتمال اندلاع مواجهات جديدة لا يزال قائما بشدة، في ظل استمرار حوادث إطلاق النار سواء من رجال الشرطة أو من المتظاهرين اليمينيين واليساريين المتطرفين. ويقول العديد من النقاد والمحللين إنه كلما اشتعلت المواجهات وتحولت إلى أعمال عنف، كلما صب ذلك في خدمة خطاب ترمب، الذي يسعى لإخافة الناخبين البيض. ويحذرون من أن نشر القوات الاتحادية على نطاق واسع في المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون قبل أيام من الانتخابات، أو حتى إعلان الأحكام العرفية، من شأنه أن يؤدي إلى منع مؤيدي بايدن من التصويت. بل إن البعض يحذر من احتمال الإعلان عن تعطل خدمة البريد التي يشكك فيها ترمب كوسيلة قانونية لتسليم بطاقات الاقتراع والتصويت، ما يمنع تسليمها في معاقل الديمقراطيين، لتشكل «مفاجأة أكتوبر» محلية.
إيران هي دولة أخرى يمكن أن يحاول فيها ترمب القيام بالتفافة كبيرة، إما عبر صفقة نووية، يخشى أن تكرر الاتفاق الذي خرج منه، أو تنفيذ ضربات جوية ضد برنامجها النووي المتوسع، وهما على أي حال احتمالان غير متوقعين حتى الساعة. لكن هل تتغير اللعبة اليوم وينجح الديمقراطيون في إحداث مفاجأة مع إيران نفسها، في تكرار معكوس لما جرى في ثمانينات القرن الماضي؟ وفيما يكرر ترمب قوله إنه جاهز لتوقيع اتفاق مع إيران، مباشرة بعد الانتخابات عندما يتم التجديد له في نوفمبر (تشرين الثاني)، يتهم الجمهوريون مسؤولين سابقين في فريق الرئيس السابق باراك أوباما، وخصوصا وزير خارجيته جون كيري، بأنه التقى بمسؤولين إيرانيين لإقناعهم على الصمود وعدم الرضوخ ومقاومة «الضغوط القصوى» التي يمارسها ترمب إلى ما بعد الانتخابات لحرمانه من الفوز.

البداية المبكرة غير المباشرة كانت مع نيكسون

> مع أن مصطلح «مفاجأة أكتوبر» أبصر النور مع ويليام كيسي، كانت هناك أحداث مؤثرة في الانتخابات سبقته زمنياً. ذلك أنه خلال الانتخابات الرئاسية عام 1972 بين الجمهوري ريتشارد نيكسون والديمقراطي جورج ماكغفرن، كانت الولايات المتحدة في السنة الرابعة من المفاوضات لإنهاء حرب فيتنام الطويلة والمثيرة للانقسام.
ويوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، أي قبل 12 يوما من الانتخابات التي نظمت في 7 نوفمبر، ظهر كبير المفاوضين الأميركيين ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، وأعلن «أن السلام في متناول اليد». وهو تطور زاد كثيراً من فرص نيكسون في الفوز مع أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه تقدماً على منافسه.
ورغم فشله في وقف الحرب بشكل كامل، تمكن نيكسون من خفض بشكل كبير من مشاركة القوات الأميركية وسحب القوات البرية عام 1973. لينتهي التدخل الأميركي في فيتنام عام 1975.

«قضيتا» أرنولد شوارتزنيغر

> في 2 أكتوبر 2003، أصدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن أرنولد شوارتزنيغر، (حاكم كاليفورنيا السابق والممثل ورياضي كمال الأجسام) ومزاعم لاحقة بأنه كان زير نساء، متهمة إياه بارتكاب أفعال متعددة من سوء السلوك الجنسي خلال العقود الماضية.
ونشرت القصة قبل أيام معدودات من إعادة إطلاق حملة انتخابه حاكما لولاية كاليفورنيا. ولم تكن تلك القصة الوحيدة المُحرجة عن شوارتزنيغر التي ظهرت على السطح قبل أيام فقط من الحملة. إذ أنه في اليوم التالي، ذكرت محطة «إيه بي سي نيوز» و«نيويورك تايمز» أنه خلال عام 1975، أشاد شوارتزنيغر بالزعيم النازي أدولف هتلر خلال المقابلات الخاصة بفيلم «بمبنغ أيرون» - أو «ضخ الحديد» - الذي أسهم في شهرته كرياضي كمال الأجسام ودفعه للتحول إلى ممثل.


مقالات ذات صلة

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

حصاد الأسبوع ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع

محمد الريس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع "عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع كبكو فوجيموري، مرشحة اليمين تحيي مناصريها (أ ب)

البيرو: لا حسم حتى الآن في السباق الرئاسي بين اليمين واليسار

للمرة التاسعة في أقل من عشر سنوات ذهبت جمهورية البيرو، في أميركا الجنوبية، نهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر لانتخاب رئيس جديد لها في أجواء من التوتر السياسي

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع البرتو فوجيموري (1938-2024) - (رويترز)

فوجيموري ... سلالة يابانية على عرش البيرو

في عام 1990 وصل إلى رئاسة البيرو ألبرتو فوجيموري، وهو مهندس زراعي مولود من أبوين يابانيين، قاد حملة واسعة من التغييرات الاقتصادية الليبرالية، التي تسببت بموجا


ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.