«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

أميركا تقترب من شهر الدسائس والفضائح الانتخابية والصفقات المشبوهة

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب
TT

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

يجادل العديد من الديمقراطيين في الولايات المتحدة بأنه إذا أجريت انتخابات الرئاسة الأميركية اليوم في ظل استطلاعات رأي تمنح مرشحهم جو بايدن التقدم على منافسه دونالد ترمب، فإنهم سيستعيدون البيت الأبيض. وحقاً، بعض الاستطلاعات أعطت بايدن تقدماً بـ297 صوتاً في المجمع الانتخابي، أي أكثر بـ27 صوتا عما يحتاجه للفوز. ولذا فهم في سباق مع الوقت للإبقاء على هذه النتائج والحفاظ على أسباب تقدمهم، عبر الاستثمار في النتائج التي سببتها جائحة كوفيد - 19. سواء على المستوى الصحي مع أرقام الإصابات والوفيات المخيفة، أو على المستوى الاقتصادي والنتائج الكارثية التي ضربت قطاعاته كلها تقريباً.
في المقابل، يرى الجمهوريون أنه كلما تحسنت أرقام الجائحة والاقتصاد، تعززت حظوظ ترمب. إلا أنهم في ظل عجزهم عن تأجيل الانتخابات للاستثمار في عامل الوقت أيضا، قد يلجأون إلى مفاجآت أخرى، أو ما يعرف بـ«مفاجأة أكتوبر».

في مصطلحات السياسة الأميركية، «مفاجأة أكتوبر». و«المفاجأة» حدث إخباري يجري توقيته بشكل متعمد، أو يحدث أحيانا بشكل عفوي، ويكون له تأثير مباشر على نتيجة الانتخابات العامة، التي ستشهد تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب وانتخاب عدد من حكام الولايات وانتخاب الرئيس. وبما أن الانتخابات تجري في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن الأحداث التي تجري في أكتوبر لديها إمكانات أكبر للتأثير على قرارات الناخبين المحتملين، وخصوصاً، على الناخبين المستقلين والمترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد... فإما أن يغير الحدث مسار الانتخابات برمتها أو يعزز بقوة اتجاهات التصويت المسبقة.

ويليام كيسي أطلق التسمية

المصطلح نفسه صاغه ويليام كيسي، الذي شغل منصب مدير حملة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان عام 1980 ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (السي أي إيه) في عهده لاحقاً.
في حينه أطلق المصطلح على المفاجأة السياسية التي واكبت انتخابات ذلك العام، ومؤداها أن حملة ريغان عقدت صفقة سرية مع إيران لتأجيل إطلاق سراح الرهائن الأميركيين الـ52 الذين احتجزتهم مجموعة من الطلاب الإسلاميين في السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما، وذلك لإفشال حظوظ الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر من الفوز بولاية ثانية.
يومذاك، تزامنت التغطية الإخبارية مكثفة لإعلان كارتر حول الرهائن مع بيان الحكومة الإيرانية بأن إطلاق سراحهم لن يحصل إلا بعد الانتخابات، وهو ما جرى في الواقع بعد ساعات على حفل تنصيب ريغان، أي في 20 يناير (كانون الثاني) 1981. وحظي هذا الأمر باهتمام واسع النطاق، بعد تسريب صحيفة «الواشنطن بوست» خبر تأهب إدارة كارتر لشن عملية عسكرية واسعة النطاق لإطلاق سراح الرهائن. ووفق كتابات وتقارير صحافية في ذلك الوقت، لعب ديفيد روكفلر، الرئيس السابق لمجموعة «تشايس مانهاتن» المصرفية دوراً كبيراً في دعم حملة ريغان وسخر قوته المالية لدعم معارضي كارتر. وساعد فريق روكفلر (وهو ابن إحدى أبرز العائلات السياسية والمالية الأميركية) في جمع ونشر شائعات حول «مكافآت» محتملة وعد بها كارتر إذا جرى الإفراج عن الرهائن. وهي ادعاءات قالت حملته الانتخابية إنها أعاقت المفاوضات التي كانت تجرى مع إيران لإطلاق سراحهم. وغالباً ما يجري تناول الدور الذي تلعبه تلك العائلات والشركات الكبيرة والمؤسسة السياسية في واشنطن للتأثير على الانتخابات الرئاسية في اختيار الشخصية التي تتناسب مع مصالحها.
وفي هذا الشأن، كتب جوزيف ريد، رئيس فريق موظفي روكفلر الذي عينه ريغان لاحقاً سفيراً في المغرب، رسالة لعائلته بعد الانتخابات قال فيها «لقد بذلت كل جهدي لإحباط أي جهد من جانب مسؤولي كارتر لإنهاء مفاجأة أكتوبر»، في إشارة على ما يبدو إلى جهود روكفلر لإحباط صفقة إطلاق سراح الرهائن. ولكن رغم ذلك، حين دعا غاري سيك، عضو مجلس الأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجيمي كارتر (قبل إعفائه من مهامه بعد أسابيع من ولاية ريغان) إلى فتح تحقيق في هذه القضية في مقالة افتتاحية في صحيفة «النيويورك تايمز»، قبل انتخابات عام 1992، كان الرد الأولي من الحزبين في الكونغرس متشككاً. إذ رفض الديمقراطيون في مجلس النواب منح الإذن بإجراء التحقيق، ورفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ تخصيص 600 ألف دولار لإجرائه.
لكن الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، صرح بأن «حملة ريغان أبرمت صفقة مع طهران لتأجيل الإفراج عن الرهائن». وأكد أنه «بحلول الشهر الذي سبق الانتخابات الرئاسية الأميركية في 1980. كان العديد في الدوائر الحاكمة في إيران يناقشون علانية حقيقة إبرام الصفقة لمنع إعادة انتخاب كارتر». وكرر بني صدر ادعاءاته هذه في كتابه «دوري لأتحدث: إيران والثورة والصفقات السرية مع الولايات المتحدة».
كذلك كشفت تقارير أخرى أن حملة ريغان تمكنت من الحصول على أوراق عن «استراتيجية» نقاشات كارتر قبل المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما عام 1980. وزُعم أيضاً أن حملة ريغان استعانت بمسؤولين متقاعدين من «السي آي إيه» وجاسوس داخل إدارة كارتر لجمع المعلومات حول سياسته الخارجية، بحسب تقرير لمجلة «تايم» عام 1983.

إيران كونترا

وفي يونيو (حزيران) 1992، اتهم كاسبار واينبرغر، وزير الدفاع السابق في عهد رونالد ريغان، بالتورط في قضية «إيران كونترا». ورغم قوله إنه عارض بيع إيران السلاح مبدئياً، فإنه شارك في إجازة نقل صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع إليها، وهي أسلحة استخدمت لوقف تقدم دبابات الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية. ووجهت إلى واينبرغر لاحقا عدة تهم جنائية بالكذب في ملف إيران. واتهم الجمهوريون، بسخط، المستشار المستقل لورانس والش بتوقيت توجيه لائحة الاتهام لواينبرغر بهدف الإضرار بفرص إعادة انتخاب جورج بوش الأب (الذي خلف ريغان). ومع اقتراب موعد محاكمته، ظهرت معلومات أكثر صلابة عن الدور المباشر لبوش. وقال هوارد تيشر، مستشار ريغان لشؤون الشرق الأوسط، أن بوش كان على علم بصفقة الأسلحة في ربيع 1986. كذلك، نشرت مذكرة إسرائيلية أوضحت أن بوش كان ضالعاً في الصفقة خلال يوليو (تموز) 1986.

بوش الابن... وأوباما وماكين

وقبل أيام من انتخابات نوفمبر عام 2000، أكد توماس جيه كونولي، وهو محامي دفاع بارز ومرشح ديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ماين عام 1998، لأحد المراسلين أن المرشح الرئاسي الجمهوري جورج بوش الابن كان قد تعرض للتوقيف بسبب قيادته سيارته وهو ثمل في تلك الولاية عام 1976. وأكد بوش التقرير في مؤتمر صحافي بعد لحظات من الكشف عنه.
وفي 31 أكتوبر 2008، قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية، أفادت وكالة «أسوشييتد برس» أن زيتوني أونيانغو، عمة المرشح الديمقراطي باراك أوباما، كانت تعيش كمهاجرة غير شرعية في بوسطن. ولقد حُرمت من حق اللجوء وأمرت بمغادرة الولايات المتحدة عام 2004. في المقابل وصف البعض الارتفاع القياسي في معدل البطالة في أكتوبر 2008 بأنه «مفاجأة أكتوبر»، لحرمان مرشح الجمهوريين السيناتور الراحل جون ماكين من الفوز أمام منافسه الديمقراطي أوباما، في خضم أزمة الرهن العقاري وانهيار أسواق المال وإفلاس عدد من البنوك الكبرى وانهيار قطاع السيارات.

شريط ترمب وتسريبات هيلاري

وفي 7 أكتوبر عام 2016. نُشر شريط فيديو يعود للعام 2005، يظهر المرشح الجمهوري دونالد ترمب يقول بلغة صريحة، إن النساء سمحن له بتقبيلهن ولمسهن لأنه «نجم». وأثارت تصريحاته غضب العديد من السياسيين من كلا الحزبين. ومع أن ترمب قد اتُهم بالتمييز على أساس الجنس في عدة مناسبات من قبل، فإنه اعتذر لاحقا عن هذه التصريحات، بقوله إنها «لا تعكس من هو». لكن نشر الشريط أدى إلى سحب العديد من الجمهوريين تأييدهم له، من بينهم المرشح الرئاسي السابق سيناتور أريزونا جون ماكين، وسيناتورة ولاية نيو هامبشير كيلي أيوت، والمرشحة الجمهورية وسيدة الأعمال البارزة كارلي فيورينا. وطلب منه كثيرون آخرون ممن لم يؤيدوه من قبل، التنحي عن منصب المرشح الجمهوري، بمن فيهم وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
وخلال الفترة نفسها، بدأ موقع «ويكيليكس» حملة لإطلاق رسائل بريد إلكتروني ومقتطفات من حساب جون بوديستا، مدير حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وعُرفت تلك المقتطفات فيما بعد بـ«تسريبات بوديستا» التي سلطت الضوء بشكل سلبي جدا على كلينتون، وتضمنت مقتطفات صوتية من الخطب التي ألقتها لمجموعة متنوعة من البنوك، وأسئلة النقاش التي سُربت إليها قبل مناظرتها مع ترمب.
وبعد ثلاثة أسابيع، يوم 28 أكتوبر، أعلن جيمس كومي مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) في رسالة إلى الكونغرس أنه سيتخذ «خطوات التحقيق المناسبة» لمراجعة رسائل البريد الإلكتروني الإضافية المتعلقة باستخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. جاء ذلك بعد العثور على رسائل بريد إلكتروني اكتشفت على جهاز كومبيوتر صادره «إف بي آي» أثناء التحقيق مع النائب السابق أنتوني وينر بعد اتهامه بإرسال صور فاضحة إلى قاصر. وعُثر على رسائل البريد الإلكتروني على جهاز كومبيوتر يستخدمه كل من وينر وزوجته السابقة هوما عابدين، كبيرة مساعدي كلينتون، وفقا لمسؤولي «إف بي أي».

الهجرة وتهم العنصرية

وفي انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ وانتخابات مجلس النواب عام 2018، تحولت «قافلة المهاجرين» من أميركا الوسطى، إلى «مفاجأة أكتوبر». إذ نشر الرئيس ترمب معلومات عن القافلة في تغريدات له على تويتر. وأطلق لاحقاً إعلاناً تلفزيونياً انتقده الكثيرون باعتباره عنصرياً (وهو ما أجبر حتى محطة «فوكس نيوز» اليمينية المؤيدة لترمب ومحطة «إن بي سي» وموقع «فيسبوك» على إزالة الإعلان، بينما رفضت محطة «سي إن إن» بثه).
ومن ثم، هيمنت القضية على النقاش في العديد من شبكات الأخبار، ووجهت الانتقادات لترمب. وبدلا من أن تؤدي «قافلة المهاجرين» إلى دعم حظوظ المرشحين الجمهوريين الذين كانوا يهيمنون على مجلسي الشيوخ والنواب، فإنهم خسروا سيطرتهم على مجلس النواب وانتقلت إلى الديمقراطيين.

المفاجأة الجديدة المنتظرة

في أي حال، إذا كانت الاتهامات توجه دائما للجمهوريين بأنهم لطالما برعوا في استخدام «مفاجأة أكتوبر» لقلب اتجاهات التصويت، عبر محاولة تفجير إما مفاجأة سياسية أو فضيحة شخصية، أو عقد صفقات ما، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى الجهود التي سيبذلها كل من ترمب وبايدن للعثور على «مفاجأة أكتوبر» لهذا العام، في ظل قائمة من الخيارات الضيقة أمامهما.
ومع إثارة صحيفة «ذي أتلانتيك» قضية امتناع ترمب عن زيارة مقبرة الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وتصويره بمظهر المنتقد المُهين للقوات الأميركية، تحولت القضية إلى «مفاجأة» مبكرة، وضعت الجمهوريين في موقف دفاعي، بعدما كانوا يأملون بتسليط الضوء على ملفات أخرى، كملف الأمن والقانون.
ولعل ما أثار حفيظة ترمب ومناصريه هو أن وسائل إعلامية أخرى هبت لتأكيد تقرير الصحيفة، أبرزها وكالة «الأسوشييتد برس» وصحيفتا «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز»، بل حتى قناة «فوكس نيوز» الداعمة لترمب.
في المقابل، يتوقع الديمقراطيون أن يواصل ترمب السعي لتحقيق إنجاز في سياسته الخارجية، والاستثمار في ملفاتها... من التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، إلى عقد صفقة حول إيران أو كوريا الشمالية، بجانب إعادة العسكريين الأميركيين من الخارج. وحقاً، بعدما أعلن ترمب عن سحب ما يقرب من 12 ألف جندي من ألمانيا، بدا أن الأمر لم يكن كافياً. وفعلاً، أعلن في واشنطن بالأمس عن التوجه لسحب نحو ثلث القوات الأميركية المنشورة في العراق خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأيضاً ما ينطبق على العراق سينطبق على أفغانستان. إذ ينوي ترمب سحب القوات بالكامل من هناك، وعديدها 8600 جندي، إلا أن الخروج من أفغانستان قبل إجراء انتخابات قد يسمح لطالبان بالاستيلاء على السلطة، وإن كان سيسمح لترمب بالقول إنه يفي بوعده «أميركا أولاً».
كوريا الجنوبية هي مكان آخر محتمل لخفض القوات، لأن سيول لن تستسلم لطلب ترمب بدفع مبلغ 5 مليارات دولار سنويا لدعم كلفة وجود القوات الأميركية فيها. ويتهم الديمقراطيون ترمب بأنه قد يحاول عقد قمة جديدة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وقد يعده حتى بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية.

«ورقتا» الأمن والاقتراع

ويرجح الديمقراطيون أن يكرر ترمب نشر قوات الأمن الاتحادية لمواجهة المحتجين المحليين في ظل استمرار الاحتجاجات على خلفية عنف الشرطة والتمييز العنصري ضد الملونين. ويقولون إن تجربة مدينة بورتلاند شكلت رداً على سياسته لفرض «القانون والنظام». إذ بمجرد خروج القوات الاتحادية منها انتهت الفوضى فيها!. لكن احتمال اندلاع مواجهات جديدة لا يزال قائما بشدة، في ظل استمرار حوادث إطلاق النار سواء من رجال الشرطة أو من المتظاهرين اليمينيين واليساريين المتطرفين. ويقول العديد من النقاد والمحللين إنه كلما اشتعلت المواجهات وتحولت إلى أعمال عنف، كلما صب ذلك في خدمة خطاب ترمب، الذي يسعى لإخافة الناخبين البيض. ويحذرون من أن نشر القوات الاتحادية على نطاق واسع في المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون قبل أيام من الانتخابات، أو حتى إعلان الأحكام العرفية، من شأنه أن يؤدي إلى منع مؤيدي بايدن من التصويت. بل إن البعض يحذر من احتمال الإعلان عن تعطل خدمة البريد التي يشكك فيها ترمب كوسيلة قانونية لتسليم بطاقات الاقتراع والتصويت، ما يمنع تسليمها في معاقل الديمقراطيين، لتشكل «مفاجأة أكتوبر» محلية.
إيران هي دولة أخرى يمكن أن يحاول فيها ترمب القيام بالتفافة كبيرة، إما عبر صفقة نووية، يخشى أن تكرر الاتفاق الذي خرج منه، أو تنفيذ ضربات جوية ضد برنامجها النووي المتوسع، وهما على أي حال احتمالان غير متوقعين حتى الساعة. لكن هل تتغير اللعبة اليوم وينجح الديمقراطيون في إحداث مفاجأة مع إيران نفسها، في تكرار معكوس لما جرى في ثمانينات القرن الماضي؟ وفيما يكرر ترمب قوله إنه جاهز لتوقيع اتفاق مع إيران، مباشرة بعد الانتخابات عندما يتم التجديد له في نوفمبر (تشرين الثاني)، يتهم الجمهوريون مسؤولين سابقين في فريق الرئيس السابق باراك أوباما، وخصوصا وزير خارجيته جون كيري، بأنه التقى بمسؤولين إيرانيين لإقناعهم على الصمود وعدم الرضوخ ومقاومة «الضغوط القصوى» التي يمارسها ترمب إلى ما بعد الانتخابات لحرمانه من الفوز.

البداية المبكرة غير المباشرة كانت مع نيكسون

> مع أن مصطلح «مفاجأة أكتوبر» أبصر النور مع ويليام كيسي، كانت هناك أحداث مؤثرة في الانتخابات سبقته زمنياً. ذلك أنه خلال الانتخابات الرئاسية عام 1972 بين الجمهوري ريتشارد نيكسون والديمقراطي جورج ماكغفرن، كانت الولايات المتحدة في السنة الرابعة من المفاوضات لإنهاء حرب فيتنام الطويلة والمثيرة للانقسام.
ويوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، أي قبل 12 يوما من الانتخابات التي نظمت في 7 نوفمبر، ظهر كبير المفاوضين الأميركيين ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، وأعلن «أن السلام في متناول اليد». وهو تطور زاد كثيراً من فرص نيكسون في الفوز مع أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه تقدماً على منافسه.
ورغم فشله في وقف الحرب بشكل كامل، تمكن نيكسون من خفض بشكل كبير من مشاركة القوات الأميركية وسحب القوات البرية عام 1973. لينتهي التدخل الأميركي في فيتنام عام 1975.

«قضيتا» أرنولد شوارتزنيغر

> في 2 أكتوبر 2003، أصدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن أرنولد شوارتزنيغر، (حاكم كاليفورنيا السابق والممثل ورياضي كمال الأجسام) ومزاعم لاحقة بأنه كان زير نساء، متهمة إياه بارتكاب أفعال متعددة من سوء السلوك الجنسي خلال العقود الماضية.
ونشرت القصة قبل أيام معدودات من إعادة إطلاق حملة انتخابه حاكما لولاية كاليفورنيا. ولم تكن تلك القصة الوحيدة المُحرجة عن شوارتزنيغر التي ظهرت على السطح قبل أيام فقط من الحملة. إذ أنه في اليوم التالي، ذكرت محطة «إيه بي سي نيوز» و«نيويورك تايمز» أنه خلال عام 1975، أشاد شوارتزنيغر بالزعيم النازي أدولف هتلر خلال المقابلات الخاصة بفيلم «بمبنغ أيرون» - أو «ضخ الحديد» - الذي أسهم في شهرته كرياضي كمال الأجسام ودفعه للتحول إلى ممثل.


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.