«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

أميركا تقترب من شهر الدسائس والفضائح الانتخابية والصفقات المشبوهة

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب
TT

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

يجادل العديد من الديمقراطيين في الولايات المتحدة بأنه إذا أجريت انتخابات الرئاسة الأميركية اليوم في ظل استطلاعات رأي تمنح مرشحهم جو بايدن التقدم على منافسه دونالد ترمب، فإنهم سيستعيدون البيت الأبيض. وحقاً، بعض الاستطلاعات أعطت بايدن تقدماً بـ297 صوتاً في المجمع الانتخابي، أي أكثر بـ27 صوتا عما يحتاجه للفوز. ولذا فهم في سباق مع الوقت للإبقاء على هذه النتائج والحفاظ على أسباب تقدمهم، عبر الاستثمار في النتائج التي سببتها جائحة كوفيد - 19. سواء على المستوى الصحي مع أرقام الإصابات والوفيات المخيفة، أو على المستوى الاقتصادي والنتائج الكارثية التي ضربت قطاعاته كلها تقريباً.
في المقابل، يرى الجمهوريون أنه كلما تحسنت أرقام الجائحة والاقتصاد، تعززت حظوظ ترمب. إلا أنهم في ظل عجزهم عن تأجيل الانتخابات للاستثمار في عامل الوقت أيضا، قد يلجأون إلى مفاجآت أخرى، أو ما يعرف بـ«مفاجأة أكتوبر».

في مصطلحات السياسة الأميركية، «مفاجأة أكتوبر». و«المفاجأة» حدث إخباري يجري توقيته بشكل متعمد، أو يحدث أحيانا بشكل عفوي، ويكون له تأثير مباشر على نتيجة الانتخابات العامة، التي ستشهد تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب وانتخاب عدد من حكام الولايات وانتخاب الرئيس. وبما أن الانتخابات تجري في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن الأحداث التي تجري في أكتوبر لديها إمكانات أكبر للتأثير على قرارات الناخبين المحتملين، وخصوصاً، على الناخبين المستقلين والمترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد... فإما أن يغير الحدث مسار الانتخابات برمتها أو يعزز بقوة اتجاهات التصويت المسبقة.

ويليام كيسي أطلق التسمية

المصطلح نفسه صاغه ويليام كيسي، الذي شغل منصب مدير حملة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان عام 1980 ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (السي أي إيه) في عهده لاحقاً.
في حينه أطلق المصطلح على المفاجأة السياسية التي واكبت انتخابات ذلك العام، ومؤداها أن حملة ريغان عقدت صفقة سرية مع إيران لتأجيل إطلاق سراح الرهائن الأميركيين الـ52 الذين احتجزتهم مجموعة من الطلاب الإسلاميين في السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما، وذلك لإفشال حظوظ الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر من الفوز بولاية ثانية.
يومذاك، تزامنت التغطية الإخبارية مكثفة لإعلان كارتر حول الرهائن مع بيان الحكومة الإيرانية بأن إطلاق سراحهم لن يحصل إلا بعد الانتخابات، وهو ما جرى في الواقع بعد ساعات على حفل تنصيب ريغان، أي في 20 يناير (كانون الثاني) 1981. وحظي هذا الأمر باهتمام واسع النطاق، بعد تسريب صحيفة «الواشنطن بوست» خبر تأهب إدارة كارتر لشن عملية عسكرية واسعة النطاق لإطلاق سراح الرهائن. ووفق كتابات وتقارير صحافية في ذلك الوقت، لعب ديفيد روكفلر، الرئيس السابق لمجموعة «تشايس مانهاتن» المصرفية دوراً كبيراً في دعم حملة ريغان وسخر قوته المالية لدعم معارضي كارتر. وساعد فريق روكفلر (وهو ابن إحدى أبرز العائلات السياسية والمالية الأميركية) في جمع ونشر شائعات حول «مكافآت» محتملة وعد بها كارتر إذا جرى الإفراج عن الرهائن. وهي ادعاءات قالت حملته الانتخابية إنها أعاقت المفاوضات التي كانت تجرى مع إيران لإطلاق سراحهم. وغالباً ما يجري تناول الدور الذي تلعبه تلك العائلات والشركات الكبيرة والمؤسسة السياسية في واشنطن للتأثير على الانتخابات الرئاسية في اختيار الشخصية التي تتناسب مع مصالحها.
وفي هذا الشأن، كتب جوزيف ريد، رئيس فريق موظفي روكفلر الذي عينه ريغان لاحقاً سفيراً في المغرب، رسالة لعائلته بعد الانتخابات قال فيها «لقد بذلت كل جهدي لإحباط أي جهد من جانب مسؤولي كارتر لإنهاء مفاجأة أكتوبر»، في إشارة على ما يبدو إلى جهود روكفلر لإحباط صفقة إطلاق سراح الرهائن. ولكن رغم ذلك، حين دعا غاري سيك، عضو مجلس الأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجيمي كارتر (قبل إعفائه من مهامه بعد أسابيع من ولاية ريغان) إلى فتح تحقيق في هذه القضية في مقالة افتتاحية في صحيفة «النيويورك تايمز»، قبل انتخابات عام 1992، كان الرد الأولي من الحزبين في الكونغرس متشككاً. إذ رفض الديمقراطيون في مجلس النواب منح الإذن بإجراء التحقيق، ورفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ تخصيص 600 ألف دولار لإجرائه.
لكن الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، صرح بأن «حملة ريغان أبرمت صفقة مع طهران لتأجيل الإفراج عن الرهائن». وأكد أنه «بحلول الشهر الذي سبق الانتخابات الرئاسية الأميركية في 1980. كان العديد في الدوائر الحاكمة في إيران يناقشون علانية حقيقة إبرام الصفقة لمنع إعادة انتخاب كارتر». وكرر بني صدر ادعاءاته هذه في كتابه «دوري لأتحدث: إيران والثورة والصفقات السرية مع الولايات المتحدة».
كذلك كشفت تقارير أخرى أن حملة ريغان تمكنت من الحصول على أوراق عن «استراتيجية» نقاشات كارتر قبل المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما عام 1980. وزُعم أيضاً أن حملة ريغان استعانت بمسؤولين متقاعدين من «السي آي إيه» وجاسوس داخل إدارة كارتر لجمع المعلومات حول سياسته الخارجية، بحسب تقرير لمجلة «تايم» عام 1983.

إيران كونترا

وفي يونيو (حزيران) 1992، اتهم كاسبار واينبرغر، وزير الدفاع السابق في عهد رونالد ريغان، بالتورط في قضية «إيران كونترا». ورغم قوله إنه عارض بيع إيران السلاح مبدئياً، فإنه شارك في إجازة نقل صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع إليها، وهي أسلحة استخدمت لوقف تقدم دبابات الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية. ووجهت إلى واينبرغر لاحقا عدة تهم جنائية بالكذب في ملف إيران. واتهم الجمهوريون، بسخط، المستشار المستقل لورانس والش بتوقيت توجيه لائحة الاتهام لواينبرغر بهدف الإضرار بفرص إعادة انتخاب جورج بوش الأب (الذي خلف ريغان). ومع اقتراب موعد محاكمته، ظهرت معلومات أكثر صلابة عن الدور المباشر لبوش. وقال هوارد تيشر، مستشار ريغان لشؤون الشرق الأوسط، أن بوش كان على علم بصفقة الأسلحة في ربيع 1986. كذلك، نشرت مذكرة إسرائيلية أوضحت أن بوش كان ضالعاً في الصفقة خلال يوليو (تموز) 1986.

بوش الابن... وأوباما وماكين

وقبل أيام من انتخابات نوفمبر عام 2000، أكد توماس جيه كونولي، وهو محامي دفاع بارز ومرشح ديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ماين عام 1998، لأحد المراسلين أن المرشح الرئاسي الجمهوري جورج بوش الابن كان قد تعرض للتوقيف بسبب قيادته سيارته وهو ثمل في تلك الولاية عام 1976. وأكد بوش التقرير في مؤتمر صحافي بعد لحظات من الكشف عنه.
وفي 31 أكتوبر 2008، قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية، أفادت وكالة «أسوشييتد برس» أن زيتوني أونيانغو، عمة المرشح الديمقراطي باراك أوباما، كانت تعيش كمهاجرة غير شرعية في بوسطن. ولقد حُرمت من حق اللجوء وأمرت بمغادرة الولايات المتحدة عام 2004. في المقابل وصف البعض الارتفاع القياسي في معدل البطالة في أكتوبر 2008 بأنه «مفاجأة أكتوبر»، لحرمان مرشح الجمهوريين السيناتور الراحل جون ماكين من الفوز أمام منافسه الديمقراطي أوباما، في خضم أزمة الرهن العقاري وانهيار أسواق المال وإفلاس عدد من البنوك الكبرى وانهيار قطاع السيارات.

شريط ترمب وتسريبات هيلاري

وفي 7 أكتوبر عام 2016. نُشر شريط فيديو يعود للعام 2005، يظهر المرشح الجمهوري دونالد ترمب يقول بلغة صريحة، إن النساء سمحن له بتقبيلهن ولمسهن لأنه «نجم». وأثارت تصريحاته غضب العديد من السياسيين من كلا الحزبين. ومع أن ترمب قد اتُهم بالتمييز على أساس الجنس في عدة مناسبات من قبل، فإنه اعتذر لاحقا عن هذه التصريحات، بقوله إنها «لا تعكس من هو». لكن نشر الشريط أدى إلى سحب العديد من الجمهوريين تأييدهم له، من بينهم المرشح الرئاسي السابق سيناتور أريزونا جون ماكين، وسيناتورة ولاية نيو هامبشير كيلي أيوت، والمرشحة الجمهورية وسيدة الأعمال البارزة كارلي فيورينا. وطلب منه كثيرون آخرون ممن لم يؤيدوه من قبل، التنحي عن منصب المرشح الجمهوري، بمن فيهم وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
وخلال الفترة نفسها، بدأ موقع «ويكيليكس» حملة لإطلاق رسائل بريد إلكتروني ومقتطفات من حساب جون بوديستا، مدير حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وعُرفت تلك المقتطفات فيما بعد بـ«تسريبات بوديستا» التي سلطت الضوء بشكل سلبي جدا على كلينتون، وتضمنت مقتطفات صوتية من الخطب التي ألقتها لمجموعة متنوعة من البنوك، وأسئلة النقاش التي سُربت إليها قبل مناظرتها مع ترمب.
وبعد ثلاثة أسابيع، يوم 28 أكتوبر، أعلن جيمس كومي مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) في رسالة إلى الكونغرس أنه سيتخذ «خطوات التحقيق المناسبة» لمراجعة رسائل البريد الإلكتروني الإضافية المتعلقة باستخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. جاء ذلك بعد العثور على رسائل بريد إلكتروني اكتشفت على جهاز كومبيوتر صادره «إف بي آي» أثناء التحقيق مع النائب السابق أنتوني وينر بعد اتهامه بإرسال صور فاضحة إلى قاصر. وعُثر على رسائل البريد الإلكتروني على جهاز كومبيوتر يستخدمه كل من وينر وزوجته السابقة هوما عابدين، كبيرة مساعدي كلينتون، وفقا لمسؤولي «إف بي أي».

الهجرة وتهم العنصرية

وفي انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ وانتخابات مجلس النواب عام 2018، تحولت «قافلة المهاجرين» من أميركا الوسطى، إلى «مفاجأة أكتوبر». إذ نشر الرئيس ترمب معلومات عن القافلة في تغريدات له على تويتر. وأطلق لاحقاً إعلاناً تلفزيونياً انتقده الكثيرون باعتباره عنصرياً (وهو ما أجبر حتى محطة «فوكس نيوز» اليمينية المؤيدة لترمب ومحطة «إن بي سي» وموقع «فيسبوك» على إزالة الإعلان، بينما رفضت محطة «سي إن إن» بثه).
ومن ثم، هيمنت القضية على النقاش في العديد من شبكات الأخبار، ووجهت الانتقادات لترمب. وبدلا من أن تؤدي «قافلة المهاجرين» إلى دعم حظوظ المرشحين الجمهوريين الذين كانوا يهيمنون على مجلسي الشيوخ والنواب، فإنهم خسروا سيطرتهم على مجلس النواب وانتقلت إلى الديمقراطيين.

المفاجأة الجديدة المنتظرة

في أي حال، إذا كانت الاتهامات توجه دائما للجمهوريين بأنهم لطالما برعوا في استخدام «مفاجأة أكتوبر» لقلب اتجاهات التصويت، عبر محاولة تفجير إما مفاجأة سياسية أو فضيحة شخصية، أو عقد صفقات ما، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى الجهود التي سيبذلها كل من ترمب وبايدن للعثور على «مفاجأة أكتوبر» لهذا العام، في ظل قائمة من الخيارات الضيقة أمامهما.
ومع إثارة صحيفة «ذي أتلانتيك» قضية امتناع ترمب عن زيارة مقبرة الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وتصويره بمظهر المنتقد المُهين للقوات الأميركية، تحولت القضية إلى «مفاجأة» مبكرة، وضعت الجمهوريين في موقف دفاعي، بعدما كانوا يأملون بتسليط الضوء على ملفات أخرى، كملف الأمن والقانون.
ولعل ما أثار حفيظة ترمب ومناصريه هو أن وسائل إعلامية أخرى هبت لتأكيد تقرير الصحيفة، أبرزها وكالة «الأسوشييتد برس» وصحيفتا «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز»، بل حتى قناة «فوكس نيوز» الداعمة لترمب.
في المقابل، يتوقع الديمقراطيون أن يواصل ترمب السعي لتحقيق إنجاز في سياسته الخارجية، والاستثمار في ملفاتها... من التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، إلى عقد صفقة حول إيران أو كوريا الشمالية، بجانب إعادة العسكريين الأميركيين من الخارج. وحقاً، بعدما أعلن ترمب عن سحب ما يقرب من 12 ألف جندي من ألمانيا، بدا أن الأمر لم يكن كافياً. وفعلاً، أعلن في واشنطن بالأمس عن التوجه لسحب نحو ثلث القوات الأميركية المنشورة في العراق خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأيضاً ما ينطبق على العراق سينطبق على أفغانستان. إذ ينوي ترمب سحب القوات بالكامل من هناك، وعديدها 8600 جندي، إلا أن الخروج من أفغانستان قبل إجراء انتخابات قد يسمح لطالبان بالاستيلاء على السلطة، وإن كان سيسمح لترمب بالقول إنه يفي بوعده «أميركا أولاً».
كوريا الجنوبية هي مكان آخر محتمل لخفض القوات، لأن سيول لن تستسلم لطلب ترمب بدفع مبلغ 5 مليارات دولار سنويا لدعم كلفة وجود القوات الأميركية فيها. ويتهم الديمقراطيون ترمب بأنه قد يحاول عقد قمة جديدة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وقد يعده حتى بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية.

«ورقتا» الأمن والاقتراع

ويرجح الديمقراطيون أن يكرر ترمب نشر قوات الأمن الاتحادية لمواجهة المحتجين المحليين في ظل استمرار الاحتجاجات على خلفية عنف الشرطة والتمييز العنصري ضد الملونين. ويقولون إن تجربة مدينة بورتلاند شكلت رداً على سياسته لفرض «القانون والنظام». إذ بمجرد خروج القوات الاتحادية منها انتهت الفوضى فيها!. لكن احتمال اندلاع مواجهات جديدة لا يزال قائما بشدة، في ظل استمرار حوادث إطلاق النار سواء من رجال الشرطة أو من المتظاهرين اليمينيين واليساريين المتطرفين. ويقول العديد من النقاد والمحللين إنه كلما اشتعلت المواجهات وتحولت إلى أعمال عنف، كلما صب ذلك في خدمة خطاب ترمب، الذي يسعى لإخافة الناخبين البيض. ويحذرون من أن نشر القوات الاتحادية على نطاق واسع في المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون قبل أيام من الانتخابات، أو حتى إعلان الأحكام العرفية، من شأنه أن يؤدي إلى منع مؤيدي بايدن من التصويت. بل إن البعض يحذر من احتمال الإعلان عن تعطل خدمة البريد التي يشكك فيها ترمب كوسيلة قانونية لتسليم بطاقات الاقتراع والتصويت، ما يمنع تسليمها في معاقل الديمقراطيين، لتشكل «مفاجأة أكتوبر» محلية.
إيران هي دولة أخرى يمكن أن يحاول فيها ترمب القيام بالتفافة كبيرة، إما عبر صفقة نووية، يخشى أن تكرر الاتفاق الذي خرج منه، أو تنفيذ ضربات جوية ضد برنامجها النووي المتوسع، وهما على أي حال احتمالان غير متوقعين حتى الساعة. لكن هل تتغير اللعبة اليوم وينجح الديمقراطيون في إحداث مفاجأة مع إيران نفسها، في تكرار معكوس لما جرى في ثمانينات القرن الماضي؟ وفيما يكرر ترمب قوله إنه جاهز لتوقيع اتفاق مع إيران، مباشرة بعد الانتخابات عندما يتم التجديد له في نوفمبر (تشرين الثاني)، يتهم الجمهوريون مسؤولين سابقين في فريق الرئيس السابق باراك أوباما، وخصوصا وزير خارجيته جون كيري، بأنه التقى بمسؤولين إيرانيين لإقناعهم على الصمود وعدم الرضوخ ومقاومة «الضغوط القصوى» التي يمارسها ترمب إلى ما بعد الانتخابات لحرمانه من الفوز.

البداية المبكرة غير المباشرة كانت مع نيكسون

> مع أن مصطلح «مفاجأة أكتوبر» أبصر النور مع ويليام كيسي، كانت هناك أحداث مؤثرة في الانتخابات سبقته زمنياً. ذلك أنه خلال الانتخابات الرئاسية عام 1972 بين الجمهوري ريتشارد نيكسون والديمقراطي جورج ماكغفرن، كانت الولايات المتحدة في السنة الرابعة من المفاوضات لإنهاء حرب فيتنام الطويلة والمثيرة للانقسام.
ويوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، أي قبل 12 يوما من الانتخابات التي نظمت في 7 نوفمبر، ظهر كبير المفاوضين الأميركيين ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، وأعلن «أن السلام في متناول اليد». وهو تطور زاد كثيراً من فرص نيكسون في الفوز مع أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه تقدماً على منافسه.
ورغم فشله في وقف الحرب بشكل كامل، تمكن نيكسون من خفض بشكل كبير من مشاركة القوات الأميركية وسحب القوات البرية عام 1973. لينتهي التدخل الأميركي في فيتنام عام 1975.

«قضيتا» أرنولد شوارتزنيغر

> في 2 أكتوبر 2003، أصدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن أرنولد شوارتزنيغر، (حاكم كاليفورنيا السابق والممثل ورياضي كمال الأجسام) ومزاعم لاحقة بأنه كان زير نساء، متهمة إياه بارتكاب أفعال متعددة من سوء السلوك الجنسي خلال العقود الماضية.
ونشرت القصة قبل أيام معدودات من إعادة إطلاق حملة انتخابه حاكما لولاية كاليفورنيا. ولم تكن تلك القصة الوحيدة المُحرجة عن شوارتزنيغر التي ظهرت على السطح قبل أيام فقط من الحملة. إذ أنه في اليوم التالي، ذكرت محطة «إيه بي سي نيوز» و«نيويورك تايمز» أنه خلال عام 1975، أشاد شوارتزنيغر بالزعيم النازي أدولف هتلر خلال المقابلات الخاصة بفيلم «بمبنغ أيرون» - أو «ضخ الحديد» - الذي أسهم في شهرته كرياضي كمال الأجسام ودفعه للتحول إلى ممثل.


مقالات ذات صلة

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

حصاد الأسبوع ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع الرئيسان بوتين وشي جينبينغ يوسّعان أطر التعاون الثنائي الاستراتيجي (أ.ف.ب)

القطب الشمالي... مواجهة تزداد سخونة وسط ذوبان الثلوج

مع أن «مقدّمات» اشتعال التنافس المباشر في منطقة القطب الشمالي، بين روسيا والصين من جانب، والولايات المتحدة وشريكاتها في حلف شمال الأطلسي «ناتو» من جانب آخر،

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.