«الشرق الأوسط» في مهرجان «فينيسيا الدولي} (4): «باتمان» الجديد في ورطة

ثلاثة أفلام تعرُج في منطقة الوسط

روبرت باتنسون  في لقطة أولى من «ذا باتمان»
روبرت باتنسون في لقطة أولى من «ذا باتمان»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان «فينيسيا الدولي} (4): «باتمان» الجديد في ورطة

روبرت باتنسون  في لقطة أولى من «ذا باتمان»
روبرت باتنسون في لقطة أولى من «ذا باتمان»

أعلنت شركة «وورنر» إغلاق تصوير فيلمها الجديد «ذا باتمان» بعد أقل من أسبوعين اثنين على بدء التصوير في أحد استوديوهات بريطانيا. بالأحرى «على إعادة بدء التصوير»؛ إذ كان التصوير قد توقف قبل عدة أشهر بسبب وباء «كورونا»، قبل أن تُجهز العدة للعودة إلى العمل مع روبرت باتنسون في دور الرجل المقنع.
وبعد الإعلان، أصابت الممثل الأول حالة إعياء فُحص على أثره ليتبين أنه مصاب بالوباء، ولا بد من حجره لعشرة أيام على الأقل.
ليس هذا فقط، فكل من اقترب منه خلال الأسبوع الماضي على الأقل لمسافة تقل عن مترين، ولمدة تزيد عن 15 دقيقة، يتم فحصه حالياً. الخبر سبب ذعراً شديداً، ليس بين العاملين على الفيلم فقط؛ بل في أرجاء صناعة السينما الواسعة من هوليوود إلى بريطانيا. ذلك لأن الاستعدادات كانت قد بدأت لإعادة الحياة إلى طبيعتها السابقة، والعودة إلى تصوير الأفلام الجديدة، أو استكمال ما كان توقف منها. الإطار الأوسع هو أن شركات التأمين لم تعد في وارد تأمين الفيلم إذا ما توقف تصويره بسبب «كورونا». بالنسبة لفيلم «ذا باتمان» فإن «وورنر» كانت أمَّنت قبل تراجع الشركات العاملة في هذا المجال على التعاقد مع هوليوود في هذا الإطار.
بذلك، وعوض أن ينشغل المنتجون بأحد أضخم أفلام العام المقبل (250 مليون دولار كميزانية) ومتابعة التصوير عبر ما يُرسل إليهم من مشاهد منجزة، وجدوا أنفسهم يبحثون في احتمال أن يكون الوباء قد انتشر فعلاً بين كل من اقترب من الممثل خلال العمل، وهم كثيرون، ومن بينهم المخرج مات ريفز.
والمسألة لا تتعلق بفيلم «ذا باتمان» وحده؛ بل هناك أفلام أخرى بُوشر تصويرها، من بينها «جوراسيك وورلد: دومينيون» الذي تنتجه شركة «يونيفرسال» ويتم تصويره كذلك في بريطانيا.
كانت «يونيفرسال»، حسب معلومات وفرتها مجلة «فاراياتي» قد اشترت فندقاً كبيراً لفريق العمل على ذلك الإنتاج الذي يرأسه ستيفن سبيلبرغ. بدوره، هذا الجزء الثالث من السلسلة محط حذر شديد. ثلاث مرات كل أسبوع يتم فحص كل العاملين في الفيلم للتأكد من عدم إصابة أحدهم بالوباء. هذا يشمل المخرج كولين تريفوروف وكل ممثلي الفيلم الذي يقوده كريس برات وبرايس دالاس هوارد.
- مصير المهرجانات العربية
و«كورونا» معضلة تحاول المهرجانات العربية حلها ضمن الأزمة العالمية التي يعيشها العالم. انتشال التميمي، المدير الفني لـ«مهرجان الجونة» في البحر الأحمر، يؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام وبشكل حثيث لإقامة الدورة الجديدة في موعدها، بعد نحو سبعة أسابيع: «لكننا في الوقت ذاته حذرون جداً، وسيكون لدينا معايير أمان أعلى مما هي هنا في فينيسيا».
من بين هذه المعايير أن الآتي للمهرجان من المدعوين والضيوف لن يستطيع مبارحته مغادراً ثم العودة إليه: «من يغادره لن يستطيع العودة؛ لأن عودته ستتضمن مزيداً من الفحوصات».
والأخبار الأخرى الواردة تشير إلى أن «مهرجان أيام قرطاج السينمائية» قد لا يعرض أي فيلم جديد؛ بل سيعتمد على إعادة عروض لأفلام سبق وقدمها في إطار السنوات السابقة. هذا إن حدث فسيكون على عكس من يرغب في استمرار اندفاع ذلك المهرجان الذي بدأ منذ تسلم مديره الراحل نجيب عياد مهام عمله قبل عامين. بعد رحيله انتخب المخرج التونسي رضا الباهي الذي يتكتم حول رأيه فيما يدور في هذا الشأن.
والمصير ذاته يتراءى لـ«مهرجان مراكش السينمائي» الذي كان قد توقف سابقاً مع تغيير إدارته، ثم عاد في العام الماضي واعداً بنهضة جديدة (لم تتم). الأخبار الواردة تؤكد - إلى حد بعيد - أنه في سبيل إلغاء دورته المقبلة المقررة مع نهاية هذا العام.
هذا يدلف بنا إلى «مهرجان القاهرة» الذي عادة ما يقام في الشهر الحادي عشر من كل سنة. السلطات المصرية مصممة على مجابهة الوباء بالحد من بيئات محتملة لانتشاره. ومهرجان يقبل عليه الألوف خلال إقامته واحد من هذه البيئات. لا نعرف ما هي معايير السلامة التي سيتبعها المهرجان في دورته المقبلة؛ لكن المرء يستطيع أن يدرك أن المسألة لن تكون سهلة على الإطلاق، لا على القائمين بالمهرجان ولا على ضيوفه.
- مأساوي
حتى الآن زخم الأفلام متنوع، وعديد منها جيد؛ لكنها المنطقة الزمنية الوسطى من المهرجان، وبعض العرج بدأ يُصيب الأفلام المعروضة. خذ مثلاً «مس ماركس» لمخرجته الإيطالية سوزانا نكياريللي. العنوان لافت، وهو يكاد أن يسطو على نقطة الاهتمام الأول في الفيلم، فالمرأة المقصودة في الفيلم ليست سوى إليانور ماركس (1855 - 1898) أصغر بنات كارل ماركس. تقوم بها رومولا غاراي باندفاع يشبه اندفاع الفيلم كقطار فقد مكابحه. إذ كتبت المخرجة سيناريو الفيلم، فإن ما أرادت نكياريللي تضمينه هو كل شيء في وقت واحد. إنه سيرة حياة بطلتها، ومواقف شخصية وملامح سياسية من دون أن يستكمل الفيلم أياً من هذه المشاغل التي كانت ستصنع منه عملاً أفضل. في زحمة ما لديها من مشاهد وأبعاد تريد دفعها معاً، نجد المخرجة تعمد إلى حيوية وحركة دائمة، كما لو أن استعجال المشاهد هو فعل جيد بحد ذاته. نتيجة ما تقوم به أن الفيلم ينتمي – كأسلوب - إلى تلك الأعمال التي تشبه الغوريللات؛ حين تضرب على صدرها مدعية القوة أمام الغريم.
يبدأ الفيلم بمشهد لإليانور ماركس تحضر دفن والدها سنة 1883. هي من أكثر أفراد العائلة إيماناً به وبفلسفته الشيوعية. تدافع عنه بعد رحيله وتحاول التمثل به، هذا إلى أن تكتشف أنه أنجب خارج حياته الزوجية مع أمها التي ماتت قبل موت الأب بعامين.
علينا أن نصدق أن الخبر كان له هذا الوقع الصاعق الذي نشاهده في الفيلم، ذلك لأنه يناسب، لدى المخرجة، أسلوب فيلم الأزمات والرغبة في التصعيد. مشهد كهذا كان الأحرى به أن يمر من خلال عاطفة فعلية. ربما صامتة لأنها الأعلى أثراً من سواها. في كل الأحوال، وتبعاً لاكتشاف أن والدها لم يكن مثالياً، تُصاب بخيبة أمل، ولو أنها ستواصل حمل راية أبيها الاشتراكية. عندما تقع، لاحقاً، في حب الكاتب المسرحي إدوارد (باتريك كندي) تتكرر مأساتها، فهي لم تدرك أنه متزوج، وحين أدركت (بعد سنوات) أقدمت على الانتحار.
مشكلة نكياريللي في سردها هي رغبتها في توفير السيرة بمعالجة تضيف ترجمتها الخاصة لكيف وقعت الأحداث الفعلية. تأخذ من الحدث العام وتضيف إليه ما يخرج به من واقعه إلى شطط خيالي، بهدف تتويج الفيلم بذروات مفتعلة، حتى ولو أن بعضها وقع بالفعل. بهذا فإن الفيلم ينتمي إلى مقالات مجلة الشائعات الشخصية «إنكوايرر» أكثر من انتمائه إلى مستوى مجلة «فانيتي فير» مثلاً. الفيلم يحمل مشاهد نرى فيها إليانور ضحية بحثها عن الرجل المناسب في عالم غير مناسب، يحيط بها الموت من كل جانب (انتحرت عندما أدركت أن من تعيش معه ما زال متزوجاً).
تضيف المخرجة إلى الفترة التاريخية أغاني الـPunk الأميركية الحديثة، ما يؤكد عزمها على منح فيلمها ما تعتقد أنه ضروري لتسويقه. وبينما التصوير والتصاميم الفنية جيدة على النحو المتوقع إنتاجياً، فإن كل ذلك وسواه ينضم إلى حفلة صاخبة من الصور والأصوات. تضيف المخرجة فوق ذلك أغاني «روك» حديثة لا تدري ما دورها سوى إثارة ما تعتبره حماساً. بذلك هي مثل من يقف على خشبة المسرح وترفع يديها طالبة من جمهور كسول أن يصفق معها.
- فرصة مزدوجة
على عكس هذه المعالجة المفتعلة، يأتي فيلم الأميركية مونا فاستفولد «العالم المُقبل» (The World to Come). يدور في القرن التاسع عشر أيضاً؛ لكنه بعيد عن حياة المدينة، وليس من النوع البيوغرافي كذلك. يعمد إلى سرد هادئ آتياً على ذكر علاقة أنثوية - مثلية بين امرأتين تعيشان في بقعة نائية من النرويج (الفيلم ناطق بالإنجليزية). هما جارتان في تلك الأراضي القاصية، متزوجتان. أبيغيل (كاثرين ووترستون) فقدت ابنتها وتعاني الآن (وزوجها) من برودها الجنسي، وخشيتها من الإنجاب مجدداً. الأخرى اسمها تالي (فانيسا كيربي) التي لم تنجب بعد. منذ زيارة تالي الأولى لأبيغيل (بعد نحو سبع دقائق من الفيلم) ستدرك ما سيقع بينهما.
تستعجل المخرجة العلاقة ولا تستعجل الزمن داخل الفيلم ولا أسلوب عرضه. هذا ما يمنح الفيلم جديته. مصور في الطبيعة بإيقاعها الهادئ، ويمر فوق المشاهد تعليق أبيغيل الصوتي. وإذا كانت العلاقة موحى بها باكراً، فإن المخرجة لا تنطلق لتوظيفها على نحو شاع؛ بل تحاول (وبنجاح معتدل) سبر غور العاطفة الداخلية لكل من بطلتيها وأسبابها.
في المسابقة كذلك فيلم آخر من بطولة فانيسا كيربي، عنوانه «أجزاء امرأة» (Pieces of a Woman) ما يمنحها فرصة مزدوجة للفوز بجائزة أفضل ممثلة. وهي بالفعل ممثلة جيدة يُمكن تصديق عواطفها في «العالم المُقبل» وانفعالاتها في «أجزاء امرأة».
المخرج هو مَجَري سبق أن قدم قبل ست سنوات فيلماً سياسياً لاذعاً بعنوان «كلب أبيض». كورنل مندروشو بعد ذلك لم ينجز ما يُحتفى به إلى أن وجد طريقه (مع شريكته في الكتابة والإخراج كاتا وبر) إلى صياغة هذا السيناريو الذي حوَّله إلى أول عمل له ناطق بالإنجليزية.
هذا طبيعي بما أن الأحداث تدور في مدينة بوسطن بين زوجين (كيربي وشيا لابوف) جاءا من مستويين اجتماعيين مختلفين. هو مهندس بناء بسيط وهي أكثر ثقافة. المشكلة في هذا الشأن تتبلور وراء الستارة؛ لكن أمامها هناك المأساة التي عاشاها عندما أنجبت زوجته مولوداً ميتاً.
لمن يهوى مشاهدة لحظات الولادة الصعبة، هناك 25 دقيقة تقريباً من تفاصيل الوضع والإنجاب بكل ما فيه من صراخ وألم وتوتر، إلى قفز الكاميرا المحمولة كما لو أنها ستضيف شيئاً ذا قيمة. هدر الوقت في تصوير مشهد كهذا، عند هذا الناقد، لا يختلف في نتيجته عن مشهد مختصر شوهد في عدد لا يمكن إحصاؤه من الأفلام. التركيز على حدث واحد لأقل من نصف ساعة بقليل، من ثم سرد ما قبل وما بعد المشهد بإيقاع عادي (ولو كان بطيئاً بدوره) ليس مبرَّراً، ولا ينتمي إلى الدراما المنشودة بالضرورة. بكلمات أخرى، الوقع المأساوي على بطلي الفيلم نتيجة موت الجنين كان يمكن أن يحدث بعد خمس دقائق من ذلك المشهد أو بعد ساعة.
يمهد المخرج لتأكيد المأساة بتقديم متعدد الأوجه: فخر الزوج أمام معارفه بأنه سيصبح أباً. علاقة الزوجة بأمها (البديعة إيلين بيرستين) التي لم تكن ترغب لابنتها في الزواج بمن اختارته شريكاً لحياتها، ووضع الزوجة ذاتها وشعورها المفعم بالبهجة والتوقعات، كأي أم تخطط لاستمرار حياة سعيدة. كل ذلك ليساعد الفيلم في إيجاد ذرائع للأحداث التالية.
وما يلي هو رفع قضية ضد الممرضة التي أشرفت على الحمل. القضية تأخذ وقتاً، والعلاقة بين الزوجين تهترئ. وفي حين تعمد فانيسا كيربي لحشد كل طاقتها العاطفية الداخلية لإتقان دورها، يمنح شيا لابوف حضوره الجسدي الداهم بحركاته المتوترة أكثر مما يستطيع توفيره من عمق. في فحواه، الفيلم تقليدي لا يشكل أي فارقة ذات أهمية، رغم الجهد المبذول فيه لهذه الغاية.


مقالات ذات صلة

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».