أنطوان خوري: كنت متوترا على الهواء أثناء اجتياح أميركا للعراق

وصف تجربته في مجموعة «إم بي سي» بالمرحلة الذهبية.. وبرنامج «سينما بديلة» رئته الثالثة

الإعلامي اللبناني أنطوان خوري
الإعلامي اللبناني أنطوان خوري
TT

أنطوان خوري: كنت متوترا على الهواء أثناء اجتياح أميركا للعراق

الإعلامي اللبناني أنطوان خوري
الإعلامي اللبناني أنطوان خوري

شهد الصحافي أنطوان خوري، الكثير من الأحداث التي غيرت مجرياتها العالم من داخل الاستوديو، مثل اجتياح القوات الأميركية إلى العاصمة بغداد في 2003. واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 2005، والانتخابات الأميركية في 2008، وهو ممسكا بمذياعه على الهواء مباشرة، يتحدث عما يجري في كل حدث، ويستقبل اتصالات من المراسلين، ممن هم على الأرض، ينقلون ما يجري أيضا في كل حدث.
وأوضح خوري في حوار صحافي خاص لـ«الشرق الأوسط»، أنه يجب أن يتطلب على المنتمي إلى بلاط صاحبة الجلالة، الالتزام بالمهنية، وعدم الإدلاء برأيه عند التعليق على الصور التلفزيونية، إذ أننا بشر تؤثر علينا العاطفة في بعض اللقطات التلفزيونية في الأحداث اليومية، ما يؤدي إلى بكاء بعض زملائنا، الأمر الذي قد يعتبره رؤساء تحرير النشرة الإخبارية، بأنها تجييش للمشاعر.
وقال خوري، إن الحافز الذي دفعه لاختيار الإعلام المرئي، هو شغفه للصورة التلفزيونية، حيث يطمح بعد تجارب ناجحة في قنوات إخبارية عربية، إلى أن يكون مذيعا في قناة بي بي سي البريطانية، في تقديم الأخبار بلغات مختلفة، ومنها الإنجليزية أو الفرنسية، ليحقق بذلك إحدى أمنياته العملية.
ويطلعنا الإعلامي اللبناني عن مسيرته المهنية ابتداء في «بيته الأول» الـ«إم بي سي» بلندن ومرورا بتجربة الـ«إل بي سي» في بيروت و«العربية» في دبي وانتهاء بالعودة إلى عاصمة الضباب والالتحاق بـ«بي بي سي العربية» التي يعتبرها خوري «هامش الإبداع والمجال لتنفس الهواء النقي».
مسيرة 22 عاما تضمنت مطبات وتجارب وتحديات أثرت خوري وجعلت منه صحافيا ومحللا سياسيا مرموقا بمهنيته وإنسانيته وموضوعيته.
وبعيدا عن معترك الصحافة السياسية، لأنطوان خوري هوايات تتمثل بحبه للبيئة وهوسه بالفن السابع. فمن هواياته المفضلة المشي في أحضان الطبيعة. وتؤكد الوثائقيات البيئية وتجاربه بنشرات الطقس في «إم بي سي»، حرص هذا الإعلامي على تعليم الشباب الحفاظ على البيئة والمناداة بالاهتمام لقضية متجاهلة. ويعتبر خوري أن برنامج «سينما بديلة» الذي يقدمه عبر شاشة «بي بي سي» عربية، رئته الثالثة. ويأمل محب الأفلام التجارية والبديلة أن يخوض تجربة تمثيلية يوما ما.
وفيما يلي تفاصيل الحوار..
* كيف بدأت حياتك المهنية؟
- بدأت في لندن في عام 1990 كطالب ماجستير ترجمة وصحافة في جامعة لندن. واستغرق الأمر سنتين. وخلال السنتين كنت متعاونا بصحيفة «الحياة»، وعملت معهم أيضا لفترة بعد التخرج. ووقتها كان تلفزيون «إم بي سي» قد افتتح مكاتبه في العاصمة البريطانية، فطلبت منهم أن أتدرب هناك.
* كيف أصبحت على يقين أنك اخترت المهنة التي تناسبك؟
- لاحظت أنني أنتمي إلى عالم الإعلام المرئي لأنني أحب الصورة فهوسي وشغفي منذ الصغر هي السينما وأعشق الفن السابع. الصورة تساعد في تطوير ذهنية الإنسان للصحافة. حيث تكمن قدرة التعبير فيها. ووجدت الأمر تحديا خلال عملي كمنتج متدرب في «إم بي سي» وبعدها سمحوا لي أن أكتب وأسجل تقارير بنفسي، وكانت وقتها في ذروة حرب البوسنة والهرسك فتوسعت وانغمست في الموضوع لمدة عام. وبعد فترة انتقلت لأمور أخرى واكتشفت شغفا أيضا للبيئة بحكم أنني سكنت بأستراليا قبلها وعشت في مزرعة أخي للخضراوات وساعدته في زراعتها. وكنت أقضي معظم أيامي في الهواء الطلق فربطني ذلك بالطبيعة ولذلك عملت على تقارير عن البيئة والاحتباس الحراري والتهديد بذوبان القطبين. وبعدها عملت على عمل وثائقي طويل عن ظاهرة الاحتباس الحراري لمدة 4 شهور بجانب عملي كمذيع للأحوال الجوية.
وبعدها تبلورت عندي فكرة الصحافة التلفزيونية. وتوسعت اهتماماتي من السياسة إلى البيئة إلى السينما.
* ما هي علاقتك بـ«إم بي سي»؟
- أنا أعتبر «إم بي سي» هي بيتي الأول، وأعتبر أنه استثمر بي هناك، حيث اكتشف المديرون السعوديون وزملائي أنني أمتلك قدرات وتركيزا على مواضيع لم تكن عند غيري فميزوني. وليس من الممكن أن أنسى ذلك والتدريب الذي وفروه لي في الأرصاد الجوية وشركة الأخبار الخاصة البريطانية بوصفي مذيعا. لقد كبرت مع «إم بي سي» وابتعدت عن السياسة للعمل في الوثائقيات. مرحلة من عمري الصحافي أشتاق إليها لأنني أعتبرها مرحلة ذهبية وليس لها بديل. أنا على تواصل معهم وعندما أتابع القناة تعز علي لأنني ابن المؤسسة وتمنيت أن أستمر معهم ولكن شاءت الظروف غير ذلك.
* هل تفكر بالعودة؟
- أستبعد لأنني جربت المعيشة في دبي ولم أستطع التأقلم وتعبت نفسيا لارتباطاتي الأسرية في لندن.
* ما الذي تلا تجربتك مع «إم بي سي»؟
- التحقت بعدها بـ«إل بي سي» في لبنان من خلال تجربة الحياة «إل بي سي» التي كانت شركة سعودية لبنانية تنوي إطلاق قناة إخبارية. وتزامنت مع حرب العراق في 2003 التي فرضت على الفضائية اللبنانية «إل بي سي» أي أن تتحول لفترة من الفترات إلى قناة إخبارية. كانت تجربة غريبة ولكن مثرية تعلمت فيها الكثير على مدى عامين وكان دوامي في الليل وكنا نغطي الانفجارات والهجمات في بغداد وديالى والصدر وغيرها. كنا متوترين دائما. وكان عندي برنامج العالم الليلة كان من 40 دقيقة إلى ساعتين لتغطية الأحداث في العراق.
* ما الموقف في تلك التجربة بالذات الذي علق في دماغك؟
- الموقف هذا لن أنساه وهو اجتياح بغداد. كنت على الهواء ورأينا الدبابات الأميركية تدخل بغداد وقصف فندق الرشيد والقنابل المضيئة الرهيبة التي رأيناها لأول مرة في سماء العاصمة العراقية. كان التاريخ يكتب أمام عيني والتحدي الأكبر هو الالتزام بالمهنية ووصف ما يحدث في الصورة فقط دون الإدلاء بآراء شخصية أو التعبير عن مشاعر خاصة حول ما يحدث. مدينة عربية تدمر وجيوش أجنبية تجتاحها.. ولكن لم أكن بموقع أن أعبر عن رأيي والتزمت بالمهنية والموضوعية وكانت تجربة صعبة جدا رؤية العراق ينحدر إلى حرب طائفية أهلية. تجارب تدمع العيون وعندما أسترجعها تؤثر في كثيرا لأنها كانت المقدمة للوضع الذي نحن فيه الآن وكنت شاهدا عليها. فقد كنت متوترا حينها والخوف من فقدان المصداقية في توقيت كان صعبا التأكد من الأخبار لأن التأكد والنفي كان يأتينا.
* وبعد تجربتك مع «إل بي سي» هل عدت إلى «إم بي سي» مجددا؟
- عدت إلى «إم بي سي» من خلال مكتب «العربية» في لندن كمراسل وكمذيع وكضيف في دبي. طلب مني حينها الأستاذ عبد الرحمن الراشد الذي أعتبره من أهم الصحافيين وأكن له كل الحب والاحترام أن أعود إلى دبي ولكن لم أستطع التأقلم وفضلت أن أعيش في لندن وأتنقل بينها وبين دبي وعملت معهم لمدة 3 أو 4 سنوات كمراسل متجول في المملكة المتحدة وأوروبا وكنت أسافر إلى دبي لأشارك كمذيع بتغطيات مثل الانتخابات الأميركية وانتخابات لبنان وتفجيرات لبنان واغتيال رفيق الحريري ومن ثم أحداث اليمن كنا نغطيها عبر تقنية الـ«فيديو وال» وكنا أول ناس في الـ«إم بي سي» استخدمنا التحليق الافتراضي وأنا فخور لأنني نلت جوائز على هذه الأمور التقنية فقد استثمروا في وأنا رديت الجميل وأنا فخور بذلك. وبعدها ذهبت إلى «بي بي سي».
* كيف التحقت بـ«بي بي سي»؟
- التحاقي كان سهلا ومباشرا، كنت أعرف أن صلاح نجم هو مدير «بي بي سي» وكان مديري في «العربية» وكلمته وطلب مني أن أقدم طلبا كغيري من الزملاء والتقوا بي ووافقوا علي بعد فترة المفاوضات والتحقت بهم. ولكنني ما زلت على تواصل مع عائلتي في «العربية» ومنهم عبد الرحمن الراشد ونخلة الحاج.
* كيف اختلفت تجربتك مع «بي بي سي» من غيرها؟
- كانت «بي بي سي» فترة ومرحلة مختلفة عما سبقها، فأصبحت أقدم برامج تحليلية مثل العالم هذا المساء أنا ورانيا العطار ودينا وقاس ومع ملاك جعفر. وطورت أنا وراغدة زويني برنامج عالم الظهيرة وغيرها. واشتركت أيضا في برنامج عن السينما البديلة المستقلة وساهمت بتطوير الفكرة وأقدمه منذ 3 سنوات وأعتبره رئتي الثالثة التي تبعدني عن إحباط السياسة وشكل متنفسا آخر. وأحببت الفن السينمائي المخبأ. وبعدها كرمنا صانعي الأفلام الشباب في مهرجان عن قرب الشهر الماضي. برنامج سينما بديلة يدعم الشباب لأنه يبث السبت في الليل ويشاهده ملايين الناس حول العالم ونسخت محطات أخرى هذا البرنامج. ومهما أتتني عروض من الخليج وبريطانيا ولندن بأضعاف راتبي لم أفكر في ترك عائلة «بي بي سي». لأنني دخلت مجال الإبداع والسينما من خلال «بي بي سي».
* وهل تفكر بدخول عالم السينما نظرا لشغفك بها؟
- هناك مخرجون عرب شباب طلبوا مني التمثيل بأفلام. وكانت لي تجربة تمثيل من خلال سيناريو كتبته منى ديلي مخرجة سينما بديلة ومثلنا فيها أنا ورضى الماوي زميلي المقدم ومنى حلت كضيفة شرف في ثلاثية. وكانت تجربة ممتعة. ولقيت إعجاب المشاهدين. ولذلك أحب أن أحاول التمثيل. ومعروض علي دور صحافي في فيلم في دبي حيث كتب السيناريو بناء على شخصيتي. ولكن لو خضتها يجب أن أكون حذرا لأن شخصيتي الإخبارية جادة.
* من هي قدوتك في الإعلام؟
- هناك الكثير من الناس أنا أحبهم وأتعلم منهم. ففي لبنان هو عادل مالك أستاذ الجميع بقدراته الصحافية وإنسانيته. لقد تعلمت منه الكثير وملاحظاته لي لطيفة جدا على شكل رسائل مكتوبة. وأحب ملاك جعفر وأندهش بسرعة من بديهتها وقدرتها على إدارة الحوار. وأيضا رشا قنديل. وغيرهم من زملائي كمهند قنديل وعمر عبد الحميد.
* من هو كاتبك المفضل؟
- غربيا، أحب باولو كويولو لأن لديه روحانية تشبه روحانية جبران خليل جبران. أنا إنسان روحاني جدا. وميخائيل نعيمي ومي زيادة أعتبرهم من رواد الكتاب شعرا ونثرا سبقت عصرهم. ومن القصاصين أعتبر نجيب محفوظ مدرسة.
* ما هي الصحف اليومية التي تتطلع عليها؟
- بشكل يومي «الشرق الأوسط» و«الحياة» و«إيلاف» أتابع مواقعها الإلكترونية. وأقرأ الصحف الورقية عندما تكون متوفرة. أحب موقع «بي بي سي» عربي لأنه متجدد وعدة مواقع لبنانية ومصرية وليبية. ومن الصحف الأجنبية، «الغارديان» هي صحيفتي المفضلة.
* ما رأيك بالإعلام الجديد؟ هل سيحل محل الإعلام التقليدي؟
- أعتقد أن الإعلام الجديد يكمل الإعلام التقليدي. وبعد عقدين من السنين قد يحل مكان الإعلام الجديد إعلام من نوع آخر. والذين قالوا من 20 عاما بأن التلفزيون سينتهي أخطأوا. قد يتغير شكله ولكن لم يختف ولا السينما أيضا.
* هل اختلف المشاهد مع الإعلام الجديد وظهور ظاهرة «الصحافي المواطن»؟
- أكيد، أصبح المشاهد شاهدا يوثق بكاميرا هاتفه عرضا لأزياء أو حتى مجزرة بسوريا. أصبح المواطن يوثق ويكتب التاريخ. كلنا تحولنا إلى صحافيين. هذه الظاهرة تساهم في إثراء المحتوى ولكن جودتها ليست عالية بعد وتحتاج إلى تطوير.
* كيف تواكب «بي بي سي» التطور هذا؟
- هناك الكثير من المشاريع والأفكار للتماشي مع الإعلام الجديد لمواكبة العصر. فبإمكانك مشاهدة تقارير «بي بي سي» على الجوالات. وتطوير تطبيقات فعالية نقلتنا إلى مكان آخر.
* ما الدور المميز الذي تلعبه «بي بي سي» في ظل التغيرات الشرق الأوسطية وسط مناخ سياسي شائك؟ وخصوصا مع زيادة القنوات الإعلامية العربية بكثرة في الآونة الأخيرة؟
- لم يقل لي أحد ما في «بي بي سي» أن أهاجم أو أحرض أو حتى أن أكون لينا مع ضيف.. ولم يقل لي أحد احجب هذه الصورة أو ضع رقابة على هذا الخبر. «بي بي سي» تعتمد على حرية التعبير وهذا أمر أعتز فيه. فهناك حرية مطلقة لتوصيل الموضوع إلى المشاهد من دون إملاء أو أوامر من أي أحد أو أي جهة. نقع بأخطاء مثلنا مثل غيرنا. ولكننا حريصون على موضوعيتها ونريد الأفضل دائما لرواية الصورة من كل أبعادها لمشاهدينا. «بي بي سي» بالنسبة لي هي هامش الإبداع والمجال لتنفس الهواء النقي.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.