«الحسم الرئاسي» في تونس اليوم وسط إجراءات أمنية مشددة

اعتداء على مقر لحزب السبسي قرب العاصمة.. وإبدال صوره بصور منافسه المرزوقي

موظفان تابعان للجنة الانتخابية يحملان صناديق لتوزيعها على مراكز الاقتراع في منطقة بن عروس، أمس، استعدادا لعمليات التصويت اليوم (أ.ف.ب)
موظفان تابعان للجنة الانتخابية يحملان صناديق لتوزيعها على مراكز الاقتراع في منطقة بن عروس، أمس، استعدادا لعمليات التصويت اليوم (أ.ف.ب)
TT

«الحسم الرئاسي» في تونس اليوم وسط إجراءات أمنية مشددة

موظفان تابعان للجنة الانتخابية يحملان صناديق لتوزيعها على مراكز الاقتراع في منطقة بن عروس، أمس، استعدادا لعمليات التصويت اليوم (أ.ف.ب)
موظفان تابعان للجنة الانتخابية يحملان صناديق لتوزيعها على مراكز الاقتراع في منطقة بن عروس، أمس، استعدادا لعمليات التصويت اليوم (أ.ف.ب)

يتوجه التونسيون إلى صناديق الاقتراع اليوم للمشاركة في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة التي تشكل اقتراعا تاريخيا يتنافس فيه الرئيس المنتهية ولايته محمد المنصف المرزوقي، وزعيم أول حزب في البلاد الباجي قائد السبسي، ويفترض أن ينهي أربع سنوات من مرحلة الانتقال التي تلت الانتفاضة التي أطاحت بنظام بن علي.
ودعي للمشاركة في هذا الاقتراع نحو 5.3 مليون ناخب من أجل الاختيار بين السبسي مرشح حزب «نداء تونس» الحاصل على 39.46 في المائة من الأصوات خلال الدور الأول من انتخابات الرئاسية، والمرزوقي، المرشح المستقل، مؤسس حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، الحاصل على 33.43 في المائة من الأصوات خلال الدور الانتخابي نفسه.
وشهدت البلاد أمس يوم «صمت انتخابي» حظرت خلاله كل نشاطات الحملة التي انتهت أول من أمس. ولا يبدو من خلال الأجواء العامة أن فوز أي من المرشحين محسوم مسبقا. وأفاد رئيس هيئة الانتخابات شفيق صرصار بأن إعلان النتائج الأولية سيكون بعد 24 ساعة من إغلاق مكاتب الاقتراع، أي يوم الاثنين ليلا.
واتخذت هيئة الانتخابات عدة تدابير أمنية لإنجاح العملية الانتخابية، فرفعت عدد مكاتب الاقتراع بشكل استثنائي في جندوبة والكاف والقصرين، وهي مناطق تشهد نشاطات إرهابية من حين لآخر. وسيرتفع عددها مقارنة مع الدور الأول للانتخابات الرئاسية من 56 إلى 124 مكتب اقتراع. وفي إطار التدابير الأمنية المتعلقة بالانتخابات، قررت الحكومة إغلاق المعبرين الحدوديين رأس جدير وذهيبة، مع ليبيا التي تشهد حالة فوضى تامة، وذلك من منتصف ليلة الخميس - الجمعة حتى يوم الأربعاء المقبل «باستثناء الحالات الاستعجاليّة والإنسانيّة».
ومنذ الساعات الأولى لصباح أمس، انطلقت الهيئات الفرعية للانتخابات في الجهات في توزيع المواد الانتخابية في ظل حماية أمنية وعسكرية مشددة. وشهد يوم الصمت الانتخابي احتجاج عدة منظمات تعنى بمراقبة الانتخابات ضد قرار هيئة الانتخابات بمنع وجود مراقبي الاستحقاق الانتخابي وممثلي المرشحين للرئاسة في مراكز الاقتراع.
وفي هذا الشأن، دعت ليلى بحرية، رئيسة تنسيقية «شاهد» لمراقبة الانتخابات (منظمة حقوقية تونسية مستقلة)، في مؤتمر صحافي عقدته أمس بالعاصمة التونسية، إلى التراجع الفوري عن هذا القرار لأنه يفسح المجال أمام حدوث خروقات وتجاوزات انتخابية خاصة بعد تسجيل خروقات في عدد من مراكز الاقتراع أثناء الاستحقاقين الانتخابيين السابقين (الانتخابات البرلمانية والدور الأول من الانتخابات الرئاسية). وقالت بحرية لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا القرار مثير للشكوك ويطرح العديد من التساؤلات ويضع مصداقية وشفافية الانتخابات الرئاسية على المحك، وقد يصيبها في مقتل، على حد قولها. وأوضحت بحرية أن المنظمة ستتعمد 3304 ملاحظين لتأمين مراقبة وملاحظة الانتخابات الرئاسية في كل مناطق البلاد.
وكانت بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي أشادت بـ«شفافية» و«نزاهة» الدورة الأولى من انتخابات الرئاسة التي جرت في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وكذلك الانتخابات التشريعية التي أجريت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. لكن الحملة للدورة الثانية شهدت تبادل اتهامات بين المرشحين وأججت التوتر في البلاد.
وفي سياق هذا التوتر، تعرض مقر لحركة نداء تونس في منطقة المرناقية (غرب العاصمة التونسية) فجر أمس إلى عملية اقتحام وسرقة. وقال معز بن سعيد، ممثل «نداء تونس» في منطقة منوبة التي تتبعها المرناقية إداريا، إن مجهولين اقتحموا المقر وهشموا المعدات وسرقوا أموالا وأتلفوا وثائق خاصة بالأعضاء، كما جرى تمزيق صور مرشح الحركة قائد السبسي ووضع صور منافسه المرزوقي مكانها.
على صعيد آخر، سلطت الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري، يوم أمس، عقوبة مالية قدرها 20 ألف دينار تونسي (نحو 12 ألف دولار) ضد قناة «نسمة» التلفزيونية الخاصة على خلفية بثها يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي إشهارا سياسيا لفائدة الباجي قائد السبسي.
ويحظى السبسي (88 عاما) زعيم ومؤسس حركة «نداء تونس» (تأسست في 16 يونيو/ حزيران، 2012) بدعم فئات واسعة من التونسيين، ويعول على عدة أحزاب سياسية للوصول إلى قصر قرطاج. وتطغى عدة حسابات سياسية على الدعم المقدم للباجي، إذ إن عدة أحزاب سياسية على غرار الاتحاد الوطني الحر الذي يتزعمه سليم الرياحي والحاصل على 16 مقعدا برلمانيا، وحزب آفاق تونس بزعامة ياسين إبراهيم (8 مقاعد برلمانية)، بالإضافة إلى تحالف الجبهة الشعبية بزعامة حمة الهمامي (15 مقعدا برلمانيا)، يدعمون الباجي قائد السبسي، رئيس الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية، وعيونهم على «كعكة» الحكومة، ويمنون النفس بالحصول على بعض الحقائب الوزارية عند تشكيل الحكومة مباشرة بعد الإعلان عن النتائج النهائية للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
وفي الجانب المقابل، يعول المرزوقي (69 عاما) على مناصرين غالبيتهم من القواعد الانتخابية لحركة «النهضة»، وكل الأطراف المنادية بالمحافظة على أهداف الثورة والمتخوفة من عودة النظام القديم عبر الالتفاف على مؤسسات الدولة الثلاث (رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية). وركز المرزوقي خلال حملته الانتخابية على مفهوم «التغول السياسي» الذي قد ينجم عن وصول مرشح حركة «نداء تونس» إلى قصر قرطاج بعد ضمانها رئاسة البرلمان عبر انتخاب محمد الناصر نائب رئيس حركة نداء تونس لهذا المنصب، والتوجه نحو تشكيل الحكومة من قبل نفس الحركة بعد حصولها على الأغلبية البرلمانية. وقبل فترة زمنية وجيزة من فتح أبواب مراكز الاقتراع، بقي عدد كبير من التونسيين لم يحسم أمره، وغالبا ما تسمع في المقاهي والفضاءات العامة «لا الباجي ولا المرزوقي»، في إشارة إلى إمكانية المقاطعة أو التصويت بورقة بيضاء.
وكانت تونس شهدت في 2013 أزمة سياسية حادة إثر اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وهما قياديان في «الجبهة الشعبية» (ائتلاف أحزاب يسارية)، وقتل عشرات من عناصر الجيش والشرطة في هجمات نسبتها السلطات إلى إسلاميين متطرفين. ولإخراج البلاد من الأزمة السياسية، اضطرت حركة النهضة إلى التخلي عن السلطة مطلع 2014 لحكومة غير حزبية تقود تونس حتى إجراء الانتخابات العامة. وتبنى متشددون انضموا إلى تنظيم داعش، في شريط فيديو نشر على الإنترنت مساء الأربعاء، عمليتي اغتيال بلعيد والبراهمي مهددين بتنفيذ اغتيالات أخرى. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تبني اغتيال المعارضين. وأكدت وزارة الداخلية التونسية أن أحد الذين ظهروا في الشريط ويدعى «أبو مقاتل» واسمه الحقيقي أبو بكر الحكيم، تونسي فرنسي مطلوب لدى السلطات التونسية بتهمة الضلوع في اغتيال بلعيد والبراهمي. واعتبرت الحكومة التونسية في بيان أن «هذه تهديدات لن تثني الناخب التونسي عن الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع»، مؤكدة أنها اتخذت كل «الاستعدادات الماديّة واللوجيستية لتأمين الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.