تجربة حملة بوش الأب بارقة أمل لترمب

دروس من سباق 1988 قد تساعد الجمهوريين على هزيمة بايدن

بوش ودوكاكيس خلال سباق 1988 الرئاسي (نيويورك تايمز)
بوش ودوكاكيس خلال سباق 1988 الرئاسي (نيويورك تايمز)
TT

تجربة حملة بوش الأب بارقة أمل لترمب

بوش ودوكاكيس خلال سباق 1988 الرئاسي (نيويورك تايمز)
بوش ودوكاكيس خلال سباق 1988 الرئاسي (نيويورك تايمز)

كان جورج بوش الأب واقعاً في مأزق انتخابي. كان ذلك في شهر يوليو (تموز) 1988 حين كان مايكل دوكاكيس، مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة، قد دخل المعترك الانتخابي بصفة رسمية بعد مؤتمر الحزب الديمقراطي. وعكس استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» أن مركز بوش متراجع بمقدار 17 نقطة عن منافسه الديمقراطي.
بيد أن جورج بوش الأب كان يملك خارطة طريق واضحة نحو الفوز.

عقد كبار مساعدي بوش، قبل شهر واحد من ذلك، اجتماعاً خاصاً بعيداً عن الأنظار وبعيداً كذلك عن المقر الرسمي للحملة الانتخابية، وذلك في فندق جيفرسون بالعاصمة واشنطن، من أجل استعراض مجلد سميك من بيانات الاقتراع وبيانات جماعات الضغط المعنية. وأظهرت أبحاث حملة بوش أن سجل السيد دوكاكيس لم يكن معروفاً بصفة جيدة، وأن بعضاً من المواقف الليبرالية المتخذة من جانبه، لا سيما تأييده المعلن لمنح السجناء إجازات خارج السجون مع معارضته القوية لعقوبة الإعدام، قد تكون السبب الحقيقي في إغراقه انتخابياً.
واصلت حملة بوش عملها، ودخلت الخطة التي وضعت في تلك الغرفة المغلقة حيز التنفيذ. وكما أبلغني لي أتواتر، مدير الحملة آنذاك، فإن الخطة استندت إلى تجريد دوكاكيس من كل ما يستند إليه من ركائز للفوز، بدءاً من الخطاب قوي اللهجة والأسلوب الذي ألقاه بوش في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري في أغسطس (آب) من العام نفسه وحتى يوم انعقاد الانتخابات الرئاسية.
ولم ينجح بوش في التغلب على الميزة التي حققها دوكاكيس في استطلاعات الرأي الصيفية فحسب، بل تمكن من هزيمته بكل سهولة بهامش بلغ 53 في المائة مقابل 46 في المائة، إذ حاز على أصوات 40 ولاية دفعة واحدة.
وبغير طريقة من الطرق، كانت حملة بوش الرئاسية لعام 1988. مع وجود أتواتر على رأس المخططين الاستراتيجيين في الحملة، قد استحدثت ما عُرف منذ ذلك الحين بالحملات الانتخابية السلبية. ولعل أبرز ما نذكره من تاريخ تلك الحملة نجاح المعسكر الجمهوري في إلصاق قضية ويلي هورتون بدوكاكيس، وهي قضية المواطن الأميركي من أصول أفريقية الذي ارتكب جريمة اغتصاب بحق مواطنة أميركية بيضاء من ولاية ماريلاند وطعن صديقها في نفس الحادثة خلال وجوده خارج السجن ضمن برنامج إجازات السجناء في ولاية ماساتشوستس التي كان دوكاكيس حاكماً لها في تلك الأثناء.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الرئيس دونالد ترمب أجواء مماثلة لأجواء ثمانينات القرن الماضي الانتخابية في معرض منافسته الرئاسية الشرسة ضد المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن، يمكننا القول بأنه يدير واحدة من أعنف الحملات الانتخابية الرئاسية وأشدها حدة منذ هزيمة دوكاكيس على يد بوش الأب من قبل. كما ينظر صقور المعسكر الجمهوري راهناً إلى السباق الرئاسي لعام 1988 على اعتباره بصيص الأمل أمامهم في خضم مشهد سياسي تخيم عليه سحب شديدة القتامة.
ورغم الاختلافات القائمة كافة ما بين المرشحين الديمقراطيين، فإن هزيمة مايكل دوكاكيس ظلت لفترة طويلة نسبياً بمثابة درس شديد القسوة في مدى السرعة التي يمكن أن يتغير بها الرأي العام الأميركي، وكيف أن استطلاعات الرأي الصيفية هي ذات أثر سريع الزوال، وكيف يمكن للمؤتمرات الحزبية المُعدة بكل عناية وحذر أن تأتي بأبلغ تأثير في خضم الحملة الانتخابية المتعثرة.
ومع بدء اجتماع الحزب الجمهوري الليلة من أجل ترشيح ترمب لولاية رئاسية ثانية، انطلق الرئيس رفقة حلفائه السياسيين والإعلاميين في هجمة شرسة على معسكر بايدن ورفيقته الانتخابية السيناتور كامالا هاريس. وهناك خط مباشر وواضح بين الحملة الإعلامية القاسية التي شنها جورج بوش الأب ضد دوكاكيس لوصمه بأنه ليبرالي يساري بالغ التطرف، والتيمات العنصرية التي واكبت «شخصنة» قضية ويلي هورتون وإلصاقها بدوكاكيس وقتذاك، وبين ما تعكسه وتجسده حملة ترمب الانتخابية حالياً.
فاز جورج بوش الأب الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس آنذاك في انتخابات عام 1988 الرئاسية عن طريق كيل الاتهامات ضد دوكاكيس الذي كان قابعا في ولاية ماساتشوستس، على اعتباره من أبناء النخبة الثرية من خريجي الجامعات المرموقة من غير ذوي الصلات الحقيقية والمباشرة بقضايا الأمة الأميركية ذات الأهمية. ولعب بوش الأب بمهارة فائقة على وتر القضايا الأميركية الساخنة، لا سيما الضرائب والجريمة، والتي برهنت مراراً وتكراراً عن فعاليتها البالغة ضد رجال المعسكر الديمقراطي، وهي نفس القضايا والتيمات التي تتبناها حملة ترمب راهنا ضد بايدن وهاريس.
يقول تشارلي بلاك، وهو مستشار انتخابي أسبق لدى جورج بوش الأب: «لا أعتبر نفسي من أبرز مؤيدي دونالد ترمب أو أكثرهم حماسة في العالم، ولكنني أبلغ أصدقائي بأن موقف الرجل ليس ميئوساً منه تماماً. فهناك بحوزة ترمب الكثير من الذخيرة التي يمكنه إطلاقها ضد معسكر بايدن. ولكن السؤال البارز في تلك الأثناء هو: هل لدى المعسكر الجمهوري مرشح يتسم بالقدر الكافي من الانضباط لمواصلة القتال؟».
وعليه، إن كان سباق عام 1988 الانتخابي يحمل دلالات تحذيرية لبايدن ومعسكره الديمقراطي، فإن هناك بعض الاختلافات الجوهرية الواضحة ما بين التجربة السابقة والحملة الجارية التي تقترب من بلوغ أعلى مستوياتها مع إنهاء المعسكر الديمقراطي لمؤتمره الانتخابي الأسبوع الماضي.
يعتبر بايدن معروفاً بصورة لم يحظ بها دوكاكيس قبل السباق، كما أنه برهن على تحليه بمرونة فائقة فيما يتعلق بالظهور الإعلامي بأكثر مما كانت عليه الأوضاع لدى دوكاكيس. أما بالنسبة إلى ترمب، فهناك شريحة من الناخبين تحمل حياله نظرة بالغة السلبية، ومرجع ذلك بدرجة كبيرة جائحة «كورونا» التي أتت على حياة أكثر من 175 ألف مواطن في الولايات المتحدة مع العصف الشديد بأركان الاقتصاد.
تعاني الأمة الأميركية حالياً من حالة شديدة من الإحباط بأكثر مما كانت عليه الأمور أثناء المواجهة الرئاسية بين مايكل دوكاكيس وجورج بوش الأب، والذي كان يشغل منصب نائب الرئيس الأسبق رونالد ريغان بكل فعالية ومصداقية. وعكس استطلاع للرأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» بمشاركة من «سيينا كوليج» في يونيو (حزيران) الماضي أن نسبة 58 في المائة ممن شملهم الاستطلاع أفادوا بأن «الأمة تتحرك على المسار الخاطئ». وفي استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة «واشنطن بوست» رفقة شبكة «إيه بي سي» الإخبارية في خريف عام 1988، كانت نسبة أقل بلغت 46 في المائة من الناخبين المسجلين ترى الشيء نفسه.
وقالت سوزان استريتش، وكانت مديرة الحملة الانتخابية لدوكاكيس: «ستكون الأمور عسيرة للغاية بالنسبة لهم: فإن جوزيف بايدن شخصية معروفة لدى الجميع، والطريقة التي تنفجر بها البالونات تعتمد بالأساس على استغلال ضعف موقف الطرف المناوئ».
كما أن دوكاكيس المعتد بنفسه للغاية والمحتقر للألاعيب السياسية بشدة كان رافضاً لتصديق أن هذا النوع من هجمات المعسكر الجمهوري آنذاك سيُلحق به أدنى قدر من الأذى، ولم يسمع أو يستجب لنصائح مساعديه بالمقاومة ورد الهجوم بمثله، الأمر الذي أتاح لجورج بوش الأب أن يتجاوزه ويتفوق عليه.
وقال دوكاكيس في مقابلة أجريت معه مؤخراً: «لقد ارتكبت حماقة بالغة بعدم الرد عليهم وقتها. ولقد دفعت ثمن ذلك غالياً. وهذه التيمة ذات الصلة بعقوبة الإعدام تتعلق بنشأة كل واحد منا، فأنا من مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس وجورج بوش من هيوستون في ولاية تكساس. وولايتي بها أقل معدل لجرائم القتل في الولايات المتحدة بأسرها، حتى أن أغلب مواطني الولاية أنفسهم لا يعرفون ذلك».
وفيما يبدو أنه برهان على أهم الاختلافات ما بين عام 1988 والسباق الحالي، فإن ردود فعل بايدن تتسم بالعدائية الشديدة ضد هجمات ترمب ومعسكره الجمهوري. ويقول جون ساسو، وهو كبير المحللين الاستراتيجيين في حملة دوكاكيس: «لقد أداروا حملة انتخابية جيدة. كانوا يعرفون تماماً ما يأخذون وما يتركون. ويبدو أنهم يعرفون الأمور منزوعة المصداقية في هذا الخضم الهائل من الاتهامات ومحاولات التشهير والتشويه المرتبة، ولا يلقون لها بالاً».
ومع ذلك، كان أحد الدروس المستفادة من حملة جورج بوش الأب هو أن العديد من الناخبين لا يشرعون في إبداء الاهتمام الوثيق بالسباق الانتخابي الرئاسي حتى أواخر فصل الصيف. ولقد اختار بايدن رفيقته في السباق الانتخابي كامالا هاريس ذات السجل الليبرالي اللامع مع الخبرة القليلة في القضايا السياسية الوطنية، ما قد يثير شهية ترمب ومعسكره الجمهوري لشن المزيد من الهجمات. كما أن تفوق بايدن على ترمب لا يتوازى مع الميزة التي حققها دوكاكيس على بوش في منتصف صيف عام 1988، إذ أن الرئيس ترمب يعتبر قاب قوسين أو أدنى من الفوز بفترة رئاسية ثانية، لا سيما في بعض الولايات التي تحتدم فيها الصراعات الانتخابية منذ فترة ليست بالطويلة.
يقول تشارلي بلاك: «يكمن التشابه في أن بايدن ملتزم بكم هائل من الأفكار التقدمية والاشتراكية، وكل ما يمكن قوله عن ذلك، من أجل توحيد أواصر الحزب الديمقراطي». أما ترمب، من جهة أخرى، كما يقول «فيمكنه استغلال التحالف بين بايدن والسيناتور بيرني ساندرز في تصوير منافسه الديمقراطي على أنه سياسي ليبرالي أبعد ما يكون عن أرض الواقع، بنفس الوسيلة التي استعان بها بوش الأب في تصوير مايكل دوكاكيس من قبل، رغم الخلاف الواضح بين بايدن وساندرز بشأن الكثير من القضايا».
ومع ذلك أيضاً، وكما أضاف بلاك، «ينبغي أن يكون لدى المعسكر الجمهوري الكثير من الأمل. ومن شأن محترفي العمل السياسي أن يكونوا في موضع متقدم في هذه المرحلة الراهنة. فإن نقطة التحول الرئيسية هي المؤتمر الانتخابي».
كان جورج بوش الأب يكافح كفاحاً مريراً مع وصوله إلى مرحلة مؤتمر الحزب الجمهوري في مدينة نيو أورليانز في منتصف أغسطس 1988. وكان يحاول التغلب على التاريخ الحزبي القاتم من خلال قيادة الحزب إلى الولاية الثالثة على التوالي داخل عتبات البيت الأبيض.
تقول جانيت مولينز غريسوم، وكانت نائبة مدير السياسات الوطنية في حملة جورج بوش الأب الانتخابية: «كان بوش متأخراً عن الركب الانتخابي لأسباب عدة واضحة. فلقد أمضى ثمانية أعوام شاغلاً منصب نائب الرئيس رونالد ريغان، وكان رجال البيت الأبيض الأقوياء دوماً ما يشككون في أن جورج بوش الأب إذا تولى رئاسة البلاد لن يكون محافظاً بالقدر الكافي. كما أنه عانى من كم كبير من التغطية الصحافية والإعلامية السيئة في تلك الأثناء».
وأضافت غريسوم: «كانت نقطة التحول المهمة تتمثل في مؤتمر الحزب الجمهوري. فلقد كانت الفرصة الذهبية بالنسبة إلينا لإعادة تقديم شخصية جورج بوش الرئاسية على الملأ من دون مرشحات. ولقد رآه الناس من خلال المؤتمر ومن خلال الخطاب الذي ألقاه في المؤتمر، في صورة جديدة ولطيفة للغاية من دون ضرائب أو قيود جديدة من أي نوع».
كانت محاولة إعادة طرح شخصية بوش قد مهدت الأجواء تماماً للإعداد لشن الهجمات السياسية الجديدة. فلقد جرى الإعراب عن خطة الحملة الانتخابية لإطاحة دوكاكيس بين طيات خطاب مؤتمر الحزب الجمهوري بصورة لا تحتمل اللبس، ممتزجة ببراعة فائقة بالحديث المستمر عن الأمة الأميركية الأكثر لطفاً وهدوءاً. ولقد جال بوش في عجالة على المواقف كافة التي اتخذها دوكاكيس من قبل، مما قد عكف مساعدوه على مراجعته سطراً بسطر في غرفة فندق جيفرسون المغلقة في العاصمة واشنطن.
وقال جورج بوش الأب في خطابه: «هل ينبغي علينا أن نطلب من معلمي المدارس في بلادنا أن يقودوا أطفالنا على مسيرة عهد الولاء للعلم الأميركي؟»، وذلك في مثال واحد فقط كان يحاول من خلاله إبلاغ الجمهور الحاضر أن حاكم ولاية ماساتشوستس قد استخدم حق النقض «فيتو» في رفض مشروع قانون يتضمن هذا الشرط على وجه التحديد، وأضاف أن «خصمي قال كلا، ولكنني أقول نعم».
وعبر خطابات الحملة الانتخابية وفي الراديو والتلفاز والرسائل البريدية، وغيرها من وسائل الإعلام، استعان جورج بوش بسجل دوكاكيس كي يجعل منه خصماً مباشرا للطبقة الوسطى الأميركية. واستخدم كلمات خصمه نفسها في كيل الاتهامات ضده، مثل كونه يحمل عضوية كاملة لدى «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية».
كما أثار خصوم دوكاكيس التساؤلات بشأن لياقته العقلية، وذلك قبل أن يواجه بايدن الهجمات نفسها بعقود طويلة. وانطلقت جماعات الضغط المحافظة في بث الشائعات على أن دوكاكيس كان يُخفي حقيقة مفادها أنه قد تلقى علاجاً مسبقاً من الاكتئاب.
ومع وصول فصل الصيف في ذلك العام إلى نهايته، سُئل الرئيس الأسبق رونالد ريغان عما إذا كان ينبغي على دوكاكيس الإفصاح عن سجلاته الطبية الشخصية، فأجاب الرئيس وقتها قائلاً: «تعلمون أنني لن أُقدم أبداً على اختيار مرشح غير صالح لتولي المهام الرئاسية».
بيد أن ريغان صرح في وقت لاحق بأن تعليقه السابق كان مزحة سخيفة. ولكن سواء عن قصد أو عن غير قصد، نجحت تلك المزحة في تعزيز الشائعات الرائجة وقتها ونقلها إلى مركز اهتمام الرأي العام الأميركي آنذاك. وما كان من دوكاكيس إلا أن دعا إلى عقد مؤتمر صحافي عاجل ليعلن فيه أنه لم يكن يعاني من أي مرض عقلي في حياته.
لكن في أكثر هجماته السياسية تدميراً، استغل جورج بوش الأب قضية ويلي هورتون أيما استغلال، والتي كانت تُشكل الملحق الأول في القضية العامة التي طرحت بشأن دوكاكيس وسياسات العدالة الجنائية الليبرالية المعتمدة لديه. وتحول برنامج إجازات السجناء إلى أحد العناصر الأساسية التي ارتكز إليها بوش في هجماته على دوكاكيس، والتي أسهمت من نواحٍ عدة في تأطير هوية السباق الانتخابي الرئاسي في عام 1988.
وعمدت حملة جورج بوش الأب الانتخابية إلى إنتاج إعلان يهاجم برنامج إجازات السجناء في ولاية ماساتشوستس. وأظهر الإعلان سلسلة من السجناء الذين يمرون عبر الباب الدوار في السجن، غير أنه لم يذكر هورتون على الإطلاق. وجاء الإعلان الذي كان من إنتاج إحدى لجان العمل السياسي المستقلة ليعكس صورة مشؤومة للغاية لشخصية ويلي هورتون. وقال صوت المذيعة المصاحب للإعلان: «لا يعارض مايكل دوكاكيس عقوبة الإعدام فحسب، وإنما قد سمح لمرتكبي جرائم القتل من الدرجة الأولى بالحصول على إجازات من الدرجة الأولى خارج السجون».
ونفى السيد أتواتر أي صلة تُذكر بين حملة جورج بوش والحملة الإعلانية التي ظهرت فيها صورة المجرم ويلي هورتون. غير أن دوكاكيس لم يصدق ذلك على الإطلاق. وبصرف النظر تماماً عن حقيقة الأمر، دائماً ما أوضح أتواتر أن «حكاية» ويلي هورتون كانت بمثابة مفتاح النصر بالنسبة إلى جورج بوش الأب. ولقد قال عن ذلك: «إذا كان بإمكاني المزيد من الترويج لاسم ويلي هورتون فسوف نربح الانتخابات بكل تأكيد».
أما بالنسبة إلى حملة دونالد ترمب الانتخابية، يبدو أن دروس عام 1988 قد جرى استيعابها حتى قبل أن ينتهي الحزب الديمقراطي من مؤتمره الوطني. فيوم الخميس الماضي، وفي تصريحات صادرة من ولاية بنسلفانيا قبل ساعات من خطاب قبول بايدن لترشيح الحزب الديمقراطي، شن ترمب هجوماً جديداً على هاريس تحمل أصداء ذات صلات مباشرة تذكرنا بقضية ويلي هورتون القديمة.
وقال ترمب: «عندما كانت السيدة كامالا هاريس تشغل منصب المدعي العام في سان فرانسيسكو قامت بوضع مهرب للمخدرات يقيم في البلاد بصورة غير مشروعة ضمن برنامج للتوظيف بدلاً من أن تزج به في السجن. وبعد مرور أربعة أشهر على ذلك، قام نفس المجرم بسرقة امرأة تبلغ من العمر 29 عاماً، وصدمها بسيارة دفع رباعي، مما أسفر عن كسر جمجمة السيدة والقضاء على حياتها».
وخلال صيف 1988، كانت حملة دوكاكيس الانتخابية قد انتابها قدر من الهدوء الخادع إثر استطلاعات الرأي العام التي أظهرت أنه يسير على طريق الفوز لا محالة. كما علم رجال حملة جورج بوش من بعض المستشارين في ولاية ماساتشوستس، ممن كانوا يعملون في حملات مضادة للسيد دوكاكيس، أنه سيلتزم الصمت التام إذا ما تعرض للهجوم في الفترة المقبلة.
وقالت استريتش إن دوكاكيس قد رفض فكرتها القائلة بأن يقود مؤتمر الحزب الديمقراطي في قسم الولاء للعلم الأميركي، وهي الخطوة التي اعتبرت أنها ربما تخفف من حدة هجمات المعسكر الجمهوري آنذاك، وقال جون ساسو: «لقد سمح دوكاكيس لحملة بوش أن تحدد له موقفه ومجالات تحركه خلال تلك الفترة العصيبة وبطريقة مشوهة للغاية».
كان جورج بوش الأب يتمتع بقدر فائق من اللطف والكياسة، ولقد أخبر مستشاريه بأنه يرى الحملات الانتخابية السلبية من الأمور المقيتة للغاية. ولكن عندما حذروه من أن هذه هي الطريقة الوحيدة أمامهم للفوز بالانتخابات الرئاسية، شجعهم وأيد توجهاتهم بقوة لدرجة أنه لم يتخل عن دماثة أخلاقه عند اعتذاره عن فحوى حملته الانتخابية بعد فوزه برئاسة البلاد.
واستغرق الأمر أسابيع عدة من دوكاكيس ليصل إلى ذلك المستوى. وبحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 1988، تبنى دوكاكيس ما كان يشكل خط جورج بوش الرئيسي في الهجوم. وقال: «إنني سياسي ليبرالي على خُطى فرانكلين روزفلت، وهاري ترومان، وجون كينيدي». غير أن الأوان كان قد فات على ذلك.
وفي حين أن ترمب يواجه منحدراً أكثر صعوبة، بيد أن هناك عدداً من السبل التي يراها الجمهوريون كوسيلة من وسائل إعادة إحياء مجريات حملة جورج بوش القديمة. ويحاول ترمب تصوير بايدن على أنه أسير من أسرى تيار اليسار. كما يحاول شيطنة شخصية هاريس. واستغل حلقات الاضطرابات المدنية في غير مكان مثل مدينة شيكاغو.
ولكن مع انتهاء مؤتمر الحزب الديمقراطي وتهيئة الأجواء لانطلاق مؤتمر الحزب الجمهوري باتت الفترة الزمنية المتبقية وجيزة للغاية. وتقول استريتش: «تكمن المشكلة لدى ترمب في أنه لم يعثر على شخصية ويلي هورتون بعد. ولكنه يواصل البحث».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
شؤون إقليمية صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي.

صمويل غرانادوس (نيويورك) أوريلين بريدين (نيويورك)
شؤون إقليمية رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، فرض عقوبات جديدة تستهدف تجارة النفط الإيراني، عقب جولة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عُقدت في سلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم) p-circle 00:37

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني بأنها بداية جيدة.

«الشرق الأوسط» (لندن_مسقط_طهران)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.