فلسطين: معركة للحصول على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن

اجتماعات عربية مكثفة لإجراء تعديلات على القرار العربي > مسؤول أميركي لـ («الشرق الأوسط») : موقفنا سيظل رفض أي إجراء أحادي الجانب

فلسطين: معركة للحصول  على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن
TT

فلسطين: معركة للحصول على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن

فلسطين: معركة للحصول  على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن

تتواصل المشاورات المكثفة في عدد من العواصم الغربية وفي مجلس الأمن الدولي بنيويورك للتوصل إلى صيغة توافقية على مشروع قرار لـ«إنهاء الاحتلال» الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، قبل عرضه على المجلس للتصويت عليه، في أي لحظة.
وعقد سفراء الدول العربية في الأمم المتحدة اجتماعات مطولة أمس وأجروا مشاورات مكثفة مع جهات غربية عدة للتوصل إلى صيغة توافقية حول نصوص مشروع القرار العربي لإنهاء الاحتلال، وأخذ الملحوظات الأوروبية والاقتراحات التي قدمها بعض السفراء الأوروبيين في الاعتبار في النسخة النهائية للمشروع الذي تسعى السلطة الفلسطينية لطرحه باللون الأزرق في مجلس الأمن للتصويت عليه. ويعتمد مشروع القرار المنقح (الفلسطيني بعد الأخذ ببعض المقترحات الأوروبية) على النص على إجراء مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت مظلة دولية من خلال آليات محددة تشمل عقد المفاوضات في مؤتمر دولي تشارك فيه جميع الأطراف المعنية والدول العربية لتنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية عند حدود 1967، والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لوضع اللاجئين يعتمد على قرارات الأمم المتحدة السابقة. وينص المشروع المنقح على وضع جدول زمني لمدة عام كحد أقصى لإنهاء المفاوضات وعام آخر يليه لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ووفقا للمادة 26 من ميثاق الأمم المتحدة فإن تبني مشروع قرار يتطلب موافقة 9 أعضاء أو أكثر من أعضاء مجلس الأمن الـ15 للتصويت لصالح اعتماد القرار بشرط ألا تعترض عليه أي دول من الدول الـ5 دائمة العضوية. وضمن الفلسطينيون حتى الآن 6 دول أعضاء في مجلس الأمن لتأييد المشروع العربي، وهي الأردن وروسيا والصين وتشاد ونيجيريا والأرجنتين، بينما تعارضه الولايات المتحدة ولتوانيا وكوريا الجنوبية ورواندا وأستراليا، ويبقى موقف لوكسمبورغ وفرنسا وبريطانيا وشيلي غير واضح بانتظار نتائج المفاوضات. وفي حال فشل الفلسطينيون في تمرير القرار بسبب عدم وجود أغلبية فإنهم يستطيعون إعادة الكرة مرة ثانية. أما إذا استخدمت واشنطن الفيتو فإنهم سينضمون إلى المنظمات الدولية. وقالت دينا قعوار سفيرة الأردن لدى مجلس الأمن في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن لقاءات المجموعة العربية مستمرة لمناقشة أفضل الطرق لمساندة مشروع القرار الفلسطيني، وتضمين المقترحات والتعديلات التي تشمل دمج بعض نقاط من المشروع الفرنسي، وتقديم مشروع القرار بعد التعديلات للتصويت في مجلس الأمن، وكيفية التحرك لحصد تأييد الدول لصالح التصويت للمشروع».
وأشار رياض منصور السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة إلى أن الأردن ستتقدم بمشروع القرار الفلسطيني باللون الأزرق، حيث يستغرق الأمر بضعة أيام قبل إجراء التصويت على مشروع القرار لإتاحة الفرصة لترجمة مشروع القرار إلى اللغات الستة المعتمدة في الأمم المتحدة وإتاحة الفرصة للسفراء للتشاور مع حكوماتهم ومعرفة ما إذا كانت الدول دائمة العضوية ستختار التصويت بالموافقة أو التصويت بالنفض أو الامتناع عن التصويت.
وحول الموقف الأميركي واحتمالات التصويت بالفيتو ضد مشروع القرار الفلسطيني قال منصور: «إننا نأمل ونسعى أن يحظى مشروع القرار بموافقة أعضاء مجلس الأمن باعتباره بوابة لتحقيق السلام، ونطرح مشروع القرار بروح إيجابية حتى يتحمل مجلس الأمن مسؤوليته، ونرى تحركات دولية كثيرة لمساندة حل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين وإنهاء الصراع، ولا نريد استباق الأحداث». ومن المرجح أن تصوت الولايات المتحدة بالاعتراض على المشروع الفلسطيني والتصويت بالفيتو بما يعني عدم تمرير القرار.
وشدد مسؤول رفيع المستوى بالخارجية الأميركية على أن الموقف الأميركي يظل كما هو، وهو التمسك بمسار إجراء المفاوضات المباشرة بين الطرفين رافضا التعليق حول إقدام الولايات المتحدة على استخدام حق الفيتو عند التصويت على مشروع القرار. وقال المسؤول الأميركي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «نحن على علم بالتقارير التي تشير إلى خطط الفلسطينيين لتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن، ومع ذلك فما نفهمه أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى هذا الوقت، ولن أعلق ما إذا الولايات المتحدة ستستخدم حق الفيتو أم لا في مجلس الأمن».
وحول موقف الولايات المتحدة بعد محادثات وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع عدد من المسؤولين الأوروبيين والفلسطينيين والعرب، قال المسؤول الأميركي: «نحاول تلمس طريق للمضي قدما بشكل يساعد في نزع فتيل التوتر ويقلل من احتمال نشوب صراع أكبر بما يساعد على تهيئة الساحة لمناقشة القضايا الأساسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأن يتم مناقشتها مرة أخرى بطريقة جادة». وشدد المسؤول الأميركي على ضرورة المضي في مفاوضات مباشرة، وقال: «موقفنا الحالي كان وسيبقي هو أن الحل النهائي لهذا الصراع يجب أن يأتي من خلال المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وقد أعلنا ذلك بشكل واضح على الدوام سواء في المحادثات المغلقة أو في التصريحات العلنية».
وفي باريس أفادت مصادر دبلوماسية متطابقة في باريس تحدثت إليها «الشرق الأوسط» بأن رغبة الجانب الفلسطيني في استعجال طرح مشروع القرار الفلسطيني العربي بالنسخة الزرقاء على أعضاء مجلس الأمن الـ15 «لا يلغي لا مشروع القرار الفرنسي ولا الجهود التي تبذلها باريس للتوصل إلى نص توافقي لا يجهضه الفيتو الأميركي». ويعني وضع مشروع القرار بالنسخة الزرقاء أنه أصبح جاهزا ليطرح على التصويت في أية لحظة. بيد أن المصادر واسعة الاطلاع «استبعدت» الإسراع في التصويت لأن الجانب الفلسطيني، رغم استعجاله، يحتاج إلى التشاور والتنسيق مع الأطرف العربية ومع أعضاء مجلس الأمن ولأنه يحتاج إلى التعرف على ملاحظات الأعضاء الـ15 عليه وما يمكن الاستجابة له من تعديلات قد تطلب. ووفق مصادر واسعة الاطلاع فإن النص المقدم «ليس النص الفرنسي معدلا، بل هو النص الفلسطيني العربي الذي يأخذ بعين الاعتبار بعض الملاحظات الفرنسية وغير الفرنسية» التي نقلت إلى الجانب الفلسطيني خلال المشاورات الموسعة التي أجراها. وأمس، سئلت الخارجية الفرنسية عن حقيقة هذا الأمر فرفضت الإجابة مباشرة مكتفية بالقول إن رغبة فرنسا هي «تقديم نص إلى مجلس الأمن الدولي يمكن أن يحظى بإجماع أعضائه». وأضاف الناطق باسم الخارجية أن باريس «ستنظر في النص الفلسطيني على ضوء هذا الهدف».
تقول مصادر دبلوماسية عربية في باريس إن فرنسا «تتفهم» حاجة الفلسطينيين إلى تقديم مشروع قرار رغم تيقنها أنه لن يمر، وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي جون كيري لنظرائه الأوروبيين الثلاثة الذين التقاهم مساء الاثنين في قاعة من قاعات مطار أورلي القريب من باريس. بيد أن باريس «يمكن أن تشعر بالإحراج» إذا طرح المشروع الفلسطيني للتصويت لأنه سيتعين عندها اتخاذ موقف بينما ما زالت تسعى من جهتها لتوفير أوسع دعم للمشروع الذي أعدته وما زالت تتشاور بشأنه. وعلم في باريس أن المندوب الفرنسي الدائم في الأمم المتحدة دعا لاجتماع تشاوري موسع يضم ممثلي بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية والأردن للبحث في ما آلت إليه الاتصالات. وجدير بالذكر أن كيري رفض الإجابة على سؤال مباشر من فابيوس حول الموقف الذي يمكن أن تعتمده واشنطن في حال طرحت فرنسا مشروعها. ووفق المفهوم الفرنسي، فإن رفض كيري الإجابة يعني أحد أمرين أو الاثنين معا: إما أن الإدارة الأميركية منقسمة على نفسها ولم تحزم بعد أمرها، وإما أنها تريد تعديلات إضافية على المشروع.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن كيري سعى إلى دفع فرنسا إلى تأجيل طرح مشروعها بحجة دخول إسرائيل في الأجواء الانتخابية، كما أنه أغرى نظراءه الأوروبيين الثلاثة بتأكيد أنه يحمل «حزمة مقترحات» سيطرحها على الجانب الفلسطيني في اجتماعات لندن. والحال أن كيري «لم يأتِ بجديد»، وهو ما أكده المفاوضون الفلسطينيون علنا.
وحتى أمس، لم تكن باريس قد كشفت عن خططها للأيام القادمة في حال أصر الجانب الفلسطيني على طرح مشروعه على التصويت.
من جهته قال واصل أبو يوسف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إن استخدام واشنطن حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار إنهاء الاحتلال الذي يفترض أن تكون المجموعة العربية قدمته لمجلس الأمن أمس، يعني الانضمام إلى المنظمات الدولية بما فيها ميثاق روما الممهد لمحكمة الجنايات الدولية، وأخذ قادة إسرائيل إلى المحكمة.
وأضاف أبو يوسف لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الذي أخذته القيادة واضح لا لبس فيه ولا تراجع عنه، إما ننجح في مجلس الأمن وإما نواصل الانضمام إلى المنظمات الدولية». ويفترض أن مشروع إنهاء الاحتلال قدم إلى مجلس الأمن أمس يخضع للتصويت بعد إجراء مشاورات مكثفة حوله.وقالت مصادر فلسطينية مطلعة إن موعد التصويت على المشروع غير معروف لكنه سيخضع لنقاشات تستهدف إجراء تعديلات عليه. وتابعت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «احتمال دمج المقترحات الفرنسية مع المقترحات العربية سيظل واردا وقائما».
وأردفت: «يمكن التوصل إلى اتفاق مع الأوروبيين لتعديلات تتضمن الرؤيتين العربية والأوروبية قبل التصويت». وأكدت المصادر أن الهدف من إجراء تعديلات على المشروع هو ضمان حصوله على الأصوات الـ9 اللازمة في مجلس الأمن كي ينجح.



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.