فلسطين: معركة للحصول على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن

اجتماعات عربية مكثفة لإجراء تعديلات على القرار العربي > مسؤول أميركي لـ («الشرق الأوسط») : موقفنا سيظل رفض أي إجراء أحادي الجانب

فلسطين: معركة للحصول  على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن
TT

فلسطين: معركة للحصول على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن

فلسطين: معركة للحصول  على «الأصوات التسعة» في مجلس الأمن

تتواصل المشاورات المكثفة في عدد من العواصم الغربية وفي مجلس الأمن الدولي بنيويورك للتوصل إلى صيغة توافقية على مشروع قرار لـ«إنهاء الاحتلال» الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، قبل عرضه على المجلس للتصويت عليه، في أي لحظة.
وعقد سفراء الدول العربية في الأمم المتحدة اجتماعات مطولة أمس وأجروا مشاورات مكثفة مع جهات غربية عدة للتوصل إلى صيغة توافقية حول نصوص مشروع القرار العربي لإنهاء الاحتلال، وأخذ الملحوظات الأوروبية والاقتراحات التي قدمها بعض السفراء الأوروبيين في الاعتبار في النسخة النهائية للمشروع الذي تسعى السلطة الفلسطينية لطرحه باللون الأزرق في مجلس الأمن للتصويت عليه. ويعتمد مشروع القرار المنقح (الفلسطيني بعد الأخذ ببعض المقترحات الأوروبية) على النص على إجراء مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت مظلة دولية من خلال آليات محددة تشمل عقد المفاوضات في مؤتمر دولي تشارك فيه جميع الأطراف المعنية والدول العربية لتنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية عند حدود 1967، والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لوضع اللاجئين يعتمد على قرارات الأمم المتحدة السابقة. وينص المشروع المنقح على وضع جدول زمني لمدة عام كحد أقصى لإنهاء المفاوضات وعام آخر يليه لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ووفقا للمادة 26 من ميثاق الأمم المتحدة فإن تبني مشروع قرار يتطلب موافقة 9 أعضاء أو أكثر من أعضاء مجلس الأمن الـ15 للتصويت لصالح اعتماد القرار بشرط ألا تعترض عليه أي دول من الدول الـ5 دائمة العضوية. وضمن الفلسطينيون حتى الآن 6 دول أعضاء في مجلس الأمن لتأييد المشروع العربي، وهي الأردن وروسيا والصين وتشاد ونيجيريا والأرجنتين، بينما تعارضه الولايات المتحدة ولتوانيا وكوريا الجنوبية ورواندا وأستراليا، ويبقى موقف لوكسمبورغ وفرنسا وبريطانيا وشيلي غير واضح بانتظار نتائج المفاوضات. وفي حال فشل الفلسطينيون في تمرير القرار بسبب عدم وجود أغلبية فإنهم يستطيعون إعادة الكرة مرة ثانية. أما إذا استخدمت واشنطن الفيتو فإنهم سينضمون إلى المنظمات الدولية. وقالت دينا قعوار سفيرة الأردن لدى مجلس الأمن في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن لقاءات المجموعة العربية مستمرة لمناقشة أفضل الطرق لمساندة مشروع القرار الفلسطيني، وتضمين المقترحات والتعديلات التي تشمل دمج بعض نقاط من المشروع الفرنسي، وتقديم مشروع القرار بعد التعديلات للتصويت في مجلس الأمن، وكيفية التحرك لحصد تأييد الدول لصالح التصويت للمشروع».
وأشار رياض منصور السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة إلى أن الأردن ستتقدم بمشروع القرار الفلسطيني باللون الأزرق، حيث يستغرق الأمر بضعة أيام قبل إجراء التصويت على مشروع القرار لإتاحة الفرصة لترجمة مشروع القرار إلى اللغات الستة المعتمدة في الأمم المتحدة وإتاحة الفرصة للسفراء للتشاور مع حكوماتهم ومعرفة ما إذا كانت الدول دائمة العضوية ستختار التصويت بالموافقة أو التصويت بالنفض أو الامتناع عن التصويت.
وحول الموقف الأميركي واحتمالات التصويت بالفيتو ضد مشروع القرار الفلسطيني قال منصور: «إننا نأمل ونسعى أن يحظى مشروع القرار بموافقة أعضاء مجلس الأمن باعتباره بوابة لتحقيق السلام، ونطرح مشروع القرار بروح إيجابية حتى يتحمل مجلس الأمن مسؤوليته، ونرى تحركات دولية كثيرة لمساندة حل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين وإنهاء الصراع، ولا نريد استباق الأحداث». ومن المرجح أن تصوت الولايات المتحدة بالاعتراض على المشروع الفلسطيني والتصويت بالفيتو بما يعني عدم تمرير القرار.
وشدد مسؤول رفيع المستوى بالخارجية الأميركية على أن الموقف الأميركي يظل كما هو، وهو التمسك بمسار إجراء المفاوضات المباشرة بين الطرفين رافضا التعليق حول إقدام الولايات المتحدة على استخدام حق الفيتو عند التصويت على مشروع القرار. وقال المسؤول الأميركي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «نحن على علم بالتقارير التي تشير إلى خطط الفلسطينيين لتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن، ومع ذلك فما نفهمه أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى هذا الوقت، ولن أعلق ما إذا الولايات المتحدة ستستخدم حق الفيتو أم لا في مجلس الأمن».
وحول موقف الولايات المتحدة بعد محادثات وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع عدد من المسؤولين الأوروبيين والفلسطينيين والعرب، قال المسؤول الأميركي: «نحاول تلمس طريق للمضي قدما بشكل يساعد في نزع فتيل التوتر ويقلل من احتمال نشوب صراع أكبر بما يساعد على تهيئة الساحة لمناقشة القضايا الأساسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأن يتم مناقشتها مرة أخرى بطريقة جادة». وشدد المسؤول الأميركي على ضرورة المضي في مفاوضات مباشرة، وقال: «موقفنا الحالي كان وسيبقي هو أن الحل النهائي لهذا الصراع يجب أن يأتي من خلال المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وقد أعلنا ذلك بشكل واضح على الدوام سواء في المحادثات المغلقة أو في التصريحات العلنية».
وفي باريس أفادت مصادر دبلوماسية متطابقة في باريس تحدثت إليها «الشرق الأوسط» بأن رغبة الجانب الفلسطيني في استعجال طرح مشروع القرار الفلسطيني العربي بالنسخة الزرقاء على أعضاء مجلس الأمن الـ15 «لا يلغي لا مشروع القرار الفرنسي ولا الجهود التي تبذلها باريس للتوصل إلى نص توافقي لا يجهضه الفيتو الأميركي». ويعني وضع مشروع القرار بالنسخة الزرقاء أنه أصبح جاهزا ليطرح على التصويت في أية لحظة. بيد أن المصادر واسعة الاطلاع «استبعدت» الإسراع في التصويت لأن الجانب الفلسطيني، رغم استعجاله، يحتاج إلى التشاور والتنسيق مع الأطرف العربية ومع أعضاء مجلس الأمن ولأنه يحتاج إلى التعرف على ملاحظات الأعضاء الـ15 عليه وما يمكن الاستجابة له من تعديلات قد تطلب. ووفق مصادر واسعة الاطلاع فإن النص المقدم «ليس النص الفرنسي معدلا، بل هو النص الفلسطيني العربي الذي يأخذ بعين الاعتبار بعض الملاحظات الفرنسية وغير الفرنسية» التي نقلت إلى الجانب الفلسطيني خلال المشاورات الموسعة التي أجراها. وأمس، سئلت الخارجية الفرنسية عن حقيقة هذا الأمر فرفضت الإجابة مباشرة مكتفية بالقول إن رغبة فرنسا هي «تقديم نص إلى مجلس الأمن الدولي يمكن أن يحظى بإجماع أعضائه». وأضاف الناطق باسم الخارجية أن باريس «ستنظر في النص الفلسطيني على ضوء هذا الهدف».
تقول مصادر دبلوماسية عربية في باريس إن فرنسا «تتفهم» حاجة الفلسطينيين إلى تقديم مشروع قرار رغم تيقنها أنه لن يمر، وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي جون كيري لنظرائه الأوروبيين الثلاثة الذين التقاهم مساء الاثنين في قاعة من قاعات مطار أورلي القريب من باريس. بيد أن باريس «يمكن أن تشعر بالإحراج» إذا طرح المشروع الفلسطيني للتصويت لأنه سيتعين عندها اتخاذ موقف بينما ما زالت تسعى من جهتها لتوفير أوسع دعم للمشروع الذي أعدته وما زالت تتشاور بشأنه. وعلم في باريس أن المندوب الفرنسي الدائم في الأمم المتحدة دعا لاجتماع تشاوري موسع يضم ممثلي بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية والأردن للبحث في ما آلت إليه الاتصالات. وجدير بالذكر أن كيري رفض الإجابة على سؤال مباشر من فابيوس حول الموقف الذي يمكن أن تعتمده واشنطن في حال طرحت فرنسا مشروعها. ووفق المفهوم الفرنسي، فإن رفض كيري الإجابة يعني أحد أمرين أو الاثنين معا: إما أن الإدارة الأميركية منقسمة على نفسها ولم تحزم بعد أمرها، وإما أنها تريد تعديلات إضافية على المشروع.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن كيري سعى إلى دفع فرنسا إلى تأجيل طرح مشروعها بحجة دخول إسرائيل في الأجواء الانتخابية، كما أنه أغرى نظراءه الأوروبيين الثلاثة بتأكيد أنه يحمل «حزمة مقترحات» سيطرحها على الجانب الفلسطيني في اجتماعات لندن. والحال أن كيري «لم يأتِ بجديد»، وهو ما أكده المفاوضون الفلسطينيون علنا.
وحتى أمس، لم تكن باريس قد كشفت عن خططها للأيام القادمة في حال أصر الجانب الفلسطيني على طرح مشروعه على التصويت.
من جهته قال واصل أبو يوسف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إن استخدام واشنطن حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار إنهاء الاحتلال الذي يفترض أن تكون المجموعة العربية قدمته لمجلس الأمن أمس، يعني الانضمام إلى المنظمات الدولية بما فيها ميثاق روما الممهد لمحكمة الجنايات الدولية، وأخذ قادة إسرائيل إلى المحكمة.
وأضاف أبو يوسف لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الذي أخذته القيادة واضح لا لبس فيه ولا تراجع عنه، إما ننجح في مجلس الأمن وإما نواصل الانضمام إلى المنظمات الدولية». ويفترض أن مشروع إنهاء الاحتلال قدم إلى مجلس الأمن أمس يخضع للتصويت بعد إجراء مشاورات مكثفة حوله.وقالت مصادر فلسطينية مطلعة إن موعد التصويت على المشروع غير معروف لكنه سيخضع لنقاشات تستهدف إجراء تعديلات عليه. وتابعت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «احتمال دمج المقترحات الفرنسية مع المقترحات العربية سيظل واردا وقائما».
وأردفت: «يمكن التوصل إلى اتفاق مع الأوروبيين لتعديلات تتضمن الرؤيتين العربية والأوروبية قبل التصويت». وأكدت المصادر أن الهدف من إجراء تعديلات على المشروع هو ضمان حصوله على الأصوات الـ9 اللازمة في مجلس الأمن كي ينجح.



رسالة اليمن للعالم: نفّذوا قراراتكم وأوقفوا سلاح الحوثيين

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله العليمي (رويترز)
عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله العليمي (رويترز)
TT

رسالة اليمن للعالم: نفّذوا قراراتكم وأوقفوا سلاح الحوثيين

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله العليمي (رويترز)
عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله العليمي (رويترز)

دعا عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي المجتمع الدولي إلى الانتقال من سياسة «إدارة الأزمات» إلى شراكة استراتيجية مع بلاده، مؤكداً أن اليمنيين لا يطلبون من العالم خوض معركتهم نيابة عنهم، وإنما تنفيذ قراراته ووقف تدفق السلاح والتكنولوجيا إلى الحوثيين، ودعم قدرات الدولة اليمنية واقتصادها.

وقال العليمي، في كلمة بلاده أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن الحكومة اليمنية قادرة على إنهاء خطر الحوثيين وحماية موانئ البلاد ومياهها الإقليمية، داعياً المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته تجاه اليمن والمنطقة والأمن والسلم الدوليين.

وضع العليمي مطلب الشراكة الدولية في صدارة رسالته، مؤكداً أن القرارات الدولية وحدها لا تصنع السلام ما لم تتوفر الإرادة لتنفيذها. وقال إن السلام «ليس أمنية تُرجى»، وإنما يحتاج إلى إرادة حازمة وفعل يردع من يهدد أمن الدول واستقرارها.

وانتقد ما وصفه بغياب موقف دولي فعال وحاسم تجاه الحوثيين، معتبراً أن ذلك أسهم في اتساع نفوذ الجماعة وخطرها. كما ربط استمرار الأزمة بالدعم الإيراني، الذي قال إن الحوثيين يتلقونه في صورة أسلحة وخبرات وتقنيات عسكرية.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله العليمي (رويترز)

وأشار إلى أن اليمنيين يعيشون منذ 12 عاماً الحرب والنزوح والفقر وتجنيد الأطفال وزراعة الألغام ومصادرة الحقوق والحريات والموارد العامة. وقال إن الحكومة تعاملت بمسؤولية مع المبادرات الدولية والإقليمية، وقدّمت تنازلات من أجل السلام، بينما قابل الحوثيون تلك الجهود، وفق روايته، بالتعنت واستغلال فترات الهدنة لتعزيز ترسانتهم العسكرية.

تهديد عالمي

خصّص عضو مجلس الحكم اليمني جانباً بارزاً من خطابه لأمن البحر الأحمر وباب المندب، مؤكداً أن استخدام الحوثيين أمن الملاحة ورقة للضغط لا يمثل تهديداً لليمن وحده، وإنما يمسّ اقتصاد العالم.

وقال العليمي إن تأمين البحر يبدأ من معالجة مصدر الخطر على البرّ، محذراً من أن حماية السفن لا تزيل التهديد طالما بقيت جماعة مسلحة خارج سلطة الدولة على شواطئ الممرات البحرية.

القيادة اليمنية طالبت بتنفيذ القرارات الدولية ووقف تسليح الحوثيين (رويترز)

وربط عضو مجلس القيادة اليمني بشكل مباشر بين استعادة الدولة وأمن باب المندب، قائلاً إن القضيتين «قضية واحدة، لا قضيتان»، وإن دعم الحكومة اليمنية وتعزيز قدراتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية يمثل استثماراً في مستقبل الأمن والسلامة العالمية.

كما ثمّن مبادرة السعودية لإنشاء تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات، باعتبارها، وفق كلمته، تعكس مسؤولية مشتركة في حماية الملاحة وردع التهديدات ومكافحة التهريب.

استعادة الدولة

أكّد عضو مجلس القيادة اليمني أن حكومة بلاده متمسكة بالسلام، لكنها لن تقبل أن يتحول الانقلاب المسلح إلى أمر واقع، مشدداً على أن «السلام يتطلب أفعالاً من الحوثيين، لا أقوالاً».

وقال إن القضية اليمنية لا تتعلق فقط بكيفية إنهاء الحرب، وإنما أيضاً بشكل اليمن الذي سيبنى بعدها، متحدثاً عن دولة آمنة ومستقرة ومزدهرة، تعيد بناء اقتصادها وتوفر التعليم والعمل والأمن، وتتحول إلى شريك لجيرانها وجسر للتجارة والتعاون بين الجزيرة العربية والقرن الأفريقي والعالم.

وفي رسالة إلى اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين، شدّد على أن معركة الحكومة ليست مع المواطنين أو المناطق أو المذاهب، وإنما مع «انقلاب مسلح صادر الدولة ومؤسساتها». وقال إن استعادة الدولة ليست انتصاراً لطرف يمني على آخر، بل استعادة لحق جميع اليمنيين في دولتهم ومؤسساتهم.


الصواريخ الحوثية المرتدّة تهدد مناطق سيطرة الجماعة

جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
TT

الصواريخ الحوثية المرتدّة تهدد مناطق سيطرة الجماعة

جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)

أفادت مصادر يمنية مطلعة بسقوط عدد من الصواريخ الباليستية في مناطق متفرقة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، عقب فشل عمليات إطلاقها أو انحرافها عن مساراتها، ما تسبب، وفق المصادر، في سقوط ضحايا مدنيين وأضرار طالت منازل وممتلكات ومنشآت.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن العديد من الصواريخ فشلت عملية إطلاقها وسقطت داخل مناطق مأهولة أو بالقرب منها، متسببة في أضرار مادية وحالة من الهلع بين السكان. كما تحدثت مصادر محلية وتقارير متداولة عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين في بعض تلك الحوادث.

وتعيد هذه الوقائع تسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها سكان المناطق الخاضعة للحوثيين جراء إطلاق الصواريخ الباليستية من مناطق مأهولة؛ إذ يمكن أن تتحول عمليات الإطلاق الفاشلة إلى تهديد مباشر للسكان والمنشآت والأراضي الزراعية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وكان أحدث هذه الحوادث سقوط صاروخ باليستي حوثي في قرية «العيانة» بمديرية خمر في محافظة عمران. وبحسب المعلومات المتداولة، تسبب سقوط الصاروخ في أضرار وخسائر بالمنطقة، وسط حديث عن وقوع ضحايا مدنيين.

سقوط صاروخ حوثي على إحدى القرى الريفية في محافظة عمران (فيسبوك)

وقبل حادثة خمر بأيام سقط صاروخ حوثي في منتصف الشهر الحالي بالقرب من مزارع في قرية «بيت شلوان» بمديرية بني صريم في محافظة عمران، ما أسفر، وفق مصادر محلية، عن مقتل مزارع وإصابة آخرين، إلى جانب أضرار لحقت بأراضٍ ومعدات زراعية تعود لمواطنين.

وقال سكان في المنطقة إن عناصر أمنية تابعة للحوثيين سارعت عقب الحادثة إلى تطويق موقع سقوط الصاروخ، في محاولة، بحسب روايات الأهالي، لمنع الوصول إلى الموقع والحد من تداول تفاصيل الحادثة.

حوادث متتابعة

توالت حوادث سقوط الصواريخ داخل مناطق سيطرة الجماعة مع فشل إطلاق صاروخين باليستيين في حادثتين منفصلتين وقعتا مطلع الشهر الحالي في محافظتَي إبّ والحديدة، وتسببتا، وفق المصادر، في أضرار ودمار طال منازل مدنيين. ففي محافظة إبّ، سقط صاروخ حوثي في منطقة «المجمعة» شمال غربي مدينة إبّ إثر فشل عملية إطلاقه، ما أدى إلى تدمير أكثر من خمسة منازل وإصابة عدد من السكان، بينهم نساء وأطفال.

أضرار ودمار في منازل نتيجة استخدام الحوثيين الصواريخ الباليستية (فيسبوك)

وفي حادثة أخرى، سقط صاروخ في قرية «محوى طلحة» شرق مدينة زبيد بمحافظة الحديدة، عقب فشل عملية إطلاقه، متسبباً في تدمير وإلحاق أضرار بعدد من منازل المدنيين.

وسبق الحادثتين بأيام سقوط صاروخ ثالث أطلقته الجماعة ليلاً في أرض زراعية بالقرب من قريتَي «شبل» و«النوبي» بمديرية جبلة جنوب غربي إبّ، بعد فشل عملية إطلاقه من منصة متحركة باتجاه مدينة المخا على الساحل الغربي، ما أثار حالة من الذعر بين السكان.

سبعة صواريخ

بحسب منصة «يمن ديلي» اليمنية، فشلت الجماعة الحوثية في إطلاق سبعة صواريخ باليستية خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 27 أغسطس (آب) الماضي، انتهى بها المطاف إلى السقوط داخل مناطق خاضعة لسيطرتها.

ويربط الخبراء هذه الإخفاقات بعدة عوامل محتملة، في مقدمها فقدان جزء من الكوادر الأجنبية ذات الخبرة، ولا سيما الإيرانية واللبنانية، التي كانت تضطلع بمهام فنية وتدريبية متخصصة في تشغيل هذا النوع من الأسلحة.

وبحسب تقديراتهم، أدى ذلك إلى إسناد جانب من تلك المهام إلى عناصر حوثية محلية تفتقر إلى الخبرة والكفاءة الفنية اللازمة لتشغيل المنظومات الصاروخية بكفاءة.

قرى سكنية ومزارع ومرتفعات حوّلها الحوثيون إلى منصات صاروخية (إعلام محلي)

ويتزامن تكرار هذه الحوادث مع استمرار الجماعة في استخدام القرى السكنية والمزارع والمناطق الجبلية في عدد من مناطق سيطرتها مواقع لإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق، وفق مصادر محلية ومراقبين.

ويرى مراقبون أن إطلاق الصواريخ من مناطق مأهولة لا يضاعف فقط المخاطر التي يتعرض لها المدنيون في المناطق المستهدفة، وإنما يضع أيضاً سكان مناطق الإطلاق أنفسهم في دائرة الخطر، خصوصاً عندما تفشل عمليات الإطلاق، أو تنحرف الصواريخ عن مساراتها.


من الشارع إلى الهاتف… الحوثيون يحاصرون ذكرى الثورة اليمنية

من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
TT

من الشارع إلى الهاتف… الحوثيون يحاصرون ذكرى الثورة اليمنية

من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)

في عشية الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر (أيلول) تعيش العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية حالة توتر أمني واستخباراتي وإجراءات تقييد ورقابة مشددتين لمنع الاحتفالات الشعبية، وامتدت آثارها إلى منصات التواصل الاجتماعي، في حين اعتقلت الجماعة أكثر من 30 شخصاً في محافظة ذمار بسبب تحديث صورهم الشخصية على تطبيق «واتساب» بشعار ذكرى الثورة، وهو ما فجّر موجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي.

وتقول مصادر محلية في ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) لـ«الشرق الأوسط» إن نقاط التفتيش الحوثية في المحافظة بدأت عقب ذلك بتفتيش هواتف سائقي وركاب السيارات بحثاً عن شعارات أو صور وعبارات احتفالية بذكرى الثورة، متسببة في حالة من القلق في أوساط السكان، الذين لجأ غالبيتهم إلى إخفاء هذه المظاهر من هواتفهم أو عدم التنقل بها في الشوارع خشية الاعتقال.

وشهدت صنعاء وعدد من المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية إجراءات مشددة للتضييق على السكان ومنع أي مظاهر للاحتفال بذكرى الثورة التي أطاحت بحكم أسلاف زعيم الجماعة في 1962.

أجهزة الأمن الحوثية تشدد قبضتها لملاحقة المحتفلين بذكرى الثورة اليمنية (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الإجراءات الأمنية الاستباقية على التحركات الميدانية واعتقال عشرات الناشطين والسكان بسبب مظاهر الاحتفال بهذه الذكرى، بل طالت مواقع التواصل الاجتماعي التي تشهد جدلاً بين من يتمسكون بهوية الثورة، وموالين للجماعة التي تخشى تحول المناسبة إلى انتفاضة شعبية.

خوف من الشارع

في ظل ذلك، كشفت مصادر أخرى في صنعاء عن أن الجماعة ألزمت مسؤولي الأحياء المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهي مناصب شبه رسمية، بتحديث بيانات السكان وإبلاغ أقسام الشرطة والجهات الأمنية عن السكان الجدد، وإجبار ملاك العقارات على تسليم بيانات كاملة عن كل العائلات التي تستأجر منازل لديهم.

ووفقاً لما نقلته المصادر لـ«الشرق الأوسط»؛ تشمل طلبات الجماعة الإفصاح عن كل ما يتعلق بالمستأجرين الجدد وأنشطتهم وتحركاتهم خلال الأسابيع الأخيرة، وأرقام هواتفهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

قلعة القاهرة في تعز تتزين بالأضواء احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية (إكس)

وحسب المصادر فإن الجماعة تشدد الرقابة على كل فرد لا يملك حساباً باسمه على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب شكوكها في امتلاكه حسابات بأسماء مستعارة هرباً من الرقابة.

ويرى محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث أكاديمي متخصص في السياسة والإعلام في جامعة صنعاء، أن الجماعة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، بفعل ممارساتها القمعية وإجراءات التضييق على الحريات، من الحدّ من المظاهر الاحتفالية بذكرى الثورة اليمنية، إلا أن الممارسات نفسها والإجراءات ضاعفت من إيمان اليمنيين بهذه الثورة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة، وحسب نقاشات داخلية اطلع عليها من خلال زملاء له ينتمون إلى الجماعة، وقفت أمام خيارين، إما السماح للسكان بممارسة الاحتفالات لتفريغ احتقاناتهم من تردي الأوضاع المعيشية وسوء الخدمات، وإما منعها بكل أدوات القوة الممكنة وتشديد الخناق عليها.

ويشير إلى أن الخيار الأول كان مرتبطاً باحتمالية اكتفاء السكان بالاحتفالات كتنفيس عن الغضب الجماعي المكبوت خصوصاً إذا أسهمت الجماعة في هذه الاحتفالات وتكفلت برعايتها، إلا أن الخيار الثاني انتصر بفعل الذهنية الأمنية والقمعية للجماعة التي ترى أن السماح بالتعبير عن الغضب الشعبي يفتح الباب أمام إمكانية تحوله إلى انتفاضة عارمة يصعب السيطرة عليها.

ذكرى الثورة اليمنية هذا العام تتزامن مع تصعيد عسكري حوثي وحملات تجنيد (أ.ب)

وكانت مصادر مطلعة قد كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن أن الحملات الأمنية للتضييق على الاحتفالات بذكرى «ثورة 26 سبتمبر» بدأت بالتنافس بين أجنحة داخل الجماعة لتوريط بعضها بعضاً في أزمات تتسبب في تراجع نفوذها.

وطبقاً للمصادر، فإن عدداً من قادة الجماعة المستائين من تمكين علي حسين الحوثي، وهو نجل مؤسس الجماعة، من قيادة جهاز استخباراتي مستحدث باسم «جهاز استخبارات الشرطة ومكافحة الإرهاب»، أوصوا بتنفيذ كبرى هذه الحملات مباشرة عقب إنشاء الجهاز قبل عامين، وهو ما نتج عنه اعتقال آلاف السكان خلال فترة زمنية قياسية.

انتفاضة الصور

بدلاً من أن تتسبب هذه الحملة الحوثية باستياء داخل الجماعة، وتؤدي إلى تقليص نفوذ علي حسين الحوثي، بسبب المخاوف من ردود الفعل المجتمعية والتأثير على سمعة الجماعة، حدث العكس، ولقيت ممارساته استحساناً لدى عمه عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، والبيئة المحيطة به.

ورغم أن إجراءات الجماعة حدّت، وبشكل لافت من انتشار مظاهر الاحتفال الشعبي بذكرى الثورة اليمنية فإن مواقع التواصل الاجتماعي لا تزال تشهد توسعاً في المظاهر الاحتفالية، حيث تحوّلت الصفحات الشخصية إلى جداريات بألوان علم البلاد، الأحمر والأبيض والأسود، ونظم مئات الآلاف حملة لتغيير صورهم الشخصية وتركيب إطارات مخصصة للذكرى بوصفه نوعاً من التحدي السلمي.

احتفالات بذكرى الثورة في مدينة المخا العام الماضي قبل سقوطها مؤخراً في يد الحوثيين (إكس)

وتجاوز النقاش البعد التاريخي ليرتبط بالواقع المعيشي المتدهور؛ إذ ركزت المنشورات على مقارنات حادة بين عهد ما قبل الانقلاب الحوثي والوضع الراهن، وركز المستخدمون على التغيرات التي تشهدها البلاد منذ سيطرة الجماعة مثل انقطاع رواتب الموظفين العموميين وتوقف بناء المدارس وتعطيل خدمة الكهرباء وخصخصتها وزيادة فرض الجبايات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

وفي المقابل، تحركت الحسابات الموالية للجماعة لشيطنة هذا الحراك الافتراضي، متهمة المشاركين فيه بأنهم «خونة ومرتزقة» ينفذون أجندات خارجية لإثارة الفوضى.

وخلال السنوات الماضية تحولت ذكرى ثورة «26 سبتمبر» إلى رمز سياسي ووطني لرفض حكم الحوثيين، حيث يعوّض اليمنيون بالاحتفالات عبر العالم الافتراضي ما حُرموا من التعبير عنه في شوارع المدن وميادينها العامة.