مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (3 - 3): الملك حسين في حيرة وحصار... وبدء انسحاب العراق

: رغم الضغوط... أبلغنا الأميركيين صراحة أنَّنا مع الحلّ السلمي ومع الحلّ العربي لأزمة العراق والكويت

من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
TT

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (3 - 3): الملك حسين في حيرة وحصار... وبدء انسحاب العراق

من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يتحدث عن الضغوط الأميركية على الأردن لإقناعه بالانضمام إلى التحالف الدولي في مواجهة غزو صدام حسين للكويت، وما واجهه الأردن من أزمة اقتصادية نتيجة موقفه آنذاك إلى جانب صدام، الذي يؤكد بدران أنه كان موقفاً إلى جانب «الحل العربي».
ويروي بدران في كتابه باسم «القرار»، تفاصيل زيارة سرية قام بها طارق عزيز إلى عمان، أبلغ خلالها المسؤولين الأردنيين أنه لم يبق شيء في العراق لم يتعرض للقصف من القصر الجمهوري إلى مصافي النفط والمصانع والجسور. كما يتحدث عن الحيرة التي واجهها الملك حسين في تلك الفترة، إذ إنه كان محاصراً من القوى السياسية والشعبية والنيابية التي كانت تضغط باتجاه دعم العراق في الحرب.
كنّا نعيش فعلاً أجواء خلية أزمة وطنية، والجهود تضافرت من كل المؤسسات، والراحل الحسين بقي ممسكاً بدفّة القيادة السياسية، ومؤسساته الدستورية كانت بمثابة الجهاز التنفيذي، الذي يربط بين رؤية القائد، وطموحات شعبه، ومن هناك بدأنا بالتَّعامل مع تداعيات الحرب، وما ينتظرنا خلال أيامها.
بدأ السوريون بهجوم إعلامي علينا، وقد كان ذلك متوقَّعاً، فبعض أعضاء مجلسي النواب والأعيان، كانوا ينتقدون سوريا في الإعلام، وتوقّعنا أن يكون الردّ علينا بالإعلام أيضاً، وسعى وزير الإعلام إبراهيم عز الدين، لاحتواء الأزمة مع السوريين، واستطاع نتيجة خبرته الدبلوماسية العالية، بالعودة إلينا بخبر وقْف الحملة الإعلامية السورية ضدّ الأردن، وأخذنا قراراً في مجلس الوزراء بوقف تصريحات السفراء، الذين قد لا تكون لديهم الخبرة الكافية في التصريحات السياسية خلال أحداث الحرب، وأن نؤجِّل أي تصريح، من قِبَل سفاراتنا، منعاً لمُضاعفة مشاعر العداء العربي ضدّنا.
لقد ساعدنا السوريون بتزويدنا بالنفط، وأوفى حافظ الأسد بوعده، وبدأت اللجان تعمل وتشرف على نقل صهاريج النفط من سوريا، وكان ذلك بعد أن أخذنا سلسلة إجراءات للتعامل مع انقطاع النفط.
وقرّرنا أن يكون الخطاب الإعلامي الرّسمي ملتزماً برفضنا للاعتداء بالقوّة على أي دولة عربية، وكُنّا نعترف بالنظام في الكويت، ونعترف بالمقاطعة للعراق، وكلّه بتوازن وعقلانية، وكان كلّ حرف محسوباً له ألف حساب.
أمّا السفير الأميركي روجر هاريسون، فواصل ضغطه علينا بشكل مستمرّ، حتى أبلغتُه صراحة أنَّنا لن نغيِّر موقفنا جراء أي ضغط أميركي، وأنّنا مع الحلّ السلمي ومع الحلّ العربي لأزمة العراق والكويت، وموقفنا الشَّعبي ينسجم مع موقفنا الرّسمي، وأبلغتُ مجلس الوزراء أنّ الأميركيين سيستخدمون ورقة المساعدات للضَّغط علينا في كلّ مرّة، وعندها بدأنا نهيئ أنفسنا لتقديرات تشير إلى أنَّ عُمْر الأزمة سيطول.
كان أي خطأ في التقدير يعني الكارثة على مستوانا، لأنّنا باختصار، لا نستطيع أن ننعزل عن العالم والجوار، فروحنا معلّقة بالمواد الأساسيّة التي نستوردها كلّها من الخارج.
في تلك الفترة كثَّف الملك الحسين اتِّصالاته مع دول العالم، ولم يهدأ خلال تلك الأيام، وكان دائم التَّواصل مع القيادات الرسمية المدنية والأمنية، وحافظ على لقاءاته بمجالس الطوارئ. في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) زارنا الراحل الحسين في مجلس الوزراء، واجتمع بنا، وكالعادة، قدَّم رؤيته التي ساعدتنا كثيراً في التعامل مع المرحلة.
من جملة ما أتذكّره في ذلك اللقاء، أنَّه نبَّهني إلى أنَّ الحرب تريد هدفاً واحداً وهو بقاء إسرائيل بمثابة القوّة الوحيدة في المنطقة، وقال لنا: الكويت كانت المصيدة والفخّ الذي استُدرج إليه صدام، كما أكّد توقُّعاته بأن ضرب العراق سيستمرّ لمدّة طويلة، لإضعاف قوّته لتصل إلى حدود الصفر.
بقينا تحت الضَّغط الأميركي الدّاعي لتغيير موقفنا والانضمام إلى التَّحالف الدولي؛ حتى إنَّ القائم بالأعمال الأميركي قال لنا: «أعلنوا موقفكم ضدّ العراق... وبعدها افعلوا ما تشاءون».
وقد كان الملك الحسين في حيرة شديدة، في تلك المرحلة، فهو محاصَر من جميع الأطراف، قوى سياسية وشعبية ونيابية تضغط باتِّجاه دعم العراق في الحرب، وقوى دولية صاحبة قرار تضغط باتِّجاه أن يكون الموقف الرَّسمي الأردني ضدّ العراق، لكن كيف تقوم بذلك، وأنتَ تحت ضغط شعبي؟ كُنّا قد خرجنا للتوّ من أزمة ثقة شعبية بالنظام السياسي (هبّة نيسان)، واغتنمنا الفرصة ليعود الانسجام وتعود الثقة بين طرفي المعادلة الوطنية الأساسية.

نحو الحرب البرِّية
زارنا رئيس الوزراء العراقي سعدون حمادي، منتصف فبراير (شباط) 1991، حاول أن يزورنا برّاً فلم يستطع، فالقصف على بغداد اشتدّ، فجاء جوّاً عن طريق طهران، وجاء بعد أن حمل رسالة جوابية للرئيس الإيراني، تفيد بالقبول العراقي لإعلان نية الانسحاب من الكويت، مقابل انسحاب القوّات الأجنبية من الجزيرة العربيّة، وكان ذلك عنوان المبادرة الإيرانية، والعراقيون قبلوا بها، لكن اشترطوا عدم الإعلان عنها حتى تتَّضح الأمور والمواقف أكثر.
بعد تلك الزيارة بأيام، ولأوّل مرّة، كان يصدر عن العراق تصريحات تفيد بقبول مبدأ الانسحاب من الكويت، السوفيات وإيران والصين إلى جانب العراق، وهذا صار سبباً لنكون أكثر اطمئناناً، وهم يؤيِّدون وبشدّة مبدأ الانسحاب مقابل وقف ضرْب بغداد.
العراق حتى تلك اللحظات، بقي يناور بموقفه، ويريد مقايضة انسحابه من الكويت، مقابل تنفيذ متطلّبات الشرعية الدولية في القضية الفلسطينية.
في اللقاء، أكّد سعدون حمادي، أنّ قصف قوى التحالف يركِّز على المراكز المدنية والبنى التحتية، والهدف إضعاف العراق. لكنه أكّد أنّ المعنويات عالية في مواجهة الحدث، والجبهة متماسكة، وخسائرها أقل بكثير ممّا يعلنه العدو، وأنّ التقديرات العراقيّة تشير إلى أنّ الوضع ما يزال مُحتملاً، خصوصاً أنّ معدّل القصف انخفض كثيراً عمّا بدأ به.
في 24 فبراير، وفي تمام الساعة الخامسة صباحاً، أعلن بوش بدء الحرب البرِّية. وهذا تطوُّر جديد، وعلى الأردن أن يتعامل معه بمنتهى الجديّة. العراقيون أبلغونا أنّهم إذا تعرّضوا لأي ضرب مدمِّر، فسيضربون إسرائيل بالكيماوي، لكنّهم لن يكونوا البادئين. المعلومات أفادت بأنَّ الأميركان يتقدَّمون باتِّجاه الجهراء الكويتية، والخطة تؤكد تطويق مدينة الكويت، وعزلها عن الإمداد.
ظَهَرَ أمامنا في تلك الفترة تحدٍّ أمني داخليّ، هو تنفيذ عمليّات فردية ضدّ إسرائيل عبْر التسلُّل إلى الضفة الغربية ضمن تلك الأجواء، والخشية كانت من أن تكون مثل تلك العمليات ذريعة لإسرائيل لجرّنا لمعركة، ولذلك حاولنا ألا نُجَرّ لحرب مع أي طرف، خصوصاً وأنَّ ظهيرنا العراق مشغول بحربِه، وصرنا نعيش في حالة من الشكّ الكبير، بأنّنا معرّضون للخطر الكبير فعلاً، فنحن الآن وحدَنا، لذا يجب تلافي الاحتكاك.
الأخبار السيِّئة نقلها لنا طارق عزيز في زيارة سرِّية لعمّان، وكانت تلك الأنباء نقطة التحوُّل الكبير في الموقف العسكري ضدّ العراق، وقال لنا إنَّهُ لم يبقَ شيء في العراق لم يُضرب، القصر الجمهوري مسحوه خمس مرّات، وكذلك قصر المؤتمرات، المصافي ضُربت مرات عدة، ولم يعُد هناك أي مجال لإصلاحها، تمَّ تدمير كلّ مصنع، والجسور في الجنوب، وبقيَت ثلاثة جسور خفيفة في بغداد.
ظلّت العمليّة السياسيّة تدور، وظلّت المحرّكات تعمل، وكل ما نريده أن يتوقّف إطلاق النار، فقد بدت المعلومات متضاربة حيال الوضع داخل العراق، وحجم الخسائر، فإنَّ ما تعرّض له العراق في 40 يوماً من قصف، كان يعادل ما تعرّضت له ألمانيا في الحرب العالميّة الثانية على مدار أربع سنوات.
في 26 فبراير 1991، انسحب العراق من الكويت. عرفنا بالخبر، وصُدمنا، ليس لخبر الانسحاب العراقيّ، فهذا ما كنّا نتمنّاه من غير حرب على العراق، لكن صُدمنا لأنَّ الجبهات ما تزال صاخبة، والحرب تدور، وقد تعرَّض العراق لأكبر الخسائر، خلال عمليّة انسحابه، لأنَّ قوّات التّحالف الدولي بقيت تقصف بينما الجيش العراقي يتراجع إلى الحدود العراقية.
الصَّدمة كانت بفعل البيانات العراقية، التي ظلّت مشجِّعة حتى مساء اليوم السابق ليوم 26 فبراير، لكن كنا محبَطين سلفاً عندما طلب طارق عزيز اقتصار الدَّوْر الأردني على التحرُّك السياسي، فقد كانت آخر زيارة له لعمّان تحمل بعض مؤشّرات الهزيمة.

مساعدات إنسانية للعراق
كان قدرنا أن نعيش كل الحروب ونتائجها كالنكبة والنكسة، ثم وصلنا إلى ما وصلنا إليه بعد حرب 1991، وبلغ الإحباط مداه عند الكثيرين، سامح الله صدام حسين، ورحم الله الراحل الملك الحسين، فقد كانت دعواته ومبادراته كفيلة بألا نشهد تلك اللّحظة المؤلمة والمحزنة.
اجتمعنا في مجلس الوزراء، ورصدتُ في وجوه الزملاء، كلّ الإحباط والمأساة، فكلّنا صدمتنا النتيجة، وقلنا في تلك الجلسة، إنَّ الأردن قام بواجبه على أكمل وجه، وقدَّم ما هو أكبر من طاقته، وقد وضع النظام والقيادة نفسهما في كفّ القَدَر مختارين غير نادمين، وأكَّدنا أنّ التاريخ سيسجِّل للمملكة الأردنية الهاشمية موقفاً لم تستطع دولة كبرى، مثل الاتحاد السوفياتي أن تأخذه، وأكّدنا موقفنا، إنَّنا لم نكُن مع احتلال الكويت، وتمنَّينا لو لم يحدث ذلك.
لكن التطوُّر الأهمّ، كان تلك المخاوف، التي طرحها وزير الخارجية طاهر المصري، حول الفلسطينيين الموجودين في الكويت، والتي أشارت التقديرات إلى أنَّ عددهم نحو 200 ألف فلسطيني، لكنْ كان الراحل الحسين قد سبقنا جميعاً، واجتمع مع سفراء الدول الخمس دائمة العضويّة بمجلس الأمن، ونبَّه لمصير الفلسطينيين من حَمَلَة الوثائق، وضرورة عودتهم لمصر، والطَّلب من القاهرة الاعتراف بوثائقهم.
حاولنا رصد معاملة السعوديّين الجيدة لهؤلاء، كما أنَّ بعض الفلسطينيين في الكويت، كان موقفهم المُعلن حتى أثناء احتلال العراق للكويت، هو رفض احتلال بلد عربي لبلد عربي آخر.
شكَّلت هزيمة العراق لنا تحدياً أمنيّاً خطيراً، فالخطر كان بإبداء أي روح عدائية عند انفعال المواطنين، خصوصاً إذا ما حاول بعضهم الاحتجاج أمام السفارات ومحاولة اقتحامها. الإحباط هنا كان خطراً جداً، ولم نكُن نريد لرجال الأمن أن يصطدموا مع أي من المواطنين المحتجّين، وبالفعل فقد خرجت مظاهرة نسائية، وعند منعها من الوصول للسفارة الأميركية، تمّت المواجهة مع الأمن، الذي لا يريد منْع الاحتجاجات، لكنَّهُ لا يريد لأي مظهر من مظاهر الانفلات الأمني، أن يكون موجوداً.
وفِي جلسة علنية لمجلس النواب، قلت يومها إنَّ الحكومة لا ترى أنّ خروج العراق من الكويت هزيمة، فمبدأ الانسحاب كان وارداً منذ مطلع الأزمة، وأضفت أنَّ الحسين اتَّصل بالرئيس صدام، الذي أكد له أنه سينسحب خلال بضعة أيام، وعاد الحسين ليطلب من صدام تحديد موعد للانسحاب مقابل القمّة المصغَّرة، وأنّ مجلس قيادة الثورة اتخذ قراراً بالموافقة على بدء الانسحاب في تمام الساعة السابعة من صباح الأحد 6 أغسطس (آب) 1990، أي أنّ الانسحاب كان قراراً متَّخذاً منذ بداية العمل العسكري.
تحدَّث البعض ببلاغة ومُبالغة، أنَّنا قدَّمنا مساعدة عسكرية للعراقيين في تلك المرحلة، وأنا أؤكد أنَّ مثل هذا الأمر لم يحصل، على الرّغم من أنَّ العراقيين طلبوا مساعدتنا على تدريب ضباط عراقيين على توجيه وإطلاق صواريخ «هوك»، كانوا قد نقلوها إلى العراق من الكويت خلال احتلالها، ونظراً لطول المدّة اللازمة لتدريب ضباط على التَّعامل مع هذه الصواريخ، فقد طلب العراقيّون منّا إرسال ضباط أردنيين إليهم، ولم تتمّ تلبية الطَّلب، لكنَّ الجيش العراقي تعاقد مع ضبّاط أردنيين متقاعدين بشكل شخصي ومباشر.

إدارة الأزمة

كان موقفنا واضحاً في حينه، فنحن كنّا مع الحلّ العربي للأزمة، ولم نرِد أي تدخُّل أجنبي لحلّ القضية، وقد التزمنا بعدم الدُّخول بالتَّحالف الدولي ضد العراق لهذا السبب، وموقفنا حتى اللحظة، يجب أن يوضَّح، لأنَّ الكثير من الأشقاء والأصدقاء ظلمونا على هذا الصعيد، كل ما قمنا به هو تشكيل خليّة تفكير في الأزمة بأبعادها، وكان الراحل الحسين يطلعنا أولاً بأول على تحليلاته لآفاق الأزمة، ونتشارك في تقدير الموقف، وبناء عليه نقترح كيفيّة التصرُّف.
في تلك المرحلة، بعد الاحتلال بأيام قليلة، أنهينا صيغة الرِّسالة الموجَّهة لمجلس الأمن الدولي، وأبلغنا الأميركيين أنَّنا سنستمرّ بتصدير الأرزّ والقمح والسكَّر والزيوت واللحوم للعراق، وهي مواد غذائية أساسية، كما سنستمرّ باستيراد النفط من العراق، علماً بأنّ حصاراً قد فُرض ضدّ أي تصدير أو استيراد من العراق.
صحيح أنَّ تقديراتنا كانت متشائمة لتطوُّر الأزمة، لأنَّنا كُنّا موقنين برفض المجتمع الدولي للحل السياسي، وأنَّ المطلوب هو الحل العسكري، لكن ما كان يطمئننا قليلاً هو أنَّ إيران نأت بنفسها عن الأزمة، بل إنَّ علاقتها مع العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية شهدت تحسُّناً، فلو اقتربت المصالح الإيرانية الأميركية، لكانت الكارثة أكبر من قدرة المنطقة على الاحتمال.
مع امتداد الأزمة تحمَّلنا أعباء اقتصادية وأمنية هائلة، فقد كانت هناك مخاوف كبيرة، وبدأ الهجوم على المواد الغذائية، لأنَّ هناك مخاوف عند المواطنين من التعرُّض للعدوان. من النّاحية التموينية، كنّا على اطِّلاع في مجلس الوزراء، أوّلاً بأوّل، على مخزوننا من المواد الغذائية، وكنا ندرك أن مخزوننا يكفينا لستة أشهر، باستثناء السُكَّر لشهرين ونصف الشهر فقط.
أمّا عن الوضع المالي، فقد كان مرعباً حقاً، ففي أوّل الأزمة، تمّ سحب ودائع دينار وعملة أجنبية، حيث تمّ في خلال ساعتين سحب 8 ملايين دينار، والدولار صار شبه مفقود كنقد، وبلغ سعر صرفه 74 قرشاً، وزاد من تعقيد الظَّرف أنَّ علاقاتنا المالية مع العراق توقَّفَت بفعل الحرب، وأموالنا في البنوك الخليجيّة مجمَّدة لأنَّ الأزمة على أشدّها.
وعلى الصَّعيد العربي، سعَيْنا لحراك دبلوماسي يطالب بعقد مؤتمر لوزراء خارجيّة الدول الداعية للحلّ العربي في عمّان؛ الأردن واليمن والسودان والجزائر وليبيا والمغرب وتونس، بناءً على رغبة العراق. والهدف كان كسر الحصار السياسي على العراق. في تلك الفترة، رفضنا تطمينات طارق عزيز، وتأكَّدنا أنّ المصدر الوحيد للمعلومات هو الإعلام الغربي.
كُنّا يومها نتعامل مع العراق، بعد تدميره كاملاً، وكانت التَّقديرات بعد الانسحاب تشير إلى إفشاء معلومات وتسريبها من العراق، وتحديداً معلومات عسكرية، وكانت الشُّكوك تتَّجه نحو الاتحاد السوفياتي. كما أنَّ البصرة والتدخُّل الإيراني ولجوء ستة آلاف عراقي لإيران، كان تحدِّياً أمنيّاً خطيراً يهدَّد وحدة الأراضي العراقية، بينما لا أعلم مدى دقّة المعلومات، التي تحدَّثَت عن بدء انسحاب العراق من الكويت قبل الهجوم البرّي، لكن القصف المستمرّ خلال مائة ساعة، أدى إلى تدمير كبير، وتسبَّب في اهتزاز معنويّات العسكر، وشعورهم بالهزيمة.
حتى اللحظة الأخيرة ما قبل الحرب البرِّية، ظلَّ العراقيون يعيشون تحت انطباع أنَّ المبادرة الروسيّة ستكون فاعلة، وسيقبلها الأميركيّون، بينما الانطباع السائد لدينا أنّ أميركا تريد انسحاب العراق من الكويت دون شروط، وأن يوافق على جميع القرارات، بينما القوات الأميركية كانت تستعدّ للهجوم خلال ساعات. الخسائر كانت هائلة، أذكر ما سمعتُه من وصف عن معركة الدبّابات، التي ارتُكبت فيها مجزرة، وسقط نحو ألف وخمسمائة جندي عراقي، بين شهيد ومُصاب، وما قيل عن معركة اهتزَّت الأرض فيها، نتيجة قوَّة الضَّرب بين الجانبين العراقي والأميركي.
ومنذُ أن بدأ الهجوم البرّي، بدا واضحاً ضعف الجبهة العراقيّة، التي فقدت اتِّصالاتها بالقوّات المتقدِّمة، وذلك كان نتيجة تأخُّر الاتِّصال بين القيادة السياسية والعسكرية، وبدأ العراقيون يفقدون الاتِّصال فيما بينهم.
في الأردن الرَّسمي، تمَّ توثيق موقفنا في الكتاب الأبيض الذي أعدَّه الديوان الملكي بجهود من سياسيين وإعلاميين ومؤرِّخين، وهذا الكتاب يثبت سعْي الأردن لتأمين الانسحاب العراقي من الكويت قبل فوات الأوان، وفيه رسالة تاريخية تباينت المواقف حولها، وأصر الراحل الحسين على إرسالها لصدام من أجل تأمين الحلّ العربي العربي الذي أفشله الكثيرون.
 



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.