مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (1 - 3): حذرنا صدام من التهور... ولم نعلم بنيته اجتياح الكويت

قال بوش للحسين: لن أسمح لصدام ولا لأي أحد آخر أن يتحكم في النفط لأنه مستقبل الأجيال

الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران
الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران
TT

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (1 - 3): حذرنا صدام من التهور... ولم نعلم بنيته اجتياح الكويت

الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران
الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران

تنفرد «الشرق الأوسط» ابتداء من اليوم بنشر حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران، قبل نشرها في كتاب بعنوان «القرار»، سوف يحتفل بصدوره في 17 الشهر الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان.
وتزخر مذكرات بدران بالأحداث والمواقف التي يكشف عنها لأول مرة، وتوثق لمراحل مهمة مر بها الأردن خلال النصف الأخير من القرن الماضي. وسبق لمضر بدران أن أسس وترأس جهاز المخابرات العامة الأردني في نهاية ستينات القرن الماضي، ورئاسة الديوان الملكي على فترات، وكان قريباً من الملك حسين ومطلعاً على جوانب مهمة من صياغة القرار الأردني. وفي هذه الحلقة الأولى يروي بدران تفاصيل عن الجهود التي بذلها الأردن لمنع العمل العسكري العراقي ضد الكويت ويقول إن المساعي الأردنية كانت تهدف إلى إيجاد حل عربي - عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت. كما يتطرق إلى تفاصيل عن اتصالات الملك حسين مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في الفترة التي سبقت حرب تحرير الكويت.

في 2 مايو (أيار) 1990 انعقدت القمة العربية في بغداد، وفي اجتماع مغلق مع القادة، خاطب صدام كلاً من الإمارات والكويت... كان الاجتماع متوتراً، وكانت قمة تتحدث صراحة عن الخلافات العراقية الكويتية.
وتحدث إلى العراقيين في إحدى الزيارات الرسمية لبغداد، بأن الكويتيين حفروا على حدودهم مع العراق، وسحبوا نفطاً خاماً من حوض مشترك مع العراقيين على الحدود (حقل الرميلة)، وذلك خلال انشغال العراق بحربها مع إيران. أثار ذلك استغرابي، وقدرت أنه سيسبب أزمة كبيرة بين البلدين.
كنا قريبين من العراقيين، تعبنا ونحن نحاول إقناعهم بأهمية ألا تصل الأمور بينهم وبين الكويتيين للعمل العسكري، ورغم أننا اتهمنا بأننا كنا نعرف عن احتلال العراق للكويت، لكنْ قطعاً لم نكن نعلم بذلك.
صحيح أن المؤشرات كانت واضحة لنا، وفكرنا بصوتٍ عالٍ في الأمر مع الراحل الحسين، وحاولنا أن نحذر صدام حسين من أي تهور على هذه الجبهة، لكن لم يكن لدينا أي علم بنية صدام اجتياح الكويت، أو بموعد ذلك الحدث الذي غير ملامح منطقتنا. وذهب فينا الظن إلى أن ما يقوم به صدام مجرد مناورات سياسية، عطفاً على مطالبة عبد الكريم قاسم سابقاً، بأن الكويت أرض عراقية، وهدد باسترجاعها، وقامت جامعة الدول العربية في حينها بإرسال قوات عسكرية للكويت.
كنت أعي أن صدام حسين الذي عرفته جيداً لديه نقاط حساسة لا يساوم عليها، فقد درست شخصية صدام، وأمعنت النظر طويلاً في تحليلها، وبقيت في الأشهر الثلاثة الأولى لمعرفتي به، أجلس في الاجتماعات صامتاً، فقط أريد أن أحلل شخصيته، فهو رجل يتعامل بانفعال شديد، إذا ما تعلق الأمر بالكرامة أو النخوة أو الشهامة. خلال زيارتنا الأخيرة لبغداد، وقبل احتلال الكويت، كان صدام قد أرسل رئيس وزرائه سعدون حمادي للكويت، حيث انتظر الأخير ليومين لمقابلة أمير الكويت، وهذا ما زاد (الطين بلة). بقيت الأمور تتطور، وحاولنا رأب الصدع بين الأشقاء، لكن محاولاتنا جاءت بعد أن ساءت الأمور كثيراً.
وقبل احتلال الكويت بأيام، كانت العواصم العربية تعج بالزيارات الثنائية والاجتماعات، وأذكر جيداً أنه في 29 و30 يوليو (تموز) 1990 وقبل احتلال العراق للكويت عقد اجتماعان منفصلان، الأول في السعودية بين ولي العهد الكويتي سعد العبد الله الصباح، ونائب الرئيس العراقي عزت إبراهيم الدوري، وكانت تعليمات صدام للدوري واضحة: «في حال وافقت الكويت على المطالب العراقية (خير وزين)، وإنْ لم توافق ارجعْ فوراً».
أما الاجتماع الثاني، فكان بين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين في بغداد، وتأخرت يومها عن اللحاق بالاجتماع بسبب قدوم رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي لعمان في زيارة رسمية. غادر صدقي للقاهرة، وغادرت أنا إلى بغداد حيث وصلت الساعة العاشرة ليلاً، وكان العشاء الرسمي قد انتهى، وجلست مع الراحل الحسين، الذي أبلغني عن توتر الوضع بين صدام والكويت.
طلبت أن أقابل صدام لأحذره من التهور والاستعجال، وبالفعل وقبل مغادرتنا - جلالة الملك وأنا - بغداد باتجاه الكويت حيث كانت وجهتنا مقررة سلفاً، قابلته وحاولت إقناع صدام بذلك.
لاحقاً، وبينما نحن في السيارة مغادرين إلى المطار، قلت لطه ياسين رمضان الذي كان النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي آنذاك، إنني لم أر صدام غاضباً لهذه الدرجة من قبل، وأضفت أن عليهم إقناعه بعدم التهور، فهذا سيضر بمصالحنا جميعاً.
في زيارة لاحقة خلال أيام احتلال الكويت، قال لي صدام حسين على ضوء حواري السابق مع رمضان: «بدك أبو نادية (طـه ياسين رمضان) يهدي علي، أنا من يهدي عليه خلال اجتماعات مجلس قيادة الثورة». لقد كان طارق عزيز هو الوحيد في القيادة العراقية الذي اتخذ موقفاً ضد حرب صدام على الكويت.
بعد ذلك وصلنا إلى الكويت، حيث بقينا في بالمطار والتقى الحسين بالشيخ جابر الأحمد الصباح، وبدا لي أن الأمور تتجه إلى مزيد من التوتر، وأن هناك نية لدى صدام لدخول الكويت التي كانت متمسكة برأيها، وكان العراقيون متشددين بموقفهم. أنا لم أحضر اجتماع الراحل الحسين بأمير الكويت، لكن بقيت ووزير الخارجية الكويتي وقتها، الشيخ صباح الأحمد الصباح، واقفين بانتظار انتهاء اجتماع الملك والأمير. هناك سألت الصباح، عن صحة ما يقوله العراقيون، عن الحوض النفطي المشترك بين البلدين، وسحْب الكويت النفط الموجود فيه، وأجابني بقوله إن هذا صحيح، وإنهم على استعداد للتفاهم على هذا الأمر، وإنهم أنتجوا من البئر 1700 برميل يومياً، وإن صدام يقول إن إنتاجهم تجاوز 2000 برميل نفط وأكثر. وعندها تأكدت أن صدام لن يتركها هكذا، لأن الموقف كله حدث وصدام مشتبك عسكرياً على الجبهة الإيرانية.
بعد عودتنا من الكويت طلبت مجلس النواب للاجتماع في جلسة سرية، وقلت في تلك الجلسة، إنني لن أتفاجأ إذا قام العراق باحتلال الكويت. كانت تلك الجلسة مساء يوم الأربعاء، وفي صباح اليوم التالي، الخميس 2 أغسطس (آب) 1990 دخل صدام الكويت، واستولى عليها كاملة في غضون أربعة أيام.
بعد أن احتل العراق الكويت واصلنا العمل للضغط على صدام للانسحاب، ولم نهدأ، ونحن نحاول الضغط عليه، تجنباً لأي عمل عسكري ضده تقوده أميركا وحلفاؤها.
وفي أحد الاجتماعات استطعت أن أحرج صدام حسين، وأضغط عليه بفكرة الانسحاب، قلت له: «أنت لم تكن تنوي أن تجتاح الكويت». لم يعجبه كلامي، لكنه اعترف بصحته، وقال إن قائد الكتيبة الذي ذهب إلى الحدود العراقية الكويتية، أبلغه أنه لا وجود لقوات كويتية على الحدود، وإنه سأل صدام: «هل أكمل الطريق نحو العاصمة؟»، فأجابه: «نعم»، وهذا ما جرى. استغربت أن من جملة الأسباب التي أدت إلى تلك الكارثة، اجتهاد قائد كتيبة عراقي، بطريقة غير صحيحة، عندما عاد إلى صدام لأخْذ رأيه، والأصل ألا يعود له ويكتفي بتنفيذ الأوامر الموجودة عنده.

وساطة أردنية لحل الأزمة
استمرت مساعي الحسين للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، فقد أعلن الراحل الحسين أنه أخذ وعداً من الرئيس المصري حسني مبارك والملك فهد بن عبد العزيز، بقبول وساطته للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، مقابل عقد قمة مصغرة في جدة. حيث طار الملك الحسين إلى بغداد في اليوم التالي لإتمام الاتفاق، وكان الاتفاق على عقد اجتماع قمة مصغر، إذا ما أخذت القيادة العراقية قراراً بالانسحاب السريع المحدد من الكويت.
القضية عند هذا الحد كانت في طريقها إلى الحل الكامل. والراحل الحسين أخذ موافقة العراقيين على الاجتماع في جدة، وطلب صدام حسين الرجوع لقيادة الحزب، لأخذ قرار الانسحاب من الكويت، وكان ذلك في تمام الساعة الرابعة عصراً، وقال صدام إن عزت إبراهيم سيتصل للإبلاغ بخبر الانسحاب.
فهمنا أن العراقيين مرنون بالتفاوض على مبدأ الانسحاب. ووصلنا مطار ماركا في الساعة 5:15 مساء.
وقد أدلى الراحل الحسين بتصريحات لشبكة CNN، وبعد أن صدرت التصريحات عادت مصر والسعودية عن موافقتهما لحضور القمة المصغرة والقمة الموسعة، وقال صدام للحسين: «إذا صدر قرار مجلس الجامعة بإدانة العراق، ترى يا أبو عبد الله كل واحد بأرضه».
وكان الاتفاق مع حسني مبارك على تأجيل اجتماع مجلس الجامعة، لتنجح الوساطة، إلا أنه في تمام الساعة 11 ليلاً، صدر قرار مجلس الجامعة العربية، وقد كنا أبلغنا وزير خارجيتنا مروان القاسم، أن على اجتماع الجامعة أنْ يستمع لخبر مهم عند الساعة العاشرة ليلاً، يتضمن موافقة مجلس قيادة الثورة العراقية على الانسحاب من الكويت، وحضور القمة المصغرة في جدة. بعد صدور قرار مجلس الجامعة، عرفنا أن الأمور أكبر من تحركاتنا الدبلوماسية، عندها أرسل سفيرنا في القاهرة مشروع قرار مجلس جامعة الدول العربية، الذي سيبحث في قمة القاهرة، يوم 5 أغسطس.
انعقدت قمة القاهرة وكانت مليئة بالمفارقات لأن المصريين قبل القمة كانوا قد أعلنوا موقفهم بإرسال قواتهم إلى حفر الباطن، وبالتالي موقفهم كان محسوماً في الأزمة، ولم يعد هناك أي مبرر للقمة. لم تأخذ القمة القرارات بالإجماع العربي، بل كان قرارها قرار مجموعة عربية.
كان وزير الخارجية مروان القاسم يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب قبل القمة، وبعث للراحل الحسين بأن موقف القمة يذهب باتجاه «شجب وإدانة» اجتياح العراق للكويت، بشكل يحاكي قرار مجلس الأمن.
كنا في قصر الندوة صباحاً، أنا وزيد بن شاكر وعدنان أبو عودة، ولدى سماع الملك الحسين بالقرار غضب كثيراً، وقال: «الله أكبر، شو تركوا للوساطة»، وقال لنا أنْ نبلغ القاسم أن قرار الأردن التحفظ على القرار العربي.
بالنسبة للأردن، كنا لا نزال فاعلين على خط الوساطة مع صدام، لدفعِه للخروج من الكويت... وكان موقفنا في قمة القاهرة هو مع تشكيل لجنة عربية مصغرة، تقدم تقريرها خلال مدة محدودة، وأردنا من القرار أن نستفيد من الوقت، لصالح جهود الوساطة، كما أردنا من التقرير أن يسند الموقف العراقي، ويبين جوهر الخلاف بين العراق والكويت.
لم تتوقف مساعي الأردن لإيجاد حل عربي عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت، ولذلك قدمنا اقتراحاً بأن ننشر نصف جيشنا العربي على الحدود السعودية العراقية، وأن يكون جيشنا تحت تصرف السعوديين بالإضافة إلى الجيشين المصري والجزائري، فقد كنا على يقين بأن صدام حسين لن يضرب جيشاً عربياً، لكنه سيدمر أي جيش أجنبي، وسيشتبك معه.
لكن مقترحاتنا لم تتوافق مع التصورات الخليجية حول ما يجري، وهذا ما عقد من نجاح مبادرتنا للحل العربي العربي، إذْ بات جلياً أن التصور الخليجي استند إلى أن الاجتياح العراقي للكويت ناتج عن تنسيق أردني عراقي يمني فلسطيني، وأن الملك الحسين يعرف بالاجتياح... وأمام كل تلك الإشاعات والمعلومات الخاطئة، أخذ الخليج موقفه من وقف المساعدات للأردن.
وقال الملك حسين في أحد اجتماعاته بمجلس الوزراء، نهاية العام 1990 إنه اكتشف مؤخراً أن هناك حملة مركزة تجاه قيادات في الخليج العربي والمملكة العربية السعودية مستمرة منذ ما لا يقل عن سنتين، سعت لأن تعطي انطباعاً لهم بأن هناك تآمراً يستهدف الخليج والسعودية، وأن هذا الانطباع يؤكد وجود أهداف مرسومة عند العراق والأردن واليمن، وهو ما فسره الراحل الحسين على أنه السبب وراء معاناتنا خلال الفترة الماضية، وكيف كانت الوعود بالمساعدات لا تنفذ.
رحم الله الحسين، كان ينظر للعراق على أنه أمل جديد، وظاهرة عربية جديدة، وكان حريصاً على الخروج من المحنة قوياً صلباً معافى... لكن الملك كان يريد فعلاً الربط بين انسحاب العراق من الكويت، وانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس، حتى مع الرفض الأميركي والبريطاني لذلك، حيث كان يجد في الأمر فرجاً لحل القضية الفلسطينية. وقد دعم الراحل الحسين صدام في المبادرة التي أعلنها في 12 أغسطس 1990 حيث وضع القضايا العربية في سلة واحدة.
مساعي منْع العمل العسكري
رغم التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، كان الحسين يسعى من خلال الجهود الدبلوماسية لمنع العمل العسكري، وزرنا بالفعل واشنطن، والتقينا بالرئيس الأميركي جورج بوش، وقال بوش للحسين: «لن أسمح للعراق ولا لصدام ولا لأي أحد آخر، أن يتحكم بالنفط، لأنه مستقبل الأجيال في الولايات المتحدة والغرب، وصدام يريد الاستحواذ على 20 في المائة من احتياطي النفط في العالم، وهذا بالنسبة لنا أمن قومي، ولن نسمح لصدام بانتهاكه».
الحسين شرح في تلك الزيارة حيثيات الأزمة بين العراق والكويت، وأن فرص الحل العربي قد تؤجل الحرب في المنطقة. وأشار الحسين إلى أن حماية السعودية من أي تهديد عراقي تكون بوضع قوات عربية على الحدود العراقية السعودية. وجدد الحسين مطالبه بوقف حملات التصعيد ضد العراق، وحذر من أن العراق سيبادر برد الفعل على كل فعل أميركي.
الحركة الدبلوماسية للراحل الحسين لم تقتصر على واشنطن، ورافقناه في العديد من الجولات. قمنا بزيارات لشمال أفريقيا وأوروبا، وعدنا بانطباعات كثيرة، منها أن موقف ليبيا (مخلخل)، والتدخل العراقي بالكويت هو سبب التدخل الأجنبي في المنطقة بحسب قولهم.
بالنسبة لبريطانيا، فقد كانت تؤيد الحرب وتريد إسقاط صدام حسين، لا بل إن موقفها متشدد ومتطرف جداً من استمرار نظام صدام حسين رئيساً للعراق، بحسب ما فهمنا من البريطانيين، فهم لا يعيرون اهتماماً لِمن سيحكم الكويت بعد الحرب، المهم بالنسبة لهم إسقاط صدام، وهو ما استمعنا إليه من (مارغريت ثاتشر) والتي تمتلك عقلية ديكتاتورية كاملة، كأنها خارجة من استعمار الهند للتو.
بالنسبة للفرنسيين، فقد أبلغنا الرئيس الفرنسي «فرنسوا ميتران»، أنه متألم من موقف العراقيين، ومنزعج من صدام، لكنه لا يزال يعمل على تفعيل مبدأ الحل السلمي السياسي، وليس العسكري. أما ألمانيا، فكانت ضد استخدام القوة، وغمزوا لنا بأن ثاتشر هي من تدفع جورج بوش الأب لهذا الموقف ضد العراق.
في تلك الجولة، فشلت زيارتنا لموسكو، بسبب تضارب المواعيد، وبعدها توجهنا إلى بغداد، لوضعهم بصورة كل التطورات. قابلت طارق عزيز، وكان كلامه لا يوحي بالتفاؤل، لكنه ليس القائد، لذلك بقيت متفائلاً قليلاً. في أحد الاجتماعات هناك، تحدث قائد عسكري رفيع، وكان اسمه خلدون سلطان، وهو فريق في الجيش العراقي، قلنا للعراقيين في تلك الزيارة، إن هناك أفكاراً يمكن دعمها إنْ أبدى العراق المزيد من المرونة، فمن الممكن الانسحاب الأميركي من المنطقة والخليج، وأن يكون ذلك متزامناً مع خروج العراق من الكويت، وهذا يدور اليوم في أروقة مجلس الأمن، كما أكدنا لهم أن بوش من قال إن الحكومة الكويتية ليست مشكلته الرئيسة، وإنما الأهم عنده هو انسحاب العراق من الكويت.
في زيارتنا للعراق التي أعقبت الجولة الدولية، كان لقاء الراحل الحسين مع الرئيس صدام صريحاً جداً، وكاشف الزعيمان بعضهما بعضاً بكل ما يجول في خاطرهما، والنتيجة التي وجدنا صدام ممسكاً بها، هي ما طرحه في اجتماع سابق في 12 أغسطس 1990، وهو الذي تضمن مبادرة العراق في ربط انسحاب العراق من الكويت بحل القضية الفلسطينية، وأنْ لا عودة عن هذا القرار، فالمرونة ستفسر على أنها تراجع، وصدام قال: «لا تراجع عن هذا الموقف، والكويت محافظة عراقية، وانتهى الأمر».
على الجهة المقابلة، كان وزير الخارجية مروان القاسم، ينفذ جولة دبلوماسية على دول الخليج، وكم كانت تلك الزيارة ثقيلة عليهم، وصعبة علينا. كانت الزيارة بهدف تجديد التوضيحات حول الموقف الأردني.
قطر لم تجب على رسالتنا، فلم نزرها. وفي عمان، كان السلطان قابوس قد أظهر بعض الإيجابية، خصوصا أنه لم يتجاوب مع كل مطالب الأميركيين. الإمارات كانت في حالة غضب، ويقولون لنا: «هيك الملك حسين يعمل فينا! واحنا اللي ساعدناه»، فقد كانوا يعتبرون أن موقف الراحل الحسين في كفة، وموقف العالم كله في الكفة الأخرى.
كان ذلك يعني بالنسبة لنا في الأردن، قطْع المساعدات العربية، وهو ما أبلغناه لمجلس النواب، وأننا بوضع اقتصادي صعب، حيث طلبنا من ليبيا دفْع المساعدات، فسألونا عما إذا كان صدام حسين أعطانا من أموال البنك المركزي الكويتي، فأبلغناهم أن أميركا قالت لنا إن صدام حسين لم يستطع فتح خزنة البنك المركزي الكويتي، وفك شيفرة الكومبيوتر الخاص بها.
قبل قصف بغداد بأيام، زرت دمشق، وقابلت الرئيس حافظ الأسد لمدة ست ساعات متصلة، وقلت له إن الحرب الدائرة ليس لنا علاقة بها، وإن العلاقة السورية العراقية تحسنت مؤخراً، وهو ما يسند الأردن ويدعمه أمام التحديات الأهم وهي القضية الفلسطينية. وأن قوة العراق لكل العرب، وليست لصدام وحده. وسألت الأسد: «كيف سيوفق السوريون بين وجود جيشهم في حفر الباطن، ووجوده في الجهة الأخرى إذا ما حدث لنا أي شيء من جهة الإسرائيليين؟!».
ليجيبني الرئيس السوري بقوله إن أي هجوم إسرائيلي على الأردن هو هجوم على سوريا، وإن جيشه سيتدخل فوراً، ولن يترك الأردن وحده في مواجهة إسرائيل.
حاولت في ذلك الاجتماع الطويل، أن أدعو الأسد لمصالحة صدام، لكن الأسد قال لي إن الحسين أغلق الباب علي وعلى صدام في الجفر لمدة 14 ساعة للتفاوض على أساس المصالحة، لكنْ فشل ذلك الاجتماع بسبب غرور صدام، وغروره هو ما سيقتله.
كان السبب الجوهري لزيارتي الطلب المباشر من حافظ الأسد بالموافقة على تأمين الأردن بالنفط في حال قطع النفط العراقي عن الأردن. وأصدر الأسد أوامره لرئيس الوزراء السوري محمود الزعبي، بتأمين احتياجات الأردن من النفط، متى ما طلبت الحكومة ذلك، وبعد خروجي من عند الأسد، قال الزعبي إن ما طلبته من صلاحياته، وما من داعٍ لتدخل الرئيس الأسد بالأمر، فقلت له: «هكذا أضمن تنفيذ طلبي». وبالفعل، في أحد الأيام، التي طلبت فيها النفط من سوريا، منع وزير المواصلات السوري خروج الصهاريج المحملة بالنفط من العاصمة السورية دمشق إلى الحدود السورية الأردنية، فاتصل معه الزعبي وأبلغه أن الرئيس الأسد هو الذي أمر بذلك، وليس أي أحد آخر.
لم تتوقف وساطاتنا لحل الأزمة تفاديا للعمل العسكري، وقبل شهرين من الحرب ذهبت لبغداد، حاملاً رسالة من الراحل الحسين إلى صدام، واجتمعت بالرئيس العراقي نحو ساعتين ونصف الساعة، كان سبب الرسالة المستجدات بحركة الممثل الشخصي لرئيس الاتحاد السوفياتي غورباتشوف، والاتصالات حول التوجه الفرنسي الداعي للحل السياسي للأزمة. وكالعادة، أعاد صدام حسين تأكيد موقفه الثابت، وأن الانسحاب من الكويت غير وارد، في تلك الزيارة، شعرت أن العراق ذاهبٌ لخيار الحرب، وقال لي فيها صدام: «فلتحدث الحرب... ولا تنازل، وإن العراق لن يبدأ الحرب، لكن إن بدأوا بالحرب فالجاهزية عالية، ويخطئ من يظن أن الحرب ستكون سريعة».



الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
TT

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)

تحرك جديد للممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، مع الوسطاء، بعد نحو أسبوع من طرح خطته لنزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار، في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار يراوح مكانه منذ اندلاع حرب إيران قبل شهر تقريباً.

المحادثات الجديدة التي يجريها ملادينوف مع الوسطاء تمثل محاولة لإيجاد مقاربة لتحقيق ما أعلن عنه في مجلس الأمن الدولي يوم 25 مارس (آذار) الماضي، في ظل اعتراضات في الكواليس من «حماس».

ويؤكد خبراء، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الأخيرة تهدف إلى ممارسة ضغوط على «حماس» أو الوصول إلى تفاهمات تعجل بتنفيذ الخطة في أقرب وقت بعد انتهاء حرب إيران.

خطة النزع مقابل الإعمار

ونزع سلاح «حماس» أحد بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في مجلس الأمن. وتوضح وثيقة بشأنها، نقلتها «رويترز»، أنها تتطلب موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتوقَّع مسؤول فلسطيني، مقرَّب من المحادثات تحدث لـ«رويترز»، قبل أيام، أن تسعى «حماس» إلى إدخال تعديلات وتحسينات عليها، لافتاً إلى أن الخطة لم تقدم ضمانات لتنفيذ إسرائيل التزاماتها، وتخاطر بالتسبب في عودة الحرب، من خلال ربطها بين إعادة الإعمار وتحسين ظروف المعيشة، وقضايا سياسية مثل نزع السلاح.

وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لـ«حماس» والمشارك في وفدها المفاوض: «يحاول ملادينوف أن يكون ملكياً أكثر من الملك نفسه، إذ يحاول ربط كل شيء بملف السلاح، بما فيه دخول اللجنة الإدارية والقوات الدولية إلى قطاع غزة».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني عبد المهدي مطاوع أنه لا مؤشرات على قبول «حماس» للخطة في ظل انقسام داخل الحركة بين فرع يميل إلى تركيا يريد تنفيذ الخطة، وفرع يميل إلى إيران ينتظر ما ستسفر عنه الحرب.

محادثات جديدة

ووسط ذلك التعثر، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مع ملادينوف، بالقاهرة الأربعاء، «الجهود الجارية لدعم تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركى دونالد ترمب».

وأكد عبد العاطي «أهمية بدء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة في ممارسة مهامها من داخل القطاع وفي كل مناطقه، بما يعزز من قدرتها على الاضطلاع بمسئولياتها في إدارة الشؤون اليومية، تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية إلى ممارسة مهامها بشكل كامل».

وشدد كذلك على «ضرورة الإسراع بنشر قوة الاستقرار الدولية لضمان مراقبة وقف إطلاق النار»، مبرزاً «الجهود التي تبذلها مصر في مجال تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، بما يسهم في تهيئة البيئة الأمنية اللازمة لدعم المرحلة الانتقالية»، وفق البيان المصري.

وأكد أهمية التزام كل الأطراف بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية بكامل بنودها، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي، وبالصورة التي تفتح المجال للبدء في مشروعات التعافي المبكر في كل أنحاء القطاع، والانتقال لمرحلة إعادة إعمار غزة وفق مقاربة شاملة ومنسقة تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان.

وجاء الاجتماع، غداة لقاء ملادينوف بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في أنقرة.

وزير الخارجية التركي يستقبل ملادينوف (حسابه على منصة «إكس»)

ويلمح ملادينوف إلى مساعيه في منشورين عبر حسابه بمنصة «إكس»، الثلاثاء والأربعاء، حيث أكد، عقب لقائه مع فيدان الثلاثاء، أهمية المضي قدماً بخطى حثيثة نحو إتمام المرحلة الثانية. كون ذلك «السبيل الوحيد لضمان إعادة إعمار غزة، واستعادة المسار السياسي لحل القضية الفلسطينية على أساس السيادة وحق تقرير المصير».

وكشف عن أنه راجع مع عبد العاطي، الأربعاء، «الخطوات التالية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة»، مضيفاً: «تظل مصر شريكاً أساسياً في سعينا المشترك نحو غزة مُعاد إعمارها ومؤمّنة من قِبل الإدارة الفلسطينية الانتقالية، خالية من الأسلحة والأنفاق، وموحدة مع السلطة الفلسطينية الشرعية».

وتابع ملادينوف: «والآن حان وقت الاتفاق على إطار تنفيذ خطة ترمب من أجل الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».


معبر طابا المصري... بوابة «هروب الإسرائيليين» مع تصاعد التوترات

منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
TT

معبر طابا المصري... بوابة «هروب الإسرائيليين» مع تصاعد التوترات

منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)

مئات الرحلات الإسرائيلية تهرول إلى مصر يومياً عبر معبر طابا الحدودي، منذ أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة، حرباً على إيران ورد الأخيرة بقصف يومي متواصل، على مدار أكثر من شهر، غير أن الشكاوى لم تنقطع من ارتفاع رسوم العبور والتنقل والإقامة.

ووفق مصادر مطلعة، وخبراء مصريين في السياحة، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن المعبر بات «بوابة هروب للإسرائيليين» بعدّه ملاذاً آمناً في ظل تعرض مطارات إسرائيل للقصف، منتقدين الشكاوى الإسرائيلية من ارتفاع الرسوم، باعتبار ذلك «حقاً سيادياً مصرياً، وأن الرسوم لا تزال أقل من دول أخرى بالعالم، وأن المواطن الإسرائيلي يدفع ثمن حرب أشعلتها بلاده، وليست مصر التي من حقها أن ترفع الرسوم في ظل تداعيات الحرب على اقتصادها».

محطة رئيسية للهروب

وأفادت صحيفة «ذا ماركر» الإسرائيلية، الأربعاء، بأن «مطار طابا المصري تحول إلى المحطة الرئيسية للسفر إلى الخارج للراغبين بمغادرة إسرائيل بشكل عاجل، في ظل القيود المفروضة على مطار بن غوريون بسبب التوترات الأمنية والهجمات الصاروخية الإيرانية الأخيرة مما جعل المطار المصري بمثابة بوابة الهروب الكبرى وشريان حياة بديلاً عن المطارات الإسرائيلية المغلقة جزئياً».

وذكرت الصحيفة أن «المعبر قبيل عيد الفصح اليهودي شهد تدفق مئات الإسرائيليين، بينهم عائلات حريدية كثيرة تتحدث الإنجليزية والفرنسية، تحاول الوصول إلى بلدانها الأصلية للاحتفال بالعيد، بعد أن قضى البعض منها ليلة كاملة في إيلات إثر إطلاق صافرات الإنذار بسبب اختراق طائرات مسيّرة للحدود».

مدينة طابا المصرية تتيمز بطبيعة خلابة تجعلها مقصداً سياحياً مميزاً (محافظة جنوب سيناء)

وأكد مستشار وزير السياحة المصري سابقاً سامح سعد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن معبر طابا صار بوابة هروب للإسرائيليين للخارج بعدّه بالنسبة لهم ملاذا آمنا في ظل احتمال تعرض مطارات أخرى للقصف، لافتاً إلى أن هذه الأعداد لا تمثل قيمة مضافة للسياحة بمصر، فضلاً عن أن 72 في المائة من المعدلات السياحية تأتي من أوروبا و10في المائة من الدول العربية وغيرها.

وقال الخبير السياحي ورئيس شعبة السياحة والطيران بالغرفة التجارية سابقاً، عماري عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب بالأساس أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة، وإحدى نتائجها زيادة الأسعار بشكل غير مسبوق عالمياً، ومصر تأثرت كثيراً بها رغم أنها ليست طرفاً».

أسعار رسوم مرتفعة

وليس الهروب وحده من يحاصر عقل الإسرائيليين، لكن ارتفاع أسعار الرسوم أيضاً، إذ أشارت صحف عبرية لهذه الزيادة، حيث شهد «معبر طابا» ثلاث زيادات متتالية في الرسوم خلال فترة زمنية قصيرة جداً، بدأت من 25 دولاراً ارتفاعاً من 15 في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم ارتفعت إلى 60 دولاراً في منتصف مارس (آذار) 2026، قبل أن تقفز إلى 120 دولاراً في 28 مارس 2026.

وأشارت «ذا ماركر» إلى «ارتفاع رسوم العبور وتكاليف النقل والإقامة المؤقتة في سيناء»، فيما قالت صحيفة «يسرائيل هيوم» يوم 28 مارس الماضي، إن زيادة مصر رسوم عبور نقطة طابا الحدودية للإسرائيليين إلى 120 دولاراً، أثارت غضباً واسعاً بين الإسرائيليين المعتمدين على المعبر للسفر لخارج البلاد، خاصة أنه يجعل تكلفة العبور للعائلة المكونة من أربعة أفراد تتجاوز 480 دولاراً.

وعن الزيادة في الرسوم، يرى مستشار وزير السياحة سابقاً سامح سعد، أن وصول الرسوم إلى 120 دولاراً ليس تعجيزياً، خاصة أن هناك دولاً كثيرة تضع أرقاماً أكبر من ذلك، ومن حق مصر أن تصدر هذا القرار السيادي في الوقت الذي ترتئيه.

وأضاف الخبير السياحي عماري عبد العظيم، أنه من حق مصر، أن ترفع رسوم العبور في معبر طابا كما ترى، فهذا حقها السيادي لتعويض الأضرار التي لحقتها من الحرب.


الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended