غائب طعمة فرمان... إعادة عالم زائل إلى جغرافيا الوجود

30 عاماً على رحيل صاحب «النخلة والجيران»

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

غائب طعمة فرمان... إعادة عالم زائل إلى جغرافيا الوجود

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

قد يكون مناسباً تذكر حقيقة أن غائب طعمة فرمان، الذي رحل في مثل اليوم من 1990 عن 63 عاماً، قد كتب كل رواياته الثماني خلال سنوات إقامته في موسكو، حيث كان يعمل مترجماً في دار التقدم، فروايته الأولى «النخلة والجيران»، انتهى منها عام 1964 أي بعد مرور 20 سنة على أحداثها، وبعد اختفاء كثير من معالمها القديمة وحلول شوارع ومحلات ومدارس ومستشفيات ومساكن جديدة محلها.
تشكل هذه الرواية مع الروايتين اللاحقتين؛ «خمسة أصوات» (صدرت عام 1967)، و«المخاض» (عام 1973) ثلاثية مترابطة (رغم تغير شخوصها)، والبطل الحقيقي فيها هو بغداد نفسها، وما أعنيه ببغداد، سكانها الذين صاغت أزقتها ونهرها وموقعها وتاريخها القديم مزاجهم ولهجتهم؛ قيمهم وقناعاتهم؛ حرفهم وعاداتهم.
تتناول هذه الروايات ثلاث فترات زمنية ذات تأثير بالغ على ما ترتب عن كل منها؛ «النخلة والجيران»: أواخر الحرب العالمية الثانية واقتراب خروج القوات البريطانية من بغداد والمدن الكبرى... «خمسة أصوات»: عشية إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1953 وفرض الأحكام العرفية؛ «المخاض»: بعد عام ونصف العام على وقوع ثورة 14 يوليو (تموز)، وبداية الاحتراب الداخلي بين حلفاء الأمس، ولعل أنسب تعبير لوصف هذه اللحظات التاريخية هو «العتبة».
في «النخلة والجيران» يستخدم غائب الحوار وسيلة لتقديم شخصياته، إذ يحتل ما يقرب من ثلاثة أرباع صفحات الرواية، وبفضل استخدامه للعامية تصبح شخصياته حقيقية فنياً على الرغم من أنها نمطية ومتشابهة بعضها مع بعض.
وفي مسعاه للقبض على صورة مدينة زائلة وحياة أشخاص مهمشين على عتبة اختفاء مهنهم البائدة باستخدام الحوار بالدرجة الأولى، يكسر غائب ثلاثة مبادئ أساسية في الحبكة الروائية: إدخال إسكتشات مستقلة عن سياق الرواية مثل مشهد الشجار الذي يجري داخل الخان بين رديفة زوجة حمادي وخيرية زوجة الفراش رزوقي، ولعل غائب أراد إحياء شخصية المرأة السفيهة (القرج) التي يتجنب لسانها سكان الحي جميعهم، وهنا يسود الروح الكرنفالي (حسب مفهوم باختين) حيث تنقلب المعايير رأساً على عقب ويتطاير شرر الملاسنة بين المرأتين على الزوجين المسكينين والسائس الطيب مرهون. والمبدأ الثاني هو غياب النمو الدرامي للرواية، فمقتل مؤجر الدراجات الطيب، «صاحب» على يد الشقي «محمود» جاء من دون مقدمات، والتصعيد الدرامي يأتي في آخر الصفحات خارج سياق الرواية حين يقرر حسين الانتقام لصديقه «صاحب» بقتل قاتله والتحول هو نفسه إلى «شقي». أما المبدأ الثالث فهو النهاية المفتوحة التي تأتي بعد قتل حسين لمحمود في مرافق أحد الفنادق وهروبه.
الشيء الأساسي الذي جمع هذه الشخصيات هو أنها عبرت «العتبة» وتُركت هناك: فـ«الطُّولة» (حظيرة الخيول) بيعت وحوِّلت إلى مصنع سجائر، وبذلك فقد حمادي ومرهون عملهما، وبيت سليمة الخبازة يباع، فتنتقل إلى غرفة صغيرة هي وزوجها الثاني مصطفى. كذلك الحال مع بغداد نفسها، فالحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها أخيراً، وبدأ الجنود البريطانيون بمغادرتها.
في رواية فرمان الثانية «خمسة أصوات»، تبرز بغداد ثانية، بعد مرور ما يقرب من عقد على انتهاء الحرب العالمية الثانية. وهنا نجد أبطال الرواية أشخاصاً ولدوا بعد تأسيس الدولة العراقية بقليل.
إنه عقد الخمسينات، حيث دخل الغرب بقوة في محلات أورزدي باك بشارع الرشيد، جنباً إلى جنب، مع المقهى السويسري والنوادي الليلية والبارات الفخمة على شارع أبو نؤاس، إضافة إلى دخول الكتب مختلفة الاتجاهات والأفكار، سواء بالإنجليزية أو مترجمة إلى العربية.
يستخدم غائب في نسج «خمسة أصوات» مبدأ الروندو الموسيقي، حيث التيمات الموسيقية تتناوب بانتظام، وهنا نجد الشخصيات الخمس تجمعها اهتمامات مشتركة وعمر متقارب وعتبة حياة واحدة رغماً عن اختلاف طموحات كل منها.
يتقمص غائب شخصية «سعيد»، وهذا ما سمح لنا بأن نعرف أكثر عنه من الآخرين، وسمحت لغائب بأن يمزج ما هو متخيل بما هو حقيقي دون أن نكتشف الخط الواهي الفاصل بينهما، وهذه هي إحدى ميزات الرواية. كذلك تنجح الرواية بخلق عنصر التشويق، بعد تسلم «سعيد» الذي كان مسؤولاً في صحيفة «الناس» عن قسم الشكاوى رسالة من امرأة مجهولة تدعوه فيها لزيارتها. ولم يكن الوصول إلى بيتها سهلاً، إذ إن دخول أي غريب لزقاق بغدادي آنذاك يعدّ مغامرة بحد ذاتها.
استخدم غائب في سرد الرواية ستة رواة فلكل شخصية راوٍ وللشخصيات الخمس معاً راوٍ خاص بها.
تفتقد الرواية التصعيد الدرامي أو الغور العميق في الشخصيات. بدلاً من ذلك يستخدم غائب الحوار وسيلة أساسية للتعرف إليها من خلال ما تعبّر عنه من آراء أو ما تنقله من تداعيات عن ماضيها أو ما تعرفه عن شخصيات أخرى. وباستخدام أسلوب التناوب بين هؤلاء الرواة تتحقق للرواية ديناميكيتها التي تشد القارئ حتى آخر صفحاتها.
يمكن القول إن الروح الكرنفالي (الذي عرّفه باختين) أو جزءاً من عناصره قد يلبس الرواية، ففكرة العتبة والتجوال الحر لبعض الأبطال في ثنايا المدينة متنقلين ما بين باراتها وشوارعها وأزقتها عنصر أساسي فيها. ولتحقيق ذلك، رسم غائب شخصياته بطريقة كاريكاتورية (إلى حد ما) فمنحهم قدراً من تشويه ساخر مبطن يطلق عليه باختين «الغروتسك»، وهو أحد عناصر الروح الكرنفالية الأساسية في الرواية.
وهذا العنصر التشويهي المشترك ناجم عن كون هذه الشخصيات تنتمي إلى أول جيل متعلم تلقى جرعة ثقافية غربية كبيرة، على الرغم من أنها تعيش في مجتمع تحكمه سكونية هائلة، فبينها وبين الآباء والفئات الشعبية فجوة ثقافية كبيرة، وما زالت المحلة البغدادية منغلقة على نفسها، وما زالت المدن الأخرى غير مهيأة لقبول زوار من المدن الأخرى، إلا إذا كان لديهم أقارب فيها.
كل ذلك يقود أبطال غائب في «خمسة أصوات» إلى ارتداء نظارة مستوردة تمكنهم من رؤية الواقع، كأنه يتماهى مع واقع غربي ما. فعبد الخالق الذي يحلم بأن يكون روائياً ينظر إلى محيطه بعيني الروائي الأميركي فولكنر، فهو على الرغم من تعاليه على الآخرين بمن فيهم أصدقاؤه، يندفع للمساهمة في صد خطر الفيضان، بسبب ما كتبه فولكنر عن فيضان حل بالمسيسبي وكيف كان رد فعل أهالي بلدته في الجنوب الأميركي تجاهه. كذلك الحال مع الشاعر شريف، الذي يتقمصه الشاعر الفرنسي بودلير المتوفى عام 1867، فيقلده في جرأته وسأمه وتشرده وتعلقه بغانية سوداء، وفي بغداد يتعلق الشاعر شريف بالفتاة صبرية، المومس الأمية هزيلة البنية فيسقط عليها صورة تلك الغانية السوداء التي تغنى بها بودلير كثيراً.
أما سعيد فيجد نظارته في الكتب السرية التي تصل إليه من صديقه «طالب» السجين السياسي في نقرة السلمان، إذ توصل أم «طالب» إليه كتاباً لبليخانوف وآخر لجدانوف.
وفي مجتمع ذكوري لا يرى الرجل حوله إلا أمه وأخواته وقريباته يسبِّب ظهور أي امرأة سافرة في مكان عام خلخلة جماعية. ففي المقهى السويسري الذي كان يلتقي به الأصدقاء الخمسة أحياناً، تستدير رؤوس المثقفين فيه ولعاً صوب امرأتين سافرتين ظهرتا على حين غرة. وهذا ما يدفع شريف إلى القول إن العراقيين ثوريون بسبب انفصال الرجال عن النساء في الحياة اليومية.
تترك الرواية النهاية مفتوحة، إذ تنتهي بهجرة سعيد إلى سوريا للعمل هناك، وترك الأبطال الآخرين يعبرون عتبتهم، كل حسب طريقته، ومعهم يعبر العراق عتبته الأخرى.
في رواية فرمان الثالثة «المخاض»، يعود الراوي - البطل إلى مدينته بغداد بعد وقوع ثورة 14 يوليو (تموز) بعام ونصف العام. ومنذ البدء يُصدَم بحقيقة لم تخطر على باله: اختفاء المحلة التي ولد وترعرع فيها عن الوجود مع كل المحلات المجاورة ليحل محلها شارع «النضال» الذي كان في طور الإنشاء. ومع انقطاع صلته بعائلته نتيجة عدم وصول رسالته إليهم، يضطر الراوي للإقامة في محلة شعبية مع عائلة السائق العم نوري الذي أوصله أولاً من المطار إلى مكان محلته.
تأتي عودة البطل كريم إلى بغداد بعد حصوله على وظيفة مترجم في وكالة أنباء، والرواية تنشغل بمتابعة حياته اليومية ولقاءاته بزملائه في العمل؛ ضاربتي آلة طابعة آمنة وماجدة والمترجم داود ثم حل المترجم الفلسطيني الأصل إسماعيل لاحقاً محل الأخير.
تأخذ الحوارات مساحة كبيرة في الرواية تصل إلى 160 صفحة بالكامل من 360، وإذا أضفنا الأجزاء الأخرى فسيغطي الحوار ما يقرب من ثلثي الرواية. وهذا بحكم محدودية صوت البطل الذي يسرد لنا الحكاية بضمير المتكلم. هذه الحوارات تشمل قدراً من الجدل واعترافات وتداعيات خواطر. وفي حركة البطل هناك قدر كبير من العفوية، فهو يلتقي ببعض الأصدقاء القدامى عن طريق الصدفة مثل محسن ومهدي.
الرواية تفتقد إلى النمو الدرامي، لكن رغبة القارئ في التعرف على هذه الشخصيات التي تبدو حقيقية (وعلى الأغلب هي كذلك) يظل محدوداً بمدى انفتاحها مع الراوي كريم.
كذلك فإن الراوي الذي نعرف من نقاشاته وآرائه أنه ماركسي وحريص على تحقق الاشتراكية ولا يرى في الاحتراب الداخلي الذي تفجر في العراق بين التيارين الشيوعي والقومي إلا دليلاً على حقيقة الصراع الطبقي، وأن الانتقال إلى الفردوس لا بد أن يمر عبر التضحيات، لكن «آمنة» التي ظلت قلعة محصنة أمام كل محاولاته لكسب حبها، كانت لها وجهة نظر أخرى: «إنها السادية التي سكنت المجتمع».
وفي لقائه برفيقه القديم مهدي، يستغرب أن يضع الأخير نظارة سوداء، فيخبره أن أحد إخوته ينوي قتله بسبب أفكاره، أما محسن الذي أصبح مديراً عاماً ويختلط برجال الأعمال فيخوض مع البطل كريم جدلاً طويلاً عن ضرورة توقف الثورة عند مرحلتها البورجواية، وفتح الباب لرجال الأعمال العراقيين كي يطوروا المجتمع، لكن كريم يحتد ضده، فهو لا يريد من الثورة أن تتوقف حتى تتحقق الاشتراكية.
هنا للمصادفة اليد الطولى، فكثير من اللقاءات تحكمها الصدفة، وبفضل الصدفة يتمكن غائب من إنهاء الرواية على فضاء مفتوح يحمل كل الاحتمالات، وهذا من خلال جعل العم نوري يضرب بسيارته سائق دراجة شاباً. وتنتهي الرواية بشفاء الشاب وتنازله عن حقه وبراءة العم نوري الذي اكتفى القاضي بسحب إجازة السوق منه بسبب كبر سنه وضعف بصره.
تقترب هذه الرواية في سياقها من أدب المذكرات، وقد يجد القارئ في ديناميكية السرد ترهلاً هنا وهناك واستيلاء الجدل متعدد القناعات عليها، لكنها الرواية الوحيدة التي كتبت عن تلك الفترة الحرجة في تاريخ العراق بموضوعية، وما جعلها شيقة اليوم هو أن غائب منح أبطاله فرصة متساوية في التعبير عن آرائهم دون أن ينحاز إلى بطله الشيوعي، على الرغم من أنه سلمه قيادة السرد. وهذا ما يجعل القارئ بعد الانتهاء منها ينحاز إلى وجهة النظر هذه أو نقيضها.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.