عالمة صينية تكشف تفاصيل هروبها لإبلاغ العالم بـ«حقيقة كورونا»

يان تزعم أن بكين أجرت اختبارات «متهورة» على فيروسات في معامل عسكرية

عالمة الفيروسات الصينية لي مينغ يان (فوكس نيوز)
عالمة الفيروسات الصينية لي مينغ يان (فوكس نيوز)
TT

عالمة صينية تكشف تفاصيل هروبها لإبلاغ العالم بـ«حقيقة كورونا»

عالمة الفيروسات الصينية لي مينغ يان (فوكس نيوز)
عالمة الفيروسات الصينية لي مينغ يان (فوكس نيوز)

عندما طُلب من عالمة الفيروسات الصينية لي مينغ يان، الدخول إلى مكتب رئيسها في أحد أيام ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، لم يكن لديها أي فكرة أن مثل هذا الاستدعاء الروتيني قد يكون بداية الأحداث التي قد تؤدي إلى هروبها من عائلتها وعملها وبلدها خوفاً على حياتها.
وتدّعي يان أنها من بين أوائل الباحثين الذين اطّلعوا على فيروس «كورونا» قبل الاعتراف الرسمي به من منظمة الصحة العالمية، وكشفت في حوار عبر «سكايب» لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية كيف فرّت من منزلها وبلدها إلى الولايات المتحدة «لتخبر العالم بحقيقة تستر الصين على حقيقة الفيروس».
وكان مدير يان قد طلب منها معرفة ما يمكنها فعله بشأن مجموعة غامضة من الفيروسات التي ظهرت في مدينة ووهان الصينية، والتي أصبحت فيما بعد «فيروس كورونا».
وذكرت الباحثة أنه تم تجاهل ما توصلت إليه حول انتقال العدوى بين البشر، وزعمت أن بكين تعمدت تشويه تفاصيل أصل الفيروس، وأن المشرفين عليها تجاهلوا نتائج البحث الذي كانت تجريه داخل مختبر تابع لمنظمة الصحة العالمية حول التسلسل الجيني لفيروس كورونا الجديد المميت.
ومع ارتفاع عدد ضحايا الفيروس، شعرت يان بأن لديها «واجباً أخلاقياً وعلمياً لإطلاق تحذير حول كيفية تعمد النظام الشيوعي التستر على اندلاع هذا المرض القاتل»، وتقول: «أدركت أن هذه حالة طارئة بالنسبة للعالم».

وتتابع عالمة الفيروسات الصينية والتي تخرجت في إحدى جامعات هونغ كونغ المرموقة: «لم أستطع الصمت. كان بإمكاني أن أرى الصين تتستر على الحقيقة وكان عليَّ أن أفعل شيئاً... يمكنني تفسير ذلك للعالم».
وكشفت يان (36 عاماً) تفاصيل جمع الأدلة سراً في مختبرها ليلاً، وأنها هجرت زوجها للفرار إلى الخارج عندما علمت أن شبكة الأمن في البلاد محكمة، وأن قصتها تبدو كأنها «فيلم إثارة».
وتخشى يان أن المرض الناتج عن فيروس «كورونا المستجد» ربما يكون قد نشأ عن قصد، ارتباطاً بتجارب «متهورة» على فيروسات الخفافيش أُجريت في المعامل العسكرية الصينية. وذكرت الصحيفة أنه من المؤكد أن أصول هذا الفيروس لا تزال غامضة حتى الآن.
وتابعت الصحيفة أن «هناك شيئاً لا جدال فيه: أن يان عالمة صينية كانت سريعة الصعود، فقد كانت تعمل في مختبر كبير عمل على أبحاث نُشرت في مجلات أكاديمية رائدة، وهربت يان فجأة إلى الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) الماضي. وإذا كانت ادعاءاتها الأساسية صحيحة، فإنها تقدم أدلة دامغة على مدى تستر الحزب الشيوعي الصيني على الوباء».
ووُلدت يان لأب مهندس وأم معلمة في تشينغداو، وقد ألهمها جدها، وهو طبيب شارك في مكافحة الجذام في الصين، لدراسة الطب. وتقول يان: «لقد أخبرني دائماً أنه يجب عليك مساعدة الآخرين، لذلك كان من الجيد التركيز على العلم والمعرفة».
وأمضت يان سبع سنوات في الدراسة للحصول على شهادة الطب في تشانغشا، قبل أن تنتقل إلى قوانغتشو للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة الطب الجنوبية في تخصصها المخطط لطب العيون -علاج اضطرابات العين- ثم انتقلت إلى جامعة هونغ كونغ لمزيد من البحث. وهناك، التقت مع زميل باحث وتزوجته. وبتشجيع من رئيسها، وهو أستاذ علم فيروسات بارز، غيّرت تخصصاتها قبل خمس سنوات للانضمام إلى فريقهم في كلية الصحة العامة بالجامعة.

ولمدة خمس سنوات درست الإنفلونزا واللقاحات ولاحقاً فيروس «سارس - كوف - 2» أو المتلازمة التنفُسية الحادَة الشديدة (سارس)، ثم جاء ذلك الاستدعاء المشؤوم في وقت الغداء يوم 31 ديسمبر من البروفسور ليو بون، رئيس قسم علوم مختبرات الصحة العامة الذي ساعد في كشف الشفرة الجينية لفيروس «سارس» عام 2003.
وتقول يان: «قال بون إنه طُلب منه التحقيق في الفيروس في ووهان لحكومة هونغ كونغ». سألت عن السبب، وقال: «إن الصين لا تشارك المعلومات مع هونغ كونغ. لذلك أراد مني إجراء تحقيق سري». وتابعت: «تم تقديم هذا الطلب في نفس اليوم الذي نبّه فيه الخبراء التايوانيون لأول مرة منظمة الصحة العالمية بشأن مرض تنفسي جديد غريب في ووهان».
وتتابع يان أن أستاذها قد أكد بالفعل من خلال اتصالاته الخاصة أن تفشي المرض يشمل فيروساً يشبه «سارس». تقول: «شعرت بقلق شديد». وهي تعتقد أنه تم اختيارها لعدة أسباب من بينها أن لديها أصدقاء يعملون في المستشفيات والمختبرات في جميع أنحاء الصين بعد دراستها في العديد من الجامعات الطبية الرائدة.
وبدأت يان في الاتصال بالأصدقاء وجهات الاتصال للحصول على معلومات من خلال تطبيق «وي شات»، منصة الرسائل ووسائل التواصل الاجتماعي الصينية. وتؤكد إحدى الرسائل عبر التطبيق أنه قد ظهر في 31 ديسمبر «فيروس مجهول يُشتبه بأنه سارس».
وقال مصدر آخر للصحيفة في بكين إنه لم يكن من المسموح ذكر أي شيء علناً عن الفيروس وإلا ستتم معاقبته، مضيفاً أن «الجميع ضحكوا» عندما ادّعى المسؤولون علناً أنه لا يوجد دليل على انتقال الفيروس للبشر.

وتدّعي يان بأنها سرعان ما أثبتت وجود مجموعات عائلية من الحالات المصابة بالفيروس، مما يعني انتقال العدوى بين البشر، وأن العلماء الصينيين قاموا بترتيب تسلسل الجينوم. هذا يتوافق مع تقارير وسائل الإعلام الصينية والتي خضعت للرقابة فيما بعد. تم نشر التسلسل أخيراً على منصة مفتوحة في 10 يناير (كانون الثاني) من أستاذ في شنغهاي، والذي تم إغلاق مختبره بسرعة من أجل «التصحيح».
تقول الدكتور يان: «بناءً على أدلتي وخبرتي، علمت أن هناك انتقالاً بشرياً وحالات أكثر مما تعترف به الحكومة، والتي لم ترغب في مناقشة عامة حول الأمر. كان لديهم تسلسل الجينوم. لكنهم كانوا يقولون للناس ألا يقلقوا».
وقالت الباحثة إن اتصالاتها عقب التطبيق الصيني في المجموعة الأكاديمية التي كانت تضم 300 عضو ومنهم أطباء يعملون في مستشفى ووهان، وقالت إنه بسؤال أحد الأطباء عن انتقال العدوى بين البشر بالفيروس الجديد، أجاب فقط برمز تعبيري يُظهر قناعاً على الفم.
وتزامن ذلك مع اعتقال أطباء محليين اتُّهموا بنشر شائعات كاذبة بعد محاولتهم تحذير الناس بأخذ الاحتياطات. حتى إن صديقاً مقرباً من يان يعمل طبيباً في ووهان كان خائفاً جداً من مناقشة الحالات.
وتسرد يان: «لم تكن هناك أماكن عزل - كان الناس يعالجون في عنابر مفتوحة بين مرضى آخرين. لم تكن هناك حماية للطاقم الطبي لكنهم لم يستطيعوا التحدث عنها. كانت صديقتي خائفة من أنها قد تصاب بالعدوى وتعطيها لعائلتها».
وتتابع يان أنه في 3 يناير، طلب البروفسور بون منها أن تكون على اتصال مباشر بمصدرها الرئيسي في بكين، الذي كان يقول إن الوضع «فظيع»، ثم طلب منها استئناف العمل البحثي العادي.
وأردفت يان أنه تم إخبار الأطباء بتشخيص ضحايا ووهان الذين لهم صلات بسوق هوانان للمأكولات البحرية، والذي تم إلقاء اللوم عليه في انتقال الفيروس إلى البشر عبر الحيوانات البرية المعروضة للبيع، وتابعت: «لقد أرادوا أن يقولوا إن المرض جاء من السوق».

في 16 يناير، قالت يان إن البروفسور بون طلب منها التحقيق في كلاب الراكون كمضيف محتمل للفيروس الجديد، وهو ما أخبرته أنه غريب بالنظر إلى أنه نادراً ما تؤكل تلك الكلاب في المنطقة ولا تُرى كثيراً في أسواق الحيوانات.
وتذكر الباحثة الصينية: «أخبرني ألا أتجاوز الخط الأحمر وإلا سأختفي. كان هذا هو الخط غير المرئي الذي نحتفظ به جميعاً في رؤوسنا لأن حكومتنا حساسة للغاية بشأن المظهر السيئ».
وكان مسؤولو الصحة العامة الصينيون الذين وجّهوا أصابع الاتهام إلى السوق في الأول من يناير قد تراجعوا في نهاية المطاف بعد أربعة أشهر عن أن الفيروس لم ينتشر في الموقع، بعد سلسلة من الدراسات التي طعنت في مزاعمهم. وتعتقد يان أن هناك تستراً مع حدوث «أشياء مروعة».
ورأت الصحيفة أن المسؤولين الصينيين قللوا من أهمية تهديد الفيروس الغامض، حيث بدأ ملايين الأشخاص في التنقل في جميع أنحاء البلاد لحضور احتفالات رأس السنة الصينية الجديدة، وأقامت مدينة ووهان مأدبة جماعية للسكان، كما أخفقت منظمة الصحة العالمية في تنبيه العالم بشكل صحيح.
وعلى الرغم من افتقار يان إلى دليل مباشر على أصول «كوفيد - 19»، فإنها تعتقد أنه مشتق من «فيروسات تشوشان»، التي تم استخراجها من الخفافيش بين عامي 2015 و2017.
وتتابع يان أن خطوتها الأولى كانت الاتصال بـ«لو دي»، وهو يوتيوبر ضد الحزب الشيوعي، والذي بث ادعاءاتها في 19 يناير. وفي اليوم التالي، ضاعفت الصين عدد الحالات المؤكدة ثلاث مرات واعترفت بالانتقال البشري، وبعد ثلاثة أيام، تم إغلاق ووهان.
وتعترف العالمة: «لقد كنت متوترة للغاية... لم أجرؤ على الاعتراف إلكترونياً بما أعرفه». وتقول إنها حاولت إقناع زوجها بضرورة الفرار، لكنه كان غاضباً من أفعالها، ورفض الانضمام إليها، وتتابع: «قد كنا معاً لمدة سبع سنوات. اعتقدت أنه كان لدينا حياة زوجية جميلة، سنعمل معاً ونعيش معاً، لكنني أدركت أنه كان خائفاً تماماً من الحزب الشيوعي».

في 28 أبريل، استقلّت يان طائرة متجهةً إلى لوس أنجليس ومعها عدد قليل من الأمتعة لتجنب الشك، مع العلم أنها لن ترى والديها مرة أخرى ولن يُسمح لها بالعودة إلى مسقط رأسها. تقول: «بالكاد أستطيع التنفس، كنت خائفة للغاية».
وعند وصولها، توسلت يان إلى المسؤولين الأميركيين عدم إعادتها إلى الصين، موضحةً أنها جاءت لتقول الحقيقة حول «كوفيد - 19» وخلفيتها، وسمحوا لها بالبقاء. وتقول إنها أطلعت وكالات استخباراتهم على ذلك. في غضون ساعات من مغادرتها، قامت السلطات الصينية بمداهمة منزلها ومكتبها واستجواب عائلتها وتهديد أصدقائها، كما اتهمها والداها بالكذب و«خيانة الأمة». تقول الدكتورة يان أيضاً إنها تعرضت للتوبيخ على وسائل التواصل الاجتماعي بحسابات مزيفة تهدف إلى تدمير سمعتها.
ونفت منظمة الصحة العالمية والصين بشدة مزاعم التستر على فيروس «كورونا».
وأخبرت السفارة الصينية في الولايات المتحدة قناة شبكة «فوكس نيوز» الأميركية في يوليو (تموز) الماضي بأنهم لا يعرفون من هي يان، ويؤكدون أن الصين تعاملت مع الوباء بشكل «بطولي». وجاء في بيان السفارة: «لم نسمع عن هذه الباحثة قط. لقد استجابت الحكومة الصينية بسرعة وفعالية لـ(ـكوفيد – 19) منذ اندلاعه، وقد تم توثيق كل جهودها بوضوح في الكتاب الأبيض (مكافحة كوفيد - 19: الصين في الفعل) بشفافية كاملة. الحقائق نخبرها للجميع».


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.


لولا: أميركا ستتحول «قرصاناً» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر «هرمز»

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
TT

لولا: أميركا ستتحول «قرصاناً» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر «هرمز»

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)

اعتبر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الاثنين، أن الولايات المتحدة ستتحول إلى «قرصان» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر مضيق هرمز، كما صرح في وقت سابق دونالد ترمب.

وفي منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، اقترح الرئيس الأميركي فرض ضريبة تحصلها الولايات المتحدة تعادل «20 في المائة من قيمة شحنات» السفن التي ترغب في عبور المضيق.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال لولا خلال فعالية عامة في ساو كايتانو دو سول في ولاية ساو باولو: «في الماضي، كان يعتبر ذلك قرصنة». وأضاف: «إن الولايات المتحدة بلد مهم، وأعتقد أنها حاربت القرصنة لفترة طويلة، ولا يمكنها اليوم أن تتصرف كالقراصنة».

بدوره، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الاثنين، على اقتراح الرئيس الأميركي فرض رسوم على البضائع المنقولة بحراً عبر المضيق، مؤكداً أن إيران كانت وستبقى حارسة المضيق.

وكتب الوزير على منصة «إكس»: «الرئيس الأميركي محق تماماً. يجب تعويض كل من يضمن المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. لطالما كانت إيران حارسة المضيق وستبقى كذلك»، مضيفاً بنبرة ساخرة: «من الواضح أن نسبة 20 في المائة مبالغ فيها. سنكون منصفين».

وقال ‌ترمب، الاثنين، إن الولايات المتحدة قررت فرض الحصار البحري على إيران مجدداً وتحصيل رسوم 20 في المائة على جميع البضائع المشحونة عبر مضيق ​هرمز، وذلك بعد أن أعلنت طهران إغلاق هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف: «مضيق هرمز مفتوح، وسيظل مفتوحاً، سواء بإيران أو بدونها. سنعيد فرض الحصار على إيران». واستطرد: «ستحصل أميركا على 20 في المائة على جميع الشحنات المنقولة لتغطية جميع التكاليف اللازمة لتوفير الأمن والسلامة لهذه المنطقة المضطربة من العالم». وأكد أن العملية ستبدأ على الفور، دون الخوض في تفاصيل.

وكان ترمب قال في مقابلة هاتفية ‌مع برنامج «فوكس ‌آند فريندز» على قناة «فوكس نيوز» في ​وقت ‌سابق إن ​الولايات ⁠المتحدة ستسيطر على الأرجح على مضيق هرمز، وإنه يجب تعويضها عن نفقات إدارته.

وأضاف: «سنسيطر على المضيق، وربما سنديره. سنصبح حُماة المضيق. ربما سنُسمى الملاك الحارس للمضيق. ويجب أن نحصل على تعويض مقابل ذلك».


مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
TT

مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)

ترفع لجنة خبراء، يوم الاثنين، توصياتها إلى المفوضية الأوروبية بشأن احتمال فرض حظر على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، في إطار خطة لتنظيم وصول الأطفال إلى هذه التطبيقات، بعد اعتماد أو اقتراح إجراءات مماثلة في أكثر من 20 دولة حول العالم.

ومن بين الدول العشرين التي أحصتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، دخلت قيود على منصات التواصل الاجتماعي حيز التنفيذ في خمس دول.

وفي معظم هذه الدول، تُعد الإجراءات حديثة العهد، وتستهدف الأطفال دون سنّ 15 أو 16 عاماً.

دول تفرض قيوداً

حُظرت منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 16 عاماً في أستراليا منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، بينما سنَّت البرازيل قانوناً في مارس (آذار) يُلزم المنصات بربط حسابات المستخدمين دون سنّ 16 بحسابات آبائهم، بالإضافة إلى إلزامها بالتحقق من أعمار المستخدمين.

وفي الصين، حيث تخضع شبكة الإنترنت لرقابة حكومية صارمة، فُرضت قيود تدريجية على وصول القاصرين منذ عام 2019.

وفرضت الإجراءات الصينية الأولية حدوداً زمنية وحظراً على الألعاب الإلكترونية، قبل أن تُعمم قيود مماثلة في 2023 لتشمل منصات التواصل الاجتماعي ومنصات البث المباشر.

وحظرت إندونيسيا استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سنّ 16 عاماً منذ مارس، بينما أقرت ماليزيا خلال يونيو (حزيران) تشريعاً مماثلاً يمنع هذه الفئة العمرية من استخدام المنصات الرئيسية.

ويُنتظر أن تنضم تركيا إلى القائمة بعد إقرارها تشريعاً في أبريل (نيسان) يمنع من هم دون سنّ 15 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي. ومن المتوقع أن يدخل القانون حيز التنفيذ في أواخر 2026.

وأعلنت دولة الإمارات، الشهر الماضي، حظر منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً، على أن يبدأ تطبيق القرار بعد نحو عام.

دول تعتزم فرض قيود

داخل الاتحاد الأوروبي، أعلنت الحكومة اليونانية مطلع أبريل عزمها حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً، اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2027.

وتستعد كل من النمسا وسلوفينيا أيضاً لإقرار تشريعات تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 14 و15 عاماً على التوالي.

وفي ألمانيا، حيث يدعم المستشار فريدريش ميرتس فرض قيود، بل حتى حظر استخدام منصات التواصل للأطفال، اقترحت لجنة خبراء خيارين، إما فرض حظر مُتدرج حسب العمر أو فرض قيود خاصة بكل منصة.

ويجري نقاش مماثل في السويد، حيث اقترحت لجنة حكومية حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً بحلول أوائل عام 2028.

وأعلنت الحكومة الآيرلندية أنها تدرس سنّ تشريع في حال عدم صدور قرار من الاتحاد الأوروبي.

وفي الدنمارك، أعلنت الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أنها ستقترح حظر «عدة منصات للتواصل الاجتماعي» للأطفال دون سنّ 15 عاماً.

وخارج الاتحاد الأوروبي، ستقدم الحكومة النرويجية مشروع قانون بنهاية العام لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عاماً.

وتسعى المملكة المتحدة إلى حظر استخدام منصات التواصل للأطفال دون سن 16 بحلول أوائل 2027. وتعتزم كندا أيضاً تحديد سنّ دنيا لاستخدام المنصات عند 16 عاماً.

وتدرس عدة ولايات في الهند فرض قيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل، بينما أعلنت الحكومة المركزية أنها تجري مناقشات مع منصات بشأن إجراءات محتملة.

إجراءات قيد الدرس

يُناقش البرلمان الفرنسي حالياً مقترحاً لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً.

وكانت الجمعية الوطنية قد أقرت مشروع القانون في القراءة الأولى في يناير، قبل أن يُدخل مجلس الشيوخ تعديلات عليه ليقتصر على المنصات الأكثر ضرراً، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الاتحاد الأوروبي.

ويُنتظر إقرار النسخة النهائية من التشريع خلال الأسابيع المقبلة، على أن يدخل حيز التنفيذ في سبتمبر (أيلول)، بحسب ما تأمل الحكومة.

وتدرس البرتغال مشروع قانون يحدد سنّ الوصول إلى المنصات والخدمات والألعاب والتطبيقات من دون موافقة ولي الأمر عند 16 عاماً.

واقترحت إسبانيا رفع الحد الأدنى لسنّ التسجيل في منصات التواصل الاجتماعي من 14 إلى 16 عاماً. وفي إيطاليا، يدرس البرلمان مشروع قانون يحظر استخدام منصات التواصل للأطفال دون سنّ 15 عاماً.