«الوجه القبيح» للعلم

كتاب جديد يستعرض عمليات الاحتيال والتحيّز في ميدان الأبحاث العلمية

«الوجه القبيح» للعلم
TT

«الوجه القبيح» للعلم

«الوجه القبيح» للعلم

عندما يتحدث الناس عن العلوم الحديثة فإنهم يذكرونها بإجلال فريد، وكأنهم يميزون حكمة الحقيقة عن الحقائق الأخرى الناقصة، أو المتحيزة، أو حتى المزيفة التي تزخر بها «معارف» اليوم المتناقلة في شتى محافل الإعلام المطبوع والمسموع والمرئي وعلى منصات التواصل الاجتماعي الإلكترونية. إلا أن للعلم الحديث، كما لكل مناحي العلوم التي سبقته، مثالب ونقائص عديدة ترتبط بالتحيز الذاتي أو خرق أخلاقية البحث أو الانصياع لأوامر الساسة والحكام، وكذلك الشركات الكبرى.
ويأتي كتاب «العلم المُخْتَلَقْ: كيف يؤدي الاحتيال، التحيز، الإهمال، والتضخيم إلى تقويض البحث عن الحقيقة» لمؤلفه ستيوارت ريتشي في وقت يحتاج فيه العالم اليوم إلى جهود العلماء للكشف عن وجه العلم الحقيقي الناصع لمواجهة جائحة «كوفيد - 19»، ومواجهة هجمات والتواءات السياسيين الذين يريدون ركوب موجة الوباء لمصالحهم.
ورغم أن عنوان الكتاب «Science Fictions» يعني «خيالات علمية»، فقد فضلت اختيار تعبير «العلم المختلق»، فالوقائع تختلق كما تختلق الأساطير!
يناقش ستيوارت الباحث في علم النفس بجامعة «كنغز كوليدج - لندن» الذي سبق له أن نشر كتاباً حول «قياسات حاصل الذكاء»، في كتابه الجديد ما يواجهه العلم من مشاكل في القرن الحادي والعشرين، مشيراً إلى أهمية الاقتداء بأربعة مبادئ أساسية لـ«أخلاقيات العلم» وضعها العالم روبرت ميرتون عام 1942 وهي: مبدأ «شمولية العلم»، الذي يعني أن قواعد العلم موضوعية عالمية الشمول، تطبق على كل العلماء مهما كانت مراتبهم.
والمبدأ الثاني «جماعية العلم» بمعنى وجوب التشارك بنتائج الأبحاث ونشرها. أما المبدأ الثالث فهو «النزاهة»، أي أن أبحاث العلوم تجرى بهدف الحصول على المعرفة وليس الكسب الشخصي. والمبدأ الرابع والأخير هو «التشاؤم المنظم»، وهو يعني أن أي نتائج يجب أن تخضع للتدقيق والتحقق من صحتها قبل أن يتم اعتمادها. هذه المبادئ ليست جديدة على العلم إذ كتب بليز باسكال العالم الفيزيائي الفرنسي في القرن السابع عشر يقول: «أثناء دراسة الحقائق، يمكن أن توجد ثلاثة اتجاهات هي: اكتشاف الحقيقة عند البحث عنها، والبرهنة عليها عند العثور عليها، وفصلها عن الدجل عند تحليلها»، فيما قال ألبرت أينشتاين بعد ثلاثة قرون من ذلك: «توجد هناك في نهاية الأمر حقيقة واحدة وكثير جداً من الطرق الخاطئة... ومن أجل الانتصار ينبغي علينا الإخلاص للعلم كل ساعة من حياتنا رغم الفرص الصغيرة للنجاح».
يؤكد ريتشي في بداية كتابه على أن اتباع هذه المبادئ يعني موثوقية النتائج العلمية وصحتها، ثم يخصص باقي الكتاب لتوضيح إخفاقات العلم الحديث بسبب انعدام الالتزام بتلك القواعد. ويسرد أمثلة الإخفاقات العلمية القديمة والحديثة، مثل عملية احتيال ويليام سمرلين الباحث في الأمراض الجلدية الذي ادعى عام 1974 أنه زرع جزءاً من جلد فأر أسود في جسم فأر أبيض من دون حدوث تفاعلات مناعية مضادة، إلا أن أحد العاملين في مختبره اكتشف أنه لوّن الجزء المزروع بقلم أسود اللون.
وفي بداية القرن الحالي ادعى هوان وو - سوك العالم البيولوجي الكوري الجنوبي الشهير عام 2004 أنه استنسخ أجنة بشرية وحصل على سلالات من الخلايا الجذعية بمقدورها معالجة أي عضو متضرر من أعضاء الجسم. وظهر كذبه فيما بعد، إذ لم تكن أبحاثه سوى عملية احتيال تصويرية بتوظيف أحد البرامج الإلكترونية.
إلا أن الكاتب يمنح لقب «أكبر عملية احتيال علمي ضارة في كل الأزمان» للادعاء الذي طرحه الدكتور أندريو ويكفيلد الذي زعم أن التوحد يمكن أن ينجم عن حقن اللقاح الثلاثي للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية. وقد حور ويكفيلد دراسته 12 من أطفال التوحد المنشورة عام 1988 في مجلة «لانسيت» العلمية المرموقة، وكيَف نتائجها لتطابق مع نظريته. وقد أدت فضيحة ويكفيلد التي اكتشفت لاحقاً إلى عواقب كبرى بسبب هذا «العلم القبيح» حسب تعبير المؤلف، حيث أخذت مجموعات مختلفة من السكان بالامتناع عن تطعيم الأطفال باللقاح مما أدى إلى وفاة 140 ألف طفل من الحصبة عام 2018 وحده.
كما ينوه المؤلف بإخفاقات الأبحاث العلمية التي تحاول دعم النتائج أو تكيّفها بإحصاءات مقبولة أو تلك التي تجرى على مجموعات قليلة جداً من الأفراد أو حيوانات الاختبار. ونوه بصعوبات إعادة اختبار نتائج الدراسات النفسية لوجود مشاكل إحصائية تحمل سمة التحيز. وأكثر ما يثير القلق في هذا الشأن هو «أزمة إعادة الاختبار» كما يسميها المؤلف، التي عانى العلم منها خلال العقد الأخير من الزمن. إذ رصد الباحثون أعداداً هائلة من الدراسات، منها الكثير من الدراسات الأساسية، التي لا تأتي بنفس النتائج عند تكرار اختبارها. وانطبق هذا بشكل كبير على الدراسات الطبية والنفسية. ويقول المؤلف إن تجارب لإعادة اختبار نتائج 53 دراسة مختبرية رائدة أجريت على عقاقير لمحاربة السرطان حققت نتائج مماثلة... لـ6 دراسات فقط. كما رصد أحد الاستطلاعات للنتائج العلمية حالات تلاعب بالصور في 4 في المائة من 20 ألفاً من الدراسات.
أما في علوم الأعصاب فقد ظهر أن 10 في المائة من الدراسات كانت خاطئة بسبب الإعدادات السيئة لأحد البرامج المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي. ويذهب المؤلف في تشكيكه بالعلماء إلى حدود بعيدة، فهو يذكر القراء بأن إسحق نيوتن قال كلمته الشهيرة إنه رأى المستقبل لأنه «كان يقف على أكتاف العمالقة»، أما علماء اليوم فإنهم «ربما يقفون على أكتاف عمالقة بأرجل من خزف»، وفق المؤلف. ويشير إلى ضرورة إضفاء الشفافية على مسيرة مؤسسة العلم العالمية لفضح المواطن الضعيفة فيها.
إلا أن ريتشي لم يمنح مؤسسة العلم قدرها من الاستحقاق، إذ إنها تمكنت مع الهفوات التي رافقت مسيرتها من فضح الاحتيال ونتائج الأبحاث الملتبسة. ويقول جيمس ماكوناتشي في استعراضه للكتاب على صفحات «صنداي تايمز» البريطانية إلى أن الكاتب يلعب «لعبة خطرة» بتصويره العلم كمنظومة كثيرة العيوب مما يزيد من صعوبة إقناع الجمهور بمشاكل التغيرات المناخية وأهمية التطعيم باللقاحات. لكن كريستي أشواندن الناقدة العلمية في موقع «وايرد» الإلكتروني ترى أن ستيوارت نجح في إقناع القارئ بأن العلم لم يصل إلى مصاف المثل العليا له.
ويهاجم المؤلف دور نشر المجلات العلمية وطرق تمحيص المشرفين عليها للمقالات العلمية ومنظومة منح الجوائز، ويتهم المشرفين على تدقيق الأبحاث قبل نشرها بالتحيز، وبالفعل رصدت حالات لتقييم الباحثين أنفسهم لنتائجهم بشكل خفي. والأهم من ذلك هو أن الأبحاث التي تقدم نتائج غير مرجوة... لا تنشر! ربما لأنها لا تفيد الجهات التي مولتها. أما التضخيم فيجري على قدم وساق. ويقول ستيورات إن وسائل الإعلام تأخذ أحد جوانب البحث لتضخمه إلى أبعد الحدود، ويشير إلى أن هذا التضخيم ينطلق أساساً في أكثر الأحيان من الباحثين أنفسهم ومؤسساتهم العلمية. كما يهاجم الكتب العلمية الموجهة للجمهور التي تضخم الأفكار العلمية دون التمعن فيها.
ومع كل هفواته وعيوبه على مدى التاريخ فإن العلم يبقى منظومة تتجسد فيها روح الإخلاص في البحث عن الحقيقة المجردة والمنزهة عن الأغراض الشخصية وطموحات المجموعات الحاكمة. وأذكر هنا صيحة أطلقها أحد علماء الاتحاد السوفياتي السابق في أوج الحرب الباردة في خمسينات القرن الماضي مناشداً العالم الانصياع لحكمة العلم: «كفى مجداً للإسكندريين... وليحيا الأرخميديون»، نسبة إلى القائد الفذ الإسكندر المقدوني، والعالم الشهير أرخميدس.



هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.