الخوف الكوروني يؤثر على أداء الشركات حول العالم

التريث للنظر في مستقبل الفيروس يعطل ابتكار حلول للأزمات المالية

التريث للنظر في مستقبل تداعيات «كورونا» يعطل ابتكار الحلول المالية للشركات في العالم (رويترز)
التريث للنظر في مستقبل تداعيات «كورونا» يعطل ابتكار الحلول المالية للشركات في العالم (رويترز)
TT

الخوف الكوروني يؤثر على أداء الشركات حول العالم

التريث للنظر في مستقبل تداعيات «كورونا» يعطل ابتكار الحلول المالية للشركات في العالم (رويترز)
التريث للنظر في مستقبل تداعيات «كورونا» يعطل ابتكار الحلول المالية للشركات في العالم (رويترز)

منذ بداية عام 2020 بدأت قدرات الشركات المالية الدفاعية، ليس في ألمانيا فقط؛ بل وفي كل بلدان العالم، بالأخص الصناعية منها، تتآكل شيئاً فشيئاً بسبب سرعة تفشي فيروس «كورونا» عالمياً الذي حجر أعمالها وأنشطتها كلياً.
وعلى الرغم من عدم قدرتها على السيطرة على أمنها المالي، في ظل الأزمة الكورونية، فإن الشركات الألمانية تدافع بصورة فدائية عن ضرورة المضي قدماً في إدارة أعمالها داخلياً وخارجياً.
ويكفي النظر إلى العزم على استئناف الدوري الألماني لكرة القدم (بوندسليغا)، قبل أسابيع، الذي يعتبر مهماً لآلاف الشركات العاملة في شتى القطاعات الإنتاجية الألمانية، والذي يدير أنشطة مالية لا تقل قيمتها عن 11.5 مليار يورو سنوياً.
وفي هذا السياق، يقول الخبير كلاوديو غراس في مصرف «دويتشه بنك»، إن هدف الاتحاد الأوروبي، قبل انتشار أزمة «كورونا»، كان إنعاش الشركات الأوروبية العاملة في القطاعات غير الحكومية أو المالية؛ لكن الخطة باءت بالفشل، وتحولت إلى مجرد زيادة ديون غير منتجة على حساب المدخرين الأوروبيين، لا سيما الألمان.
وبرأيه، فإن مُسببات عدم قدرة الشركات على ابتكار حلول علاجية مؤقتة لأزمتها المالية تكمن في ضرورة التريث، وانتظار مستقبل تداعيات الفيروس على العالم.
ويضيف أن أي خطة أو موازنة مالية تضعها الشركات أمامها ستتلاشى، بين ليلة وضُحاها، إن استمرت أسعار الفائدة السلبية على ما هي عليه اليوم، وسط غياب تام لنظرة واقعية حول آلية توزيع المساعدات الحكومية بشكل عادل، يستفيد منه الصغير قبل الكبير.
ويُردف غراس قائلاً إن الناتج الإجمالي الحقيقي للعالم يرزح اليوم تحت وطأة فيروس «كورونا»، ما يضع خطط الشركات وحتى هوامشها الربحية أمام طريق وعرة، بينما التداعيات المُترتبة على الاقتراض الحكومي باتت مقلقة للغاية، وهو ما يعني أن مشكلات الديون التي ضربت العالم قبل أحد عشر عاماً ستطل عبئاً من جديد.
ووفقاً لغراس، فإن حجم الدين - على سبيل المثال - يتجاوز 180 في المائة من الناتج القومي اليوناني، مقارنة بـ146 في المائة في عام 2010، و135 في المائة من الناتج القومي الإيطالي، و98 في المائة من الناتج القومي الفرنسي، و86 في المائة من الناتج القومي الألماني، مقارنة بـ75 في المائة في عام 2010.
واستطرد: «ليست منطقة اليورو مُحصنة ضد أي تطورات قد تحصل في أماكن أخرى في الشهور القادمة... وبما أن المصرف الفيدرالي الأميركي بدأ يفقد قبضته على الأسواق المالية الأميركية، تُسارع صناديق التحوط العالمية والشركات الأجنبية المدرجة أسهمها في بورصة (وول ستريت) في التخلص من انكشافها على الدولار».
ومن المتوقع خلال موسم الصيف القادم، أن تتعرض سندات الخزينة الأميركية لتقلبات كبيرة، بينما من المؤكد أن تتأثر أسواق السندات في منطقة اليورو سلباً بها، وفقاً لغراس.
في سياق متصل، تقول الخبيرة ناتالي روت من مصرف «كوميرسبنك» في مدينة فرانكفورت، إن ملف تعثر الشركات الألمانية له الأهمية القصوى والأولوية لدى حكومة برلين. وطالما كانت الشركات الكبرى، مثل «لوفتهانزا» و«فولكسفاغن»، المستفيدة الأولى من المساعدات الحكومية. وأضافت: «يبقى مصير المساعدات لصالح الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم؛ خصوصاً تلك العاملة في القطاع التكنولوجي، في مهب الريح. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام على حياتها داخل غابة تجارية تحكمها الشركات المحلية العملاقة التي لا تهزها الأزمات».
وبحسب ناتالي، فشح السيولة المالية يعتبر بين المسببات الرئيسية، داخل كل شركة، القاضية على بصيص الأمل لدى أكثر من 70 في المائة من الشركات الألمانية، و65 في المائة من الشركات الأوروبية، وحوالي 57 في المائة من الشركات الأميركية.
وتضيف أن اليورو الذي أضحى مرتبطاً بفُقاعات الأصول المالية، سيواصل ارتفاعه أمام الدولار، على المدى القصير؛ لأن المستثمرين والمضاربين، حول العالم، لديهم نقص في كميات اليورو المتوافرة معهم، مقابل حيازتهم كميات هائلة من الدولار؛ لكن هذه الأزمة لن تستمر طويلاً.
ومن المُرجح أن تهوي قيمة اليورو أمام الدولار بسرعة، وفق ناتالي، وهذا أمر ستستفيد منه الشركات الأوروبية كثيراً، لا سيما تلك العاملة في قطاعات الغذاء والطاقة والسلع الأولية، بصرف النظر عن مصير الاتحاد الأوروبي، هذا إن تمكنت من النجاة، بأعجوبة، من تداعيات الأزمة الكورونية عليها.
وتختم: «من غير المستبعد أن تسعى ألمانيا، إن واصلت الظروف الاقتصادية والمالية مسارها الانحداري، إلى استعادة عملتها القديمة، أي المارك الألماني، عن طريق استخدام احتياطاتها من الذهب بشكل من الأشكال. صحيح أن جزءاً من هذه الاحتياطات موجود لدى المصرف المركزي الأوروبي؛ لكن ما يوجد منها في مدينة فرانكفورت كافٍ لتحويل المارك الألماني المستقبلي إلى بديل مناسب لركوب موجة التنافس التجاري الدولي مجدداً».
ومع أن فكرة استعادة المارك الألماني تشق طريقها لدى عدد متواضع من المسؤولين القدامى في المصرف المركزي الألماني، فإنها بحد ذاتها، بحسب نالتالي: «صدمة قاسية لا يمكن تفعيلها إلا عقب زوال الاتحاد الأوروبي». وأضافت: «هذا أمر مُعقد جداً على الحكومات والشركات معاً».


مقالات ذات صلة

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

صحتك أطباء وممرضات يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون برعاية مريض على جهاز التنفس الصناعي بوحدة العناية المركزة بمستشفى سانت لازلو الذي يعالج مرضى كورونا في بودابست 13 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

حثت أبرز المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة السكان على الحصول على اللقاحات المحدَّثة ضد الإنفلونزا وكورونا، الخريف المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
TT

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

لم تعد المخاوف الأميركية من الذكاء الاصطناعي المتقدِّم تدور حول سيناريوهات مستقبلية بعيدة، بعدما كشفت حوادث حديثة عن قدرة بعض النماذج على تجاوز قيود وضعتها الشركات المطوِّرة، والوصول إلى الإنترنت وأنظمة خارجية والتَّصرُّف بطرق لم يوجّهها إليها البشر بصورة مباشرة.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج أكثر قدرة واستقلالية، تتسع في واشنطن دعوات لوضع حدود أكثر صرامة على هذه التكنولوجيا، في معركة تتجاوز الأمن السيبراني إلى مستقبل الاستثمار، والابتكار، والإنتاجية، والقدرة التنافسية الأميركية في مواجهة الصين.

وتضع التطورات الأخيرة الإدارة الأميركية والكونغرس أمام معادلة معقدة: كيف يمكن احتواء المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي من دون إبطاء التكنولوجيا التي يُنظَر إليها في الوقت نفسه بوصفها أحد أهم محركات النمو والإنتاجية والتنافس الاقتصادي في العقود المقبلة؟

حادثة «هاغينغ فيس» تشعل الإنذار

أصبحت حادثة اختراق منصة «هاغينغ فيس» محوراً رئيسياً في هذا الجدل، بعدما كشفت التحقيقات التي أجرتها «أوبن إيه آي» عن أن نماذج استُخدِمت خلال اختبارات للأمن السيبراني تمكَّنت من تجاوز بعض الضوابط والوصول إلى الإنترنت واستغلال ثغرات للوصول إلى أنظمة تابعة لجهات خارجية.

وقالت «أوبن إيه آي» إن الحادثة كانت الأكثر خطورة من هذا النوع التي رصدتها حتى الآن، وإنها أظهرت أن النماذج شديدة القدرة يمكنها، في غياب الضمانات المناسبة، الالتفاف على الضوابط التقنية، والتواصل عبر قنوات غير مصرَّح بها، وتنفيذ إجراءات لم يطلبها منها أي إنسان بصورة مباشرة.

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

ورغم أن الشركة قالت إن الحادثة لم تؤثر في بيانات العملاء أو وظائف منتجاتها أو توافرها، فإنَّ أهميتها بالنسبة إلى صانعي السياسات تكمن في شيء آخر: إذا كانت الأنظمة قادرة على تجاوز الحواجز الموضوعة داخل بيئة اختبار، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن ضمان بقاء السيطرة البشرية عندما تنتشر هذه القدرات على نطاق تجاري واسع.

تحقيقات في الكونغرس

دفعت هذه التطورات أعضاء في الكونغرس إلى التحرك، فقد أطلق السيناتور الجمهوري جوش هاولي تحقيقاً في «أوبن إيه آي»، مطالباً بتفاصيل حول حادثة «هاغينغ فيس» وحوادث أخرى قال إنها تثير تساؤلات بشأن احتمال خروج نماذج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.

وقال هاولي إن الأميركيين يستحقون معرفة تفاصيل ما حدث، خصوصاً مع ازدياد المخاوف من أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ إجراءات معقدة من دون تدخل بشري مباشر.

وفي تحرُّك منفصل، طالب السيناتور الديمقراطي، كريس فان هولن، بأن تتيح «أوبن إيه آي» للجهات الفيدرالية المعنية بالأمن السيبراني الوصول إلى المعلومات اللازمة لتقييم مستوى المخاطر.

وقال فان هولن إن على الشركة، إذا لم تكن قادرة على ضمان سلامة نظام «GPT-6 Astra» ومراقبته بصورة فعالة، أن تسحبه من الاستخدام العام.

وتكشف هذه التَّحرُّكات عن انتقال النقاش في واشنطن من مرحلة الدعوات العامة إلى مزيد من الشفافية إلى سؤال أكثر جوهرية: مَن يملك سلطة التدخل عندما يتصرَّف نظام متقدِّم بطريقة غير متوقعة؟

شعار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» (رويترز)

ساندرز يذهب أبعد من الرقابة

لكن أبرز تحرك سياسي حتى الآن جاء من السيناتور المستقل بيرني ساندرز، والنائب الديمقراطي غريغ كاسار، اللذين أعلنا مشروع قانون لحظر «الذكاء الاصطناعي الفائق» ووقف تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدِّم مؤقتاً إلى حين وضع قواعد اتحادية للسلامة.

ويذهب ساندرز إلى أبعد بكثير من الدعوة إلى تشديد الرقابة على الشركات. فهو يريد حظراً دائماً لتطوير ونشر أنظمة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، إلى جانب وقف مؤقت لتطوير الأنظمة المتقدمة إلى أن تنشئ الحكومة جهةً تنظيميةً اتحاديةً، وتضع قواعد واضحة لمراجعة النماذج.

ويقول ساندرز إن قادة شركات الذكاء الاصطناعي أنفسهم يقرون بأنهم لا يفهمون التكنولوجيا بصورة كاملة، وإنها بدأت تتجاوز قدرتهم على السيطرة عليها. ولذلك يرى أن مواصلة تطوير أنظمة أكثر قوة في هذه الظروف أمر غير مسؤول، وأن مستقبل البشرية لا ينبغي أن يُترَك في أيدي عدد محدود من عمالقة التكنولوجيا.

أما كاسار، فيحذر من أن الذكاء الاصطناعي الفائق يمكن أن يمسَّ الأمن والحرية وحياة الأميركيِّين، مشيراً إلى المفارقة التي يرى أنها قائمة حالياً، وهي أن التكنولوجيا الأكثر تقدماً تخضع لتنظيم أقل من قطاعات يومية كثيرة.

من اليسار: إيلون ماسك والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي والرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان (أ.ف.ب)

إعادة توزيع المخاطر

ويبدو أن مشروع ساندرز لا يوقف التكنولوجيا فقط... بل يعيد توزيع المخاطر. وهنا تبرز الأهمية الاقتصادية لمشروع القانون.

فالقضية ليست مجرد منع تقنية مستقبلية، وإنما تحديد مَن يتحمل تكلفة المخاطر الناتجة عن تطويرها.

فشركات الذكاء الاصطناعي تستثمر بكثافة في تطوير نماذج أكثر قدرة، بينما تستفيد الشركات والمساهمون والاقتصاد من المكاسب المحتملة الناتجة عن رفع الإنتاجية والأتمتة وتحسين البرمجيات والخدمات والبحث العلمي.

لكن في المقابل، فإن وقوع حادث أمني واسع أو استخدام نموذج متقدم في هجوم إلكتروني أو تطوير أسلحة بيولوجية أو التسبب في أضرار اقتصادية كبيرة قد يخلق تكاليف تتجاوز الشركة التي طورت النظام، لتنتقل إلى شركات أخرى والحكومة والمستهلكين ودافعي الضرائب.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى إنشاء جهة تنظيمية اتحادية جديدة، قادرة على مراقبة الأنظمة المتقدمة خلال دورة حياتها، والتدخل لإزالة القدرات الخطرة، بل والإشراف على تدمير أنظمة «الذكاء الفائق»، وفق مشروع ساندرز.

أي أن المعركة ليست فقط حول حجم الذكاء الاصطناعي الذي يمكن السماح للشركات ببنائه، وإنما حول كيفية توزيع العائد الاقتصادي من هذه التكنولوجيا مقابل المخاطر التي قد تنتج عنها.

معادلة أصعب: السلامة... أم التنافسية؟

لكن أي تشديد كبير للقيود يفتح في المقابل سؤالاً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الحساسية: ماذا يحدث إذا أبطأت الولايات المتحدة تطوير الذكاء الاصطناعي بينما واصلت الصين المضي قدماً؟

وهذا هو الجانب الذي يجعل القضية مختلفة عن تنظيم قطاع تقني تقليدي.

فالذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بالإنتاجية، والقدرة الصناعية، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، والرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية.

وبالتالي، فإن أي تباطؤ أميركي واسع قد تكون له تكلفة تتجاوز شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، لتطال القدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي في قطاعات تعتمد بصورة متزايدة على هذه التكنولوجيا.

ولهذا يصر نواب آخرون على ضرورة وضع ضوابط، لكن مع الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على المنافسة عالمياً. ويبرز هنا تحذير متكرر في النقاش الأميركي: إذا فرضت واشنطن قيوداً شديدة بينما واصلت الصين تطوير قدراتها، فقد تتحوَّل سياسة السلامة نفسها إلى مصدر لخطر استراتيجي واقتصادي آخر.

فنيون قاموا بتعبئة الروبوتات بعد مظاهرة دعت إلى تنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي في وارسو (أ.ف.ب)

من «مفتاح الإيقاف» إلى معايير السيطرة

ولا يقتصر النقاش في الكونغرس على مشروع ساندرز.

ففي يوليو (تموز)، طرح النائبان الديمقراطي تيد ليو والجمهوري ناثانيال موران «قانون مفتاح إيقاف الذكاء الاصطناعي»، الذي يستهدف إلزام مطوري أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي بالاحتفاظ بقدرة تقنية على إبطاء الأنظمة أو تعليقها أو إيقافها بالكامل، مع منح الحكومة صلاحيات للتدخل في الأنظمة التي يمكن أن تسبب أضراراً كارثية.

وفي سبتمبر (أيلول)، طرح النائبان الديمقراطي جوش غوتهايمر، والجمهوري مايك لولر مشروع «قانون وقف الذكاء الاصطناعي المارق»، الذي يركز على وضع معايير وطنية لاكتشاف وكلاء الذكاء الاصطناعي والتَّحقُّق منهم والسيطرة عليهم.

وتختلف هذه المقاربة عن مشروع ساندرز جذرياً.

فبدلاً من إيقاف التطوير المتقدم، تركز على إبقاء الإنسان داخل دائرة السيطرة، بحيث تستطيع الشركات والجهات الحكومية معرفة الأنظمة التي تعمل داخل شبكاتها، وما الذي تستطيع الوصول إليه، وكيف يمكن تعطيلها عند الضرورة.

الإنتاجية في الجهة الأخرى من المعادلة

وتزداد صعوبة النقاش لأن الذكاء الاصطناعي لا يمثل خطراً محتملاً فقط، بل يمثل أيضاً فرصة اقتصادية هائلة.

فالتكنولوجيا تعد برفع الإنتاجية، وأتمتة المهام، وتسريع البحث والتطوير، وخفض تكاليف بعض الخدمات، وخلق منتجات وأسواق جديدة.

وبالتالي، فإن تجميد تطوير الأنظمة المتقدمة قد يعني تأجيل جزء من هذه المكاسب، في وقت تحاول فيه الاقتصادات الكبرى زيادة الإنتاجية لمواجهة ارتفاع تكاليف العمالة، والشيخوخة السكانية، والضغوط المالية.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: التكنولوجيا نفسها التي يخشى المشرعون أن تسبب اضطرابات اقتصادية واسعة قد تكون أيضاً إحدى الأدوات الرئيسية لرفع الإنتاجية والنمو في المستقبل.

وهذا يجعل قرار التنظيم أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين «السلامة» و«الابتكار». فهناك أيضاً تكلفة اقتصادية لعدم الابتكار، وتكلفة اقتصادية محتملة للابتكار غير المنضبط.

إحدى الموظفات تقوم باستبدال أحد مكونات حاسوب «ألبس» العملاق في المركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

الكونغرس يتأخر عن سرعة التكنولوجيا

ويأتي هذا الجدل في وقت لم يواكب فيه التشريع الأميركي حتى الآن السرعة التي تطورت بها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

فقد أوصت مجموعة من الحزبين في الكونغرس عام 2024 بتخصيص ما لا يقل عن 32 مليار دولار على مدى 3 سنوات للذكاء الاصطناعي وضماناته، لكن المتابعة التشريعية لم تتناسب مع سرعة تطور التكنولوجيا.

وفي غضون سنوات قليلة فقط، انتقل الذكاء الاصطناعي من روبوتات محادثة قادرة على الإجابة عن الأسئلة، إلى أنظمة أكثر استقلالية تستطيع تنفيذ سلسلة من المهام، والتعامل مع الإنترنت، وكتابة البرمجيات، وتحليل الثغرات، والتفاعل مع أنظمة أخرى.

وهذا التَّحوُّل هو الذي يضغط على المشرِّعين لوضع قواعد قبل أن تصبح القدرات الجديدة جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد.

شعار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» في حدث استضافته الشركة (د.ب.أ)

مَن ينظِّم «الذكاء الفائق»؟

ويذهب مشروع ساندرز إلى أبعد من إنشاء هيئة رقابية عادية، إذ يقترح وكالة اتحادية جديدة على مستوى مجلس الوزراء، ومجلساً استشارياً للذكاء الاصطناعي، مع صلاحيات لمراقبة الأنظمة المتقدمة خلال دورة حياتها والإشراف على إزالة القدرات الخطرة.

كما يقترح عقوبات شديدة للغاية على المخالفين، تشمل ما يسميه المشروع «عقوبة الإعدام للشركات»، إلى جانب عقوبات بالسجن تصل إلى 20 عاماً على الأفراد.

ويطرح المشروع كذلك بُعداً دولياً، إذ يدعو الولايات المتحدة إلى السعي لاتفاقات دولية تمنع تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق في أي مكان، إلى جانب تنسيق الجهود مع الحلفاء واستخدام أدوات مثل ضوابط التصدير.

وهنا تنتقل القضية مرة أخرى من الاقتصاد الأميركي إلى اقتصاد التكنولوجيا العالمي: إذا أصبحت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدم موضوعاً للاتفاقات الدولية وضوابط التصدير، فقد تتغير خريطة الاستثمار في الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، كما حدث في قطاعات التكنولوجيا الاستراتيجية الأخرى.

أشخاص يسيرون بجوار جناح «Enflame» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

معركة على مستقبل الاقتصاد

وفي جوهرها، تعكس المواجهة الحالية في واشنطن خلافاً أوسع حول مستقبل الاقتصاد الأميركي.

فالمؤيدون لتشديد الرقابة يرون أن تكلفة وقوع حادث كارثي قد تفوق بكثير تكلفة إبطاء التطوير اليوم، وأن ترك الشركات التي تستفيد اقتصادياً من السباق لتحدد وحدها حدود السلامة يمثل تضارباً في المصالح.

أما المعارضون للوقف الشامل، فيحذرون من أن التكنولوجيا تتطور عالمياً، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة التوقف بينما يواصل منافسوها الاستثمار فيها.

وبين الموقفين تظهر مقاربة ثالثة تكتسب زخماً: الاستمرار في تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن مع جعل القدرة على المراقبة والتدخل والإيقاف شرطاً أساسياً قبل نشر الأنظمة الأكثر خطورة.

وهكذا، لم يعد السؤال الأميركي هو ما إذا كان ينبغي تنظيم الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى أي مدى يمكن تنظيمه من دون خنق أحد أهم محركات الابتكار والإنتاجية، ومن دون أن تتحوَّل المنافسة العالمية على التكنولوجيا إلى سباق تتراجع فيه اعتبارات السلامة كلما ارتفعت قيمة السبق؟

ومع انتقال النقاش من «مخاطر الذكاء الاصطناعي» إلى مشاريع قوانين تتناول الحظر والوقف ومفاتيح الإيقاف والرقابة الاتحادية، يبدو أن واشنطن بدأت تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول مدى ذكاء الآلات، بل حول مَن يملك السيطرة عليها، ومَن يحصل على عوائدها، ومَن يدفع ثمن أخطائها إذا خرجت عن السيطرة.


العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
TT

العراق يوقّع اتفاقاً مدته 25 عاماً لتطوير حقل عجيل النفطي

رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)
رئيس الوزراء العراقي خلال توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي مع شركة «كيبت» الخاصة (إكس)

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي، السبت، إن شركة نفط الشمال وقّعت عقداً مدته 25 عاماً مع شركة «كيبت» الخاصة لتطوير المشروعات بهدف تطوير وتشغيل حقل عجيل النفطي.

وأضاف المكتب، في بيان، أن الاتفاق يهدف إلى رفع إنتاج الغاز في الحقل تدريجياً إلى 300 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، مقارنة مع نحو 135 مليوناً حالياً، وزيادة إنتاج النفط إلى 40 ألف برميل يومياً من 30 ألف برميل.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان، يأتي هذا «في إطار توجه وزارة النفط نحو تعظيم استثمار الموارد الهيدروكربونية، ورفع معدلات إنتاج النفط والغاز والاستفادة المثلى من موارد الحقول النفطية والغازية، بما يعزز أمن الطاقة، ويدعم منظومة توليد الطاقة الكهربائية في البلاد».


كوريا الجنوبية قد تلجأ إلى مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي بعد ارتفاع الأسعار

صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية قد تلجأ إلى مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي بعد ارتفاع الأسعار

صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في منشآت تكرير بمجمع دايسان للبتروكيماويات في كوريا الجنوبية (رويترز)

طمأن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، السبت، مواطني بلاده بأن الحكومة تتخذ جميع التدابير اللازمة لاستقرار أسعار النفط، وسط ارتفاع حاد في أسعار الخام العالمية جراء الاضطرابات الأخيرة في الشرق الأوسط، حسبما أفادت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء.

وأبرز لي، في منشور على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»، جهود الحكومة لتنويع واردات النفط الخام لتقليل اعتماد البلاد على الشرق الأوسط، حيث تراجعت حصة المنطقة من الواردات من نحو 70 في المائة إلى 50 في المائة.

كما أشار إلى تدابير تشمل وضع سقوف لأسعار النفط، وضوابط التصدير، ونظام مقايضة احتياطي النفط الاستراتيجي.

وأعاد لي، تأكيد التزام الحكومة بملاحقة عمليات تخزين النفط والتحايل على الأسعار، مع تعويض المصافي المحلية عن الخسائر الناجمة عن تدابير الحكومة لاستقرار الأسعار.

وكتب لي في منشوره: «لا داعي للقلق بشأن أسعار النفط على الإطلاق».

وجاءت هذه التصريحات في وقت أثارت فيه الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق «هرمز» المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية؛ مما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً لتتجاوز 100 دولار للبرميل.