بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي

نتيجة الانتخابات تشير إلى أن المعركة مستمرة مع الاتحاد الأوروبي لخمس سنوات إضافية

بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي
TT

بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي

بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي

لم تنتج الانتخابات الرئاسية في بولندا خياراً مفاجئاً، بل أبقت على الرئيس اليميني الحالي أندريه دودا في السلطة. إلا أن نتيجتها المتقاربة جداً أظهرت أن بولندا باتت منقسمة (بالتساوي تقريباً) بين مسنّيها وشبابها، وبين سكان المدن وأولئك الذي يقطنون في الريف، وبين المحافظين والليبراليين.
كذلك أكدت حصيلة الانتخابات أن المعركة مستمرة مع الاتحاد الأوروبي لخمس سنوات إضافية على الأقل، وهي مدة الفترة الرئاسية الجديدة لدودا. وكانت هذه المعركة قد بدأها الرئيس المنتمي لحزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد عندما فاز بالانتخابات الرئاسية للمرة الأولى قبل 5 سنوات.

نجح الرئيس أندريه دودا بانتشال فوز بفارق ضئيل في الجولة الثانية من الانتخابات، متقدماً بفارق بسيط جداً على منافسه عمدة مدينة وارسو الليبرالي رافال تجاشكوفسكي، إذ حصل على 50.2 في المائة من الأصوات مقابل 48.8 في المائة نالها تجاشكوفسكي.
والملاحظ أنه بينما حصل تجاشكوفسكي على 65 في المائة من أصوات من هم دون سن الثلاثين، كسب دودا أصوات نحو الـ62 في المائة من أصوات من هم فوق سن الستين. كذلك حصل المرشح الليبرالي الخاسر على غالبية أصوات سكان المدن مثل وارسو التي صوّت 67 في المائة من الناخبين فيها لصالحه، وغدانسك – ميناء البلاد الرئيسي – حيث حصل على 70 في المائة من الأصوات. وفي المقابل، في النهاية نجح دودا بفضل الأرياف وكبار السن في السباق الذي شهد أعلى نسبة مشاركة في أي انتخابات رئاسية أجرت في بولندا حتى اليوم، إذ زادت على الـ68 في المائة.
وبينما احتفل مؤيدو دودا، الذين صوّتوا له بالأساس لنجاحه في تقليص نسبة الفقر خلال السنوات الخمس الماضية - لا سيما في المناطق الريفية - وكذلك لأجندته الانتخابية المحافظة التي بناها على مهاجمة المثليين، فقد بدأت المخاوف تتزايد ليس فقط لدى معارضيه، بل أيضاً لدى المنظمات الحقوقية والاتحاد الأوروبي، حول مستقبل حكم القانون في البلاد.

قلق أوروبي من تشدد اليمين

منذ عام 2015، أي منذ أن أصبح دودا رئيساً، وسيطر حزبه كذلك على البرلمان منذ ذلك الحين، تسارع تقويض الديمقراطية في بولندا، خصوصاً لجهة محاولة السيطرة على الإعلام والقضاء، أهم أعمدة الدول الديمقراطية. وخلال أشهر قليلة من تسلمه منصبه، بدأ دودا العمل على «تغييرات» تستهدف النظام القضائي، تحوّلت إلى معركة مع السلك القضائي ثم إلى معركة مع الاتحاد الأوروبي... وتسببت بخروج مظاهرات كبيرة ضد الحزب الحاكم.
دودا، هذا الزعيم اليميني الشعبوي - ومن خلفه رعاته من قادة اليمين المتشدد - يرى منذ وصوله إلى السلطة في أغسطس (آب) 2005، السلك القضائي بأنه «من مخلفات الحقبة السوفياتية» وأن «الفساد ينخره»، وهو بالتالي، يحتاج إلى تغيير.
ومن ثم، دفعت عدة خطوات اتخذتها حكومتها منذ ذلك الحين بحجة «إصلاح» النظام القضائي، بالاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطوة غير مسبوقة وتحريك البند السابع من «اتفاقية دبلن» للمرة الأولى ضد دولة في الاتحاد الأوروبي. ويتعلق هذا البند بإطلاق إجراءات تأديبية بحق إحدى دول الاتحاد في حال ارتأت المفوضية أن هناك تهديداً للمبادئ والأسس التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي.
عندما اتخذت المفوضية قرار بدء إجراءات تأديبية ضد بولندا في ديسمبر (كانون الأول) 2017. فهي برّرت القرار يومذاك بأنها حاولت على مدى سنتين «إطلاق حوار بنّاء» مع الحكومة البولندية، بهدف «حماية حكم القانون في أوروبا»، لكنها لم تتوصل لأي نتيجة. وأضافت أنه «في غياب قضاء مستقل، فإن أسئلة جدّية تُطرح حول تطبيق القانون الأوروبي». وفي تبريرها لتحريك البند السابع، قالت المفوضية الأوروبية أن الحكومة البولندية تبنّت 13 قانونا ً خلال سنتين تؤثر على «التركيبة الكاملة للجسم القضائي في بولندا، وتؤثر على المحاكم الدستورية والمحكمة العليا والمحاكم العادية والمجلس الوطني للقضاة وغيرها».

التلاعب باستقلالية القضاء

والحال أنه يمكن لهذه الآلية أن تؤدي إلى عقوبات ضد الدولة المستهدفة في حال لم تتعاون مع المفوضية الأوروبية، وإلى تجريد هذه الدولة من حقها في التصويت، وصولاً إلى تعليق عضويتها. ومن بين ما يقلق المفوضية الأوروبية، تخفيض سن التقاعد للقضاة إلى 65 سنة للرجال و60 سنة للنساء بدلاً من 67 سنة في السابق للرجال والنساء. وهذا الأمر يسمح عملياً للحكومة بالتخلص من قضاة سابقين وتعيين آخرين تنتقيهم بنفسها.
أيضاً، من الخطوات الأخرى التي اتخذها حزب «القانون والعدالة» تأسيس هيئة تأديبية للقضاة، تمكّن الحكومة من قتح تحقيقات ضد القضاة بسبب أحكام واتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم. ولقد دفعت هذه الخطوة، بالذات، الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق عملية قانونية جديدة ضد بولندا لإجبارها على التراجع عن سياسة قال عنها نائب رئيس المفوضية الأوروبية (آنذاك) فرانس تيمرمانز إن هدفها «إخضاع القضاة بشكل ممنهج للسيطرة السياسية للسلطة التنفيذية».
وحقاً، خلال العام الماضي لفّت بولندا فضيحة كبرى، بعد كشف صحافية في موقع محلي عن تورّط وزارة العدل بحملات لتشويه سمعة القضاة. وكتبت الصحافية الأميركية أنا أبلباوم المتزوجة من سياسي بولندي معارض، في موقع «أتلانتيك»، أن الحكومة البولندية تشن حملات تشويه سمعة ضد القضاة. وأردفت الكاتبة أنها التقت أحد هؤلاء في «محكمة العدل الأوروبية» بستراسبورغ كان يخضع لتدقيق مالي منذ 18 شهراً، ويواجه خمسة إجراءات تأديبية بحقه. وتقول أبلباوم إن محاولات حزب دودا تصوير القضاة على أنهم من مخلفات العهد السوفياتي أمر غير منطقي «لأن معدل عمر القاضي 42 سنة، بينما سقط (جدار برلين) قبل 30 سنة، ما يعني أن الغالبية العظمى من القضاة ما كانوا في سن يسمح لهم بأن يكونوا شيوعيين».

المعركة ضد الإعلام
لم يكتف دودا بشن معركته ضد القضاء، بل فتح أيضاً معركة أخرى مع الإعلام. وفي مطلع العام 2016 - أي بعد أشهر قليلة على وصوله للرئاسة - وقّع دودا على قانون يعطي الحكومة الحق بالإشراف المباشر على المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة. وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كتب كريستوف بوبينسكي، من جمعية الصحافيين في وارسو، أن التلفزيون الرسمي في بولندا يدعم بشكل مستمر مرشحي حزب «القانون والعدالة» منذ وصول هذا الحزب اليميني إلى السلطة عام 2015. وأضاف أن هذا «يتعارض مع قانون الإعلام في بولندا الذي ينص على ضرورة أن يكون الإعلام الرسمي منصة حيادية مهمتها تغطية الأخبار للمواطنين».
وفي العام الماضي، نقلت مجلة «فورين بوليسي» عن صحافيين يعملون في الإعلام الرسمي البولندي قولهم إنه قبل عام 2015 «ما كان للساسة الموجودين في الحكم التأثير الذي يتمتعون به اليوم». وذكر بعض الصحافيين الذين لم يسمّهم التقرير، أنه «ما عاد ممكناً أن تجد الحقيقة في قناتنا». وحتى إن منظمة «صحافيين بلا حدود» وصفت الإعلام الرسمي في بولندا بأنه «تحوّل إلى أداة دعائية للحكومة».

موضوع اللاجئين

من جانب آخر، لا تقتصر خلافات الاتحاد الأوروبي مع بولندا على التغييرات التي تدخلها حكومة دودا في مجالي القضاء والإعلام، بل تتصل أيضاً برفض بولندا استقبال لاجئين بخلاف «الكوتا» (ترتيبات الحصص) التي تم الاتفاق عليها لتوزيع اللاجئين بين دول الاتحاد بعد أزمة اللجوء الكبيرة عام 2015. وفي أبريل (نيسان) الماضي، استنتجت المحكمة الأوروبية العليا أن بولندا، إضافة إلى المجر والتشيك، خرقت القانون الأوروبي عندما رفضت استقبال لاجئين، معظمهم من سوريا والعراق. وراهناً تواجه بولندا و«جارتاها» عقوبات أوروبية محتملة لرفضها الالتزام بـ«الكوتا» الأوروبية الخاصة بها من اللاجئين. ورفضت المحكمة الأوروبية دفاع بولندا عن قرار رفضها استقبال لاجئين، وادعاءها بأنه «يحق لها التغاضي عن قوانين أوروبية إذا كانت تعرّض الأمن والسلم القومي البولنديين للخطر».

التقارب مع واشنطن

ولكن مقابل دخول دودا في صراع مع الاتحاد الأوروبي يُتوقّع أن يستمر طوال فترة حكمه المقبلة، فإنه نجح بنسج علاقات ودية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كانت بولندا الدولة الأوروبية الأولى التي زارها بعد انتخابه رئيساً. وفي يوليو (تموز) من عام 2017، توقف ترمب في العاصمة البولندية وارسو عندما كان في طريقه إلى هامبورغ بألمانيا للمشاركة في «قمة العشرين». وفي حينه أزعجت تلك الزيارة الدول الأوروبية الأخرى التي كانت دخلت في مواجهة في بولندا بسبب أزمة اللاجئين.
أيضاً، كان دودا الرئيس الأجنبي الأول الذي يزور البيت الأبيض في خضم أزمة جائحة «كوفيد - 19» في نهاية الشهر الماضي، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية في بولندا. ولقد وُصفت هذه الخطوة كذلك بأنها دعم مباشر من ترمب لدودا الذي يتشارك معه في سياساته وقناعاته اليمينية. وبالفعل، هذه العلاقة بين الرجلين انعكست كذلك في تصريحات ترمب الأخيرة حول سحب جزء من القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا، وإعادة نشرها في بولندا، وهو ما لاقى ترحيبا كبيراً من دودا.

العداء لألمانيا

ثم إن الرئيسين يتفقان على «كُره» ألمانيا. فترمب لا يوفر فرصة لانتقاد برلين حول كثير من القضايا، مثل إحجامها عن إنفاق 2 في المائة من ناتجها الإجمالي على الدفاع، وكذلك الفائض التجاري مع الولايات المتحدة، وخط أنابيب الغاز مع روسيا «نورد ستريم 2». ودودا كذلك لا يتردد في تكرار اتهاماته لألمانيا بمحاولة التدخُّل بشؤون بلاده، أو محاولة التأثير على الانتخابات فيها، كما حصل خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة عندما تهجّم دودا على صحافي ألماني واتهم برلين بأنها تريد التأثير على نتائج الانتخابات. وجاء كلام دودا بعد خبر نشرته أكثر الصحف الشعبية انتشاراً في البلاد (وتملك دار نشر ألمانية جزءاً منها) يتعلق بعفو الرئيس عن مجرم، ما أثار ردود فعل غاضبة ضده. ورد دودا بالسؤال: «هل يريد الألمان أن ينتخبوا رئيس بولندا؟»... وهاجم مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المحترمة، الذي سماه بالاسم، واتهمه بالترويج لمنافسه.
بل حتى إن وزير العدل البولندي دخل على خط الجدل ملمّحاً إلى إمكانية إجراء «إصلاحات» تتعلق بالملكية الأجنبية للإعلام في بولندا. وقال قبل الانتخابات «علينا أن نفكّر بوضع الإعلام في بولندا بسبب ما يحدث. لا يمكننا أن نغض النظر ببساطة، وآمل أن نتوصل لبعض الاستنتاجات بعد الانتخابات».
ولكن، رغم كل هذه الخلافات بين حكام وارسو والاتحاد الأوروبي، تبقى بولندا من أكثر الدول استفادة من مساعدات الاتحاد وتسهيلاته. وحتى في المفاوضات الجارية حول الحزمة المالية الضخمة التي اتفقت عليها فرنسا وألمانيا لإنقاذ الدول الأوروبية التي تعاني اقتصادياً من جائحة «كوفيد - 19» من المفترض أن تتلقى بولندا حصة كبيرة من هذه المساعدات، رغم أنها كانت من أقل الدول تأثراً بالجائحة، وفق صحيفة «غارديان» البريطانية التي قالت إنها اطلعت على بيانات داخلية في بروكسل. وحسبما نقلت الصحيفة، يُفترض أن تتلقى بولندا مساعدات بقيمة 37 مليار يورو من هذه الحزمة الطارئة التي تصل قيمتها الإجمالية إلى 750 مليار يورو.
كذلك، نقلت «الغارديان» عن دبلوماسيين أوروبيين «انزعاجهم» الشديد من هذا الواقع، وقال أحدهم إن «بولندا تهزأ بقيَمنا وتُكافأ على ذلك. هذا أمر غير مقبول». وذهب البعض إلى حد اشتراط منح الأموال بالتزام وارسو بالقيم الأوروبية. وقال داكيان كيولوس، النائب الأوروبي من كتلة حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «يجب تقوية آلية حكم القانون عند توزيع أموال الاتحاد الأوروبي»، وأضاف: «إن الاتحاد ليس صرافاً آلياً... ولا بد من ربط الوحدة الأوروبية بالقيم الأوروبية واحترام الحقوق الأساسية».

رافال تجاشكوفسكي... العمدة الليبرالي الطموح

> رافال تجاشكوفسكي، المرشّح الخاسر في الانتخابات الرئاسية في بولندا، مثل دودا، يبلغ من العمر 48 سنة. وهو العمدة الحالي للعاصمة وارسو منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. وهو يحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة وارسو.
عمل منذ عام 1995 مترجماً فورياً لفترة، لإتقانه اللغة الإنجليزية. وهو يتقن كذلك اللغات الفرنسية والإسبانية والإيطالية.
عام 2000 بدأ تجاشكوفسكي العمل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بداية مع مكتب بولندا في لجنة الاندماج الأوروبي، ثم مستشاراً لحزب «المنصة المدنية» البولندي في البرلمان الأوروبي. وفي عام 2009، انتُخب عضواً في البرلمان الأوروبي عن حزب «المنصة المدنية» التي هي جزء من كتلة «حزب الشعب الأوروبي»، التي تضم الأحزاب الأوروبية الليبرالية اليمينية الوسطية.
كذلك قبل أن يصبح عمدة وارسو، شغل تجاشكوفسكي منصباً وزارياً في حكومة الرئيس برونيسلاف كوموروفسكي عام 2013. إذ عُين وزيراً للإدارة والرقمنة، وكان من ضمن مهامه الأمن السيبراني والتطوير التقني للمعلومات. وفي عام 2014، تسلّم منصب نائب وزير خارجية بولندا، وكان مسؤولاً عن التنسيق مع الاتحاد الأوروبي.
ثم في عام 2015، فاز بمقعد في البرلمان البولندية، وعُيّن وزير خارجية في «حكومة الظل» المعارضة. وأثناء وجوه في البرلمان، كان عضواً في لجنة الشؤون الأوروبية ولجنة الشؤون الخارجية والرقمنة من بين غيرها. وفي عام 2018، فاز بمنصب عمدة مدينة وارسو ليصبح أيضاً في عام 2020 نائباً لحزبه «المنصة المدنية».
يعتقد تجاشكوفسكي أن الديمقراطية في بولندا مهددة. وقال في إحدى المقابلات الصحافية إنه لن يسمح بتقويض القضاء أكثر، وبأنه سيحاول إعادة استقلالية مكتب الادعاء العام، وهو ما فقدها خلال حكم حزب «القانون والعدالة»، خلال السنوات الخمس الماضية، كون وزير العدل هو نفسه المدعي العام.

أندريه دودا... الرئيس وحامل راية اليمين المتشدد

> بدأ الرئيس البولندي أندريه دودا (48 سنة) فترته الرئاسية الثانية التي تنتهي في عام 2025، ومن المفترض أن تكون الأخيرة بحسب الدستور البولندي. وكان قد انتخب للمنصب في المرة الأولى في أغسطس (آب) 2015، وهو ينتمي لحزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد.
وُلد دودا ونشأ في مدينة كراكوف، عاصمة بولندا الثقافية في جنوب البلاد. ودرس المحاماة في الجامعة، وحاز على شهادة دكتوراه في القانون من الجامعة الياغييلونية العريقة عام 2005. وكان قد دخل الحياة السياسية في عام 2000 مع حزب الحرية الذي حُلّ لاحقاً. وبعد عام 2005، بات عضواً في حزب «القانون والعدالة»، وشغل عدة مناصب في الحكومة منذ عام 2006، من بينها نائب وزير العدل، ثم مساعداً للرئيس اليميني ليخ كاجينسكي الذي قتل في حادث طائرة في أبريل (نيسان) 2010.
بعدها، نجح بدخول البرلمان البولندي في عام 2011، ثم البرلمان الأوروبي عام 2014. ورغم تنقله في كثير من المناصب بسرعة كبيرة، ما كان دودا معروفاً كثيراً داخل حزب «القانون والعدالة».
وفي عام 2014، تسبب إعلان أمين عام الحزب باروسلاف كاجينسكي، وهو الشقيق التوأم للرئيس الراحل، بأن دودا سيترشح عن الحزب في الانتخابات الرئاسية بمفاجأة لكثيرين. وأعلن حينها دودا بأنه يريد أن يترشح كـ«الوريث الروحي» لليش كاجينسكي. وللعلم، كان الأخوان كاجينسكي مؤسسا حزب «القانون والعدالة» عام 2001. ويصوّر الحزب نفسه منذ البداية على أنه الحزب الذي يحافظ «على قيم بولندا»، انطلاقاً من 3 مبادئ هي العائلة والوظائف والأمن.
دودا متزوج من أغاتا التي تدرس اللغة الألمانية، ولديهما ابنة تُدعى «كينغا» تبلغ من العمر 25 سنة، تلعب أحياناً دوراً شبيهاً بالدور الذي تلعبه إيفانكا ترمب، ابنة الرئيس الأميركي، لجهة تلطيف صورة والدها؛ فبعد فوز والدها بالانتخابات، خرجت كينغا لتقول إنه «يجب ألا يشعر أحد في بلدنا بالخوف من مغادرة منزله، لأنه بغضّ النظر عما نؤمن به، وما هو لوننا، وما هي الأفكار التي نحملها، وأي مرشح مؤيد، فنحن كلنا متساوون ونستحق الاحترام». وقال البعض إن كلماتها جاءت لطمأنة فئات كثيرة تهجّم عليها والدها خلال الحملة الانتخابية، خاصة المثليين الذين وصفهم بأنهم «ليسوا بشراً».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.