البيت الأبيض يتهم ماري ترمب بتشويه الحقائق

وصفت عمّها الرئيس بـ{النرجسي} في كتاب مثير للجدل

غلاف الكتاب المثير للجدل  لابنة شقيق ترمب (إ.ب.أ)
غلاف الكتاب المثير للجدل لابنة شقيق ترمب (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض يتهم ماري ترمب بتشويه الحقائق

غلاف الكتاب المثير للجدل  لابنة شقيق ترمب (إ.ب.أ)
غلاف الكتاب المثير للجدل لابنة شقيق ترمب (إ.ب.أ)

كتاب جديد أثار بلبلة في صفوف مساعدي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذين تدافعوا إلى دحض المعلومات الشخصية الموجودة فيه وتكذيب كاتبته، ابنة شقيق الرئيس ماري ترمب. فقد اعتاد هؤلاء المساعدون على الدفاع عن الرئيس الأميركي ضد سياسيين وموظفين سابقين في الإدارة، لكن هذه هي المرة الأولى التي يُضطرون فيها إلى مهاجمة فرد من أفراد عائلة ترمب. وهي مهمة صعبة؛ فماري ابنة شقيق ترمب الأكبر فريد جونيور، كشفت عن جوانب شخصية من حياة الرئيس الأميركي، وتحدثت عن تفاصيل نشأته وتربيته بشكل مفصل في كتابها: «الكثير ليس كافياً: كيف خلقت عائلتي الرجل الأخطر في العالم». وفي أبرز مقتطفات الكتاب الذي سرّب إلى وسائل الإعلام قبل موعد نشره المحدد، الأسبوع المقبل، تصف ماري عمّها بالرجل النرجسي الذي لديه مشكلات نفسية كثيرة تجعله غير أهل لمنصب الرئاسة، على حدّ قولها. وبمجرّد صدور تسريبات الكتاب، وصفته المتحدثة باسم البيت الأبيض، كايلي مكنايني، بكتاب الأكاذيب. وقالت مكنايني للصحافيين الذين تدافعوا لسؤالها عن تفاصيله: «إنه كتاب مشبع بالاتهامات السخيفة والتافهة التي لا صحة لها. لم أقرأه بعد لكنه كتاب كله أكاذيب». تصريح أثار انتقاد الطاقم الصحافي في البيت الأبيض الذي تساءل كيف أن مكنايني توصلت إلى استنتاجها هذا من دون قراءة الكتاب، كما قالت. فردّت المتحدثة باسم البيت الأبيض على هذه الانتقادات قائلة إنها قرأت التقارير الصحافية وبنت رأيها بناء على ما قرأته.
ولم تتوقف هجمات البيت الأبيض عند هذا الحد، فاتهمت المتحدثة باسمه سارة ماثيوز ماري ترمب بالجشع، وهي الاتهامات نفسها التي وجهتها الإدارة لمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون. وقالت ماثيوز في بيان: «الرئيس ترمب تسلم منصبه منذ أكثر من 3 سنوات، وهو يعمل لمصلحة الأميركيين. لماذا اختارت ماري ترمب هذا التوقيت لتتحدث؟»، في إشارة إلى تزامن نشر الكتاب مع موسم الانتخابات. وتابع البيان التأكيد على قوة العلاقة بين ترمب ووالدها، وهي علاقة ألقت ماري ترمب الضوء عليها ووصفتها بالمضطربة؛ فقالت ماثيوز: «الرئيس يصف علاقته بوالده بالدافئة ويقول إنه كان يعامله بشكل جيد للغاية. كما قال الرئيس إن والده كان محباً وغير قاسٍ عليه في طفولته. إضافة إلى هذا فإن الادعاء المتعلق بالغش في فحص الدخول إلى الجامعة هو ادعاء كاذب». تصريح مشبع بتكذيب أغلبية المعلومات التي يحتويها الكتاب، فقد ذكرت ماري أن عمّها دونالد ترمب غشّ في فحص دخول الجامعة من خلال توظيف صديق له لتقديم الامتحان عوضاً عنه، الأمر الذي أدى إلى قبول ترمب في جامعة بنسلفانيا التي يتباهى بحضورها. وقال ماري في كتابها: «كان ما فعله سهلاً حينها في غياب بطاقات الهوية والكومبيوترات. دونالد الذي لم تنقصه الأموال أبداً، دفع لصديقه مبلغاً كبيراً. كما أن شقيقته ماريان ترمب قامت بواجباته المدرسية عنه».
النقطة الأخرى التي كذّبها البيت الأبيض هي علاقة ترمب المتشنّجة بوالده، التي لعبت دوراً أساسياً في بناء شخصيته، على حد قول الكاتبة. فقالت ماري إن شخصية الرئيس الأميركي تحددت من خلال علاقته الضعيفة بوالدته وهو صغير. لهذا السبب لجأ ترمب إلى والده الذي لم يكن حنوناً على حد وصفها، فقالت: «عانى دونالد من حرمان عاطفي كبير أدى إلى تشويه نفسيته في كل حياته. فولّد شخصية مشبعة بالنرجسية والتنمر والتكبّر». وتابعت ماري مرجحةً أن يكون ترمب لديه مشكلات أرق خلفتها عادته بشرب «دايت كوك» بشكل يومي ومكثف. اتهامات نفاها البيت الأبيض ووصفها بالسخيفة.
ولم تتوقف ماري ترمب عند هذا الحد من الانتقادات، بل تطرقت إلى العلاقة المتوترة التي تجمع بين ترمب وشقيقته، ترمب باري، وهي قاضية متقاعدة في ولاية نيوجيرسي، وبحسب ماري، فإن باري وصفت شقيقها بالمهرج الذي لن يتمكن أبداً من الفوز بالرئاسة، وإنها قالت عنه خلال غداء جمعها بماري: «ليست لديه أي مبادئ! المرة الوحيدة التي ذهب فيها دونالد إلى الكنيسة كانت لدى وجود كاميرات هناك». ولعلّ النقطة الأبرز التي حرّكت ماري لنشر كتابها كانت علاقة ترمب بوالدها فريد جونيور، الذي توفي بسكتة قلبية بعد صراع مع الإدمان. وتلوم ماري عمّها وأقربائها على وفاة والدها فتتهمهم بإهماله كلياً، وتقول في كتابها: «في اليوم الذي أخذنا فيه أبي إلى المستشفى حيث فارق الحياة، ذهب دونالد وإليزابيث (شقيقته) إلى السينما عوضاً عن المجيء إلى المستشفى. لم يرافقنا أحد من العائلة أبداً».
وكانت دار النشر «سيمون وشوستر» أعلنت أنها ستقرّب موعد نشر الكتاب إلى الرابع عشر من الشهر الحالي، بعد أن كان متوقعاً في نهاية الشهر، وذلك بسبب الطلب الكبير والاهتمام المتزايد به، على حد قول دار النشر، وهي الدار نفسها التي نشرت كتاب بولتون المثير للجدل.
ويأتي هذا القرار بعد صراع طويل في المحاكم، سعى خلاله شقيق الرئيس الأميركي روبرت ترمب إلى وقف نشر الكتاب، بحجة أن ابنة أخيه وقعت على اتفاق سريّة يحتم عليها عدم نشر معلومات موجودة في كتابها، وإنها انتهكت بنود الاتفاق من خلال إصرارها على نشر الكتاب. وكانت ماري وقّعت على اتفاق السرية المذكور بعد صراع طويل في المحاكم بينها وبين أعمامها إثر وفاة جدّها فريد ترمب الكبير، الذي حرمها وشقيقها من الميراث بسبب علاقته المتشنجة مع والدها الذي قضى نتيجة إدمانه على الكحول في الأربعين من عمره.


مقالات ذات صلة

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

قال نائب الرئيس الأميركي إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران بيد الرئيس دونالد ترمب حصراً، في وقت تصاعد الجدل حول مسار التعامل مع ملف إيران.

هبة القدسي ( واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشينغر خلال مؤتمر صحافي حول تقرير ميونيخ الأمني لعام 2026 في برلين (رويترز)

«أزمة الثقة» الأميركية - الأوروبية تُلقي بثقلها على مؤتمر ميونيخ

يشارك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن على رأس وفد كبير من الولايات المتحدة، مما يعكس أهمية العلاقة عبر الأطلسي رغم أزمة الثقة.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

يزور وفد من مجلس الشيوخ الأميركي غرينلاند، الاثنين، بهدف «إعادة بناء الثقة» التي قوّضتها نية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستحواذ على الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (نوك)
الولايات المتحدة​ ناقلة نفط في البحر الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

الجيش الأميركي يحتجز سفينة بالمحيط الهندي بعد فرارها من الحظر في الكاريبي

أعلن البنتاغون، الاثنين، أن القوات الأميركية احتجزت ناقلة نفط بالمحيط الهندي، بعد انتهاكها الحظر الذي فرضه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على السفن في الكاريبي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يحاول تقييد الخيارات القانونية لعودة الموظفين المفصولين للعمل

أظهرت خطة حكومية صدرت اليوم الاثنين أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تحاول أن ​تجعل من الصعب على الموظفين الاتحاديين المفصولين استعادة وظائفهم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟