هل تصبح جامعتا كمبردج وأكسفورد «كافيهات» معرفية؟

{كورونا} يعجّل بتنفيذ مشروعات أُرجئت طويلاً

مدخل جامعة أكسفورد
مدخل جامعة أكسفورد
TT

هل تصبح جامعتا كمبردج وأكسفورد «كافيهات» معرفية؟

مدخل جامعة أكسفورد
مدخل جامعة أكسفورد

ليست مفاعيل الجائحة الكورونية كلها موتاً ودماراً وخراباً وصوراً كئيبة؛ بل إن لها بعض الجوانب الإيجابية المحمودة، ومن أهمّ تلك الإيجابيات التسريع بتنفيذ بعض المشروعات التي ظلّت رهينة التنفيذ المستقبلي بسبب نقص الجرأة والدافعية لتنفيذها. ستشهد السنوات القليلة المقبلة الخطوات الأولى لولوج حقبة الأنسنة الانتقالية التي ستأذن بنهاية عصر الأنثروبوسين Anthropocene (وهو عصر صارت فيه السلوكيات البشرية ذات مفاعيل - إيجابية وسلبية - مؤثرة في الطبيعة) ومقدم عصر النوفاسين Novacene (وهو عصر الذكاء الفائق الذي سيغدو فيه الإنسان البيولوجي مدعماً بالوسائط الميكانيكية والإلكترونية، وفقاً لتعريف عالم المستقبليات الأميركي جيمس لفلوك James Lovelock).
يبدو جلياً من طبيعة التغيرات الجذرية التي طالت حياتنا خلال الأشهر القليلة الماضية أن التغيير الجذري الذي سيطرأ على التعليم ما قبل الجامعي، والجامعي، في السنوات القليلة المقبلة هو المَعْلَم الأعظم الذي سيسود حياتنا في عصر ما بعد الجائحة الكورونية، وسيمثّلُ هذا التغيير قاطرة تجرّ وراءها سلسلة ممتدة من التطويرات الثورية على كل الأصعدة، وبخاصة في ميدان مغادرة المرجعية القائمة على نمط الثنائية الأزلية (المعلّم - المتعلّم) لصالح منظومات تعليمية يكون فيها المتعلّم مرجعية لذاته، يعرف متطلباته وكيفية التعامل معها بطريقة كفؤة تختصر كثيراً من الوقت والجهد والمال والموارد البشرية.
تتباين الصورة المستقبلية التي قد يخلص إليها القارئ بعد إكماله قراءة الكتاب المهمّ «ضدّ الرّوْبَتة... التعليم العالي في عصر الذكاء الاصطناعي Robot - Proof: Higher Education in the Age of Artificial Intelligence» الصادر عن معهد ماساتشوستس التقني MIT عام 2018. ومعروفٌ أن هذا المعهد يعدّ المطبخ التقني الأكثر شهرة في العالم، والذي تُطبَخ فيه التقنيات الثورية منذ بواكير تطويرها حتى دخولها طور الاستخدام التجاري واسع النطاق. يتخذُ التباين في الصورة المستقبلية واحداً من احتمالين اثنين؛ صورة ديستوبية قاتمة، أقرب إلى روايات الخيال العلمي، يغدو فيها الذكاء الاصطناعي الفائق متجسّداً في كائنات فرانكشتاينية ستحقّق السيادة على الكائنات البشرية، ويميل معظم الناس لاعتماد هذه الصورة الديستوبية بسبب ميلٍ متأصّل في السيكولوجيا البشرية، يقرن الانعطافات التقنية الثورية بمشاهد من الرؤيا القيامية ونهاية العالم؛ في حين أن الصورة الثانية هي مقاربة هادئة تعتمد الدراسات البحثية التي لا تنفكّ تجريها مراكز الفكر والتقنية ذات السمعة العالمية المشهودة؛ وعليه ليس أفضل من الارتكان إلى منشورات الـMIT التي تُعدّ وثائق مهمة في دراسة مستقبل العلم والتقنية والجنس البشري.
ليست برامج التعليم الإلكتروني بجديدة، بعد أن أصبحت البرامج التعليمية الرقمية المجانية في السنوات الأخيرة معْلَماً أساسياً من معالم التعليم في عصرنا الحديث؛ فثمة برامج مهمة أذكر منها برنامجين مميزين، هما الأكثر فرادة بين برامج التعليم الرقمي من حيث مفردات البرامج والمنصات التفاعلية والجهات الأكاديمية التي تدير هذه البرامج، البرنامج الأول هو «Edx» الذي يديره معهد ماساتشوستس التقني «MIT» وجامعة هارفارد، والبرنامج الثاني «Coursera» الذي تديره جامعة ستانفورد إلى جانب جامعات عالمية مشهود لها بالرصانة العلمية. تُنشر بين حين وآخر تقارير إحصائية لبيان أعداد المستفيدين من هذه البرامج التعليمية، ويُلاحظ أن الصينيين والهنود وبعض أبناء جنوب شرقي آسيا يأتون في طليعة المستفيدين من هذه البرامج الدراسية وبخاصة في موضوعات الرياضيات والفيزياء والبرمجة الحاسوبية ولغات البرمجة وتعلّم اللغات الأجنبية «وبخاصة الإنجليزية»؛ الأمر الذي يكشف أن هؤلاء يعدّون العدّة منذ وقت مبكر في حياتهم لترسيم صورة المستقبل الذي يريدونه لأنفسهم وبخطوات محسوبة بدقة ووعي، وفي العادة يرى هؤلاء في تلك البرامج الدراسية كنزاً ثميناً تنبغي الاستفادة منه إلى أبعد الحدود الممكنة، وليس غريباً أن نقرأ بصورة دورية عن شباب آسيويين يافعين في حدود العاشرة من أعمارهم، أو أكثر بقليل، وقد أكملوا برامج دراسية علمية وتقنية تكفي للحصول على درجة البكالوريوس بتفوق «وربما حتى الماجستير في أحيان أخرى».
تتمحور فلسفة التعليم الإلكتروني على جملة من الخصائص الجوهرية يبدو أن أهمها هي اثنتان؛ الأولى هي كونه تعليماً قائماً على المهارات skills based education التي يمتلكها المرء، وليس أفضل منه من يمكن أن يطوّرها في مسالكها المرغوبة، وبخاصة في عصرنا هذا الذي صار متخماً بالتشبيك المعرفي إلى مدى باتت الجامعات التقليدية عاجزة عن التعامل معه أو الإيفاء بمتطلباته. يكتب دانييل دينيت (الفيلسوف المحبّب والمقرّب من طائفة العلماء المرموقين) العبارة التالية في إحدى مداخلاته المهمّة: «المثابة البارزة التي صارت خصيصة مميزة للنجاحات الراهنة التي حققتها حضارتنا في العقود القليلة الماضية إنما تعود في جوهرها إلى طبيعة التشبيك المعرفي والتداخل المفاهيمي بين المساعي العلمية الحديثة».
وعليه لا مسوّغ للتفكير كثيراً في مصداقية التعليم الإلكتروني والخوف من حالات الغش والتدليس فيه. المرء في نهاية الأمر لا يسعى لشهادة تكون بمثابة صكّ مرور له لعالم العمل، بقدر ما يسعى لتطوير إمكاناته المعرفية ومهاراته المتفردة. «أرني مهاراتك قبل شهاداتك» هو عنوان العصر المقبل.
أما الخصيصة الثانية فهي تفتّت المرجعيات الحاكمة، وانزواء المركزيات الفكرية، وتراجع النخبويات الموروثة أو غير القائمة على فرادة المهارات البشرية والإمكانات العقلية. لن تكون لدينا بعد اليوم مرجعيات فكرية ذات سطوة متغوّلة، في الجامعات العربية بخاصة، ممّن يتحصّنون في قلاعهم الجامعية ويتخذونها ملاذاً مجانياً لبناء أمجاد موهومة لهم. سيكون قطاع التعليم الجامعي مصداقاً مختبرياً لهذه الحقائق حيث سنشهد منذ الآن انعطافات ثورية في حقل التعليم «العلوم والإنسانيات بخاصة، ومن ثمّ الطب والتخصصات المهنية الدقيقة»، وستتعاظم مفاعيل هذه الانعطافات التعليمية بعد تحسين عمل شبكة الإنترنت واسع النطاق (شبكات الجيل الخامس G5) وجعلها قادرة على تزويدنا بمصادر مفتوحة للمعلومات لن يكون معها المتعلم بحاجة إلى مرجعية أستاذية على النحو السائد في وقتنا الحاضر، ومن أجل هذا يعمل المطوّرون على جعل خدمة الإنترنت مجانية في السنوات المقبلة. أما التعليم التقني فستتكفل به الشركات التقنية العملاقة لأنها أدرى بمتطلباتها، وهي أفضل من الجامعات في هذا الشأن.
ليس أمراً يسيراً على القلب أن نقبل بأن تصبح جامعات كبرى مثل جامعة أكسفورد (أقدم جامعة عالمية معروفة تأسّست عام 1096) وجامعة كمبردج (تأسّست عام 1209) أقرب لكافيهات معرفية مزوّدة للمعرفة الإلكترونية، ويزورها المرء مثلما يزور المتاحف العلمية لكي يستمتع بفنجان قهوة وهو يتطلّع إلى مقعد السير إسحاق نيوتن أو يدقق في مخطوطة كتبها أحد كبار العلماء. هذا أمر لا يمكن قبوله بسهولة، وقد يكون شاقاً على النفس وبخاصة أن الجامعات صارت واحدة من الرموز القومية المهمة لكلّ دولة في العالم؛ لكن هذا هو بعض مميزات عصر الذكاء الاصطناعي الفائق القادم (عصر النوفاسين)، ولن يكون في وسعنا صدّه أو السباحة عكس تياره الجارف بقدر ما يتوجّب علينا تعظيم فوائده المتوقعة، والتحسّب كذلك لبعض سلبياته التي هي في نهاية الأمر سلبيات تترافق مع كل انعطافه تقنية غير تقليدية.
لن يتبقى لنا سوى التأسّي بشيء من بقايا نوستالجيا عصر يوشك على الأفول، بعد أن لاحت في الأفق تباشير عصر جديد لا نعرف أين ستقودنا مآلاته التي تعِد بكثير من المفاجآت الطيبة، ونأمل أن يكون نصيبنا من المفاجآت السيئة في أقل النطاقات الممكنة.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.