{جواسيس إردوغان} يلاحقون معارضيه على الأراضي الألمانية

تفتح ملف النشاط الاستخباراتي لأنقرة... وخبير يتحدث عن 8 آلاف عميل

مسجد كولون المركزي أكبر مسجد تركي في أوروبا افتتحه إردوغان عام 2018 (موقع المسجد)
مسجد كولون المركزي أكبر مسجد تركي في أوروبا افتتحه إردوغان عام 2018 (موقع المسجد)
TT

{جواسيس إردوغان} يلاحقون معارضيه على الأراضي الألمانية

مسجد كولون المركزي أكبر مسجد تركي في أوروبا افتتحه إردوغان عام 2018 (موقع المسجد)
مسجد كولون المركزي أكبر مسجد تركي في أوروبا افتتحه إردوغان عام 2018 (موقع المسجد)

جلس حسين دمير، بروفسور علوم القانون في جامعة أنقرة سابقاً، داخل مقهى تركي في منطقة شبانداو في برلين، مع صديقه عمر، رجل الأعمال التركي، يتناولان القهوة ويتسامران همساً.
عندما وصلت لأنضم إليهما، انتقل الحديث من التركية إلى الإنجليزية. بدا الرجلان أكثر ارتياحاً للحديث بلغة لا يفهمها أصحاب المقهى حولنا. قالا لي إنهما يتفاديان الحديث بصوت مرتفع باللغة التركية عندما يكونان في أماكن يرتادها أتراك. وحتى عندما يتحدثان الإنجليزية فهما دائماً حذران مما يقولانه.
حسين وعمر الذي طلب منا تغيير اسمه، هما منفيان سياسيان وصلا إلى ألمانيا في عام 2017، بعد أقل من عام على محاولة الانقلاب في تركيا.
حسين طُرد من وظيفة بعيد الانقلاب وقرر مغادرة البلاد قبل أن يعتقل عندما بدأت موجة الاعتقالات التي تطال القضاة والأساتذة وموظفي القطاع العام. لا يخفي هذا الأكاديمي أنه ينتمي إلى حركة فتح الله غولن، رجل الدين التركي الذي يعيش في المنفى بالولايات المتحدة والذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتدبير محاولة الانقلاب عام 2016، ولكنه يقول، إن انتماءه للحركة لا علاقة له بالسياسة، وإن الحركة دينية واجتماعية. ونشاطاتها كذلك.
ليلة 15 أغسطس (آب) 2016، كانت محاولة الانقلاب. وبعد أسبوعين كان حسين في طريقه إلى جورجيا، بعد أن استعان ببطاقة هوية شقيقه ليهرب من البلاد. فشقيقه المحامي الذي لا ينتمي إلى الحركة، نصحه بالمغادرة قبل اعتقاله. يتذكر حسين ويروي «قال لي شقيقي يجب أن تغادر لأنهم قد يعذبونك ولن يسمحوا لك برؤية محام لـ30 يوماً، وهي مدة الحبس الاحتياطي». فانتقل من جورجيا إلى شرق أفريقيا، ومنها وصل طالباً اللجوء في ألمانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، بعد أن أوشكت صلاحية جواز سفره على الانتهاء.
أما عمر، فهو كذلك غادر تركيا بعد اعتقال والده الذي كان يشغل منصباً رفيعاً في الدولة، غداة الانقلاب. ولكنه كان أكثر حظاً من غيره، لأنه تمكن من دخول أوروبا من دون الكثير من المصاعب لأن زوجته أوروبية.
لكن مخاوف الرجلين لم تنته بمغادرة تركيا. فالقلق من الملاحقة ظل يرافقهما.
في عام 2017، عندما وصل حسين إلى ألمانيا، كانت دائرة الهجرة واللاجئين التابعة للداخلية الألمانية تكافح للحفاظ على مصداقيتها، بعد فضيحة طرد أكثر من 15 مترجماً تركياً كانوا يعملون لديها، بعد اكتشاف أنهم كانوا جواسيس لدى أنقرة وينقلون معلومات سرية للسفارة التركية في برلين عن المتقدمين بطالبات لجوء.
ولكن دائرة الهجرة تؤكد أنها منذ ذلك الحين باتت متيقظة لهذا الأمر. وفي رد مكتوب لـ«الشرق الأوسط»، قال متحدث باسم الدائرة، إن «المتقدم بطلب لجوء لديه الفرصة للتبليغ عن أي معلومات في هذا الإطار للدوائر الأمنية لكي يتسنى اتخاذ الخطوات المناسبة، كما يمكنه أن يطلب مترجماً مختلفاً، حتى أثناء الاستماع لشهادته، إذا كان لديه سبب لذلك»، مشيراً إلى مساعي دائرة الهجرة لتأمين «مناخ آمن» لطالبي اللجوء يسمح لهم بالحديث «من دون خوف».
وذكر المتحدث، أن السلطات الأمنية تمحص في المتقدمين للعمل مترجمين في دائرة الهجرة، مضيفاً أنه يتوجب على المتقدمين بطلب عمل مترجمين أن يؤمّنوا «شهادة شرطة مفصلة»، وأن يسمحوا بإجراء بحث أمني في خلفيتهم، وإن رفض ذلك يعني أن طلبهم للعمل سيتم رفضه. وتابع، أنه في حال توافر أي أدلة على تصرفات مشبوهة لهم بعد توظيفهم، فيتم التخلي عن خدماتهم على الفور.
وأشار المتحدث إلى أن هذا التقييم الأمني يتم تكراره كل عامين، وأحياناً في شكل متكرر أكثر. وقال أيضاً إنه في حال «تم تقديم ادعاءات ضد المترجمين بانتهاك التزام الحياد، فإن دائرة الهجرة ستقوم بإجراء تحقيق شامل في الأمر، وهذا أدى في السابق إلى التخلي عن العمل مع عدد من المترجمين في الماضي». ولم يحدد المتحدث عدد المترجمين الذين تم طردهم بسبب هذا الأمر.
كل هذه المخاوف دفعت في الواقع حسين دمير إلى رفض إجراء المقابلة معه باللغة التركية، وطلب الحديث باللغة الإنجليزية عوضاً عن ذلك. وقال «طلبت أن تحصل مقابلتي بالإنجليزية لأنني كنت خائفاً من المترجم. فتفهموا مخاوفي وقبلوا وشعرت بأمان أكبر بالحديث عبر مترجم إنجليزي وليس تركياً».
ويقول الخبير في شؤون المخابرات التركية إريك شميت إينبوم في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن دائرة الهجرة واللجوء هي أحد الأماكن التي تستهدفها أنقرة لتجنيد عملاء لديها. ويضيف أن المعلومات التي تسرب عن اللاجئين، تستخدمها تركيا ليس فقط لملاحقة عائلات هؤلاء المتبقين في البلاد، ولكن أيضاً لدحض الأسباب التي دفعتهم لطلب اللجوء.
لكن دائرة الهجرة هي جزء صغير من الأماكن التي تستهدفها أنقرة لنشر عملائها في ألمانيا للتجسس على المعارضين، أكراد في السابق واليوم أضيف إليهم مؤيدو غولن الذين تتزايد أعدادهم بشكل كبير سنوياً في ألمانيا منذ عام 2016.
وفي حين كانت أعداد اللاجئين الأتراك في ألمانيا في عامي 2014 و2015 قرابة الـ1800 طالب لجوء سنوياً، معظمهم من الأكراد، بحسب أرقام رسمية حصلت عليها «الشرق الأوسط» من دائرة الهجرة، فقد ارتفعت هذه الأرقام بشكل كبير منذ عام 2016 حين بلغ عدد المتقدمين باللجوء أكثر من 5700 طلب. واستمرت هذه الأرقام في الارتفاع سنوياً، حتى وصلت العام الماضي إلى قرابة الـ11500، في حين زادت أعداد طالب اللجوء في العام الذي سبقه، أي 2018، على 10 آلاف طلب. ومع تزايد أعداد اللاجئين، تزايدت كذلك أعداد العملاء الأتراك الذين يتجسسون على المعارضين. ويقدر شميت إينبوم الذي كتب كتاباً عن عمل المخابرات التركية في أوروبا، عدد العملاء الأتراك في ألمانيا بأكثر من 8 آلاف عميل، إضافة إلى مئات الجواسيس التابعين مباشرة للمخابرات التركية، وهم يجندون العملاء على الأراضي الألمانية.
ويقول شميت إينبوم الذي يستقي معلوماته من شبكة واسعة من المصادر، بينها أشخاص عملوا في السابق أو ما زالوا يعملون في المخابرات الألمانية، إن لدى المخابرات التركية قرابة الـ9 آلاف جاسوس في العالم، 10 في المائة منهم، أي 800 عنصر، يتوزعون في الدول التي تتحدث الألمانية مثل ألمانيا، والنمسا، وسويسرا. ويضيف بأن الجزء الأكبر منهم يتركز في ألمانيا بسبب العدد الكبير للجالية التركية هنا والتي يقارب عددها على الـ4 ملايين تركي.
ويقول هذا الخبير الألماني، إنه «يوجد عناصر من الاستخبارات التركية غير معروف عددهم يقيمون في ألمانيا، وهم يعملون من خلال السفارة التركية». ويضيف «هناك 12 موظفاً في القنصليات صرحت أنقرة عنهم بأنهم ينتمون إلى الاستخبارات التركية. ولكن هذا كله ليس إلا رأس جبل الجليد». ويعتقد شميت إينبوم بأنه بالإضافة إلى هؤلاء «يوجد عدد كبير من العملاء والمخبرين الذين يسافرون بين تركيا وألمانيا، وهم يعملون في مجالات متعددة في بنوك تركية في ألمانيا أو شركات سفر». وقد قدرت المخابرات الداخلية في ولاية بادن فورتمبيرغ في تقرير صدر قبل أسبوعين أعداداً شبيهة للمخابرات التركية في العالم. ويذكر تقرير المخابرات هذا بأن عملاء إردوغان يراقبون على الأرجح كل النشاطات العامة والمظاهرات التي ينظمها المعارضون الأتراك في ألمانيا، مثل الأكراد ومؤيدي غولن. ويضيف التقرير، أن هؤلاء ممكن أن يتوقعوا أن يقبض عليهم في تركيا في حال حاولوا السفر إلى هناك.
وبالفعل، فقد ألقت السلطات التركية القبض على عدد من حملة الجنسية المزدوجة الألمانية والتركية لدى عودتهم إلى أنقرة؛ ما تسبب في الماضي في الكثير من التوتر بين البلدين. وحتى أن تركيا سلمت ألمانيا لائحة بأسماء مطلوبين تعتبرهم «إرهابيين» لتسليمها إياهم. وفي زيارة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان لبرلين عام 2018، عاد وسلم هذه اللائحة إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
لكن برلين ترفض طلبات أنقرة هذه، وعلى العكس فقد تحركت الشرطة لتحذر الأشخاص الموجودة أسماؤهم على اللائحة من العودة إلى تركيا لأنه قد يلقى القبض عليهم. وقد التقت «الشرق الأوسط» أحد هؤلاء الذين تبلغوا من الشرطة وجود اسمهم على لائحة تركية، ويدعى كميل كان ويعيش في ألمانيا منذ أكثر من 30 عاماً، ويملك محلاً لبيع الخضراوات. ولكنه ينتمي كذلك إلى مجلس إدارة مدرسة تركية في برلين تابعة لجماعة غولن، وهو السبب، على ما يبدو، لإضافة اسمه للائحة.
ويروي الرجل الستيني، أنه تلقى في عام 2017 زيارة من عنصرين من الشرطة حضرا إلى منزله، ليبلغاه بوجود هذه اللائحة. ويقول، إنه منذ ذلك الحين لم يعد إلى تركيا التي كان يزورها سنوياً. ويروي كذلك، أن جيرانه في تركيا أوصلوا إليه رسائل بأن السلطات التركية تبحث عنه. وقبل ذلك، كان كميل قد تبلغ من إمام في مسجد كان يرتاده في منطقة كرويتزبيرغ في برلين، وهي معقل للجالية التركية، بأنه لم يعد بإمكانه الحضور إلى المسجد «بطلب من تركيا».
وإذا كان المترجمون الأتراك يلعبون دوراً في التجسس على المعارضين، فإن الأئمة يلعبون دوراً أكبر وأهم في هذه العمليات. ويقول شميت إينبوم عن ذلك بأن كثيرين من الأئمة الأتراك وعددهم قرابة الـ700 ينتشرون في أكثر من 900 مسجد تابع لما يعرف بـ«ديتيب»، أو الاتحاد الإسلامي للشؤون الدينية في ألمانيا، يلعبون دوراً مهماً في تحديد عملاء لتجنيدهم. ويقول «هؤلاء الأئمة يتبادلون المعلومات مع الدوائر التركية وهم يلعبون دور الوسيط بين المخبرين الأتراك في ألمانيا وحكومة إردوغان في أنقرة». ولا تخفى نشاطات هؤلاء الأئمة على السلطات الألمانية، وقد حاولت عام 2017 فتح تحقيق بحق 19 إماماً تركياً للاشتباه بتجسسهم على معارضين. ولكن القصة أثارت الكثير من الجدل السياسي، وقبل أن يتمكن الادعاء من إصدار مذكرات توقيف كان أنقرة قد سحبت الأئمة وأعادتهم إلى تركيا؛ ما دفع بالادعاء العام لوقف ملاحقتهم.
وفي محاولة للتصدي لذلك، تسعى ألمانيا لإدخال قوانين تمنع جلب أئمة من الخارج وتدريب أئمة عوضاً عن ذلك في ألمانيا يلقون عظات باللغة الألمانية وليس التركية، خاصة أن أكثر من 90 في المائة من الأئمة في ألمانيا يعينون اليوم من الخارج. ودافعت الداخلية عن خططها هذه العام الماضي، وقال وزير الدولة في وزارة الداخلية ماركوس كيربير: «هدفنا ليس «ألمنة» (من ألمانيا) الإسلام، ولكن نريد من المسلمين الذين يعيشون هنا أن يشعروا بأنهم في بلدهم، وأن المجتمع يتقبلهم وهم يغنونه». وأضاف، أنه عندما «يقصد شبان ولدوا وكبروا في ألمانيا، المسجد للحصول على النصح من الإمام، سيكون من الجيد لو أن لدى الطاقم الديني في المسجد خبرة بالحياة اليومية في ألمانيا».
وحاولت الداخلية كذلك طرح فرض «ضريبة» على المساجد، أسوة بضريبة الكنائس التي تجمع من المسيحيين لتمويل الكنائس، في محاولة لتخفيف التأثير والتمويل التركي على المساجد. ولكن الاقتراح رفض من المسلمين في ألمانيا، ووضع في الدرج على الأقل حتى الآن.
هذا النشاط الكبير للمخابرات التركية في ألمانيا، يدفع بالشرطة لتأمين الحماية لمئات المعارضين الأتراك بسبب تلقيهم تهديدات قد تعرض حياتهم للخطر. من بين هؤلاء الصحافي التركي تشان دوندار الذي اعتقل في تركيا عام 2015 بعد أن نشر تحقيقاً يتحدث عن نقل المخابرات التركية لذخائر وأسلحة لمقاتلي «داعش» عبر الحدود إلى سوريا. واتهم دوندار بالعمالة وتسريب أسرار الدولة.
ولكن أمام الضغوط الدولية، أطلق سراحه بانتظار محاكمته، فلجأ إلى ألمانيا، حيث يعيش الآن. وفي عام 2018، عندما زار إردوغان برلين، أحدث الرئيس التركي جلبة كبيرة. وهدد بإلغاء المؤتمر الصحافي المشترك مع ميركل في حال سمح لدوندار بحضوره، واصفاً إياه بأنه «إرهابي ومطلوب في تركيا»، داعياً السلطات الألمانية إلى تسليمه. واضطرت برلين إلى الضغط على الصحافي التركي للتنازل عن حضور المؤتمر الصحافي تفادياً لإحراج إلغاء المؤتمر بأكمله. وتنازل دوندار عن الحضور، لكنه منذ ذلك الحين حصل على الحماية من الشرطة خوفاً من أن تختطفه «القوات الخاصة» لإردوغان التي شوهدت في شوارع برلين أثناء تواجد الرئيس التركي في العاصمة الألمانية.
ولكن الشرطة نفسها مخترقة كذلك من قبل المخابرات التركية، وقد دق البعض في الفترة الأخيرة جرس الإنذار من تزايد أعداد الأتراك الألمان داخل الشرطة. وفي عام 2018، فتح الادعاء العام تحقيقاً في شرطي في برلين تبين أنه يمرر معلومات عن معارضين أتراك للسفارة التركية. واكتشفت السلطات الألمانية أمر الشرطي، بعد أن شاهده محققون ألمان كانوا يراقبون أحد الجواسيس الأتراك الذي يعمل في السفارة التركية في برلين، يلتقي بالشرطي الذي سلمه ملفاً. وتبين لاحقاً أن الملف كان يتضمن أسماء وعناوين وأرقام معارضين أتراك في برلين.
وتعرف السلطات الألمانية بوجود آلاف المخبرين الأتراك لديها، ولكنها لا تبذل الكثير لملاحقتهم، وعلى العكس فإن العلاقات الاستخباراتية بين الدولتين كانت جيدة لفترة طويلة. إلا أنها بدأت تتدهور في السنوات الماضية بسبب تزايد المطالب التركية بتسليم «مطلوبين»، وهو ما تعتبره برلين غير منطقي. ولكن أيضاً بسبب رفض المخابرات التركية تزويد ألمانيا لمعلومات عن مقاتلين ألمان انضموا لـ«داعش». ويقول شميت إينبوم عن هذه العلاقات بين المخابرات التركية والألمانية: «منذ ثمانينات القرن الماضي الاستخبارات الألمانية الداخلية كانت تمرر معلومات للاستخبارات التركية عن معارضين، وعلى رأسهم عناصر من حزب العمال الكردستاني... تقليدياً كانت العلاقات جيدة جداً، والتعاون كان كبيراً بين جهازي الاستخبارات التركي والألماني».
ولكنه يشير إلى أن هذه العلاقات «أصبحت سيئة للغاية اعتباراً من عام 2016، أولاً لأن الجانب التركي بدأ بدعم المتطرفين في ليبيا مثلاً، وأيضاً لأنه كان هناك الكثير من الألمان المتطرفين الذين التحقوا بـ«داعش»، وحينها توجهت الاستخبارات الألمانية بالسؤال للجانب التركي حول المغادرين من ألمانيا إذا ما توقفوا في تركيا وأين، فامتنع الأتراك عن إعطاء المعلومات حينها، وهذا الأمر أساء إلى العلاقات بين جهازي الاستخبارات».
وفي عام 2017، أصدرت المحكمة العليا في مدينة هامبورغ حكماً بالسجن لمدة عامين على رجل يبلغ 32 عاماً، بتهمة التجسس على معارضين أكراد لصالح الاستخبارات التركية. وتضمنت التهم كذلك في البداية، التخطيط لقتل معارض تركي، إلا أن الادعاء لم يتمكن من إثبات ذلك.
ورغم عدم إثبات هذه التهمة، فإنه يبدو بأن الاستخبارات التركية فكرت في اللجوء لعميات خطف وقتل لمعارضيها في ألمانيا، بحسب الخبير الألماني شميت إينبوم الذي يقول «كان لدى الاستخبارات التركية خطة للقيام بعمليات خطف وتصفية لنشطاء أتراك بينهم أنصار فتح الله غولن، والأكراد في ألمانيا، وحينها قالت الحكومة الألمانية للجانب التركي، إنه في حال تم ذلك فسيعني ذلك أن هناك خطاً أحمر تم تجاوزه، وبالتالي ستعلن ألمانيا عن من يعمل في الاستخبارات التركية في ألمانيا وتطردهم».
ورغم أن ألمانيا لا تتحرك سياسياً كثيراً للضغط على تركيا تفادياً لتصعيد التوتر، خاصة مع تهديد إردوغان المستمر بإرسال موجة لاجئين جديدة إلى أوروبا، فهي قد تتحرك باتجاه ممارسة ضغوط إضافية عليها الآن بعد تسملها رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية.
ويقول النائب فرانك شوابيه، عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ألمانيا قد تلجأ للتهديد بطرد تركيا من المجلس الأوروبي في حال رفضت الخضوع لقرارات مجلس حقوق الإنسان في ستراسبورغ والذي يستمع حاليا لمجموعة من القضايا المتعلقة بملاحقة أتراك فقط لأنهم معارضون. وقال شوابيه، إنه لن يكون من مصلحة تركيا الخروج من المجلس الأوروبي، مضيفاً أنه يعتقد أن التهديد بذلك قد يدفع تركيا لتخفيف ملاحقاتها للمعارضين. وانضمت تركيا للمجلس الأوروبي عام 1950 بعيد تأسيسه، وطردها منه قد تكون له انعكاسات كبيرة عليها لجهة علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.
وبينما تستمر ألمانيا بالتفكير بطريقة للتصدي لتركيا ومحاولاتها التجسسية على أراضيها، يستمر المعارضون الأتراك في العيش بألمانيا، متفادين الاندماج مع الأتراك القدامى؛ خوفاً من عمليات تجسس عليهم. ويقول سليم شفيك، وهو محلل سياسي تركي في معهد العلوم الاقتصادية والسياسية في برلين، إن الواصلين الجدد يختلفون كثيراً عن القدامى: «هما طبقتان اجتماعيتان مختلفتان جداً، الذين جاءوا في البداية كانوا عمالاً جاءوا للعمل في المصانع، بينما الواصلون الجدد هم متعلمون أكثر، ويسهل اندماجهم أكثر، وهم لديهم حوافز سياسية وليسوا محفزين فقط بإيجاد وظيفة مثل القادمين الأوائل».
وبعد الحرب العالمية الثانية فتحت ألمانيا باب الهجرة العاملة من تركيا للتعويض عن نقص العمالة لديها، ولإعادة تحريك عجلة الاقتصاد. وقدِم مئات الآلاف من العمال الأتراك كـ«عمال ضيوف مؤقتين»، ولكنهم مكثوا في ألمانيا، وإن في مجتمع موازٍ تقريباً، متمسكين بثقافتهم وهويتهم وقوميتهم. وهو ما استغله إردوغان لتجنيد آلاف العملاء من بينهم وتحريضهم للتجسس على مواطنيهم.
ويقول حسين دمير، الذي أسس جمعية لمساعدة اللاجئين الأتراك في برلين، إنه رغم انتقاله لألمانيا بحثاً عن الأمان، لكنه ما زال يخاف من الحديث بحرية أمام الآخرين. ويضيف «أتردد بالحديث على الهاتف باللغة التركية خوفاً من أن يفهمني أحد ويعتدي عليّ أو يهينني لأن هذا الأمر حصل مع صديقي، كان يتحدث مع أحد على الهاتف في القطار عندما بدأ فجأة شبان يصرخون: إرهابي».
ومشاكل معارضي إردوغان لا تتوقف هنا، بل إن الكثير منهم عاجز عن إصدار أوراق رسمية من السفارة. يروي عمر تجربته، ويقول «عندما وصلت إلى هنا حاولت الذهاب إلى السفارة لكي أحصل على ورقة تفويض لأحد في تركيا ولم آخذ جوازي معي؛ لأنني سمعت قصصاً بأنهم قد يأخذونه». ويضيف «سألت إذا كان بإمكاني استخدام هويتي فعندما رأوا اسمي قالوا إن هناك علامة حمراء على اسمي ولا يمكن استخدام جوازي». جواز سفر عمر تنتهي صلاحيته قريباً، وهو لن يتمكن من تجديده. سيضطر عمر إلى طلب وثيقة سفر خاصة من ألمانيا كي يتمكن من السفر داخل أوروبا. ولن يكون وحده. فعشرات الآلاف من معارضي إردوغان الموجودين في أوروبا، باتوا من دون أوراق رسمية تركية. هم عالقون بين بلدهم الأم وبلدهم المضيف الذي لا يمكنهم حمل جوازه قبل مرور 8 أعوام على الأقل من الإقامة فيه.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».