أمين الجميل: ربطت التزامي الاتفاق مع إسرائيل بتنفيذ انسحابها من لبنان

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (3)‬

لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983
لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983
TT

أمين الجميل: ربطت التزامي الاتفاق مع إسرائيل بتنفيذ انسحابها من لبنان

لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983
لقاء بين الرئيسين أمين الجميل ورونالد ريغان في البيت الأبيض في 19/10/1983

في هذه الحلقة من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل التي تنشرها «الشرق الأوسط» يتناول ظروف توقيع اتفاق 17 مايو (أيار) 1983 بين لبنان وإسرائيل الذي أثار جدلاً كبيراً في لبنان في ذلك الحين، ويقول عنه الجميل: «كان يفترض أن يكون الحدث الأساسي لعهدي». ويذكر أن لبنان كان يسعى من وراء الاتفاق إلى خروج القوات الإسرائيلية التي دخلت بعد غزو عام 1982. لكن إسرائيل حاولت ربط انسحابها بانسحاب القوات السورية، الأمر الذي لم يوافق عليه الجميل وقال للأميركيين: «مفاوضاتنا هي لانسحاب الجيش الإسرائيلي، أما مشكلة الجيش السوري فنحلها بالتعاون مع الدول العربية.
وهنا نص الحلقة الثالثة
يقول الجميل: ما كدنا ننتهي من صوغ آخر بنود اتفاق 17 مايو ونستعد لتوقيعه في الغداة، حتى حدث انقلاب فجائي غيّر الموقف برمته في اللحظة الأخيرة. في 16 مايو طلب رئيس الفريق الأميركي في المفاوضات موريس درايبر مقابلتي على وجه السرعة. أعلمني بوجود «رسالة جانبية» (side letter) ملحقة، طلب الموفد الإسرائيلي من الأميركيين تسليمنا إياها، من المفترض أنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق. نصت الرسالة، المؤرخة 17 مايو - وهو اليوم المفترض للتوقيع - على ثلاثة شروط جديدة غير واردة في النص المتفق عليه بتوقيع ديفيد كيمحي رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض تقول إنها «للتأكيد، يرتكز موقف إسرائيل من تنفيذ المعاهدة بينها ولبنان التي وُقعت اليوم على بنود عدة هي الآتية:
> الحصول على معلومات وافية عن الجنود الإسرائيليين الذين فقدوا في أثناء العملية الإسرائيلية في لبنان، وإعادة الجنود الأسرى الذين تحتفظ بهم سوريا، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية (وهم أسرى حرب)، واستعادة رفات الجنود الذين سقطوا منذ الرابع من يونيو (حزيران) 1982. كشروط أولية لانسحاب إسرائيلي من الأرض اللبنانية كما نصت عليه المعاهدة.
> انسحاب جميع العناصر الفلسطينيين المسلحين من لبنان، وكذلك انسحاب القوات السورية في شكل يتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية. تجدر الإشارة إلى أن انسحاب العناصر الفلسطينيين المسلحين من لبنان يتوافق مع الإشارات التي وردت في هذا الشأن في البند 204 من المعاهدة.
> إذا لم تتم إعادة الجنود الأسرى أو هذه الإعادات والانسحابات وفق الزمن المحدد، فإن إسرائيل تحتفظ بحقها في تعليق تنفيذها البنود الواردة في هذه المعاهدة. في هذه الحال أيضاً، فإن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة الأميركية تتشاور على أساس الظروف المستجدة أو الطارئة. إذا ظلت المسألة من دون حل، تحتفظ إسرائيل بحقها في إعلان المعاهدة لاغية، وتتابع حماية أمنها بطرقها الخاصة».
قال لي موريس درايبر: «أفهم الإحباط الذي تشعرون به، لكننا لن نستسلم مع ذلك. فالوزير شولتز يؤكد لك دعمه، وسوف تبذل واشنطن كل الجهود في إسرائيل وسوريا لحلحلة الوضع. مواقف هذين البلدين ليست نهائية. لدينا كل الأسباب التي تدعونا إلى هذا الاعتقاد».
أجبته: «لا أستطيع إذن المضي في الاتفاق. مفاوضاتنا هي لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، بعدئذ تساعدنا الدول العربية على حل مشكلة الجيش السوري في بلدنا مع دمشق».
إذن، في ضوء «الرسالة الجانبية» هذه، منح أحد الأطراف - وهو إسرائيل - نفسه سلفاً، من جانب واحد، حقّ- الرجوع عن توقيعه ساعة يشاء. بيد أن هذه الهرطقة القانونية لم تفُت وزير الدفاع الأميركي كاسبار واينبرغر الذي ذهب إلى حد الاشتباه في رياء زميله وزير الخارجية. فهو سيكشف، فيما بعد، أنه ما إن أُعلم بوجود الرسالة السرية الملحقة «المقبولة من وزير الخارجية جورج شولتز والمجهولة بحسب الظاهر من أمين الجميل» تبينت له بوضوح أسباب الفشل: «الاتفاق، مع رسالته الجانبية، يمنح الرئيس الأسد حق النقض في شأن أي انسحاب وأي نوع من العلاقات الطيبة التي قد تقيمها إسرائيل مع أحد جيرانها العرب، لبنان. في نظرة ارتجاعية، كان حق النقض هذا يطاول كل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. زد على ذلك أن سوريا سوف تستفيد منه في الحال بعدم الانسحاب من لبنان. أما السبب الذي دفع جورج شولتز إلى وصف مثل هذا الاتفاق لنا بعبارات مفعمة بالحماسة، فما زال بالنسبة إلى سراً خفياً».
أكان يتعين علي صفق الباب استياءً وترك الأمور على حالها؟ كان هذا يعني تعميق إغراقنا في الأزمة وفقدان دعم واشنطن التي سنكون، في كل الأحوال، في حاجة ماسة إليها، أقله لإدارة عواقب فشل محتمل للاتفاق. لذا، آثرتُ مرّة أخرى اعتماد حل «على الطريقة اللبنانية»، يتيح الحفاظ على علاقاتنا مع الأميركيين مع التمسك بحقوقنا الأساسية: إعطاء الوفد اللبناني الإذن بتوقيع الاتفاق عن غير اقتناع طبعاً، إنما مع تحفظات معينة تُصاغ بوضوح في رسالة لبنانية صارمة (side letter)، لبنانية، موازية مؤرخة أيضاً 17 مايو، موقعة من وزير الخارجية إيلي سالم موجهة إلى «العراب» الأميركي.
- نصت الرسالة اللبنانية الجانبية، الملحقة بالاتفاق تماماً، على غرار الرسالة الإسرائيلية الجانبية، على الآتي:
«يؤكد لبنان، ما لم تنسحب إسرائيل تنفيذاً لبنود الاتفاق، أنه سيكون في حل منه ويُعلق كل التزاماته. وفقاً لذلك يتشاور لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل في هذا المستجد. إذا بقي الأمر بلا حل، يعتبر لبنان نفسه حراً في إعلان الاتفاق لاغياً. وسيتابع السعي من أجل استعادة سيادته وانسحاب القوى الأجنبية من أراضيه كاملة بالوسائل المتاحة».
وجه إيلي سالم الرسالة إلى الموفد الأميركي فيليب حبيب، كذلك توجه بها السفير أنطوان فتال إلى السفير موريس درايبر، بالصيغة نفسها التي أقرها لبنان على نحو مشابه للصيغة التي تضمنتها الرسالة الإسرائيلية الجانبية. من ثم راسل درايبر ديفيد كيمحي وأبلغ إليه رسالة فتّال لأخذ العلم بها، كإحدى الوثائق الجديدة الرسمية التي باتت ملحقة بالاتفاق اللبناني - الإسرائيلي. حملت نسخ الرسالة اللبنانية الجانبية كلها تاريخاً واحداً هو 17 مايو، التاريخ نفسه في الرسالة الإسرائيلية الجانبية.
لم نكتفِ بهذا التأكيد، بل طالبتُ الموفد الأميركي، شرطاً لتوقيعنا، بأن يستكمل الوفد الأميركي المشارك في المفاوضات الأمر برسالة تضامنية معنا، يوقعها الرئيس ريغان، تضامناً مع موقفنا وداعماً له في المستقبل.
بناءً على إصرارنا، وافقت الولايات المتحدة على الموقف اللبناني بأن وجه إلى الرئيس ريغان رسالة جانبية ثالثة، مؤرخة بدورها 17 مايو أيضاً، هذا نصها:
«استناداً إلى العلاقات الطويلة والصداقة مع لبنان، شاركت الولايات المتحدة على نحو كامل في التوصل إلى اتفاق بينه وبين إسرائيل، ووقعت بنفسها كشاهد. ستتخذ الولايات المتحدة كل التدابير اللازمة كي تراقب تنفيذ الاتفاق كلياً، وهي تدعم السيادة والاستقلال السياسي ووحدة الأراضي اللبنانية، وستظل تدعم هدف الجمهورية اللبنانية في انسحاب كل القوات الأجنبية. في حال إخفاق القوات الأجنبية في الانسحاب، تجري الولايات المتحدة مشاورات طارئة وتتخذ خطوات أخرى تؤدي على النحو الملائم إلى تحريك خروج كل هذه القوات من لبنان.
تعترف الولايات المتحدة بأن لبنان دخل هذا الاتفاق شرط أن يكون حراً في تعليق تنفيذ التزاماته حياله، في حال عدم انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية بناء على بنوده.
لم يفت ريغان في ختام رسالته تأكيد إدارته أنها «ستدفع إلى الأمام المساعدة الاقتصادية والعسكرية بناء على طلب لبنان، وستدعم بالوسائل المناسبة إعادة البناء الاقتصادي في لبنان، وتطوير قواه العسكرية من أجل مؤازرة الحكومة اللبنانية في الاضطلاع بمسؤولياتها».
بهذه الرسالة احتفظتُ لنفسي، على الأقل بإزاء المستقبل، بشبكة إنقاذ سوف يثبت تطور الأحداث جدواها. احتفظتُ بالحق اللبناني الكامل في السيادة وبالدعم الأميركي الذي من دونه لأصبح لبنان في معركة غير متكافئة إطلاقاً في وجه سوريا وإسرائيل. أصبحت الرسائل الثلاث الملحقة، الإسرائيلية واللبنانية والأميركية (the side letters)، جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق، بل كتباً لاغية له.
- وثيقة مسممة
رغم كل ذلك، تم توقيع الاتفاق من الوفد المفاوض في ذلك اليوم، 17 مايو 1983. من غير أن ينطوي على أي بند سري أو يؤتى به لاحقاً. في 13 يونيو و14 منه، التأم مجلس النواب في جلسة تجلت فيها درجة عالية من التوافق والشعور بالتفاؤل رغم كل الصعاب، صَادَقَ في ختامها على الاتفاق وإجازة إبرامه بأكثرية 64 صوتاً، في مقابل صوتين معارضين وامتناع 4 نواب عن التصويت وتحفظ نائب واحد.
كنت آملُ في أن يحوز الاتفاق ليس الأكثرية الساحقة فحسب، بل الإجماع، كي يمسي موقفنا أقوى وأسلم حيال الدول العربية، ناهيك ببعديه الوطني والدستوري.
أدركتُ حجم العقبات التي تنتظرني، وقد عبّرتُ عن مخاوفي صراحة للرئيس رونالد ريغان من خلال ممثليه المشاركين في التوقيع على الاتفاق. كنت أخشى، لا سيّما بعد إبلاغي الرسالة الإسرائيلية الجانبية، أن بين يدي وثيقة مسممة، فأردت التحسب للمستقبل بأي ثمن.
رحتُ أتساءل عن الأسباب التي تدفع الدولة العبرية إلى ممارسة مثل هذا الضغط علينا، وعلى الإدارة الأميركية لعقد اتفاق تعرف أنه سيولد ميتاً بسبب رسالتها الجانبية. دفنت إسرائيل هذا الاتفاق قبل أي طرف آخر في 17 مايو بالذات، عكس ما راح يدعيه بعض معارضي العهد أنهم هم الذين أسقطوه. إسرائيل أسقطته من خلال الرسالة الجانبية، وأنا ألغيته بعدم إبرامه.
أي مبررات حملت إسرائيل على إهدار كل هذه الشهور والجهود في سبيل اتفاق، قبل أن تقرر نسفه وجعله حبراً على ورق؟ ثم، ألَم ينتقد ديفيد كيمحي نفسه أرييل شارون على طريقته في إدارة المفاوضات مع لبنان؟
جعلت تلّ أبيب من هذا الاتفاق الذي ما عاد أحد مقتنعاً به أحد الرهانات الأساسية لسياستها في لبنان، فجنّدت للدفاع عنه كل الدعم الذي تستطيع توفيره في بلدنا وفي واشنطن. في الواقع، جاءني تفسير ذلك على لسان وزير العلاقات الخارجية الفرنسية كلود شيسون الذي عزاه إلى إسرائيل نفسها.
عندما سألته، حينما زار بيروت في 4 مارس (آذار) 1984. وكانت انقضت أشهر على تجميد الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، كيف يفسر تصرف الدولة العبرية، ضحك وقال: «بحسب معلوماتنا، منذ اليوم الأول، لم تكن إسرائيل تريد الاتفاق. علمتُ أيضاً أننا كنا ضحية مناورات وغش إسرائيلي استخدم فيه لبنان لأهداف أبعد منه. قبل إطلاق عملية «سلامة الجليل» في يونيو 1982، أبلغت إسرائيل إلى واشنطن أن الاجتياح العسكري سيقتصر على مسافة 40 كيلومتراً من الحدود بين البلدين. لكنها توغلت بجيشها حتى العاصمة بيروت، مما أثار غضباً كبيراً في العاصمة الأميركية. بقرار نادر جداً في تاريخ العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، أنزل الكونغرس في حقها عقوبات مالية وعسكرية شديدة، منها تجميد اتفاق بين البلدين، لذا احتاجت إسرائيل إلى اتفاق مع لبنان، أياً يكن، من أجل تبرير رفع الكونغرس هذه العقوبات. استبقت اجتماعه بالإعلان عن الاتفاق كي تؤكد خروجها من لبنان والتراجع من ثم عن العقوبات تلك».
أضاف الوزير الفرنسي: «إذا كان الأميركيون عزموا على اتفاق 17 مايو، فمرد ذلك إلى ما قاله لي شولتز بالذات عندما اجتمعتُ به في يوليو (تموز) الماضي: لم أكن في صدد المرور بلبنان، بل كنت قاصداً الشرق الأوسط. مروري بلبنان من أجل إيصال المفاوضات إلى نتيجة من شأنها فك الحصار عن الطائرات لإسرائيل».
فعلاً، عقب توقيعه، رُفعت العقوبات، وكان ذلك على الأرجح السبب الذي دفع الدولة العبرية إلى التشبث به بادئ ذي بدء، والحرص على منعنا من إبطاله قبل أن يقرر الكونغرس رفع العقوبات. لا شك في أن حكومة ليكود كانت تتطلب أيضاً ذريعة أمام الرأي العام الإسرائيلي بانتصار سياسي يمثله بالنسبة إليها توقيع اتفاق مع بلد عربي، في وقت أخذت الخسائر البشرية لجيش الاحتلال تتضاعف، حتى بات لبنان مشهوراً في صفوف المجندين الإسرائيليين بأنه «وادي الدموع».
في ذلك الاجتماع مع شيسون، في حضور السفير الفرنسي في بيروت فرنان فيبو، كشف لي المزيد من المعلومات: «تدرك إسرائيل تماماً أنها لا يمكن أن تقبل بالتصاق طائفة أو طائفتين بها، وما يهمها الاتفاق مع سوريا. حينما التقيتُ شامير قال لي: لا تصدق أننا في لبنان ندعم هذه الطائفة أو تلك. لدينا اتصال بكل من يمكن أن يساعدنا في الدفاع عن إسرائيل».
خاطبني شيسون بالقول: «الإسرائيليون غير مكترثين بما يحدث للبنانيين، وآمل في أن يدرك مواطنوك ذلك. لا أحد في لبنان يستطيع الاتكال على إسرائيل. قال لي شامير أيضاً إن ما تحتاج إليه حكومته هو اتفاق أمني. اتفاق 17 مايو شأن آخر. معمّر القذافي أكد لي أن اتفاق 17 مايو رديء للغاية، وعلى اللبنانيين مناقشة الأمن مع إسرائيل مباشرة. هي أقوال شامير نفسها».
ما قاله أيضاً إن «في وسع الأميركيين تحويل انسحابهم من لبنان إلى مسائل أخرى، يستطيع الرئيس ريغان أن يفعل ذلك لتغطية فشله في لبنان. عليكم أن تتقبّلوا هذه الحقيقة المحزنة: ما يحدث في لبنان ليس همّاً يومياً للأميركيين. لدي اعتقاد أن لحافظ الأسد مصلحة في إعادة النظام إلى البيت اللبناني. نحن ملزمون بسحب جنودنا في القوة متعددة الجنسيات، ونريد ذلك على نحو هادئ. لم يعد لوجودنا فيها أي معنى، ولذا يقتضي مغادرتنا. لم نرغب مرة في تجربتها، وكان دائماً لدينا قلق مما قد يحدث. خرج منها الأميركيون قبل أن يُكملوا مهمتهم».
كان من المفترض أن يشكل اتفاق 17 مايو 1983 الحدث الأساسي لعهدي، وبذلتُ أقصى جهدي لتفادي الفخاخ، لكن، هل كان يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟ هل كان في الإمكان تفادي هذا الإخفاق؟ ما زلت أطرحُ على نفسي هذا السؤال أكثر من أي وقت مضى، وأكثر من أي شخص آخر. على أي حال، امتنعتُ عن إعطاء الاتفاق الصيغة التنفيذية، فبقي بلا توقيع رئيس البلاد، أي من دون مفعول كأنه لم يكن.
في ظروف كهذه، أحجمتُ عن توقيع الاتفاق وإحالته على النشر في الجريدة الرسمية كي يصبح نافذاً، إدراكاً مني أنه، على الأرجح، وُلِد ميتاً، إلا إذا دفعت واشنطن، على نحو أو آخر، إسرائيل إلى الامتثال لبنوده وأبدت استعداداً لتنفيذه. وهذا ما كنت استبعده.
بمرور الزمن تيقنتُ من أنني أحسنتُ اتخاذ الموقف السليم برفضي التوقيع. رغم حملات الافتراء والتشويش عليَّ، فإن ضميري مرتاح إلى أنني خدمتُ وطني في تلك المرحلة الحرجة من التاريخ، وحفظته في وجه أخطار مدمرة.
رغم اقتناعها بأن اتفاق 17 مايو وُلد ميتاً - وقد امتنعتُ أنا عن توقيعه والعمل على نشره - جعلته سوريا «قميص عثمان»، واتخذت منه كل الأعذار من أجل إطلاق رصاصة الرحمة على لبنان، سيادة ونظاماً. لم تكتفِ بتأليب حلفائها ضدنا، بل أعلنت الحرب صراحة علينا، مهددة على نحو واضح جلي. اندفعت في حملة ترهيب في كل الاتجاهات ضدّ القادة الذين يتجرأون على معارضتها.



الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

حافظت القوات الحكومية اليمنية على مواقعها في جبهات مدينة تعز المحاصرة، وتمكنت، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض جنوب شرقي المدينة، بالتزامن مع استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، في تطور ميداني يهدف إلى التقدم نحو المدينة.

وفي مقابل هذا الثبات في تعز والتقدم في الجوف، وسّع الحوثيون تحركاتهم العسكرية باتجاه مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، وتمكنوا، رغم الغارات الجوية والخسائر التي تكبدوها، من السيطرة على قلعة المقاطرة التاريخية والتوغل في مناطق ومرتفعات مهمة، بينها منطقة النفق ومواقع مطلّة على عقبة هيجة العبد، بعد مواجهات ضارية مع القوات الحكومية.

وحسب مصادر محلية، لا تزال القوات الحكومية، بمساندة «قوات العمالقة» و«درع الوطن»، تسيطر على أجزاء واسعة من المديرية، وتمكنت من صد هجمات وتدمير أرتال تعزيزات حوثية في أسفل العقبة وسائلة سوق الربوع، بينما تواصل شن هجمات مضادة لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها الجماعة وسط الدفع بتعزيزات ومقاتلين قبليين لمواجهة التمدد الحوثي.

جبهات مدينة تعز صامدة أمام حصار الحوثيين وهجماتهم منذ نحو 4 أسابيع (أ.ف.ب)

وتتركز المواجهات في جنوب مدينة تعز وجنوبها الشرقي على جبهات الأقروض وكحلان وفي الضباب غرب المدينة، حيث تمكنت القوات المسلحة، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض، وسط استمرار المواجهات والغارات الجوية التي استهدفت تجمعات للجماعة في هذه الجبهات.

وامتدت الغارات الجوية، الأحد، إلى مناطق في محافظتي ذمار والحديدة، بينها مديرية باجل، كما استهدفت مواقع حوثية في هيجة العبد وطريق الصحى جنوب غربي تعز، في إطار العمليات الجوية المرافقة للمعارك البرية.

وفي المقابل، تركز الهجوم الحوثي على مديرية المقاطرة شمال لحج، حيث سيطرت الجماعة على قلعة المقاطرة التاريخية، وتوغلت في منطقة النفق وعدد من المرتفعات المطلة على عقبة هيجة العبد.

أهمية المقاطرة

تكتسب هذه التطورات أهمية عسكرية بالنظر إلى موقع جبال المقاطرة وقلعتها المشرفة على طريق نقيل هيجة العبد وطريق الكربة، وهما من المسارات الحيوية التي تربط تعز بالمناطق الجنوبية.

وتتيح السيطرة على القلعة مراقبة التحركات في محيط هذه الممرات وتهديد حركة المرور عبرها، مما يثير مخاوف من اتساع القيود العسكرية على الطرق المؤدية إلى تعز، وتعميق عزل المدينة التي تعاني أصلاً من الحصار الحوثي.

في الصورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية شمالي محافظة لحج (إعلام محلي)

ولا تقتصر أهمية المرتفعات على تأمين الطرق المحلية؛ إذ تفتح السيطرة عليها مجالاً للتقدم باتجاه مديرية طور الباحة، كما تمنح إشرافاً جغرافياً على قاعدة العند العسكرية في محافظة لحج.

وتشكل المقاطرة، بحكم موقعها الجبلي، عمقاً للممرات المتصلة بالساحل الغربي وباب المندب، كما أن السيطرة على مرتفعاتها تتيح تأمين خطوط التقدم والحد من فرص الالتفاف العسكري، فضلاً عن التأثير على حركة القوات والإمدادات في المنطقة الممتدة باتجاه رأس العارة جنوبي مضيق باب المندب.

تقدم ميداني في الجوف

وفي تطور ميداني موازٍ، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، ممثلةً بالفرقة الأولى طوارئ، استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، عقب معارك عنيفة انتهت بفرار عناصر الحوثيين من مواقعهم في محيط جبال دحيضة.

قوات الجيش اليمني حققت تقدماً شرقي مدينة الحزم مركز محافظة الجوف (إعلام عسكري)

وقالت القوات إنها سيطرت على مخازن أسلحة وذخائر تركتها الجماعة خلفها، ودمرت آليات ومدرعات قتالية، مضيفة أن المواجهات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الحوثيين والقبض على آخرين.

وعلى الصعيد الإداري والعسكري، أصدر مجلس القيادة الرئاسي، الأحد، قرارين جمهوريين بتعيين اللواء حسين العجي علي العواضي محافظاً لمحافظة البيضاء، واللواء أمين علي العكيمي محافظاً لمحافظة الجوف، مع تعيين الأخير قائداً لمحور الجوف.


أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
TT

أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)

ربطت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، محذرة من أن استمرار دعم الجماعات المسلحة وتقويض سلطة الحكومات الوطنية يحولان الأزمات الداخلية إلى تهديدات عابرة للحدود، تطال أمن المنطقة والملاحة الدولية والتجارة العالمية.

وقالت الزوبة إن الحديث عن أمن إقليمي مستدام لا يمكن أن ينفصل عن وجود يمن آمن ومستقر، مؤكدة أن تداعيات الانقلاب على الدولة اليمنية تجاوزت حدود البلاد لتطال أمن دول الجوار والممرات البحرية والمصالح الدولية. ودعت إلى ترجمة التضامن الدولي مع اليمن إلى خطوات عملية تعالج مصادر التهديد، وفي مقدمتها وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية إلى الجماعات المسلحة.

وفي كلمة ألقتها خلال الجلسة العامة الثالثة لحوار المنامة 2026، تحت عنوان «أسس الأمن الإقليمي»، وضعت الوزيرة استعادة الدولة اليمنية في صلب معادلة الأمن الإقليمي، محددة أربعة مرتكزات لتحقيق الاستقرار، تشمل احترام سيادة الدول وتعزيز مؤسساتها الوطنية، وتقديم الدبلوماسية والحوار على المواجهات، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والغذاء وحماية المدنيين ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب حماية الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وشددت على أن أي تسوية تتعلق باليمن ينبغي أن تقودها الدولة اليمنية وتصون سيادتها ومرجعيات الحل السياسي، وتفضي إلى استعادة مؤسساتها وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيدها، معتبرة أن دعم الجماعات المسلحة التي تنازع الحكومات سلطتها يقوض فرص الاستقرار ويطيل أمد الصراعات.

مدخل الاستقرار

في رسالتها أمام المشاركين في حوار المنامة، أكدت أفراح الزوبة أن الحكومة اليمنية تمضي في معركة استعادة الدولة، وأنها لا تطلب من أحد القتال نيابة عنها، لكنها تتطلع إلى إسناد شركائها وتعزيز قدرات مؤسساتها وإنفاذ حظر توريد الأسلحة ووقف تدفقها إلى الجماعات المسلحة.

وشددت على ضرورة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وفق المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.

وقالت إن اليمن المستقر قادر على استعادة دوره في محيطيه العربي والإقليمي، ليكون شريكاً في حماية أمن المنطقة وممراتها البحرية والتجارة الدولية، معتبرة أن اليمنيين وهم يدافعون عن دولتهم يدافعون، في الوقت نفسه، عن أمن المنطقة ومصالح العالم.

وزيرة الخارجية اليمنية مع نظيرها البحريني (سبأ)

وفي سياق تحذيرها من امتداد التهديدات إلى المجال البحري، استشهدت الزوبة بتقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، مشيرة إلى ما أورده تقرير عام 2024 بشأن تلقي الحوثيين أسلحة ومساعدة تقنية وتدريباً ودعماً مالياً من إيران وجماعات مسلحة عراقية و«حزب الله».

كما لفتت إلى ما تضمنه تقرير الفريق لعام 2025 من معلومات عن تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مجالات تهريب الأسلحة والتدريب وتبادل الخبرات العسكرية، محذرة من خطورة تشابك الجماعات المسلحة مع شبكات الجريمة المنظمة، وداعية إلى تعزيز تبادل المعلومات وتجفيف مصادر التمويل ومراقبة مسارات انتقال السلاح والخبرات عبر الحدود.

وأكدت أن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا ينفصل عن استقرار اليمن، وأن حماية الساحل والممرات البحرية تبدأ بمعالجة مصادر التهديد على اليابسة، ووقف تدفق السلاح والتمويل، ومكافحة شبكات التهريب، وتعزيز قدرات الدول الساحلية مع احترام سيادتها.

تركيز على الدعم الدولي

على هامش حوار المنامة، نقلت الزوبة هذه الملفات إلى مباحثاتها الثنائية مع مسؤولين بريطانيين وكنديين ومصريين وأميركيين وخليجيين وأتراك، في تحرك ركز على تعزيز الدعم الدولي لمؤسسات الدولة اليمنية وتوسيع التعاون الأمني والبحري ومواجهة مصادر تسليح الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزيرة بحثت مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية، واستعرضت استمرار الحصار الحوثي على تعز وتدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب الانتهاكات التي يتعرض لها موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المحتجزون لدى الجماعة.

أفراح الزوبة خلال لقائها مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

وتوقف اللقاء عند وفاة الموظف الأممي محمد الشامي أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد أكثر من عامين على اختطافه، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين الدوليين في مناطق سيطرة الجماعة.

كما تناول الجانبان التعاون الأمني والبحري، بما في ذلك بناء قدرات خفر السواحل وحماية المنشآت الحيوية، وتكثيف الجهود الدولية لمواجهة مصادر تسليح الحوثيين والحد من تدفق الأسلحة إليهم. وأكد الوزير البريطاني استمرار دعم بلاده للحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، وأهمية تبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

وفي مباحثاتها مع وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، بدر عبد العاطي، ركزت أفراح الزوبة على التطورات في البحر الأحمر ومخاطر التصعيد الحوثي على أمن الملاحة، مستعرضة استمرار حصار تعز واستهداف المطارات في اليمن والمملكة العربية السعودية، وما تمثله هذه الاعتداءات من تهديد للمدنيين والطيران المدني والأمن الإقليمي.

وأكد الجانبان أهمية صون أمن الممرات البحرية الدولية وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوترات، بينما جدد الوزير المصري موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ومساندة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.


نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
TT

نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)

دخل الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية أسبوعه الرابع، وسط ازدياد القيود على وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، بينما تتسع موجات النزوح وتتراجع قدرة المنظمات الإغاثية على تلبية الاحتياجات المتصاعدة للسكان.

وتواجه شاحنات المساعدات الإنسانية عراقيل حوثية متكررة عند نقاط التفتيش، رغم حصولها على التصاريح اللازمة، في ظل إغلاق الجماعة معظم الطرق التي تربط المحافظة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث توجد مخازن الإمدادات في عدن.

ولم تسلم الطرق الالتفافية الواقعة في مناطق التماس من القيود، فيما أسهمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطرق في إبطاء حركة النقل وتأخير وصول الإمدادات إلى المحتاجين.

وتشير بيانات المنظمات الإنسانية إلى تجاوز عدد النازحين 300 ألف شخص، فرّ معظمهم من جراء القتال في تعز وعلى امتداد الساحل الغربي. كما تنذر موجة النزوح الجديدة التي بدأت من محافظة لحج في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باستمرار اتساع نطاق الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد المتضررين.

مظاهرة حاشدة من سكان مدينة تعز تنديداً بالحصار الحوثي (إعلام محلي)

وتتفاقم الأوضاع داخل مدينة تعز ومحيطها مع استمرار استهداف الأحياء السكنية بالقذائف المدفعية، وفرض قيود مشددة على الوصول إلى عدد من المناطق. وفي موازاة ذلك، تواجه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، فيما لا تزال إمدادات إنسانية مخصصة للمدينة عالقة في انتظار السماح بوصولها، بالتزامن مع صعوبات متصاعدة تواجه الأسر النازحة الراغبة في مغادرة المحافظة.

وفي أحدث مؤشر على التكلفة البشرية للقتال، قالت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان» إنها وثقت 263 ضحية مدنية، بين قتيل وجريح، حتى 27 أكتوبر الماضي، بينهم 67 قتيلاً. وبلغ عدد الأطفال بين الضحايا 97، أي نحو نصف إجمالي القتلى، في مؤشر على حجم المخاطر التي يتعرض لها القُصّر من جراء استمرار الأعمال القتالية.

استجابة محدودة

على صعيد الاستجابة الإنسانية، استهدفت المرحلة الأولى من المساعدات، عبر «آلية الاستجابة السريعة»، 207 آلاف و480 نازحاً، تسلمت غالبية الأسر منهم حصصها الإغاثية. ومع ذلك، فلا يزال نحو 9 آلاف أسرة مسجلة تنتظر الحصول على المساعدات؛ بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وإجراءات التصاريح وتدهور الوضع الأمني، وهي عوامل تعرقل عمليات النقل والتوزيع.

أما المرحلة الثانية من الاستجابة، فلا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية. فعلى الرغم من وصول المساعدات النقدية الطارئة إلى معظم الأسر التي استكملت عملية التحقق من بياناتها، فإن تغطية المساعدات الغذائية لم تصل إلا لما يزيد قليلاً على نصف تلك الأسر، في حين ظلت خدمات المأوى والمياه والإصحاح محدودة للغاية مقارنة بأعداد المحتاجين.

الحوثيون يستهدفون بشكل متكرر أحياء مدينة تعز بالقذائف المدفعية (إعلام محلي)

وبدورها، لم تصل خدمات التغذية العلاجية إلا إلى جزء ضئيل من الفئات المستهدفة؛ مما يزيد هشاشة الأسر المقيمة في مواقع النزوح المكتظة، ويرفع تعرضها للمخاطر الصحية، خصوصاً مع تفشي وباء الكوليرا وتدهور ظروف الإيواء والصرف الصحي.

ولا تقتصر التداعيات على نقص الغذاء والخدمات الأساسية؛ إذ تشير تقارير الشركاء الإنسانيين إلى ازدياد حالات انفصال أفراد الأسر، والمخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب والمتفجرات، فضلاً عن ارتفاع التهديدات المتعلقة بالطرد والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أدى إغلاق 5 مساحات آمنة مخصصة للنساء والفتيات إلى تقليص فرص حصولهن على خدمات الحماية والدعم.

ورغم القيود الأمنية وصعوبات الوصول، فإن منظمات وطنية ودولية تواصل تقديم الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، بما يشمل الرعاية الصحية والمياه والمأوى والمساعدات النقدية، إلى جانب أنشطة التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب في مناطق الساحل الغربي.

تعليق الدراسة

في امتداد لتداعيات الوضع الأمني على الحياة اليومية، جددت «لجنة الطوارئ» بمحافظة تعز تأكيد استمرار قرار تعليق الدراسة ومنح إجازات مؤقتة في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حتى صدور إشعار رسمي آخر، محذرة من أي محاولات لاستئناف العملية التعليمية خارج التوجيهات المعتمدة.

وقالت «اللجنة» إن أي دعوة لاستئناف الدراسة، أو إلزام الطلاب والكوادر التعليمية والإدارية الحضور، خلافاً لقراراتها السابقة، يمثلان مخالفة صريحة للتعليمات الرامية إلى حماية الأرواح وصون الحقوق.

سكان في تعز المحاصرة خلال تشييع مدنيين وعسكريين قتلوا بقصف حوثي (رويترز)

وأبدت «اللجنة» قلقها إزاء معلومات عن ضغوط تمارسها الجماعة الحوثية على مديري المدارس والمعاهد وقيادات فروع الجامعات والكليات لاستئناف الدراسة، رغم استمرار المخاطر الأمنية، محذرة من استغلال المؤسسات التعليمية في عمليات التجنيد والاستقطاب والتعبئة الطائفية.

وحمّلت «اللجنة» الحوثيين وكل من يتواطأ معهم المسؤولية عن هذه الضغوط وما قد ينجم عنها من تعريض الطلاب والموظفين للخطر، مؤكدة أن تعليق الدراسة لا يمس الحقوق التعليمية للطلاب أو الحقوق القانونية والوظيفية والمالية للعاملين في القطاع.

كما حذرت بأن تشغيل المؤسسات التعليمية خارج الأطر المعتمدة قد يعرض المسؤولين للمساءلة القانونية والإدارية، بما في ذلك تعليق صرف المستحقات المالية للمتورطين في مخالفة التعليمات. ودعت القياداتِ التعليميةَ إلى التزام القرار والإبلاغ عبر وسائل آمنة عن أي ضغوط أو تهديدات.