شارع طلعت حرب... بؤرة تحولات القاهرة وعنوان تاريخها المتألق

بانتظار خطة لاستعادة مجده ونفض غبار العشوائية والإهمال عنه

«ميدان طلعت حرب»... محور رئيسي وسط القاهرة الخديوية (تصوير:عبد الفتاح فرج)
«ميدان طلعت حرب»... محور رئيسي وسط القاهرة الخديوية (تصوير:عبد الفتاح فرج)
TT

شارع طلعت حرب... بؤرة تحولات القاهرة وعنوان تاريخها المتألق

«ميدان طلعت حرب»... محور رئيسي وسط القاهرة الخديوية (تصوير:عبد الفتاح فرج)
«ميدان طلعت حرب»... محور رئيسي وسط القاهرة الخديوية (تصوير:عبد الفتاح فرج)

يقطع شارع طلعت حرب باسمه ورسمه الأيقونيَّين وسط العاصمة المصرية القاهرة، محمَّلاً بعبق التاريخ الذي يُطلُّ من شرفات بناياته العتيقة، متقبلاً بكل أريحية المزاج المتقلب للمدينة العريقة، والنتوءات التي تتركها نغزات أهلها على أرصفته المرهقة.

«أنا أقدم واحد في العمارة دي»... لم تكن العبارة التي أطلقها عادل إمام وهو يلعب دور «زكي الدسوقي» في فيلم «عمارة يعقوبيان»، واقفاً في منتصف شارع طلعت حرب، مشيراً إلى البناية التي يسكنها، مجرد صرخة يائسة من عجوز سكران، بل بدت نوعاً من التأسّي على ماضٍ مشوّق، واستقراء لواقع مرير، ومقاومة تعيسة لمستقبل غامض يحيط بقطعة أثيرة في قلب المدينة.

واشتهر شارع طلعت حرب بأنه كان موطناً للباشوات والبكوات منذ إنشائه في 1873 تقريباً مع تخطيط القاهرة الخديوية على يد الفرنسي هاوسمان في عصر الخديو إسماعيل، تحقيقاً لحلمه أن تصبح القاهرة «باريس الشرق».

ويدخل شارع طلعت حرب ضمن خطة لتطوير منطقة وسط البلد (القاهرة الخديوية) تضم 500 عقار ذات طراز معماري فريد، يجري ترميمها بالتنسيق مع جهاز التنسيق الحضاري، وفق مسؤولين بمحافظة القاهرة، معتبرين كل عقار بوسط البلد يحكي تاريخاً ومواقف كان شاهداً عليها.

شارع طلعت حرب في فترة الثمانينات (صفحة «مصر جميلة» على «فيسبوك»)

الشارع الذي كان يحمل اسم «سليمان باشا» ما زال يحتفظ بسماته القديمة في أركان محدودة من بينها النادي الدبلوماسي في تقاطعه مع شارع عبد السلام عارف، (الرئيس العراقي الأسبق)، والنادي اليوناني في الميدان الذي يتقاطع مع شوارع قصر النيل وصبري أبو علم ومحمود بسيوني، و«مقهى ريش» الذي لعب درواً في ثورة 1919، حيث كانت المنشورات المناهضة للإنجليز تُطبع في سرداب المقهى، وفق مؤرخين معاصرين.

ويعد هذا المقهى ذا طابع خاص، حيث كان ملتقى أهل الفكر والأدب لفترات طويلة، ومن بين رواده المشهورين كان نجيب محفوظ والعقاد ويوسف إدريس وأمل دنقل، وما زال يحتفظ بصورهم معلقة على حوائطه، تماماً كما يحافظ على الأزياء الرسمية لنادليه كما كانت في عصور سابقة.

وفي خضمِّ موجة التطوير التي تشهدها القاهرة الخديوية راهناً، وفي مقدمتها شارع طلعت حرب، أعلنت شركة «الإسماعيلية» القائمة على التطوير (وهي شركة خاصة تعمل في الاستثمار العقاري والتنمية، أخذت اسمها من الخديو إسماعيل، منشئ القاهرة الخديوية، حسب تصريحات صحافية لرئيس الشركة) استعدادها لتطوير عدد من المشاريع خلال نهاية العام الجاري 2024 منها المبنى الذي يقع فيه مقهى «ريش» الشهير، على غرار ما جرى من تطوير لمبنيي «سينما راديو»، و«القنصلية الفرنسية».

و«يعدّ هذا الشارع محوراً أساسياً في شبكة الطرق الخاصة بالقاهرة الخديوية»، وفق أستاذة العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة في جامعة القاهرة الدكتورة سهير حواس، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «من التحولات التي طرأت على هذا الشارع هو اسمه الذي تحوّل إلى (طلعت حرب) بعد أن كان اسمه (سليمان باشا)، نسبةً إلى سليمان باشا الفرنساوي مؤسس أول مدرسة حربية في مصر».

تطوير البنايات في شارع طلعت حرب خلال نهاية هذا العام (الشرق الأوسط)

بمرور طبقات وعقود من الزمن، تحوّل الشارع الذي يقطع منطقة وسط البلد بطول 3 كيلومترات، من ميدان التحرير غرباً إلى شارع 26 يوليو شرقاً، إلى ملاذ للطبقة الوسطى، وربما للباعة الجائلين والحرفيين والمحال التجارية التي تقدم بضاعتها بين طبقتين: إما متوسطة في طور التآكل، وإما فوق متوسطة ما زالت تحتفظ بوحداتها القليلة النادرة في ممراته ودهاليزه الخفية.

وكان الخديو إسماعيل قد منح حق البناء في الشارع وحدد مبلغاً لإنشاء البناية لا يقل عن 3 آلاف جنيه (كان الجنيه المصري في ذلك الوقت يعادل 5 دولارات)، وفق عباس الطرابيلي في كتابه «شوارع لها تاريخ»، وهو مبلغ ضخم مقارنةً بمعايير اليوم، حتى يضمن الخديو أن تكون بناياته فخمة، تليق بالحي الجديد الذي يشرع في إنشائه على الطرز الأوروبية، وفي القلب من هذا الحي يتربع قصر عابدين مقر الحكم الجديد بديلاً عن القلعة.

ويشير محمود التميمي، صاحب مبادرة «أرواح في المدينة» التي تستدعي التراث الثقافي للقاهرتين الفاطمية والخديوية إلى أن «كل شارع في مصر يحمل قطعة من التاريخ، وشارع طلعت حرب تحديداً شاهد على أحداث وتحولات تاريخية مهمة في مصر».

ربما لا يزال شارع طلعت حرب يحتفظ بنتفٍ من الوجاهة القديمة التي كان يتمتع بها، من دور عرض سينمائي مثل: «ميامي» و«مترو» و«راديو»، ومقاهٍ ومطاعم مثل «الإكسلسيور» و«جروبي» و«الأميريكين» و«ريش» و«استوريل»، ومكتبات لها ثقلها مثل «مدبولي» و«الشروق» و«المصرية اللبنانية» و«دار العين» في ممر بهلر المتفرع من طلعت حرب، ودار «المدى» العراقية التي افتتحت فرعاً لفترة في الشارع العريق.

لكن اللافت فعلا حجم الزحف لمحلات شعبية أو شامية على الشارع، بالإضافة إلى «مول طلعت حرب»، لتواجه محلات يقترب عمرها من مائة عام مثل «قويدر» و«الإكسلسيور»، الأمر الذي وضعه على رأس قائمة المتنزهات الليلية للعائلات المصرية في الشرائح الأدنى من الطبقة الوسطى.

تحولات عنيفة شهدها الشارع الأشهر بوسط المدينة، واكبت الثورات والحركات السياسية الكبرى، بدايةً من «ثورة 23 يوليو» 1952، وتغيير اسمه من «شارع سليمان باشا»، وإزالة تمثاله من ميدانه السابق وإحالته للتقاعد بالمتحف الحربي في القلعة، واختيار اسم رائد الاقتصاد المصري في عشرينات القرن الماضي ومؤسس بنك مصر طلعت حرب عنواناً للشارع، ليوضع تمثاله في ميدانه الحالي.

وتوضح أستاذة التصميم العمراني أنها كانت مع الرأي القائل ببقاء الشارع والميدان على اسمه القديم؛ لما قدمه سليمان باشا من خدمات لمصر، واختيار شارع آخر باسم الرائد الاقتصادي طلعت حرب.

ممر «بهلر» وعماراته الشهيرة في شارع طلعت حرب (الشرق الأوسط)

ويكشف التميمي عن أن «هناك تمثالاً انتقالياً بين سليمان باشا الفرنساوي وطلعت حرب كان عبارة عن تروس وجزء من مصنع على هيئة عامل، لكن يبدو أنه أثار استياء المارة فجرى التغيير ووضع تمثال طلعت حرب مكانه».

كما يلفت إلى أن «هذا الشارع يمثل نقلة من الفطرة والعشوائية إلى التنظيم والتخطيط ضمن النسيج الحضري للمدن، وكان التخطيط على أساس شكل المدينة الباريسية، التي تعتمد على الطرق المستقيمة والميادين، على عكس القاهرة الفاطمية التي تعتمد على الانحناءات والتعرجات لتأدية وظائف معينة، وإغلاق الحارات في نهاية اليوم».

الشارع الذي يضم 3 أحزاب سياسية هي: «الناصري»، المشهور بتوجهاته المعارضة، و«الغد»، الذي شارك مؤسسه أيمن نور كلاعب أساسي في انتخابات رئاسة الجمهورية 2005 أمام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ويطلّ حزب التجمع على ميدانه جانبياً، ممثلاً لأفكار وتوجهات اليسار المصري، تحوّل خلال أحداث 25 يناير (كانون الثاني) 2011 إلى بؤرة نشاط، وامتدت إليه الاشتباكات القادمة من ميدان التحرير، إلى أن أصبح أشبه بثكنة عسكرية.

وبعد عودة الأوضاع للهدوء؛ زحفت عشوائيات «العتبة»، و«بولاق أبو العلا» المعروفة بـ«وكالة البلح»، إلى قلب الشارع العتيق ليفترشه المئات من الباعة الجائلين ويجعلون حركة المرور فيه صعبة لفترة من الزمن.

هذا الزحف العشوائي لم يأتِ من فراغ؛ ولكن نتيجة تحولات عنيفة في البنية التاريخية لسكان الشارع، فقد تحول كثير من الوحدات السكنية فيه إلى ورش ومحلات خياطة ومخازن لبضائع رخيصة. وإن كان صاحب كتاب «مقتنيات وسط البلد» الراحل مكاوي سعيد يصف هذا الشارع بأنه «بؤرة للتحولات الكبرى ومرآة مصغرة لصورة مصر عبر عقود طويلة»، فليس أدل على ذلك من الحضور الكبير لطبقات جديدة صاعدة في بعض وحداته وبناياته التاريخية مثل «عمارة يعقوبيان»، فضلاً عن تحوّل غرف الغسيل أعلى العمارات الكبرى لغرف للإيجار أو مخازن للباعة ومحلات الأحذية والملابس التي تتناثر على جانبي الشارع.

لا تكمن أهمية هذا الشارع في تاريخه العريق فحسب، بل في موقعه الذي يجعله مركزياً ومحورياً في قلب القاهرة، حيث تتفرع منه شوارع عدة مثل «هدى شعراوي»، بسمْته المنظم، وعماراته القديمة التي لا تخلو من فخامة، ومحلات الأنتيكات. وشارع «معروف» بروحه الشعبية ومقاهيه البلدية، وضريح الشيخ معروف. وشارع «عبد الحميد سعيد» الذي يضم سينما وفندق «أوديون» وكذلك «مول طلعت حرب»، وشارع «عدلي» بسماته الكوزموبوليتانية، في أنماط بناياته وطرزها الفخمة والتراثية مثل المعبد اليهودي ومبنى وحديقة «جروبي» التاريخيين.

وتوضح أستاذة العمارة الدكتورة سهير حواس، أن «معظم مباني الشارع ذات قيمة معمارية متميزة ومسجلة طبقاً لقانون حمايتها رقم 144 لسنة 2006 من بينها مبانٍ تعلوها قبة، مثل عمارة يعقوبيان، وهناك ممرات داخلية، مثل ممر (بهلر) وممر (بابيك)، وشبكة من مسارات المشاة المموهة والمظللة»، وتوضح أن الشارع يتميز بـ«تعدد الطرز المعمارية الغربية ما بين (الأرتيكو) و(الباروك) و(الكلاسيك) وهو من الشوارع التجارية الترفيهية، فقد بُنيت عماراته بحيث تكون الأدوار الأرضية للمحلات والعلوية للسكن أو الشركات».

البنايات العتيقة تتناثر في الشارع الذي يربط ميدان التحرير بشارع 26 يوليو (الشرق الأوسط)

ويلفت صاحب مبادرة «أرواح في المدينة» إلى «الفاصل الحيوي بين القاهرة الفاطمية التي كانت تسمى الأحياء الوطنية، وتنتهي حدودها عند ميدان العتبة، والقاهرة الخديوية أو الأحياء الإفرنجية التي تبدأ من ميدان العتبة حتى نهر النيل».

وبدأ العصر الذهبي لتشييد عمارات القاهرة الخديوية في عهد الخديو عباس حلمي الثاني (1892 - 1914)، وتم إغراء أصحاب البيوت والقصور للتنازل عنها والنزوح إلى أماكن أخرى وتشييد عمارات مكانها، وفي عهد الملك فؤاد تم هدم فندق «سافوي» وكان من أشهر الفنادق في مصر وبُنيت مكانه عمارات بهلر الموجودة حالياً، وفق التميمي.

وكما تمتد الأذرع المتفرعة من «طلعت حرب» في عمق القاهرة الخديوية وعلى أطرافها، فالشارع نفسه يحظى بعدة تقاطعات؛ ليشكل شرياناً حيوياً لوسط المدينة، مثل تقاطعه مع شارع عبد السلام عارف عند النادي الدبلوماسي، وشارع قصر النيل بسينماه الشهيرة التي شهدت في الماضي حفلات حاشدة لـ«كوكب الشرق» أم كلثوم، وهي دار السينما والمسرح التي أجهز عليها الزمن، وغطاها فندق شهير يطل على ميدان التحرير، كما يتقاطع مع شارع عبد الخالق ثروت، الذي يضم نقابات المحامين والصحافيين والممثلين ونادي القضاة، ويلتقي في نهايته مع شارع 26 يوليو، المعروف سابقاً بشارع فؤاد.

ويشرح التميمي كيف أن «شارع سليمان باشا الذي تحوّل إلى طلعت حرب، بدأ على أنه شارع قصور ثم أصبح شارع عمارات إلى أن أصبح الشارع التجاري الأشهر في العاصمة بسبب المحلات الكثيرة التي كانت تبيع الأزياء والعطور وأصناف الموضة وفق أحدث الصيحات الأوروبية، فكان يضج بالحياة، إلى أن جاءت فترة الستينات وتغيّرت التركيبة السكانية للشارع، في وعكة حضارية تعرضت لها مصر خلال آخر 50 سنة».

وأوضحت الدكتورة سهير زكي حواس أنه «مع الوقت أسيء استخدام أعمال الديكور التي زحفت على واجهات المباني، مع إهمال أعمال الصيانة، إلى أن تأسست منذ سنوات شركة حكومية لإدارة الأصول العقارية لضبط وإحكام إدارة العقارات المميزة في وسط البلد».

كما أشارت إلى «ما تقوم به شركة الإسماعيلية، وهي شركة خاصة تعمل على ترميم وإعادة توظيف هذه المباني لأغراض ثقافية وسياحية وترفيهية وفق رؤية تنموية متطورة، نأمل أن تحذو حذوها شركات أخرى».

ونوّه صاحب مبادرة «أرواح في المدينة» إلى أن منطقة وسط البلد تشهد راهناً حالة من الصحوة ورغبة في إعادة المباني لأصلها، خصوصاً في شارع طلعت حرب، ويستدرك: «وسط البلد بشوارعه التاريخية ليس فقط حجارة ولكنه حجارة وسلوك بشري، لأن هناك زحفاً عشوائياً على هذه الأماكن يشوّه قيمتها الحضارية، فقديماً كان الوجه الحضاري يظهر في مفردات كثيرة، حتى في ملابس الجرسونات على المقاهي بالجاكيت الأبيض والبابيون، ويجب استعادة هذه الثقافة في شارع طلعت حرب وغيره من شوارع وسط البلد».


مقالات ذات صلة

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يوميات الشرق موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يسلط اكتشاف تمثال أثري ضخم بموقع تل فرعون بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (دلتا مصر) الضوء على الكثير من مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.