كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء

كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء
TT

كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء

كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء

كان القلق يتدحرج مثل كرة ثلج... تُكبر وتُكبر وتضغط على الأعصاب بقسوة كلما اقتربنا من بوابة مطار دبي، حيث بدا المبنى العملاق مثل هرم تاريخي، خاصة وقد خفتت الأضواء داخله، وبدت ممراته الداخلية معتمة، فقط مجموعة صغيرة من الموظفين يرتدون ثيابهم الرسمية، ويضعون الكمامات، ويقفون بشكل متباعد، وهذا ما عليك فعله عندما تنظر إلى الأرضية الرخامية، حيث ستجد رسماً لقدمين عليك الوقوف فوقهما، تفصلانك عن مسافر آخر مسافة مترين، ثم يدلك موظف شاب إلى مسار إجباري، ويشير بأصابعه التي تغطيها القفازات إلى مسلك عليك السير فيه للعبور داخل إطار معدني يشبه باب الغرف المنزلية، حيث تتم قراءة درجة حرارتك الداخلية للتأكد من أنك لا تعاني من أحد أعراض المرض المرعب «كوفيد-19».
دهشة المسافر ستتضاعف عندما تسأل موظفة شركة طيران الإمارات عن وجهتك هذا الصباح، فبعد أشهر من توقف الرحلات الجوية من وإلى دبي، ها هي الناقلة العملاقة تُرسل هذا اليوم طائرتين نحو أميركا الشمالية، بتوقيت متقارب، واحدة نحو شيكاغو والأخرى نحو تورونتو، ومن ثم ستطلب الموظفة من كل مسافر أن يعطيها جواز سفره قبل وصوله إلى شباك وزن الحقائب، وستطلب بلباقة من كل مسافر يقف أمامها تنحية القناع الواقي جانباً، وتمعن النظر في وجهه، وتطابق صورته مع صورة جواز سفره. وخلال ثوانٍ معدودات، تتمنى له رحلة سعيدة، وبيدها الصغيرة ذات القفاز الداكن تشير نحو شباك قريب لتكمل إجراءات سفرك نحو كندا، لكن قبل ذلك تعترض طريقك موظفة أخرى أقصر قامة، وتعطيك علبة كرتونية حمراء فيها مستلزمات للسفر (زوجان من القفازات البلاستيكية بقياسين مختلفين، وقناعان أزرقان للوجه، ومنديلان ورقيان مبللان بمادة مطهرة، وكيسان صغيران من مادة معقمة لليدين). بعدها، تنطلق نحو شباك وزن الحقائب.
من كان يعتقد أن مطار دبي الذي يعبره عشرات الملايين كل سنة أصبح خالياً هكذا... مسافرون قلائل... موظفون قلائل... السوق الحرة مغلقة، المطاعم والمقاهي ومتاجر الملابس والتذكارات، كل الأمكنة بدت خالية سوى قاعة الانتظار التي تم اختصار مقاعدها للنصف تقريباً لتناسب عدد المسافرين الذين سيصعدون للطائرة... مقاعد غير متجاورة، ولا أحد يجلس قرب الآخر. ولأن موعد الصعود للطائرة لم يحن بعد، انشغل كل مسافر بهاتفه، فبدا المشهد كأنه فيلم سينمائي لكائنات فضائية أو مخلوقات مرعبة تضع أقنعة وترتدي قفازات وتتدلى من رأسها أسلاك لسماعات حُشرت في الآذان، مخلوقات بعيون ذابلة من شدة القلق، ولعل المرء يتساءل أي هلع تخبئه الوجوه خلف أقنعتها، هلع من مجهول غير مرئي يتربص في كل مكان، قاد العالم نحو جنون الارتياب، الارتياب من سعال خفيف أو عطسة غبار أو حلق جاف... من كان يظن أن الاستيقاظ كل صباح يعني يوماً آخر يضاف إلى أعمارنا النازفة، أو يضاف إلى رصيد الخوف في حساب البشرية.
للوهلة الأولى، يظن المسافر أنه في ممر أحد المستشفيات، فقد بدت المضيفة بمئزرها الأبيض الذي وضعته فوق ثيابها الرسمية، وكمامتها التي تغطي معظم وجهها، وقفازها البلاستيكي الأبيض، بدت أقرب إلى الممرضة، ولولا قبعة حمراء تحمل شعار طيران الإمارات لظن المرء أنه في ممر مستشفى، وليس ممر بين مقاعد الطائرة الكبيرة التي تباعد الركاب على مقاعد الدرجة السياحية، حيث يفصل مقعد فارغ بين مسافر وآخر، في حين كانت مقصورة رجال الأعمال شبه خاوية، ولم يكن للرفاهية حضور بما تعنيه هذه الدرجة، حيث لا مناديل ساخنة لمسح اليدين أو عصائر أو غيرها، فقط مقعد مريح ولائحة طعام معلب ووسادة وغطاء للراغبين في النوم خلال الساعات الأربع عشرة المقبلة من عمر هذه الرحلة بين دبي وتورونتو.
يمر الوقت بطيئاً على متن الطائرة وأنت تراقب الشاشة التي أمامك، وتبدأ البحث عن فيلم أو أفلام تسليك، ويكاد بحثك يشبه النبش عن قشة في حقل ذرة، حيث لا مطبوعة تدلك على أحدث الأفلام أو أجملها، عليك البحث بنفسك بقفازك الذي يعيق حركة أصابعك، وعليك أن تهدأ غضبك وأنت تتنفس بصعوبة من خلف قناعك، ولا مناص من السفر بالكمامة اتقاء لعدوك الذي يختبئ في الهواء، رغم قناعتك أن أجهزة ترشيح الهواء في الطائرة تعمل على تنقيته من الفيروسات بنسبة تتجاوز الـ99 في المائة، لكن من يضمن أنك لن تكون ضحية الـ1 في المائة. كان الرعب رفيقك وتسليتك وأحد أكبر مستقبليك عند وصولك إلى تورونتو.
تنظر إليك موظفة الهجرة في مطار تورونتو بعينين محايدتين، دون كمامة، دون قفاز، دون خوف، وتسألك الأسئلة الاعتيادية: من أين أتيت؟ هل لديك أطعمة؟ هل لديك مواد ممنوعة؟ ثم تسألك أسئلة غير اعتيادية: هل تشعر بارتفاع في درجة الحرارة؟ هل تسعل؟ أين ستقيم؟ وكأنها تعرف سلفاً كل أجوبتك، لذلك تختم استقبالها لك بعبارة جافة جادة تشبه سؤالاً تحذيرياً: «هل تعرف أنه يتوجب عليك عدم مغادرة بيتك لمدة 14 يوماً حسب القانون الكندي؟».
من غرفة تطل على حديقة خلفية، ثمة بقايا مطر صباحي على النافذة، وثمة شمس خجولة تدفع دفئها نحو العشب، أرقب العصافير السعيدة الحرة الشجاعة، عصافير لا تعرف الهلع، ولا تخاف من المستقبل. في تلك الغرفة العلوية، أفكر بقيمة الحياة في ثامن أيام الحجر المنزلي، وأكتب هذه الكلمات بقلق، منتظراً يومي الرابع عشر.

- شاعر وصحافي سوري


مقالات ذات صلة

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

رياضة عالمية مشجع يحمل صورة للاعب تشاكا خلال مباراة سويسرا واسكوتلندا الأخيرة في دوري الأمم (أ.ب)

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

عوقب قائد المنتخب السويسري غرانيت تشاكا، الخميس، بغرامة مالية على خلفية استخدام شهادة مزورة لتلقيح ضد كوفيد خلال فترة تفشي الجائحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية بريل إمبولو خارج قائمة سويسرا بدوري الأمم (أ.ف.ب)

إمبولو يلحق بتشاكا خارج قائمة سويسرا في دوري الأمم

فقد منتخب سويسرا، الذي بلغ دور الثمانية في بطولة كأس العالم لكرة القدم، لاعباً ثانياً من قائمته في دوري أمم أوروبا بسبب قضايا تعود إلى سنوات مضت.

«الشرق الأوسط» (برن (سويسرا))
صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مانجا العربية» تُطلق «ون بيس» باللغة العربية رسمياً للمرة الأولى

يشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة (الشرق الأوسط)
يشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة (الشرق الأوسط)
TT

«مانجا العربية» تُطلق «ون بيس» باللغة العربية رسمياً للمرة الأولى

يشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة (الشرق الأوسط)
يشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة (الشرق الأوسط)

أطلقت «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، سلسلة «ون بيس» اليابانية باللغة العربية للمرة الأولى رسمياً، في خطوة تستهدف توسيع خيارات المحتوى العالمي المتاح للقارئ العربي، وتعزيز حضور اللغة العربية في صناعة المانجا، عبر قنوات نشر رسمية تحفظ حقوق المؤلفين.

ويشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة، على أن تتاح عبر تطبيقات «مانجا العربية الرقمية»، بما يتيح للقراء في المنطقة الوصول إلى أحد أبرز أعمال المانجا اليابانية وأكثرها انتشاراً عالمياً، من خلال تجربة قراءة باللغة العربية.

ويأتي إطلاق «ون بيس» امتداداً لتعاون «مانجا العربية» مع كبرى دور النشر اليابانية، وفي مقدمتها «دار شويشا»، ضمن توجهها إلى تقديم أبرز الأعمال العالمية باللغة العربية، بالتوازي مع الاستثمار في تطوير وإنتاج أعمال عربية أصلية، ودعم المواهب، والإسهام في بناء قطاع مستدام للمحتوى الإبداعي في المنطقة.

وقال الدكتور عصام بخاري، المدير العام ورئيس التحرير في «مانجا العربية»، إن الشركة عملت خلال السنوات الماضية على بناء علاقات مباشرة مع أبرز دور النشر اليابانية وصنّاع المحتوى حول العالم، وتوسيع مكتبتها من الأعمال العربية والعالمية، وتعزيز حضور اللغة العربية ضمن منظومة النشر العالمية للمانجا والأعمال الإبداعية.

وأضاف أن إطلاق «ون بيس» باللغة العربية يُمثل خطوة مهمة بالنظر إلى المكانة الاستثنائية التي يحتلها العمل لدى القراء في العالم العربي ومختلف أنحاء العالم، مشيراً إلى أن الشركة تسعى إلى إتاحة الأعمال العالمية الكبرى للقارئ العربي بصورة رسمية، تُحافظ على جودة العمل وحقوق المؤلف، وتصل بها إلى جمهور واسع في المنطقة، وتمهد لشراكات مستقبلية أوسع.

من جانبها، أوضحت نورة الجميلي، مديرة إدارة الإنتاج في «مانجا العربية»، أن إعداد النسخة العربية من «ون بيس» مر بمراحل متعددة لضمان دقة التنفيذ وجودة المخرجات، مع الحفاظ على هوية العمل الأصلية وتقديمه للقارئ العربي بالمستوى الذي يليق بمكانته العالمية.

وبيّنت أن مراحل الإنتاج شملت الترجمة المباشرة والمراجعة والتدقيق وإلصاق الحوارات بما يتناسب مع طبيعة الأحداث في المانجا، وبما يضمن دقة المحتوى واتساقه وجودة النسخة النهائية، ويعكس المعايير التي تتبعها الشركة في تقديم الأعمال لجمهورها.

طوّرت الشركة خلال السنوات الماضية شراكات مع عدد من أبرز دور النشر والاستوديوهات العربية والعالمية (الشرق الأوسط)

وتواصل «مانجا العربية» توسيع حضورها محلياً ودولياً من خلال منظومة تجمع بين المحتوى الرقمي والمطبوع؛ إذ تجاوز عدد مرات تحميل تطبيقاتها 13 مليوناً، ووصلت إلى مستخدمين في أكثر من 190 دولة حول العالم، فيما تجاوز عدد نسخ مجلاتها المطبوعة والموزعة منذ تأسيسها 23 مليون نسخة.

وطوّرت الشركة خلال السنوات الماضية شراكات مع عدد من أبرز دور النشر والاستوديوهات العربية والعالمية، إلى جانب إنتاج أعمال عربية وتطويرها، ودعم المبدعين والمواهب في قطاع المانجا والقصص المصورة.

وتُعد «ون بيس»، من تأليف ورسم إييتشيرو أودا، واحدة من أشهر سلاسل المانجا اليابانية، وبدأ نشرها في مجلة «شونين جمب» التابعة لـ«دار شويشا» عام 1997. وتجاوز إجمالي توزيعها عالمياً 600 مليون نسخة، منها أكثر من 450 مليون نسخة في اليابان، وأكثر من 150 مليون نسخة خارجها، كما نُشرت في أكثر من 60 دولة ومنطقة حول العالم.

وتحمل السلسلة رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية لأكبر عدد من النسخ المنشورة لسلسلة قصص مصورة من تأليف مؤلف واحد، وهو الرقم الذي سُجّل للمرة الأولى عام 2015، وأُعيد تأكيده عام 2022، لتواصل السلسلة مسيرتها العالمية بعد نحو 3 عقود على انطلاقها.


مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

TT

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي)
الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي)

اختتمت سيلين ديون الجولة الأولى من حفلاتها الباريسية. اعتلت المسرح 16 ليلة ما بين سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول). غنّت ورقصت وقفزت أمام جمهور بلغ عدده الإجمالي 560 ألف شخص تقريباً، بمعدّل 35 ألفاً في الليلة. فرحت كما لم تفرح منذ 4 سنوات، أي منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، واضطرارها للصمت عن الغناء والابتعاد عن المسارح.

لم تتصوّر سيلين ديون لعودتها عنواناً سوى باريس، تلك المدينة التي شهِدت على بداياتها، وآمنت بصوتها، فأطلقتها إلى الأضواء. مع أولادها الثلاثة، رينيه شارل وإدي ونيلسون، وصلت المغنية الكنَديّة إلى العاصمة الفرنسية قبل أسبوعين على انطلاق حفلاتها، وتحديداً في 28 أغسطس (آب) 2026. ومنذ لحظة وصولها، تحوّل مدخل الفندق، حيث مقرّ إقامتها، إلى مسرحٍ صغير، يشهد أكثر من احتفاليّة يوميّة على شرفِها. كلما خرجت سيلين من الباب أو عادت إلى الفندق بعد تمارينها في ميدان «لا بلينيتود»، وجدت عشرات المعجبين بانتظارها، يغنّون لها ومعها.

تحوّل مدخل الفندق الذي تقيم فيه ديون إلى مسرح مصغّر جمعها يومياً بمحبّيها (رويترز)

سيلين ديون تولد مرتَين... في باريس

في الحقائب التي تسافر معها إلى منزلها في نيفادا الأميركية، لن توضّب ديون أزياء الحفلات المبهرة فحسب، بل ذكرياتٍ استثنائية وثّقت الكاميرا معظمها. كلّما شاهدت الفنانة العالمية تلك الفيديوهات، ستتذكّر أنّ باريس منحتها ولادة جديدة. مثلما آمنت بها فتاةً مراهقة صاحبة حنجرة ماسيّة عام 1982، عادت ومنحتها الثقة بعد الانكسار لكن بفارق 44 عاماً.

في شبَهٍ واضح مع عنوان أغنيتها «Loved me Back to Life»، فإنّ حبّ باريس أعادَ سيلين ديون إلى الحياة. رأى البعض في تصرّفاتها أمام الفندق وعلى المسرح كثيراً من المبالغة، مستغرِبين فائض حماسها في الرقص والتعبير. في حين رأى محبّوها أنّ طاقتها الطافحة تلك ليست سوى شكلٍ من أشكال الاحتفاء بالحياة بعد موسم طويل من الحزن والألم.

ديون لا تهرب من معجبيها

استبَقت سيلين ديون الافتتاح الرسمي لحفلاتها في باريس، بإقامة ما يُشبه الحفل المصغّر يومياً أمام مدخل «رويال مونسو». لم تتصرَّف كما يفعل النجوم عادةً، هاربةً من الكاميرات ومتجنّبةً لقاء المعجبين ومختبئةً في ظلِّ مرافقيها، إنما استخفّت بالتدابير الأمنية المواكِبة لتحرُّكاتها وأمضت دقائق طويلة مع محبّيها المتحلّقين أمام الفندق.

بات هذا الموعد اليوميّ قبل الانطلاق إلى التمارين وبعدَه، محطّةً محبّبةً ومنتظَرةً لدى ديون. فهي كانت بحاجة إلى تلك اللقاءات العفوية مع الناس، للتأكّد من أنهم ما زالوا يحبّونها ويحفظون أغانيها.

لم تكتفِ ديون بالغناء معهم، بل وجدت ما يكفي من الوقت للإصغاء إليهم وتبادل الحديث معهم والردّ على أسئلتهم وتقييم أصواتهم. حتى إنها في إحدى الليالي، وبعدما لفتَها صوت أحدِهم ويُدعى «ساشا»، اقتربت منه للإصغاء بإمعان إلى غنائه ثم طلبت رقم هاتفه في إشارة واضحة إلى رغبتها في دعم موهبته.

سيلين ديون حافية فوق سيارة

لم تحظَ تصرّفات سيلين ديون أمام الفندق بالإجماع، فالبعض رأى فيها مبالغةً، مستغرباً حركاتها الراقصة. ولعلّ أكثر المَشاهد إثارةً للاستغراب، هو الذي سُجِّل عقب حفلتها الثالثة في 18 سبتمبر، حيث فاجأت المعجبين المتجمهرين أمام الفندق بأن خلعت حذاءها وتسلّقت سيارة مركونة في المكان، راقصةً على سطحها حافية القدمَين.

على نغمات «Pour que tu m’aimes encore»، غنّت سيلين ورقصت حتى إنها تمدَّدت فوق غطاء المحرّك في مشهدٍ تمثيليّ، ولم تنزل سوى بعد انتهاء الأغنية، مثيرةً الذهول والفرح في آن.

سيلين ديون والتفّاحة الحمراء

في مسيرةٍ موسيقية تجاوزت العقود الأربعة، لم تصل العلاقة بين سيلين ديون وجمهورها إلى ما وصلته من صلابةٍ ودفء خلال إقامتها الباريسية. وكأنّ المغنية العالمية بلغت ما يكفي من نضجٍ إنساني وفني، لمعرفة أنّ الرابط الأهمّ الذي ينسجه الفنان هو مع جمهوره.

في محطتها الباريسية الطويلة، حرصت على أن يصبح معجبوها الوافدون من مختلف أنحاء العالم، جزءاً من يومياتها. قبلت هداياهم الصغيرة، على رأسها التفّاحة الحمراء المغمّسة بالسكّر، رمز القلب النابض بالحب. وبعد أن ظهرت مراتٍ عدّة أمامهم بكامل عفويّتها، وبعد أن قدَّمت إليهم أبناءها الثلاثة، عرَّفتهم على كلبتها الصغيرة «ماديسون».

سيلين ديون: I’m Alive

كل عرضٍ من العروض الـ16 التي أحيَتها سيلين ديون في باريس، تحوّل إلى لقاءٍ مؤثّر مع الجمهور. وتبقى ليلة الافتتاح في 12 سبتمبر محطّة مفصليّة في سجلّ الفنانة، ليس فقط لأنها وضعت خلالها الحجر الأساس لولادتها الثانية، بل كذلك لأنها أفصحت من دون خجل عن تأثّرها وشوقها.

على مسرحٍ باريسيٍّ ضخم وأمام أكثر من 30 ألف متفرّج، وقفت ديون حاملةً 4 سنوات من الآلام التي يبّست عضلاتها وزعزعت أعصابها وأفقدتها القدرة على الغناء. استسلمت لدموعها سائلةً الحاضرين، ومن بينهم عدد كبير من المشاهير، ما إذا كانوا يسمعون خفقان قلبها.

سيلين ديون ليلة افتتاح حفلاتها الباريسية في 12 سبتمبر 2026 (إنستغرام الفنانة)

اكتملت الفرحة الباريسية في قلب ديون، عندما لبّت دعوة عرض أزياء شركة «لوريال» ضمن أسبوع باريس للموضة فغنّت في ظلِّ برج إيفل. ولم يأتِ خيار الأغنية في تلك الليلة عن عبث، فأدّت الفنانة «I’m Alive (أنا على قيد الحياة)». محاطةً بأضواء باريس وبنجمات التمثيل وعرض الأزياء اللواتي احتفين بها، بدت ديون بكامل سعادتها.

سيلين ديون... ثروة باريسية

قبل أيام من وداعها باريس، سقطت سيلين ديون خلال أدائها على المسرح. كانت تقفز راقصةً على رجلٍ واحدة فتعثّرت بسروالها. إلّا أنها سرعان ما نهضت مبتسمةً ومواصلةً الغناء كأنّ شيئاً لم يكن. في تلك اللحظة، ساندَها الجمهور في الغناء وقد تكرر الأمر عندما نسيت كلمات أغنية ثانية.

في باريس، بلغ التضامن بين سيلين ديون وجمهورها ذروته، وهي تجدِّد الموعد معه في مايو (أيار) 2027. وإذا كانت باريس هي المدينة التي أعادت الحياة إلى ديون فإنّ الأخيرة منحتها في المقابل هديةً كبرى، إذ تُقدَّر عائدات حفلاتها ما بين 800 ألف و1.2 مليون يورو.


أطباء يُحدِّدون أفضل العلاجات لتخفيف الهبَّات الساخنة

مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
TT

أطباء يُحدِّدون أفضل العلاجات لتخفيف الهبَّات الساخنة

مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)

أوصت مجموعة رائدة من الأطباء في الولايات المتحدة بأن يكون العلاج الهرموني الخيار الأول لتخفيف حدة الهبّات الساخنة والتعرق الليلي ومشكلات النوم الناجمة عنهما.

وقد أصدرت «الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد» (ACOG)، وهي منظمة طبية مهنية رائدة تضم أطباء متخصصين في صحة المرأة في الولايات المتحدة وخارجها، الخميس، مجموعة من التوصيات الجديدة التي تُعد الأكثر تفصيلاً حول مرحلة انقطاع الطمث.

ووفق ما نشره موقع «هيلث داي»، الجمعة، نقلاً عن صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد صنَّفت الكلية التوصية بالعلاج الهرموني ضمن فئة التوصيات «القوية»؛ إذ ترى أن فوائده تفوق مخاطره لدى معظم النساء اللواتي يعانين من هذه الأعراض. غير أن هذا التقييم لا ينطبق على النساء اللواتي لديهن أسباب طبية تمنعهن من استخدام الهرمونات، مثل وجود تاريخ مرضي للإصابة بجلطات دموية أو سكتة دماغية أو أنواع معينة من السرطان.

وتشير بيانات الكلية إلى أن ما بين 50 و92 في المائة من النساء في مرحلة انقطاع الطمث يعانين من الهبَّات الساخنة أو التعرق الليلي، كما تُعد اضطرابات النوم والاكتئاب من المشكلات الشائعة خلال هذه المرحلة العمرية.

وبالنسبة إلى النساء اللواتي يخترن اللجوء إلى العلاج الهرموني، تنصح الكلية ببدء استخدامه قبل سن الستين، أو في غضون 10 سنوات من بداية مرحلة انقطاع الطمث. وينبغي أن يستند هذا القرار إلى تقييم دقيق لأعراض المرأة وعمرها وتاريخها الصحي، وما إذا كان لديها أي عوامل خطر تتعلق بأمراض القلب أو سرطان الثدي أو الجلطات الدموية.

ويُمثّل هذا توجهاً جديداً مقارنة بتوصيات الكلية الصادرة عام 2014، التي كانت تحث الأطباء على وصف أقل جرعة ممكنة، ولأقصر فترة زمنية ممكنة. أما التوجيهات الجديدة فتدعو إلى إجراء متابعات دورية بدلاً من فرض قيود صارمة؛ إذ قد تحتاج بعض النساء إلى الاستمرار في تناول الهرمونات حتى بعد سن الستين إذا استمرت الأعراض، بحسب ما أوردته «نيويورك تايمز».

غالبية النساء يُعانين من الهبَّات الساخنة خلال انقطاع الطمث (أدوب ستوك)

وفي بيان صحافي صادر عن الكلية، الخميس، قال الدكتور بروس بير، أحد المشاركين في إعداد هذه التوجيهات: «للأسف، أدت المفاهيم الخاطئة حول مخاطر العلاج الهرموني إلى التأثير سلباً على استعداد بعض الأطباء لوصفه، وكذلك على رغبة بعض المريضات في استخدامه».

أما بالنسبة إلى النساء اللواتي لا يستطعن تناول الهرمونات أو لا يرغبن في ذلك، فتشير الكلية إلى فئة أحدث من الأدوية غير الهرمونية التي تعمل على حجب إشارات معينة في الدماغ، ومنها عقارا «فيزولينيتانت» (fezolinetant)، و«إلينزانيتانت» (elinzanetant). كما يمكن لبعض مضادات الاكتئاب أن تساعد في تخفيف الهبَّات الساخنة، إلى جانب علاج الاكتئاب.

وتشمل الخيارات غير الدوائية العلاج المعرفي السلوكي، وممارسة تدريبات اليقظة الذهنية، والنشاط البدني، والتنويم المغناطيسي، والوخز بالإبر.

وتشير الكلية إلى أن هذه الوسائل تحقق عادة أفضل النتائج عند استخدامها إلى جانب الأدوية، رغم أن صحيفة «ذا تايمز» أشارت إلى أن الأدلة الداعمة لبعضها لا تزال محدودة. أما الإستروجينات النباتية والمكملات العشبية، فلم تُدرج ضمن التوصيات؛ إذ لا توجد أدلة تثبت سلامتها أو فاعليتها، كما أنها لا تخضع لاختبارات السلامة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، وفقاً لما ذكرته الكلية.

وتشير التوجيهات أيضاً إلى أن عوامل مثل العِرق والثقافة ومستوى الدخل يمكن أن تؤثر في تجربة النساء خلال مرحلة انقطاع الطمث، وكذلك في طبيعة الرعاية الصحية التي يتلقينها.

وفي تصريح لصحيفة «ذا تايمز»، قالت الدكتورة جوان مانسون، أستاذة الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية: «هناك توافق متزايد بين الجمعيات المهنية على ضرورة علاج أعراض انقطاع الطمث، وأن العلاج الهرموني يجب أن يكون خط الدفاع الأول».