المفوضية الأوروبية لفتح الحدود الداخلية كاملة نهاية يونيو

خبراء: لا مبرر لإعادة منع العبور بين الدول حتى إذا عاد الوباء في موجة ثانية

وزيرا الخارجية  الألماني (يمين) والإيطالي عقب إنهاء محادثات في برلين أمس (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الألماني (يمين) والإيطالي عقب إنهاء محادثات في برلين أمس (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأوروبية لفتح الحدود الداخلية كاملة نهاية يونيو

وزيرا الخارجية  الألماني (يمين) والإيطالي عقب إنهاء محادثات في برلين أمس (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الألماني (يمين) والإيطالي عقب إنهاء محادثات في برلين أمس (أ.ف.ب)

تمارس المفوضية الأوروبية ضغوطاً متواصلة على الدول الأعضاء، منذ أيام، لدفعها إلى فتح جميع الحدود الداخلية من غير قيود، اعتباراً من مطلع الشهر المقبل، وذلك بعد أسابيع من إغلاقها على خلفية جائحة «كوفيد - 19». وعلمت «الشرق الأوسط» أن مفوّضة الشؤون الداخلية إيلفا جوهانسن، طلبت رسميّاً من وزراء الداخلية في بلدان الاتحاد خلال الاجتماع الافتراضي، الجمعة، إلغاء جميع التدابير المفروضة على تنقل المواطنين عبر الحدود الداخلية للاتحاد، في مهلة لا تتجاوز نهاية الشهر الحالي.
وتعتبر بروكسل أنه في ضوء التحسّن العام الذي طرأ على الوضع الصحي في أوروبا مؤخراً، لم تعد القيود المفروضة على السفر والتنقّل داخل الاتحاد الأوروبي وسيلة ناجعة لمكافحة الوباء واحتوائه. وتفيد المفوضية بأن البيانات المتوفرة لديها تظهر بوضوح أن الخسائر الناجمة عن الإبقاء على الوضع الراهن لفترة أطول تتجاوز بكثير المخاطر المحتملة لعودة الحركة داخل الاتحاد إلى سابق عهدها. يضاف إلى ذلك أن للوضع الراهن تكلفة عالية على الصعيدين الشخصي والعائلي، ناهيك عن تعارضه كلّياً مع جوهر المشروع الأوروبي الذي يقوم على حريّة التنقّل بين البلدان الأعضاء. أما بالنسبة للوافدين من بلدان خارج الاتحاد الأوروبي، فلا بد من الانتظار ربما حتى أواخر الصيف، كما يقول مصدر مسؤول في المفوضية.
تجدر الإشارة إلى أنه مع بداية انتشار وباء «كوفيد - 19»، انطوت البلدان الأوروبية داخل حدودها عبر سلسلة من إجراءات العزل الأحادية من غير أي تنسيق بينها، متجاهلة توجيهات المفوضية الأوروبية. وأقفلت حدودها في وجه جيرانها، للمرة الأولى، منذ تأسيس الاتحاد. وتقول المفوضية إن تلك الإجراءات أعاقت في حالات كثيرة نقل معدات الوقاية الصحية والأجهزة الطبية اللازمة، وأجبرت مستشفيات عديدة على ارتجال الحلول في ذروة انتشار الوباء، وارتفاع عدد الإصابات الخطرة.
وفي مداخلتها أمام مجلس وزراء داخلية الاتحاد، قالت المفوّضة جوهانسن: «عندما انقضّ الوباء فجأة على أوروبا، تصرّفت الدول تحت وطأة الذعر الذي تملّكها من غير أي تنسيق بينها أو مع المؤسسات الأوروبية، وسرعان ما عادت إلينا صور طوابير الشاحنات الموقوفة على الحدود، التي كنا قد طوينا صفحتها». وأضافت: «إن تصرّفنا في بداية الأزمة كان مدفوعاً برد فعل المواطنين الذين هرعوا إلى متاجر الأغذية لتخزين المؤن بعد إعلان تدابير العزل، ومن المهم الآن عدم الوقوع في تلك الأخطاء نفسها عند فتح الحدود مجدداً أمام حركة المواطنين ونقل البضائع».
ويعترف المسؤولون في المفوضية بأن هدف فتح الحدود مطلع الشهر المقبل دونه عقبات عديدة، حيث إن تسع دول فقط هي التي لا تخضع حدودها لتدابير المراقبة، بينما حددت فرنسا وألمانيا موعد الخامس عشر من هذا الشهر لتقييم الوضع قبل اتخاذ القرار بفتح الحدود، بينما إسبانيا قررت الاستمرار في إقفالها حتى نهاية الشهر، رغم الضغوط الشديدة التي تتعرض لها الحكومة من قطاع السياحة ومن الشركاء الأوروبيين.
يضاف إلى ذلك أن بعض الحكومات الأوروبية ما زالت متحفظة على فتح حدودها أمام بعض المناطق أو البلدان التي ضربها الوباء بقسوة، حيث إن الدانمارك والنرويج مثلاً ترفضان دخول السيّاح من السويد التي انتشر فيها الفيروس على نطاق واسع بسبب الاستراتيجية التي اعتمدتها بعدم عزل سكّانها ومواصلة نشاط العجلة الاقتصادية. لكن خبراء المفوضية يعتبرون أن هذا الوضع لم يعد له اليوم ما يبرّره، كما أن التدابير المفروضة على القادمين من بريطانيا، وهي مصدّر رئيسي للسياحة الصيفية في أوروبا، لم تعد مبررة.
وتعتمد المفوضية الأوروبية في موقفها الضاغط على الدول الأعضاء لفتح الحدود على استنتاجات التقرير الأخير للمركز الأوروبي لمكافحة الأمراض، التي تشير إلى أن القرائن المتوفرة توصي بعدم الاستمرار في إقفال الحدود الذي بات يهدد بتداعيات خطرة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.
ويعتبر خبراء المركز المذكور أنه بعد تراجع الوباء بشكل ملحوظ في معظم بلدان الاتحاد الأوروبي بات كافياً استخدام الكمامات، والتزام مسافة التباعد الاجتماعي، من غير إجراءات العزل الأخرى، وأنه لم يعد من مبرر لعودة إلى إقفال الحدود مجدداً إذا عاد الوباء في موجة ثانية.
ومن المواضيع الأخرى التي ناقشها مجلس وزراء الداخلية، فتح الحدود الخارجية للاتحاد المقفلة منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، التي تنتهي مهلة إقفالها منتصف هذا الشهر. وتقرر الإبقاء على هذه الحدود مقفلة من غير تحديد تاريخ نهائي لفتحها، في انتظار فتح جميع الحدود الداخلية من غير أي قيود، إذ «ليس من المعقول السماح للوافدين من الولايات المتحدة واليابان بالدخول إلى الاتحاد الأوروبي، طالما أن جميع الأوروبيين ليسوا قادرين على التنقل بحرية في جميع البلدان الأوروبية»، كما قالت جوهانسن. وتقول مصادر المفوضية إن موجة انتشار الوباء حالياً في أميركا اللاتينية تشكّل عقبة في وجه خطوة فتح الحدود الخارجية، لكن الحل قد يكون تدريجياً بفتحها أمام بعض البلدان، وفرض تدابير أكثر تشدداً على الوافدين من المناطق الأكثر تفشّياً.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟