مظاهرات وسلاسل بشرية في ذكرى مقتل مئات أمام مقر الجيش السوداني

حمدوك يتعهد {القصاص للشهداء} وكشف مرتكبي جريمة فض الاعتصام

TT

مظاهرات وسلاسل بشرية في ذكرى مقتل مئات أمام مقر الجيش السوداني

تعهّد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بتحقيق العدالة الشاملة والقصاص لأرواح الشهداء، وبعدم التراجع عن كشف المجرمين الحقيقين الذين ارتكبوا جريمة فض الاعتصام من أمام القيادة العامة للجيش، التي راح ضحيتها أكثر من مائتي شهيد «اغتيلوا» في الثالث من يونيو (حزيران) 2019، بينما استحضرت المدن السودانية حزنها، وسالت دموع الشعب مدرارة تحرق المآقي، تذكرة بـ«أبطال الشعب» الذين قُتلوا في سبيل ثورة ديسمبر وأهدافها في «الحرية والعدالة والمساواة»، وتدفقوا بالآلاف إلى الشوارع غير عابئين بالحظر الصحي، متظاهرين ومحتجين ومرددين هتافات الثورة والمطالبة بالقصاص للشهداء.
وخرج آلاف الشباب معظمهم من الذين نجوا من المذبحة والمأساة، بمن فيهم أُسَر الشهداء، متجاهلين خطر الإصابة بجائحة «كورونا»، إلى ميادين وشوارع العاصمة الخرطوم والمدن الأخرى، وشكّلوا سلاسل بشرية لتجديد ذكرى رفاقهم، الذين اغتيلوا عشية عيد الفطر قبل عام، ونظموا وقفات احتجاجية، وسدُّوا الشوارع والطرقات، وأحرقوا الإطارات احتجاجاً ومطالبةً بمحاسبة من ارتكبوا المجزرة البشعة بحق رفاقهم ضحايا «مجزرة فض الاعتصام».
وهرع الآلاف في المدن السودانية إلى الشوارع يحملون صور الشهداء، ليهتفوا «دم الشهيد دمي، أم الشهيد أمي»، «دم الشهيد ما راح.. ملابسنا نحن وشاح»، «دم الشهيد بكم؟ ولا السؤال ممنوع»، وغيرها من الهتافات.
وحرق الثوار إطارات السيارات في الشوارع، وسدوها أمام حركة السير، في الوقت الذي شددت فيه السلطات الأمنية على الحركة، وقامت بسدّ كل المنافذ والطرقات المؤدية لقيادة الجيش والقصر الرئاسي في قلب الخرطوم، ووضعت في مداخلها مصدات وموانع إسفلتية، وسدت شاحنات الجيش والشرطة مداخل الجسور، تحسباً لاعتصام جديد يعيد سيرة الاعتصام السابق.
وغصت الأسافير وعالم الإنترنت بآلاف الفيديوهات والصور، تم تصويرها أثناء عمليات قتل المعتصمين وحرق الخيام، وإطلاق النار من قبل القناصة المجهولين، والاعتداءات على النساء والشباب والكوادر الطبية، وصور لفتيات يتعرضن للإذلال على أيدي عسكريين.
واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي السودانية، «فيسبوك»، «تويتر»، «إنستغرام»، وغيرها بالتغريدات التي تطالب بمحاكمة من فضّوا اعتصام القيادة والثأر للضحايا، ومحاصرة لجنة التحقيق لتجيب على سؤال «مَن فض الاعتصام»؟ وتقديمه للمحاكمة.
وتساءل نشطاء في تلك المواقع: «لماذا تأخر تقرير التحقيق، رغم وجود آلاف الأدلة التي تكشف المتورطين؟»، محذرين من «ضياع دم الشهيد»، بل وبعضهم حمّل الحكومة المسؤولية عن عدم الوصول للجناة، بالسؤال: «هل استبدلتم بدم الشهيد المناصب؟!».
الهتاف وحده ليس سيّد النشيج، فالشعراء والفنانون ألقوا أشعارهم وأغنياتهم في حضرة الشهداء، وتُلِيَت قصائد حماسية على المحتجين، صورت المأساة، وحذرت من تضييع دم الشهيد، وتغنّت الحشود بأغنيات الحماسة، واستعادوا أشعار الثورة.

- وعود حمدوك
واستبق رئيس الوزراء عبد الله حمدوك التوقيت، وتعهّد في خطاب للشعب بثه التلفزيون الرسمي، عشية أول من أمس، بمحاكمة مَن يثبت تورطه في انتهاكات فض الاعتصام، وبتحقيق العدالة الشاملة والقصاص لأرواح ضحايا فض الاعتصام.
ووعد بالقيام بإعادة الحقوق لأهلها، بقوله: «هي خطوة لا مناص ولا تراجع عنها، وأنها ضرورية للغاية من أجل بناء سودان العدالة وسيادة حكم القانون»، وطالب بالكشف عن المجرمين الحقيقيين ومحاسبتهم، وتابع: «إننا في انتظار اكتمال أعمال لجنة التحقيق المستقلة... وتقديم كل من يثبت توجيه الاتهام ضده.. لمحاكمات عادلة وعلنية».
وقال وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح: «... ذكرى فض اعتصام القيادة العامة، ويوم المذبحة والملحمة والصمود والبسالة.. تجدد تحميلنا... مسؤولية تحقيق العدالة والقصاص للشهداء ومعاقبة المجرمين، وتحقيق أهداف الثورة».
وقال عباس فرح والد الشهيد «فرح» إن تحقيق العدالة والاقتصاص للشهداء من مطالب ثورة الشعب، وتابع: «ما نريده تحقيق العدالة بمحاكمة من ارتكبوا المجزرة ضد أبناء الشعب السوداني أمام قيادة الجيش بالخرطوم».
وأوضح عباس الذي يترأس «منظمة شهداء ثورة ديسمبر (كانون الأول)»، وهي منظمة مجتمع مدني تسعى للقصاص من قتلة الشهداء، أن على لجنة التحقيق الخاصة بفض الاعتصام تحقيق العدالة المرجوة التي ينتظرها السودانيون بمحاكمة المجرمين.
وأضاف: «نتمسك بالقصاص لشهدائنا، وخياراتنا للتقاضي مفتوحة من أجل تحقيق العدالة، من أجل ردع كل مَن تسوِّل له نفسه ارتكاب جرائم ضد الشعب السوداني».

- ماذا حدث في 3 يونيو؟
وشهدت صبيحة الثالث من يونيو (حزيران) الماضي، وأثناء بدأ استعدادات المعتصمين للاحتفاء بعيد الفطر في محل اعتصامهم أمام القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم، وبعض حاميات الجيش في مدن الولايات، اقتحمت قوة مكوّنة من صنوف القوات النظامية جميع مقرّات الاعتصام، ووقعت في المعتصمين السلميين تقتيلاً بالأسلحة الثقيلة والخفيفة والعصى وإذلالاً باغتصاب عدد من النساء والرجال، لكسر إرادتهم الفريدة التي أسقطت أعتى الأنظمة الديكتاتورية في تاريخ البلاد».
وتضاربت الأرقام حول أعداد القتلى والجرحى والمفقودين وضحايا حالات العنف والعنف الجنسي، فبينما تقول تقارير رسمية نحو 120 قتيلاً، ألقي ببعضهم أحياء في نهر النيل بعد تقييدهم إلى حجارة حتى لا تطفو جثثهم، لكن لجنة الأطباء المركزية ذكرت في تقرير أن العدد تجاوز 250 ومئات الجرحى وعشرات المفقودين، وضحايا الاعتداءات والاعتداءات الجنسية.
وبدأت أحداث أشهر اعتصام في تاريخ المنطقة السادس من أبريل (نيسان) 2019 باحتشاد ملايين النساء والرجال، أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، للمطالبة برحيل نظام الإنقاذ وتنحية رئيسه عمر البشير، ودعوا «قواتهم المسلحة» لحمايتهم من بطش آلة النظام وكتائب ظِلّه، وبالفعل صد ضباط وجنود من القوات المسلحة محاولات يائسة من فلول الإسلاميين لفض الاعتصام.
واستمر الاعتصام حتى الحادي عشر من أبريل (نيسان)، وحينها أعلنت اللجنة الأمنية لنظام المعزول عمر البشير بقيادة وزير دفاعه، عوض بن عوف، تنحيته وتكوين مجلس عسكري انتقالي برئاسته، لكن الثوار رفضوا الاعتراف برئاسة ابن عوف، فاضطر للتنحي بعد يوم واحد، وأعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، والفريق أول محمد حمدان دقلو نائباً له، وعضوية آخرين.
لكن المعتصمين واصلوا اعتصامهم طوال الفترة من 11 أبريل وحتى فضه في 3 يونيو، متمسكين بتكوين حكومة مدنية ومحاكمة رموز النظام الإسلاموي ومحاسبتهم وتصفية مراكز نفوذهم، وهم يرددون هتافهم الأثير: «أي كوز ندوسوا دوس»، وغيره من الهتافات التي تطالب بعودة الحكم المدني.

- لجنة التحقيق
بعد تكوين الحكومة المدنية الانتقالية كلّف رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، لجنة تحقيق مستقلة برئاسة المحامي نبيل أديب للتحقيق في مقتل المعتصمين، بيد أن شهوراً مرّت على تكوين اللجنة، ولم تقدم تقريرها بعد.
تأخر تقديم التقرير أثار شبهات بين ذوي الضحايا والثوار، بأن اللجنة غير جادة في الوصول للجناة، وأصبح يُوجّه لها السؤال: «المجرم معروف والضحية معروفة؛ فعلام الانتظار؟».
استفزاز السؤال دفع رئيس اللجنة المحامي نبيل أديب للقول عشية الذكرى الأولى إنه استجوب أو سمع أقوال كل ذوي الصلة بفض الاعتصام، ووعد بإظهار الحقيقة كاملة، وإن المطالبة بالقصاص حق قانوني، وإن لجنته لن تسمح لأحد مهما كان موقعه بالإفلات من العقاب.
وأبلغ أديب وسائل إعلام، بأنه استجوب أكثر من 3 آلاف شاهد، وقطع بعدم وجود حصانات تحول دون محاكم عسكريين في مجلس السيادة أو غيره حال ثبو إدانتهم.

- تفاعلات دولية
لجنة أديب وتحقيقها، لم توقف سيل الإدانات للمجزرة البشعة، التي تجاوزت الحدود الوطنية، فالأمم المتحدة طالبت في نشرة صحافية أمس، بضرورة مساءلة المجرمين وتحقيق العدالة لضحايا الاعتداء الغاشم على المتظاهرين السلميين، باعتباره «أمراً أساسياً لتقدُّم البلد نحو ديمقراطية آمنة».
وقال المقرر الخاص للأمم المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، نياليتوسي كليمنت فولى: «ما زلنا قلقين من أنه بعد مرور عام على الهجوم العنيف على المتظاهرين السلميين، لا يزال الضحايا وأقاربهم ينتظرون العدالة وجبر الضرر».
ودعا خبراء تابعون للأمم المتحدة إلى محاسبة جميع المسؤولين دون استثناء، ووفقاً لقواعد الإجراءات القانونية الواجبة، التي حددتها المعايير الدولية، وقال الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان أريستيد نونوسي: «لقد كانت النساء في طليعة الاحتجاجات السلمية، كما كنّ من بين أوائل ضحايا العنف بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان والعنف الجنسي».
ودعا الخبراء الخرطوم لدعم التزامها بإقامة عدالة انتقالية شاملة، تضمن حقوق الضحايا وتراعي حساسية النوع، لمعالجة كل انتهاكات الماضي ومنع تكرارها، وإنشاء «مفوضية فعالة للعدالة الانتقالية»، وإجراء إصلاحات في قطاع الأمن لتوفير المزيد من المساءلة والسيطرة المدنية الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
وقالت السفارة الأميركية في الخرطوم على حسابها الرسمي في «فيسبوك»، أمس، إنها تكرم ذكرى الرجال والنساء والشباب السودانيين الذين ضحَّوا بحياتهم منذ عام. وأضافت: «كانوا يطالبون بكل شجاعة بالحكم المدني في السودان والحرية والسلام والعدالة»، ودعت الحكومة السودانية لإجراء محاسبة للمسؤولين عن الفض العنيف للمظاهرة.
وأشادت سفارة الاتحاد الأوروبي في الخرطوم بالتضحيات التي قدمها الشعب السوداني منذ بداية الثورة، والتي أدّت لاتخاذ كثير من الخطوات تجاه الانتقال الديمقراطي.
وتعهّد الاتحاد في نشرة صحافية، بمواصلة دعم شعب السودان لتحقيق السلام والديمقراطية والعدالة والازدهار للجميع، ودعا لـ«العثور على الحقيقة حول ما حدث قبل عام بالضبط، أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية»، وتابع: «نتابع عن كثب جهود السلطات السودانية، لإجراء تحقيق مستقل وشفاف، ويجب محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، بتحقيق العدالة، بما يمكن السودان من انتقال مستقر يؤهله للاندماج في المجتمع الدولي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.