الصين تلتحق بسباق اللقاحات العالمي بعد إعلان انتصارها على الفيروس

تجربة سريرية على 108 أشخاص {أظهرت نجاحاً أولياً}

خبير يستعرض جرعات من لقاح تجريبي في مختبر بتايلند أول من أمس (أ.ف.ب)
خبير يستعرض جرعات من لقاح تجريبي في مختبر بتايلند أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

الصين تلتحق بسباق اللقاحات العالمي بعد إعلان انتصارها على الفيروس

خبير يستعرض جرعات من لقاح تجريبي في مختبر بتايلند أول من أمس (أ.ف.ب)
خبير يستعرض جرعات من لقاح تجريبي في مختبر بتايلند أول من أمس (أ.ف.ب)

بعد أيام من إعلان نجاح المرحلة الأولى من التجارب السريرية للقاحين أميركي وبريطاني لعلاج فيروس «كورونا المستجد» المسبب لعدوى «كوفيد - 19»، حملت دورية «لانسيت» الطبية أنباء عن نجاح المرحلة الأولى من التجارب السريرية للقاح صيني.
وجاء إعلان الدورية الطبية الشهيرة، الجمعة الماضي، بالتزامن مع تأكيد رئيس الحكومة الصينية لي كي تشيانغ، خلال افتتاح المجلس الوطني لنواب الشعب، نجاح بلاده في هزيمة فيروس «كورونا المستجد»، حيث لم يتم تسجيل يوم الجمعة أي إصابة جديدة أو حالة وفاة بالفيروس. وبينما يعتمد اللقاح الأميركي على تقنية جديدة تستخدم لأول مرة، وهي «استخدام مقتطف صغير من الشفرة الوراثية للفيروس يتم حقنها في المريض»، فإن اللقاح الصيني الذي أعلنت عنه دورية «لانسيت»، يستخدم «تقنية تم تجريبها سابقاً، وتعتمد على استخدام فيروس ضعيف من فيروسات نزلات البرد له القدرة على إصابة الخلايا البشرية بسهولة دون أن يكون قادراً على التسبب في المرض، وذلك لإيصال المواد الوراثية التي ترمز لبروتين فيروس (كورونا المستجد) إلى الخلايا، ويساعد ذلك الجهاز المناعي على خلق أجسام مضادة تتعرف على هذا البروتين وتقاوم الفيروس».
وأظهرت التجارب التي أُجريت على اللقاح الصيني في مرحلته السريرية الأولى، أنه كان قادراً على توليد استجابة مناعية ضد الفيروس عند 108 من البالغين الأصحاء، حيث أنتجت جرعة واحدة منه أجساماً مضادة للفيروس خلال 14 يوماً. وخلال التجارب تم تقسيم المتطوعين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً، إلى ثلاث مجموعات كل منها تكونت من 36 شخصاً، ويشتركون جميعاً في أنه لم يكن لديهم عدوى بالفيروس. وتلقت المجموعات الثلاث حقنة عضلية واحدة من اللقاح الجديد الذي تمت تسميته (Ad5 - nCoV)، بجرعات منخفضة، متوسطة، وعالية، ثم تم اختبار دم المتطوعين على فترات منتظمة بعد التطعيم لمعرفة ما إذا كان اللقاح قد حفّز الجهاز المناعي أم لا، فوجدوا أنه يولّد الأجسام المضادة للفيروس.
وفي غضون أسبوعين من التطعيم «أدت جميع مستويات جرعة اللقاح إلى مستوى معين من الاستجابة المناعية في شكل أجسام مضادة، وبعد 28 يوماً، حصل معظم المشاركين على زيادة أربعة أضعاف في الأجسام المضادة». ووفق البحث «لم تظهر أي أعراض جانبية سلبية خطيرة في غضون 28 يوماً من التطعيم، وكان معظم الأعراض خفيفة أو معتدلة عند 83% (30 شخصاً من 36) من أولئك الذين تلقوا جرعات منخفضة ومتوسطة من اللقاح و75% (27 شخصاً من 36) في مجموعة الجرعات العالية».
ويقول د. وي تشين، من معهد بكين للتكنولوجيا الحيوية في بكين بالصين، والباحث الرئيسي بالدراسة في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للمعهد بالتزامن مع نشر الدراسة: «يجب تفسير هذه النتائج بحذر، فالقدرة على تحفيز هذه الاستجابات المناعية لا تشير بالضرورة إلى أن اللقاح سيحمي البشر من الفيروس، وهذه النتيجة مبشِّرة، لكننا لا نزال في حاجة للتأكد من استمرار هذه الاستجابات المناعية خلال الأشهر الستة القادمة».
ما أشار إليه تشين، على ما يبدو أنه يعكس استيعاباً لدرس الماضي، من ضرورة توخي الحذر فيما يتم إعلانه بشأن اللقاحات، حيث تسببت نتائج خاطئة بخصوص أحد اللقاحات تم الترويج لها عام 2018 في تشويه سمعة اللقاحات الصينية. وتبين في يوليو (تموز) من عام 2018 أن شركة «شانغ شينغ بيو تكنولوجي» لصناعة اللقاحات قد زورت البيانات الخاصة بإنتاج لقاح داء الكلب الذي تنتجه، وصدر أمر للشركة بوقف الإنتاج وسحب لقاحات داء الكلب من الأسواق. ويقول تقرير نشرته شبكة «بلومبرغ» في 19 مايو (أيار) الماضي، إن هذا الحدث ربما يمثل تحدياً سيواجه اللقاح الصيني في سباق اللقاحات العالمي، حيث إنه أدى إلى تقويض ثقة الجمهور في اللقاحات الصينية وإعطاء الصناعة سمعة عالمية سيئة.
وفي مقابل هذا التحدي، تملك الصين فرصاً تسويقية كبيرة في سباق اللقاحات الذي يتضمن أكثر من 108 لقاحات قيد التطوير، وتم إعلان عن نتائج المرحلة الأولى من التجارب السريرية لثلاثة منها، كان آخرها اللقاح الصيني. وأشار التقرير إلى أن الفرص التسويقية للصين مصدرها أن اللقاح الصيني يستخدم طريقة تم تجريبها من قبل في إنتاج اللقاحات، بينما اللقاح الأميركي يستخدم طريقة جديدة لا توجد سابقة تتعلق بها، لذلك ليس من الواضح ما إذا كان يمكن تصنيع مثل هذا اللقاح على نطاق واسع بسرعة لتلبية الطلب.
وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد وعد الاثنين الماضي خلال كلمته في الحفل الافتتاحي للجلسة الـ73 لجمعية منظمة الصحة العالمية عبر الفيديو، بأن تعمل بكين على توفير اللقاح بأسعار معقولة لكل العالم عندما يتم إنتاجه، وهي الخطوة التي قال عنها تقرير «بلومبرغ»، إن من شأنها أن تساعد في نزع فتيل الانتقادات الموجهة إلى الصين، بسبب تأخرها في الإعلان عن ظهور الفيروس الجديد، مما أدى لإصابة الملايين عبر العالم.
وسبق للصين أن قادت جهداً عالمياً لتوزيع اللقاحات على النطاق العالمي، حيث قامت بتوزيع 30 مليون جرعة من لقاح التهاب الدماغ الياباني خلال الفترة من 2014 إلى 2018.
من جانبها، ترى د.نجوى البدري، مدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، أن «التحدي الأكبر الذي يواجه اللقاحات عموماً هو الحاجة إلى التأكد من استجابتها المناعية».
وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن الظرف الطارئ يؤدي إلى التسريع من خطوات الإنتاج، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب التأكد من أن الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح لن يصابوا بالفيروس، وهذا لن يتم التأكد منه إلا إذا تعرض للفيروس الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح في التجارب السريرية، وتم إثبات أن اللقاح وفّر لهم التحصين ضد الفيروس».
وتضيف: «إذا كانت الصين قد أعلنت السيطرة على المرض ولم تسجل أي إصابات يوم الجمعة، فقد يكون التحدي الكبير الذي يواجهها هو عدم تعرض الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح للفيروس حتى يتم التأكد من أنه وفّر الحماية منهم».
وتحتاج الصين لتجاوز هذه المشكلة إلى التعاون مع دول أخرى في العالم خلال المراحل التالية من التجارب السريرية والتي تُجرى على عدد أكبر من المتطوعين. وفي الماضي، لم تذهب جهود اللقاحات الصينية إلى أي مكان بالعالم، لأن الأمراض التي استهدفتها تم القضاء عليها أو لم تنفجر على نطاق واسع داخل الصين، فعلى سبيل المثال، توقفت جهود إنتاج لقاح «سارس» عندما اختفى الفيروس بعد إصابة أكثر من 8000 شخص في عام 2003.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟