الاقتصاد الهندي يكتوي بالتباطؤ... لكنه بعيد عن الركود

خسائر الإغلاق اليومية تناهز 4.5 مليار دولار

أجمعت وكالات التصنيف على أن وباء {كورونا} الراهن هو بمثابة تسونامي للاقتصاد الهندي (رويترز)
أجمعت وكالات التصنيف على أن وباء {كورونا} الراهن هو بمثابة تسونامي للاقتصاد الهندي (رويترز)
TT

الاقتصاد الهندي يكتوي بالتباطؤ... لكنه بعيد عن الركود

أجمعت وكالات التصنيف على أن وباء {كورونا} الراهن هو بمثابة تسونامي للاقتصاد الهندي (رويترز)
أجمعت وكالات التصنيف على أن وباء {كورونا} الراهن هو بمثابة تسونامي للاقتصاد الهندي (رويترز)

في الوقت الذي تبحث فيه الهند عن استراتيجية للخروج من مأزق فترة الإغلاق العام الطويلة، التي بلغت 40 يوماً حتى الآن، وتنتهي بحلول الثالث من مايو (أيار)، فمن المُقدر أن كل يوم يمر من أيام الإغلاق يُكبّد الحكومة الهندية خسائر مالية تقارب 4.5 مليار دولار.
ولقد أجمعت وكالات التصنيف العالمية والمحلية، على أن وباء «كورونا» الراهن هو بمثابة «تسونامي» للاقتصاد الهندي. وحتى رغم أن البلاد قد لا تنزلق إلى هاوية الركود الاقتصادي - على العكس من منطقة اليورو، أو الولايات المتحدة، أو آسيا والمحيط الهادئ التي تملك علاقات تجارية قوية تربطها بالصين – توقع المحللون انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الهندي إلى مستوى 2.5 نقطة مئوية، من مستوى يقرب من 5 نقاط مئوية المسجلة في يناير (كانون الثاني).
وصدرت أحدث التوقعات عن بنك «يو بي إس» السويسري، الذي تنبّأ بانكماش الاقتصاد الهندي لمستوى 3.1 نقطة مئوية في حالة استمرار القيود المفروضة على التنقل داخل البلاد، حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) المقبل وعودة النشاط الاقتصادي إلى حالته الطبيعية بحلول نهاية أغسطس (آب) المقبل.
وكانت وكالة التصنيف موديز لخدمات المستثمرين قد خفضت من توقعات النمو لعام 2020 الحالي في الهند إلى 0.2 نقطة مئوية، من واقع 2.5 نقطة مئوية في وقت سابق، على افتراض أن التكاليف الاقتصادية المزامنة لوباء «كورونا» في خضم حالة الإغلاق شبه التامة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي تتراكم بوتيرة سريعة.
في حين حذرت وكالة «فيتش» للتصنيف من تدهور التوقعات المالية للاقتصاد الهندي والناجمة عن انخفاض النمو الاقتصادي مما يمكن أن يزيد من الضغوط على التصنيف السيادي الهندي.
وعقدت وحدة المعلومات والبيانات، الملحقة بصحيفة «إنديا توداي»، مقارنة بين توقعات مؤسسات مالية مختارة مثل «البنك المركزي الهندي»، و«البنك الدولي»، و«صندوق النقد الدولي»، ووكالات التصنيف العالمية مثل «موديز» و«فيتش»، وخلصت إلى أنهم يتوقعون في المتوسط لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الهندي أن يبلغ 2 إلى 3 نقاط مئوية كاملة لعامي 2020 و2021.
وفقدت الهند أسبقية الاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً لصالح الصين في عام 2019، عندما حققت نمواً بواقع 5.3 نقطة مئوية فقط في مقابل 6.1 نقطة مئوية سجلتها الصين. وينسحب الأمر نفسه على عام 2021 المقبل. فمن المتوقع للصين أن تحقق نمواً بواقع نقطة مئوية كاملة في العام الحالي، مع بلوغ مستوى 7.1 نقطة مئوية من النمو بحلول العام المقبل.
ويتوقع «صندوق النقد الدولي» للناتج المحلي الهندي أن يحقق نمواً بمقدار 1.9 نقطة مئوية في عامي 2020 و2021. الأمر الذي يجعل الاقتصاد الهندي هو الأسرع نمواً في العالم الذي يعاني من الركود خلال العام الحالي.
وبغية إعادة الاقتصاد الهندي المنهك إلى مساره الصحيح في أعقاب وباء كورونا الفتاك، حثت جماعات الضغط بالصناعة المالية، مثل «سي آي آي» ووكالة «فيشي» على الإعلان عن حزمة الإنقاذ المالي بقيمة 200 إلى 300 مليار دولار، إلى جانب مجموعة أخرى من المحفزات المالية الموجهة للمؤسسات المتوسطة والصغيرة.
وتجد الشركات والأعمال الهندية اليوم نفسها في موضع صعب بين المطرقة والسندان. إذ كشف استطلاع لرأي 200 من الرؤساء التنفيذيين أجرته مؤسسة «سي آي آي» أن أكثرهم يتوقعون انخفاض الإيرادات بأكثر من 10 نقاط مئوية كاملة، وتراجع الأرباح بأكثر من 5 نقاط مئوية أيضاً. ويتوقع أكثر من نصف الرؤساء التنفيذيين فقدان الكثير من الوظائف. ويقول كثيرون منهم أنه رغم المناشدات المتكررة بعد تسريح الموظفين والعمال أو خفض الرواتب، فإن الإغلاق العام قد جفف منابع التدفقات المالية لديهم، ولم يترك لهم أي خيار آخر.
وقال فيكرام كيرلوسكار، رئيس مؤسسة «سي آي آي»: «إننا نطالب أعضاء المؤسسة بألا يُقدموا على تسريح الموظفين لديهم».
ومع ذلك، هناك بعض الشركات التي تتحرك بالفعل صوب هذه النهاية. على سبيل المثال، أعلنت شركة «سبيس جيت» للطيران، التي اضطرت إلى إلغاء جميع الرحلات الجوية التجارية، عن خفض رواتب الموظفين بنسبة 10 إلى 30 في المائة، في حين تنظر شركة «إير إنديا» للطيران في خفض رواتب موظفيها بنسبة 5 في المائة.
وصرح أحد وزراء الحكومة الهندية، مشترطا حجب هويته الحقيقية، أنه يتوقع فقدان ما بين 1.5 إلى 2 مليون وظيفة في البلاد بسبب الأزمة الراهنة.
وقال راغورام راجان، المحافظ الأسبق للبنك المركزي الهندي: «تواجه الهند أكبر حالة طوارئ تشهدها البلاد منذ الاستقلال»، وأشار إلى أنه برغم الأزمة المالية العالمية لعام 2008 - 2009 كانت من التحديات الاستثنائية، ولكن: «كان عمالنا يستطيعون الذهاب إلى أعمالهم، وكانت الشركات قد خرجت لتوها من سنوات من النمو القوي، وكان نظامنا المالي سليما إلى درجة كبيرة، وكانت التمويلات الحكومية تحظى بقدرات معتبرة. ولم نعد نملك أي من هذه الأدوات اليوم».
يقول البعض إنه حري بالحكومة الهندية اتخاذ إجراءات تماثل استجابتها للأزمة المالية العالمية في عام 2008. وفي تلك الأثناء، قام البنك المركزي الهندي بتخفيض أسعار الفائدة من 7 نقاط مئوية إلى أدنى مستوى فعلي بلغ 3.25 نقطة مئوية، مع تحرك الحكومة لتوسيع حد العجز المالي في الناتج المحلي الإجمالي من 2.5 للسنة المالية 2008 إلى 6 نقاط مئوية للسنة المالية 2009. ثم إلى 6.5 نقطة مئوية للسنة المالية 2010. كما قال أنانث نارايان، الأستاذ المساعد في معهد «إس بي جاين» للإدارة والأبحاث، مصرحا إلى إحدى الصحف المالية اليومية الهندية.
ونقصان التدفقات النقدية هي من القضايا الرئيسية بالنسبة إلى الشركات. يقول نيليش شاه، العضو المنتدب لشركة «كوتاك ماهيندرا لإدارة الأصولـ«: «إذا نظرت إلى مؤشر «بي إس إي 500»، فهناك 100 شركة فردية تملك أصولا مالية، في حين أن الـ400 شركة الأخرى تعاني من الديون. وفي مقابل كل شركة لديها فاض نقدي، نجد أن هناك 4 أو 5 شركات أخرى من أصحاب الديون. وبالتالي، هناك أزمة نقدية خطيرة في طريقها إلينا، وسوف تلقي التحديات بظلالها القاتمة على الجميع من شركات البيع بالتجزئة إلى محطات الطاقة وحتى مصانع الحديد والصلب».
ويضيف شاه قائلا: «ليس هناك خيار أمام الحكومة سوى اللجوء إلى خطط التحفيز المالي. وهذه من المعارك التي تستغرق الكثير من الوقت والحهد. وسوف تطالب الكثير والكثير من الصناعات بالدعم، وخلافا لذلك، فسوف نشهد بيع الأصول المحلية لصالح المستثمرين الأجانب».

الجوانب الإيجابية
وقالت كيران مازومدار، رئيسة شركة «بيوكون ليمتد» في مقالة أخيرة لها: «من الزاوية الجيوسياسية، وفرت الأزمة الراهنة للهند الفرصة لاتخاذ وضعية اللاعب الاستراتيجي على خارطة سلاسل التوريد العالمية. وفي الوقت الذي يتطلع العالم فيه إلى نزع المخاطر عن سلاسل التوريد الناشئة من الصين، يمكن للهند تنظيم قدراتها ومزاياها بصورة أكثر تأكيدا. ومن شأن فاتورة استيراد النفط في الهند أن تنخفض من 105 مليار دولار المقدرة لعام 2019 - 2020 إثر انهيار أسعار النفط الخام العالمية. ومن الضروري للحكومة الهندية تخصيص 20 مليار دولار (بنسبة 0.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) من هذه الوفورات النقدية وتوجيهها إلى حافظة المحفزات الصناعية».
وأضافت السيدة مازومدار تقول: «يشكل الاقتصاد المحلي أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي في الهند. غير أن ذلك لا يجعل من الهند آسياد مصيرهم، إنما يسبب حصارا كبيرا للاقتصاد الهندي من آثار الانكماش العالمي إلى ما يساوي ثلث الناتج المحلي الإجمالي».
ولم تدخر الحكومة أو البنك المركزي للهندي جهدا في تقديم الدعم للاقتصاد الوطني. ولقد أعلنا سويا عن اتخاذ إجراءات مالية ونقدية من شأنها أن توفر قدرا من الدعم في هذه الأوقات العصيبة. كما أعلنت نيرمالا سيتارأمان، وزيرة المالية الهندية، عن حزمة مساعدات مالية بمقدار 23 مليار دولار تهدف إلى التخفيف من حدة الاضطرابات الاقتصادية الراهنة. ولقد طرح البنك المركزي الهندي التخفيضات الكبيرة في أسعار الفائدة، فضلا عن مجموعة كبيرة من التدابير غير التقليدية الرامية إلى إتاحة الائتمان للشركات والأعمال المحاصرة.



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.