متحدثة «أطباء بلا حدود»: «كورونا» لم يغير موقف النظام السوري من السماح لنا بالعمل

سلوى أبو شقرا تخوفت في حديثها إلى «الشرق الأوسط» من تفشي الفيروس باليمن

بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)
بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

متحدثة «أطباء بلا حدود»: «كورونا» لم يغير موقف النظام السوري من السماح لنا بالعمل

بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)
بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)

على عكس بعض الكوارث الطبيعية مثل السيول والأعاصير التي تستطيع الأقمار الصناعية التنبؤ بتوقيتها، تأتي الكوارث الصحية بشكل مفاجئ، مثل جائحة فيروس «كورونا» المستجد، والتي يعاني العالم من آثارها منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وحتى الآن. وبينما كشف هذا التحدي الصحي المباغت أن الكثير من دول العالم لم تكن جاهزة لخوض الاختبار بعد أن كبدتها التداعيات المصاحبة للفيروس مصاعب شتى، فقد عزّز دور المنظمات الدولية ومنها «أطباء بلا حدود»، التي توجد بطواقمها الطبية ومشافيها المتنقلة، حيث توجد الكوارث والحروب لمد يد العون والمساعدة.
وفي حوارها مع «الشرق الأوسط»، استعرضت المتحدثة باسم «أطباء بلا حدود» سلوى أبو شقرا جهود المنظمة في مساعدة الأنظمة الصحية الهشة بالمنطقة على مواجهة أزمة فيروس «كوفيد - 19»، وكيف تستطيع المنظمة العمل في دول تتقاسمها قوى سياسية متنازعة.
وأوضحت أبو شقرا أن جائحة «كوفيد - 19» أدّت إلى إنهاك بعضٍ من أغنى الأنظمة الصحية في العالم وأفضلها تجهيزاً، «وهذا يضعنا دون شك أمام توقعات مقلقة جداً بالنسبة لبلدان على غرار اليمن وسوريا. كما أن الجائحة قد أنهكت كل من يقدم الرعاية الصحية على المستوى الوطني»، وأضافت «كذلك، فإننا نواجه في المنظمة صعوبات هائلة، وعلينا كغيرنا أن نتخذ قرارات صعبة في ظل الموارد المحدودة التي بين أيدينا، إلا أن هذه الخيارات سترتكز أولاً وأخيراً على حماية طواقمنا ومرضانا، وكذلك الحفاظ قدر الإمكان على الأنشطة التي من شأنها إنقاذ حياة الناس».

سوريا
وردا على كيف تتعامل المنظمة مع الانقسامات السياسية في الدول التي تعمل بها؟ أوضحت أبو شقرا أن «الجائحة لا تغير طريقة عملنا في مناطق الحروب، حيث نقدم الإغاثة لمن يحتاجها ومن دون أي تمييز مهما كان شكله. كما نستعين باستقلاليتنا وحيادنا للتفاوض مع مختلف أطراف النزاع كي نصل إلى الناس، ولكننا نواجه الكثير من القيود التي تعيق وصولنا إلى مناطق معينة في البلدان التي نعمل فيها، فلا نستطيع على سبيل المثال العمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، بعد أن فشلت طلباتنا للحصول على إذن بذلك (حتى بعد أن بدأت جائحة كوفيد - 19). أما أنشطتنا المعتادة، وكذلك الخاصة بجائحة (كوفيد - 19) في المناطق التي لا تخضع حالياً لسيطرة الحكومة السورية، فإنها قائمة بالاتفاق والتنسيق مع السلطات الصحية المعنية في تلك المناطق».
وتابعت متحدثة عن طبيعة الخدمات التي تقدمها المنظمة للمناطق غير الخاضعة لنفوذ النظام: «تسهم طواقمنا العاملة بشمال شرق سوريا في فريق العمل الإنساني المعني بالتعامل مع (كوفيد - 19) والذي ترأسه السلطات الصحية المحلية. أما في مناطق شمال غربي سوريا، فإننا نراجع منذ بدء الجائحة أنظمة فرز المرضى وتدفقهم في المستشفيات والمراكز الصحية التي ندعمها في محافظة إدلب، وذلك لنضمن سرعة كشف حالات الإصابة المحتملة».

ليبيا ومراكز احتجاز اللاجئين
في ما يتعلق بليبيا، أوضحت أبو شقرا أن المنظمة تعمل، في ضوء الظروف الحالية التي تشهدها البلاد، على «مقاربة محلية لامركزية ساعدتنا في ضمان الأنشطة الصحية والإنسانية، وفقاً للاحتياجات الإنسانية وبغض النظر عن الانتماءات والولاءات السياسية».
واعتبرت أن «وضع المهاجرين في ليبيا يتحول من سيئ إلى أسوأ في ظل وصول (كوفيد - 19) وتصاعد النزاع. فليبيا ليست بلداً آمناً للمهاجرين واللاجئين الذين يتعرضون فيها لمخاطر شديدة تهدد حياتهم، كالاعتقال التعسفي والاحتجاز لأجل غير مسمى والعنف والاستغلال الشديد»، مضيفة أنه «في ضوء اشتداد القتال والقصف العشوائي وتناقص حضور المنظمات الإنسانية وتعليق رحلات الإجلاء الجوية من ليبيا وغياب سفن الإنقاذ البحري التابعة للمنظمات غير الحكومية والعاملة في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط في غياب إمكانيات أوروبية فاعلة للبحث والإنقاذ، فإن اللاجئين والمهاجرين قد باتوا عالقين في ليبيا ومعرضين للخطر أكثر من أي وقت مضى، علماً بأن الأغلبية الساحقة منهم ليسوا في مراكز احتجاز رسمية إنما محتجزون في مراكز غير رسمية ومعتقلات أو يصارعون للبقاء على قيد الحياة في المدن الرئيسية، وهم تحت رحمة الاعتقال التعسفي والخطف مقابل فدية والعمالة القسرية والعنف الجنسي».
وأوضحت المتحدثة باسم «أطباء بلا حدود» أن هناك «نحو 1.500 شخص في مراكز الاحتجاز الرسمية الخاضعة لسلطة جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية وهم معرضون لمخاطر كبيرة في حال تفشي (كوفيد - 19)، في ظل استحالة تطبيق أية إجراءات وقائية مثل التباعد بين الأشخاص. هذا وقد أفرج خلال الأشهر الأخيرة عن بعض المهاجرين واللاجئين لأسباب تعود في معظمها إلى دنوّ الاشتباكات، وليس نتيجة مخاوف من انتشار الفيروس».

اليمن
أما في ما يتعلق باليمن، فأوضحت أبو شقرا أن البلاد «تفتقر إلى معظم ما تحتاج إليه من معدات الوقاية والتشخيص التي تسمح لها بالاستجابة للجائحة، فقد حوّلت سنين الحرب الخمس نظام الرعاية الصحية في البلاد إلى أنقاض. إذ يمكن أن ينتشر المرض بسرعة كبيرة، وبالأخص في المناطق المكتظة كالمدن ومخيمات النازحين.
أما في المناطق الريفية، فإن عملية الاستجابة ستواجه مصاعب جمة في ظل ندرة المرافق الصحية وشبه انعدام أية إمكانات للتشخيص وتتبع العدوى والعزل وغيرها من إجراءات الصحة العامة، حيث إن المستشفيات والمراكز الصحية القليلة الموجودة هناك تفتقر إلى إمكانيات العناية المركزة لعلاج المرضى الذين تكون حالتهم حرجة جداً».
وأضافت أن منظمتها «تتفاوض مع الأطراف المعنية لكي نتمكن من إحضار الإمدادات والطواقم إلى اليمن، علماً بأننا سنُخضع من دون شك جميع أفراد الطاقم الذين يدخلون البلاد إلى حجر صحي لمدة 14 يوماً كي نضمن ألا يشكلوا خطراً على الشعب اليمني».

العراق
إلى ذلك، تطرّقت أبو شقرا إلى جهود المنظمة لمكافحة «كوفيد - 19» في العراق، وأوضحت «لا يزال عدد الإصابات المؤكدة المسجلة في محافظة بغداد هو الأعلى في العراق، علماً بأن أول أنشطتنا المتعلقة بالفيروس قد انطلقت من بغداد قبل بضعة أسابيع، حيث تدعم المنظمة مستشفى ابن الخطيب التابع لوزارة الصحة في مدينة بغداد، وهو واحد من ثلاثة مستشفيات تقدم العلاج لمرضى (كوفيد - 19)».
وتابعت «بدأنا كذلك بالإعداد للعمل في الموصل، حيث تبرعت المنظمة بأسرة لتجهيز مبنى بسعة 50 سريراً (تديره وزارة الصحة) في مجمع مستشفى السلام المزمع تخصيصه لعزل المرضى. هناك مستشفى آخر اسمه مستشفى الشفاء موجود في المجمع ذاته، كانت منظمة أطباء بلا حدود قد شيدته عام 2019 وهو يستخدم اليوم مقراً رئيسياً لاستقبال حالات المرضى الذين يشتبه بإصابتهم بـ(كوفيد - 19) من كافة أنحاء محافظة نينوى، وتدعمه المنظمة حالياً من خلال إنشاء 40 غرفة عزل وتوفير 30 سرير لإدارة الحالات الخفيفة والشديدة».
وعن سبب تدنّي عدد حالات الإصابة المعلن عنها في العراق، قالت أبو شقرا: «يصعب تخمين العبء الحقيقي الذي يلقيه (كوفيد - 19) على كاهل أي بلد، وثمة نقاشات محتدمة تدور حول العدد الحقيقي للمصابين بالعدوى أو المرضى أو الوفيات بـ(كوفيد - 19) في البلدان الأوروبية على سبيل المثال، فما بالك بالبلدان التي تفتقر إلى إمكانيات مخبرية سواء نتيجة النزاعات أو لأسباب أخرى. والأمر لا يقتصر على إمكانات إجراء الفحوصات، إذ إنَّ المراقبة الجيدة تتطلب نظاماً صحياً قوياً، غير أن الأنظمة الصحية في المناطق المتضررة بالنزاعات مثل سوريا واليمن قد أُضعِفَت. لكن ربما تكون هناك تفسيرات أخرى، إذ يبدو أن (كوفيد - 19) يترقى إلى شكله الشديد لدى كبار السن الذين يقل عددهم نسبياً في مثل هذه البلدان، وبالتالي يقل عدد الإصابات الشديدة».
إيران
تحدثت أبو شقرا عن سبب غياب منظمة «أطباء بلا حدود» عن مشهد مكافحة «كورونا» في إيران، رغم إدارتها أنشطة طبية في هذا البلد منذ سنوات طويلة. وقالت: «تقدم فرق أطباء بلا حدود العاملة في طهران الرعاية الصحية للناس المستضعفين جداً كمتعاطي المخدرات واللاجئين الأفغانيين الذين يواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية. وكانت المنظمة تخطط في نهاية مارس (آذار) 2020 للتدخل في أصفهان (بؤرة انتشار الفيروس) وكانت قد استأجرت طائرتي شحن وحملتهما بالمواد التي تحتاج إليها لتشييد وحدة علاج مؤقتة تضم 50 سريراً هناك وفقاً لما اتفقت عليه مع السلطات الإيرانية، إلاَّ أن العملية لم تتم في نهاية المطاف، علماً بأن شحنة المستشفى المؤقت لا تزال في طهران ونخطط لاستخدامها في أماكن قد تحتاج للاستجابة إلى جائحة (كوفيد - 19)».


مقالات ذات صلة

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك  الفيروسات المسببة لنزلات البرد تزداد نشاطاً خلال الأشهر الباردة (رويترز)

عادات يومية قد تساعد في الوقاية من نزلات البرد والإنفلونزا

مع بداية شهر سبتمبر من كل عام، غالبا ما تنتشر الفيروسات المسببة لنزلات البرد الشائعة بكثافة، وفيروسات الإنفلونزا، وكورونا، والفيروس المخلوي التنفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أطباء وممرضات يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون برعاية مريض على جهاز التنفس الصناعي بوحدة العناية المركزة بمستشفى سانت لازلو الذي يعالج مرضى كورونا في بودابست 13 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

حثت أبرز المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة السكان على الحصول على اللقاحات المحدَّثة ضد الإنفلونزا وكورونا، الخريف المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الجيش اليمني يُحبط محاولة حوثية لعزل تعز عن عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يُحبط محاولة حوثية لعزل تعز عن عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)

أحبطت القوات الحكومية اليمنية محاولات حوثية في جبهتَي حيفان والمقاطرة، استهدفت الاقتراب من طريق هيجة العبد، وكانت تهدف لعزل محافظة تعز عن المناطق الجنوبية وصولاً إلى عدن.

وأعلنت القوات الحكومية تأمين الطريق الحيوي، وعودة حركة المواطنين والمسافرين. وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي إن وحدات من محور تعز ومحور طور الباحة وألوية «العمالقة»، بمساندة المقاومة الشعبية، تصدّت لمحاولات التسلل، وأجبرت العناصر المهاجمة على التراجع، مشيراً إلى تكبدها خسائر بشرية ومادية.

وفي مديرية حيفان، تصدت القوات لهجوم حوثي على عزلة الأحكوم، في حين شهدت منطقة الأشبوط وهيجة العبد في المقاطرة اشتباكات مع عناصر حاولت الاقتراب من الطريق والتمركز في مواقع قريبة منه.

وبدورها، أحبطت قوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن ودمرت، أمس (الخميس)، ستة صواريخ باليستية أطلقتها الميليشيات الحوثية باتجاه السعودية، في محاولة لاستهداف مدينتَي الطائف وينبع. وتوعّد المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي الحوثيين، مؤكداً أن تصعيد عملياتهم الإرهابية «سيتم التعامل معه بحزم».

وتزامن هذا الاستهداف مع إطلاق الدفاع المدني السعودي صافرات الإنذار المبكر في مكة المكرمة وجدة والطائف وينبع وتبوك، قبل إعلان زوال الخطر عن المدن الخمس.


السيسي يشدد على دعم مصر لأمن العراق واستقراره

الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يشدد على دعم مصر لأمن العراق واستقراره

الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)

استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، رئيس «تيار الحكمة» العراقي عمار الحكيم، حيث شدد على حرص بلاده الدائم على أمن واستقرار العراق، ومساندتها لجميع الإجراءات التي تتخذها الدولة العراقية «للحفاظ على سيادة العراق ووحدة وسلامة أراضيه».

كما تناولت المحادثات جهود الحكومة العراقية لـ«محاربة الفساد وحصر السلاح»، وحضر اللقاء الذي عُقد بالقاهرة نائب رئيس «تيار الحكمة» محسن الحكيم، ومستشار رئيس «التيار» أحمد الحكيم، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، والسفير العراقي قحطان طه جنابي.

وكان السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة المصرية محمد الشناوي، شدّد الرئيس السيسي خلال لقاء الخميس على «العلاقات الأخوية التاريخية بين مصر والعراق وشعبيهما الشقيقين»، مؤكداً حرص مصر «على التواصل مع مؤسسات الدولة العراقية وكافة القوى السياسية والوطنية في ضوء علاقات الأخوة الوطيدة بين البلدين».

كما ثمّن دور العراق في الحرب على الإرهاب والفكر المتطرف والعمل على اجتثاث جذورهما، وكذلك «الدور البنّاء الذي يقوم به رئيس (تيار الحكمة) لتعزيز الاستقرار وتقليل التباينات السياسية وإعلاء مصلحة العراق الوطنية».

فيما أكّد عمار الحكيم على الاعتزاز بالعلاقات التاريخية والروابط الأخوية التي تربط بلاده بمصر، مشدداً على محورية دورها لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، «بما في ذلك دعم العراق ومساعيه لاستعادة مكانته الطبيعية الرائدة على المستويين العربي والإقليمي».

كما أشار إلى حرصه على التشاور مع الرئيس المصري بشأن التطورات الإقليمية والوقوف على رؤيته لسبل خفض التصعيد والتوترات الجيوسياسية الراهنة، وكذلك النأي بالعراق عن تبعاتها السلبية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً وفد «تيار الحكمة» العراقي (الرئاسة المصرية)

الأمن والاستقرار

وحول اللقاء، أشار عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، إلى وجود بعض العناصر بالعراق «لا تتماشى مع التوجه العام نحو تحقيق الأمن والاستقرار بالبلاد»، لافتاً إلى ضرورة أن يكون هناك تحرك لمنع أي ممارسات تجري خارج نطاق سيطرة النظام القائم في العراق.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الأمور ربما تستدعي قدراً كبيراً جداً من التعاون بين مصر والعراق، خاصة أن الأمن القومي العراقي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي بصفة عامة، وله صلة وثيقة بالأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر ومنطقة الخليج».

وحول دلالات زيارة رئيس «تيار الحكمة» للقاهرة، قال إنها تشير إلى ضرورة وجود نوع من التوافق على إزالة كافة مصادر التهديد في العراق، ووقف أي تصعيد أو تطورات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار، كما أنها تدفع في اتجاه مزيد من التعاون بين الجانبين في جميع المجالات.

ووفق بيان المتحدث الرئاسي، تطرق اللقاء إلى المشهد الإقليمي الراهن وتداعياته على دول وشعوب المنطقة، خاصة مصر والعراق، حيث استعرض الرئيس السيسي في هذا الإطار الرؤية الوطنية القائمة على الدعوة لتغليب الحلول السلمية للأزمات والنزاعات، ودعم المؤسسات الشرعية ومفهوم الدولة الوطنية الجامعة.

كما تناول الجهود المصرية الجارية لخفض التوتر وتجنب الانزلاق لموجة جديدة من التصعيد، مشدداً على أهمية مواصلة قيام العراق بدور بنّاء لتعزيز الأمن الجماعي للدول العربية وصون مقدرات شعوب المنطقة.

زخم في الزيارات

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات بين القاهرة وبغداد؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، وبحث حينها «تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار»، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة.

والتقى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، نهاية أغسطس الماضي، رئيس المخابرات المصرية الذي نقل إليه رسالة من السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات، بحسب إفادة لـ«مجلس الوزراء العراقي».

وفد فني عراقي يتفقد نظم الري المصرية مطلع الشهر الحالي (وزارة الري المصرية)

كما زار وفد فني رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية مصر، مطلع الشهر الحالي، بهدف «تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات بين القاهرة وبغداد».

وكانت القضية الفلسطينية محوراً في لقاء السيسي ورئيس «تيار الحكمة» العراقي، الخميس، حيث تحدث الرئيس المصري عن جهود بلاده لدعم الشعب الفلسطيني عبر جهود تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ و«الخطة الأميركية للسلام»، فضلاً عن إدخال المساعدات وتكثيف جهود الإغاثة الإنسانية في قطاع غزة.

وشدّد على «موقف مصر الراسخ تجاه حتمية إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وفقاً لمقررات الشرعية الدولية كحلّ شامل وعادل ووحيد للقضية الفلسطينية».


هجمات الحوثيين تدفع آلاف اليمنيين لعبور البحر غرباً

صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)
صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين تدفع آلاف اليمنيين لعبور البحر غرباً

صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)
صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)

لم يعد عبور خليج عدن بالنسبة إلى آلاف اليمنيِّين مجرد رحلة محفوفة بالمخاطر، بل تحوَّل بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى طريق اضطراري بحثاً عن الأمان، بعد سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي واتساع نطاق المواجهات غرب تعز وأطراف لحج؛ حيث مرتفعات شرق باب المندب.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أعداد اليمنيِّين الواصلين إلى جيبوتي تجاوزت أعلى معدل يومي سُجِّل منذ عام 2015، مشيرة إلى أنها وشركاءها يستعدون لاستقبال أكثر من 10 آلاف لاجئ، مع توقُّع تحسُّن الظروف البحرية بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بما قد يتيح مزيداً من عمليات العبور.

ومع تجدُّد العنف، لم تعد تداعيات الأزمة محصورة داخل اليمن، إذ أدت المواجهات إلى زيادة حركة التنقل عبر الحدود، لا سيما باتجاه منطقة القرن الأفريقي، حيث يبحث الفارون عن ملاذ آمن خارج البلاد.

توقعات بوصول 10 آلاف لاجئ يمني إلى جيبوتي نتيجة تصعيد الحوثيين (الأمم المتحدة)

وحتى 18 سبتمبر (أيلول)، سُجِّل وصول 3601 شخص جديد من اليمن إلى جيبوتي، بينما تستضيف الدول المجاورة آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء اليمنيِّين، بينهم نحو 4 آلاف شخص في جيبوتي و8 آلاف في الصومال.

وتعكس هذه الأرقام اتساع البُعد الإقليمي للأزمة اليمنية، والحاجة إلى استمرار الدعم الإنساني وجهود الحماية في اليمن والدول المجاورة على حد سواء.

مناشدة أممية

قالت المفوضية الأممية إن مكتبها في جيبوتي لم يتلقَّ سوى 15 في المائة من التمويل المطلوب، وناشدت توفير 13.5 مليون دولار بصورة عاجلة لضمان حصول الوافدين الجدد على التسجيل والاستقبال والحماية والخدمات الأساسية الأخرى.

واستجابة للتطورات الأخيرة، أعلنت المفوضية حالة طوارئ من المستوى الأول في اليمن وجيبوتي والصومال، بما يتيح حشد الموارد والكوادر بسرعة، وتعزيز الاستجابة الإنسانية من خلال المساعدات النقدية والمأوى وخدمات الحماية.

وحذَّرت المفوضية من أن احتدام القتال في اليمن قد يؤدي إلى موجات نزوح واسعة النطاق، مع توقع فرار أعداد متزايدة من السكان داخل البلاد وعبر باب المندب إلى جيبوتي والصومال ودول أخرى.

وأعربت عن بالغ قلقها إزاء التأثير المتزايد للنزاع على المدنيِّين، بما في ذلك تسارع حركة النزوح وما يرافق ذلك من معاناة واحتياجات إنسانية متزايدة.

مخيم للنازحين من الساحل الغربي اليمني أُقيم في ضواحي مدينة عدن (إعلام حكومي)

وبحسب المفوضية، اتسع القتال عبر جبهات متعددة؛ ما أدى إلى تفاقم أزمة النزوح، ودفع أكثر من 130 ألف شخص إلى الفرار من منازلهم منذ بداية سبتمبر الحالي. وقالت إن المدنيِّين يتحملون العبء الأكبر من النزاع، إذ أُبلغ عن سقوط ما لا يقل عن 110 ضحايا، بينهم 28 قتيلاً.

وأبدت المفوضية قلقها من احتمال ارتفاع أعداد الضحايا والنازحين خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يزيد الاحتياجات الإنسانية في وقت تعيق فيه الأوضاع الأمنية والقيود المفروضة على الوصول جهود الإغاثة.

تعز في الواجهة

تظلُّ محافظة تعز (جنوبي غرب) في قلب الأزمة، إذ سجَّلت أكثر من 60 في المائة من إجمالي حالات النزوح القسري. ولا تزال كثير من الأسر النازحة داخل المحافظة نفسها عاجزةً عن الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً؛ بسبب استمرار القتال وإغلاق الطرق ونقص وسائل النقل والوقود.

كما سُجِّلت حالات نزوح في محافظات الجوف ومأرب والحديدة، في انعكاس لاتساع رقعة المواجهات وتعدد جبهات القتال.

وفي المقابل، وجدت غالبية الأسر النازحة حديثاً ملاذاً في محافظات عدن ولحج وأبين والضالع، إضافة إلى مأرب، حيث استقبلت هذه المناطق أكثر من 90 ألف شخص.

70 % من الأسر اليمنية النازحة تقيم في أماكن غير ملائمة للسكن (إعلام محلي)

لكن الوصول إلى هذه المناطق لا يعني انتهاء المعاناة؛ فكثير من الأسر تصل إلى مواقع نزوح مكتظة أصلاً، وهي بحاجة عاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والحماية، ما يضيف ضغوطاً جديدة على الخدمات والبنية التحتية الهشة.

وحتى قبل التصعيد الأخير، كان أكثر من 5.2 مليون شخص نازحين داخلياً في اليمن، بينما يعيش أكثر من 22 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، بينهم النازحون داخلياً، ونحو 65 ألف لاجئ وطالب لجوء، معظمهم من الصومال وإثيوبيا.

ونظراً إلى أن أكثر من 70 في المائة من الأسر النازحة تقيم في خيام هشة أو أماكن غير ملائمة للسكن، تم تأمين التمويل اللازم لتقديم مساعدات نقدية تساعد 500 أسرة نازحة في عدن ولحج على الحصول على سكن مؤقت، وفق البيانات الأممية.