هجوم دياب المبرمج على سلامة يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة

يسعى إلى جس نبض اللبنانيين قبل اصطدامه بقانون النقد والتسليف

TT

هجوم دياب المبرمج على سلامة يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة

أدخل رئيس الحكومة حسان دياب لبنان في مرحلة سياسية جديدة في هجومه غير المسبوق على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، غير تلك التي كانت قائمة قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء يوم الجمعة الماضي، ما فتح الباب على مصراعيه أمام ارتفاع منسوب تبادل الحملات السياسية والإعلامية التي طاولت بشكل مباشر رئيس الجمهورية ميشال عون، خصوصاً من أطراف بارزة في المعارضة اتهمته بأنه يقف وراء التحريض على سلامة بذريعة مكافحة الفساد ووقف هدر المال العام واسترداد الأموال المنهوبة والتحويلات إلى الخارج.
وطرح هجوم دياب المفاجئ على سلامة أكثر من علامة استفهام من قبل معارضيه، مع أن من يؤيده رأى في هجومه الناري الذي ضمّنه تهديدات مباشرة له ولمن يقف إلى جانبه، بأنه كان مضطراً لوضع النقاط على الحروف لعله يكسب انحياز المجتمع الدولي الذي ينادي باستمرار بمكافحة الفساد، وأيضاً «الحراك الشعبي» في تبنّيه لأبرز مطالبه من جهة وفي حملته غير المباشرة على بعض الأطراف التي تولّت السلطة في السابق.
ويقول من يؤيد دياب في خطابه، إن من حقه أن يسأل سلامة عن مصير التطمينات على صمود سعر صرف الليرة، وبالتالي فهو نطق باسم السواد الأعظم من اللبنانيين، من دون أن يخفي هؤلاء رغبته في إنهاء خدمات سلامة.
وفي المقابل، فإن خصوم دياب يرون أنه حاول أن يقدّم نفسه من خلال التهديدات التي وجّهها إلى سلامة بأنه الرئيس القوي تيمّناً بما يسمى بـ«العهد القوي»، مع أنه يعلم جيداً بأن عون ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل كانا يصران على استبداله بمنصور بطيش وطرحا تغييره مع الرئيس سعد الحريري الذي أصر على بقائه ولم يكن أمامهما سوى استرضاء بطيش بتعيينه وزيراً للاقتصاد.
ويطرح هؤلاء مجموعة من الأسئلة، خصوصاً بعدما تعذّر على دياب إقالة سلامة في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء رغم أنه لم يطرحها مباشرة وإنما بطريقة غير مباشرة بسؤاله: ما العمل مع سلامة؟ وقد اصطدم بموقف وزير المال غازي وزني الذي لم يدافع عنه بمقدار ما اعتبر أن مثل هذه الخطوة تأخذ البلد إلى المجهول لوجود موانع قانونية تمنع إقالته.
ومن أبرز هذه الأسئلة:
- هل يُعقل أن يشكو رئيس الحكومة، سلامة للبنانيين باعتبار أنه يفقد السلطة عليه، بدلاً من أن يتقدّم هؤلاء منه بشكواهم على تردّي أحوالهم المعيشية والاجتماعية؟
- إذا كان دياب يريد كسب ودّ المجتمع الدولي، فإن هناك من يسأله: كيف تطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي وتعمل لإعادة تعويم قرارات مؤتمر «سيدر» وتدخل في مفاوضات مجدولة الديون وأنت لا تمون على موظف برتبة مدير عام؟
- يسأل دياب عن مصير التطمينات على سعر صرف الليرة؟ مع أنه يجب أن يتوجّه بسؤاله إلى عون الذي كان صرّح أو نُقل عنه بأن لا خوف على الليرة وأن الاستقرار النقدي في أمان، خصوصاً أن تطميناته جاءت قبل وبعد الانتفاضة الشعبية؟
- لماذا صمت دياب طويلاً قبل أن يبادر إلى «تهشيم» الوضعية المالية والنقدية لسلامة مع أنه يلتقيه أسبوعياً، وينسحب السؤال على عون؟
- من عطّل إعادة النصاب إلى المجلس المركزي في مصرف لبنان بإصدار رزمة التعيينات المطلوبة مع أن الأكثرية كانت لعون وحلفائه في الحكومات التي شُكّلت فور انتخابه رئيساً للجمهورية؟
- يعرف دياب جيداً أن المسؤولية تقع أولاً على عون وليس على الحريري في عدم تعيين مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، مع أنه هو بمثابة العين الساهرة للحكومة والحكم في مراقبته لكل ما يدور في «المصرف المركزي» إضافة إلى موافقة عون على التمديد لسلامة؟
- إن «حزب الله» يشكّل رأس حربة في دعم إقالة سلامة، لكنه يقف وراء عون ودياب لئلا يقال إن حكومة الحزب هي التي اتخذت القرار.
- إن دياب كان وافق على مجموعة من التدابير لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، لكنه أسقط نفسه في مشكلة مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري في إيكاله هذه المهمة لمدير عام وزارة المال آلان بيفاني قبل أن يتراجع عن موافقته بسبب تهديد وزني وزميله مصطفى مرتضى بالانسحاب من جلسة مجلس الوزراء.
لذلك، فإن جلسة مجلس الوزراء المقررة بعد غد الثلاثاء وعلى جدول أعمالها «شرعنة» مجموعة من التدابير تحت عنوان مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة قد تشهد مواجهة ما لم يصر إلى تصويب هذه التدابير، لأن الصيغة التي اعتمدت تجعل من الذين يُشرفون على تنفيذها وكأنهم يشغلون مناصب قضائية وينوبون عن القضاء في تولي مهمة ليست من اختصاصهم.
وفي هذا السياق، تتهم قوى في المعارضة دياب بأنه يستمد فائض القوة في هجومه على سلامة من تشكيل «غرفة أوضاع» على غرار الغرفة التي أنشأها الرئيس إميل لحود وكانت وراء استهداف فريق معين، وترى أنه بالنيابة عن عون يتزعّم القيام بانقلاب يطيح بالنظام المصرفي الحالي من دون إعفاء سلامة من أخطائه، لكن الكلمة تتجاوزه لخوض «حرب إلغاء» للمعارضة. وعليه فإن دياب يحاول توجيه اتهامات بنبرة عالية لسلامة لاستدراجه للاستقالة لأن إحراجه من وجهة نظره سيدفع به إلى الاستقالة، لكنه أخطأ في الحساب لأن سلامة سيقول كلمته في الرد عليه. كما أن دياب يسعى من خلال هجومه المبرمج لجس نبض اللبنانيين في حال إقالته لسلامة قبل أن يصطدم بقانون النقد والتسليف.
ويبقى السؤال، على ماذا يعتمد دياب في هجومه على المعارضة؟ مع أن بعضها أخطأ أثناء توليه السلطة وهل يستمد قوته من أطراف غير «العهد القوي» الذي يتعامل معه هذا البعض على أنه انتهى سياسيا قبل أوانه؟
«أمل»: واشنطن تمنع إقالة سلامة
إلى ذلك، تحدث مسؤول في «حركة أمل» التي يترأسها رئيس البرلمان نبيه بري أمس، عن تحذير أميركي تلقاه لبنان مفاده بأن إقالة حاكم المصرف المركزي رياض سلامة «ستؤدي إلى حجز أموال لبنان وذهبه البالغة 20 مليار دولار في الولايات المتحدة، واعتبار هذه الأموال هي لحزب الله»، وذلك بموازاة دعم كبير تلقاه سلامة من البطريرك الماروني بشارة الراعي، إلى جانب شخصيات وأحزاب أخرى تعارض توجهات «التيار الوطني الحر» ورئيس الحكومة حسان دياب.
وبعد شيوع معلومات عن أن بري و«حركة أمل» يقدمان الحماية لحاكم المصرف المركزي، ويعارضان إقالته، نُقِلَ عن عضو هيئة الرئاسة في «أمل» قبلان قبلان تأكيده أن بري يهتم بالبلد أكثر من الأشخاص، موضحاً: «ليس صحيحاً أن أحداً في الحكومة أو خارجها طلب إقالة سلامة، إنما الصحيح أن السفيرة الأميركية أبلغت رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية من خلال جبران باسيل أن إقالة سلامة ستؤدي إلى حجز أموال لبنان وذهبه في الولايات المتحدة البالغة 20 مليار دولار، واعتبار هذه الأموال هي لحزب الله»، مضيفاً: «وعليه لم يتجرؤوا على إقالته ويبحثون عن أحد يحملونه المسؤولية».
وأشار قبلان إلى أن إقالة سلامة وتعيين أحد مكانه اليوم قبل تعيين نواب للحاكم «قفزة في المجهول لأنه لا يوجد شخص واحد اليوم في لبنان يعرف ماذا يوجد في مصرف لبنان وفي المصارف، وبالتالي إقالة سلامة دون بديل موثوق هي ضياع لما تبقى من ودائع بعد أن ضاع المصير، ومن ثم هذا يعني تفلت سعر الدولار، والدخول في أزمة خطيرة على مستوى الشارع اللبناني، لأن الأزمة في الأساس هي استهداف المقاومة وإدخالها في صراع مفتوح وخطير في الداخل اللبناني». وقال إن «الرئيس بري يحاول تجنيب المقاومة والبلد الانزلاق الكبير، مع التأكيد على أن إقالة سلامة لم تطرح، لأن باسيل ودياب لا يملكان جرأة رفض طلب السفيرة الأميركية، وكل اتهام للرئيس بري ولحركة أمل هو اتهام باطل».
ويدفع «التيار ‏الوطني الحر» باتجاه إجراء تعديلات بالسياسات والأشخاص في مصرف لبنان، وأوضح رئيسه جبران باسيل أمس «أنّ المصرف المركزي يتحمل مسؤولية كبيرة بالخسائر الواقعة عليه، وبعدم شفافية أرقامه، ولكن من غير المعقول القول إنّ المصرف المركزي هو وحده المسؤول، بل إنّ المجلس النيابي والحكومة هما المسؤولان عن تركه بالتمادي في هذه الأخطاء بدون التصحيح اللازم».
وأكّد باسيل أنّه إذا قررت الحكومة تحمّل مسؤولياتها فهذا لا يعني انقلاباً على النظام المالي الحرّ، معتبراً أنّه على المصرف المركزي التعاون لتفادي الأعظم.
لكن التغييرات في حاكمية مصرف لبنان، لا تقتصر مخاطرها على افتعال أزمة مع واشنطن في هذا الوقت، بل تصطدم بموانع وضعها البطريركية المارونية. فقد عبّر البطريرك الراعي أمس عن تفاجئه «بحُكمٍ مبرم بحقّ حاكم مصرف لبنان، من دون سماعه وإعطائه حقَّ الدفاع عن النفس عملياً، ثمّ إعلان الحكم العادل بالطُّرق الدستورية. أمَّا الشَّكل الاستهدافي الطاعن بكرامة الشَّخص والمؤسَّسة التي لم تعرف مثل هذا منذ إنشائها في عهد المغفور له الرئيس فؤاد شهاب، فغير مقبول على الإطلاق». وتساءل الراعي: «مَن المستفيد مِن زعزعة حاكمية مصرف لبنان؟ المستفيد نفسه يعلم! أمَّا نحن فنعرف النتيجة الوخيمة وهي القضاء على ثقة اللبنانيين والدول بمقومات دولتنا الدستورية». واعتبر أن هذا النهج «المُغاير لنظامنا السياسي اللبناني جزءٌ مِن مخطَّط لتغيير وجه لبنان». وشدد على أن «هذا الكرسي البطريركي المؤتمن تاريخياً ووطنياً ومعنوياً على الصِّيغة اللبنانية يُحذِّر من المضي في النهج غير المألوف في أدبياتنا اللبنانية السياسية».
وأكدت كتلة «اللقاء الديمقراطي» أن البطريركية المارونية تكرس صوت العقل الوطني الحريص على بقاء لبنان وطناً ديمقراطياً بعيداً عن التفرد والإقصاء. وأعلنت رفضها «بشكل قاطع كل محاولات القضاء على ثقة اللبنانيين والدول بمقومات دولتنا الدستورية. كما نرفض هذا النهج المغاير الذي يبدو كأنه جزء من مخطط لتغيير وجه لبنان». ولفتت إلى أنه «كما في معركة قيام لبنان الكبير، ثم في معركة الاستقلال الثاني، حيث كان الكرسي البطريركي مؤتمن على الصيغة اللبناني».



نشطاء يعلنون اعتقال إسرائيل مصريَّين شاركا في «أسطول الصمود»

متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
TT

نشطاء يعلنون اعتقال إسرائيل مصريَّين شاركا في «أسطول الصمود»

متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)

أعلن نشطاء أن إسرائيل احتجزت مصريين اثنين - دبلوماسي سابق وطالب - كانا على متن أسطول مساعدات يتجه إلى قطاع غزة، معروف باسم «أسطول الصمود»، بعد أن تم اعتراضه في البحر قبالة سواحل قبرص.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، احتجاز 430 ناشطاً كانوا على متن أسطول المساعدات المتجه إلى غزة، قبل اقتيادهم إلى ميناء أشدود.

وأبحرت سفن الأسطول، البالغ عددها نحو 50 سفينة، من جنوب غرب تركيا قبل نحو أسبوع متوجهة إلى غزة، وعلى متنها مساعدات إنسانية وإغاثية حيوية تشمل الغذاء والمياه والأدوية.

وأفاد متحدث باسم «الخارجية» الإسرائيلية بأنه «تم نقل جميع الناشطين البالغ عددهم 430 إلى سفن إسرائيلية، وهم في طريقهم إلى إسرائيل؛ حيث سيتمكنون من مقابلة ممثليهم القنصليين».

وتحدث «أسطول الصمود العالمي»، في أكثر من إفادة على منصاته الرقمية، عن «اعتراض القوات الإسرائيلية قواربه التي تبلغ نحو 50 قارباً»، وأشار إلى «اختطاف النشطاء والمتطوعين المشاركين في القافلة»، وطالب بـ«الإفراج السريع عن المحتجزين، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة».

وتحدث نشطاء مصريون عن احتجاز دبلوماسي مصري سابق وناشط مصري، ضمن المتطوعين الذين احتجزتهم تل أبيب في «أسطول الصمود»، وتداولوا عبر منصاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً للدبلوماسي السابق محمد عليوة، والطالب كريم عوض، على متن قوارب الأسطول.

وأشار النشطاء إلى أن الدبلوماسي السابق محمد عليوة، سبق وشغل مناصب في «الخارجية» المصرية، من بينها قنصل مصر لدى الأردن.

ولم تصدر أي إفادة رسمية من مصر بشأن «موقف المحتجزين المصريين لدى إسرائيل»، وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع وزارة الخارجية المصرية، إلا أنه لم يتسنَّ الحصول على رد حتى كتابة التقرير.

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة حربية إسرائيلية كما يظهر من مدينة أشدود (رويترز)

وتداول موقع «أسطول الصمود»، فيديو للناشط كريم عوض، الثلاثاء، على متن أحد قوارب الأسطول، أشار فيه إلى أنه «ذاهب إلى غزة»، كما دعا فيه إلى «التعبئة في الشوارع لدعم الفلسطينيين».

وأشار والد الناشط المحتجز محمد فتوح عوض، في تدوينة على صفحته بموقع «فيسبوك»، الأربعاء، إلى أنه «تلقى اتصالات من وزارة الخارجية البريطانية، تفيد باحتجاز نجله ضمن الدفعة الأولى من المحتجزين، الذين وصلوا إلى ميناء أشدود الإسرائيلي»، وقال إن «هناك محامين حصلوا على تصاريح بالدخول إلى المحتجزين».

وانتقد والد الناشط المصري، الفيديوهات المتداولة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وهو يعتدي على المحتجزين، وأشار إلى أن «مثل هذه الممارسات لن تمنع النشطاء من مواصلة دورهم في دعم غزة»، ونوه بـ«خروج مظاهرات في بولندا الأربعاء للاحتجاج على احتجاز تل أبيب للمشاركين في الأسطول».

وليس غريباً أن يشارك نشطاء مصريون في قافلة صمود لدعم غزة، حسب رأي رئيس الهيئة الدولية لدعم فلسطين صلاح عبد العاطي، الذي قال إن «الدعم المصري المستمر لغزة يتنوع ما بين إطاره السياسي والدبلوماسي والشعبي».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن احتجاز إسرائيل نشطاء «أسطول الصمود» يعد «جريمة قرصنة دولية، يجب أن تحاسب عليها دولياً»، وأشار إلى أن «الممارسات الإسرائيلية بحق نشطاء القافلة لن تقيد نشاطهم التضامني، بدليل زيادة عدد المشاركين في القافلة عما سبق».

ويُعد «أسطول الصمود العالمي» ثالث مبادرة خلال عام تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي يعاني من نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية والوقود، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تطرق حديث رسمي مصري عن تضرر العلاقات مع تل أبيب، جراء سياساتها العدوانية بالمنطقة، بعد سلسلة انتقادات إسرائيلية في وسائل إعلام عبرية تجاه القاهرة وتسليحها ومواقفها، ما يعبر عن توتر في العلاقات مستمر منذ حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة.

الموقف المصري، بحسب دبلوماسيين سابقين، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يعد تأكيداً على ما وصلت إليه الحالة المصرية في تصورها للعلاقات مع إسرائيل، مؤكدين «أنها باتت على المحك، والتنبؤ بمستقبلها يتوقف على تراجع تل أبيب عن سياساتها في المنطقة، من دون أن يؤثر ذلك على اتفاقية السلام التي ستبقى مجرد نصوص قانونية بلا تطبيق كامل».

علاقات «متضررة»

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في مقابلة مع شبكة «CNN»، الثلاثاء، إن القاهرة ملتزمة بتعهداتها مع إسرائيل بموجب معاهدة السلام، وإنها ستظل ملتزمة ما دام الجانب الإسرائيلي ملتزماً بتعهداته.

وأضاف أن علاقات البلدين تأثرت بالسياسات العدوانية الإسرائيلية، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، والهجمات على دول عربية أخرى.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، أن تصريحات الوزير المصري «دقيقة وتعبر عن واقع العلاقات، وعن موقف مصر صاحبة المبادئ والالتزام بالتعهدات، وتأكيد على الرفض القاطع للممارسات الإسرائيلية في مختلف الساحات، والتي تمس العلاقات وتضعها في موقف محرج للغاية».

ويشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إلى أنه «منذ حرب غزة وحتى اللحظة، العلاقات بين مصر وإسرائيل يشوبها توتر كبير، وأصبحت على المحك، خاصة إذا استمرت إسرائيل في سياساتها الحالية في غزة والضفة وجنوب لبنان».

ولا يستبعد هريدي أن يزداد التوتر بين مصر وإسرائيل في ضوء تداعيات حرب إيران، «وإصرار تل أبيب على تهديد أمن واستقرار المنطقة».

وأوائل مايو (أيار) الحالي، دعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة، أن «هناك حالياً، حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم «اتفاقية السلام» المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك، تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وآنذاك لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مستقبل «محل شكوك»

وفي ضوء ذلك التحريض، فإن مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل يبقى «موضع شكّ»، حيث أكد السفير محمد حجازي أن ذلك المستقبل يتوقف على سياسات إسرائيل في المنطقة، «وإذا رغبت في التصعيد فلن يكون لها مكان في علاقات الشرق الأوسط ومستقبله».

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحاصل حالياً، خاصة بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني، قبل القبول باتفاق في أكتوبر الماضي، تواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة؛ إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة».


هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بدلاً من العمل على تثبيته، لا يشجّع لبنان، المتردد في المشاركة في اجتماع المسار الأمني، الذي يطغى عليه الحضور العسكري ويجمعه بالوفد الإسرائيلي، برعاية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن يوم 29 مايو (أيار) الحالي.

ويقف لبنان حالياً أمام خيارين؛ إما تعليق مشاركته، وإما حضوره، مشترطاً إدراج وقف إطلاق النار بنداً أول على جدول الأعمال التقني، لأن تعذّر وقفه يحرج، في آنٍ واحد، رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، بعدما كانا قد ربطا موافقتهما على بدء المفاوضات بوقف الأعمال العدائية، التي أخذت تتوسع، بدلاً من أن تتراجع، مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية على البلدات الواقعة شمال نهر الليطاني.

فلبنان لا يبدي حماسةً لاستئناف المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار ورد «حزب الله» عليها، وهذا ما يضع الولايات المتحدة الأميركية أمام اختبار تعهدها بالضغط على تل أبيب لإلزامها بوقف النار على أن ينسحب تلقائياً على «حزب الله».

وفي هذا السياق، قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان تجاوب مع طلب الولايات المتحدة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كما استجاب لاحقاً لرغبتها في رفع مستوى التمثيل وضم عسكريين إلى الوفد المفاوض، مقابل إصراره على أن تبدأ بتثبيت الهدنة.

وتساءل المصدر: ماذا قدَّم الراعي الأميركي للبنان؟ وما الأسباب الكامنة وراء عدم تجاوبه في تثبيت وقف إطلاق النار بما يُعزّز موقع الدولة اللبنانية في مواجهة «حزب الله»، الذي يرفض المفاوضات المباشرة، ويطالب باستبدال أخرى غير مباشرة بها، ويشن عليها أقسى الحملات السياسية، فيما يتباهى نوابه بالإنجازات والانتصارات التي حققها مقاتلو الحزب، ويدعون إلى استثمارها، ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة؟

ولفت المصدر إلى أن لبنان كان قد اتخذ قراره بعدم ربط مصيره بإيران، خلافاً لإصرار «الثنائي الشيعي»، ومن ثم لا يجد ما يبرر لواشنطن عدم إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. وقال إن لبنان شارك في الجلسة الثالثة من المفاوضات بوفد ترأسه السفير السابق سيمون كرم، وإن مشاركته جاءت في إطار إعلان نيته إنهاء حال الحرب مع إسرائيل التي لم تلتزم بوقف الأعمال العدائية. وأضاف أن لبنان كان، ولا يزال، يراهن على تدخل الإدارة الأميركية فور انتهاء الجولة، للضغط على إسرائيل وتهيئة المناخين السياسي والأمني الملائمين لانعقاد اجتماع يقتصر على العسكريين تحت سقف البحث في المسار الأمني، تمهيداً لاستئناف اجتماعات المسار السياسي يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وأكد أن لبنان بدأ التحضير لاجتماع المسار الأمني، الذي يغلب عليه الطابع التقني، مستغرباً ما روّج له البعض عن أن عون، بالتوافق مع سلّام، يدرسان تشكيل لواء خاص بالجنوب استجابة لطلب واشنطن. وأوضح أن هذا الطرح لم يُدرج على بساط البحث خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وأن ما جرى تداوله استند، بصورة غير مباشرة، إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإحدى المحطات الأميركية.

عناصر في الدفاع المدني يبحثون عن ضحايا عالقين تحت أنقاض منزل استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة دير قانون النهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

واستغرب المصدر الحملة التي شنّها نواب «حزب الله» في هذا الخصوص، وقال إنهم كانوا في غنى عنها لو استمزجوا رأي عون فيما يجري التداول به عبر الوسيط الرئاسي الذي يتواصل مع النائب حسن فضل الله، والمقصود به العميد أندريه رحال. وأكد أن تشكيل لواء خاص مقاتل من الجيش ليس مطروحاً؛ لأنه لا وجود لدى قيادته لأي تمييز بين لواء وآخر، ولا فرز لألويته إلى فئة «أ» و«ب». إضافة إلى أن موقف عون لا جدال فيه في هذا الشأن. ولفت إلى أن «حزب الله» يفتعل معركة لا وجود لها لصرف الأنظار عن مطالبته بحصرية السلاح بيد الدولة لبسط سلطتها على كل أراضيها تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي يؤيده وبدأ يستحضره في جميع المناسبات.

وأوضح المصدر أن تشكيل الوفد العسكري إلى اجتماع المسار الأمني لا يزال موضع تداول وتشاور بين عون وسلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتوقّع أن يضم الوفد، إضافة إلى الملحق العسكري في سفارة لبنان في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، عدداً من الضباط ذوي الاختصاص والخبرة الميدانية، ولم يستبعد أن يكون من بينهم قائد عمليات منطقة جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، الذي يمثّل لبنان في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية. كما توقّع أن تستجيب واشنطن والمجتمع الدولي لاحتياجات الجيش من التجهيزات على مختلف المستويات، بما يُتيح له تعزيز انتشاره في الجنوب.

ولم يستبعد بأن يلتحق بالوفد ضباط من مديرية الشؤون الجغرافية وغرفة العمليات في وزارة الدفاع، وقال إن اجتماع المسار الأمني هو لوضع اتفاق الإطار الذي يتمسك به الوفد المفاوض، ويكون بمثابة خريطة الطريق لنشر الجيش في جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيل منه طبقاً لجدول زمني يُتفق عليه برعاية أميركية وبواسطة لجنة ارتباط ثلاثية، تضم ضباطاً عن الأطراف الثلاثة، يوكل إليها مراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين والتدخل لمعالجة الخروق في حال حصولها.

ورأى المصدر أن هناك ضرورة لوجود ممثل عن مديرية الشؤون الجغرافية، للتحقق من انسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، تطبيقاً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة المعقودة بين البلدين عام 1949. وأضاف أنه يمكن تقسيم الجنوب إلى قطاعات أمنية للتأكد، بشكل ملموس، من عدم وجود أي سلاح غير شرعي. ورجّح أن يبحث المسار الأمني مرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات «يونيفيل» في مطلع العام المقبل، بهدف إيجاد بديل لها، وقد يقع الخيار على تفعيل دور هيئة المراقبين المنبثقة عن الهدنة مع زيادة عددها، علماً بأنها تنتشر حالياً على جانبي الحدود، ولها مقران رئيسيان في محلة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي القدس.

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)