قلق في دمشق بعد فرض الحكومة قيوداً على توزيع الخبز

خبراء يحذّرون من تجاوز «الخطوط الحمر»

بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)
بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)
TT

قلق في دمشق بعد فرض الحكومة قيوداً على توزيع الخبز

بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)
بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)

رغم حالة الفقر في مناطق سيطرة الحكومة السورية وتفشي وباء «كورونا»، تتمسك الحكومة بتوزيع مادة الخبز المدعوم عبر «البطاقة الذكية»، ما قد يجعل الحصول على الرغيف صعباً.
ورأى مواطنون في القرار «خيانة» لهم لأنه يلغي «الخطوط الحمر» التي وضعها حزب «البعث» الحاكم، في وقت اعتبر خبراء أن القرار قد يكون مقدمات لرفع الدعم عن الخبز كما حصل في مواد أخرى في ظل العجز الحكومي بتأمين المستلزمات المعيشية للمواطنين.
وبعد تراجع ظاهرة الازدحام الكبير على الأفران في دمشق لتأمين الخبز بالسعر الحكومي المدعوم (خمسين ليرة للربطة الواحدة المؤلفة من ثمانية أرغفة)، التي كانت تحدث في السنوات الأولى للحرب المتواصلة منذ أكثر من تسع سنوات، عادت هذه الظاهرة منذ بداية العام الجاري، وتفاقمت مع الإجراءات الاحترازية لاحتواء تفشي وباء «كورونا» التي أعلنتها الحكومة منتصف مارس (آذار) الماضي، وترافق ذلك مع إعلان الأفران انتهاء عملها في ساعات غير معتادة، في مؤشر على نقص في مادة الدقيق المخصصة لها والتي تتسلمها من الحكومة.
وسط هذه الحال، تزايدت تلميحات الحكومة إلى أنها ستقر توزيع الخبز للمواطنين عبر «البطاقة الذكية» التي تعطى للناس لضبط الحصول على أي مادة، بعد «النجاح مبدئيا في توزيعه بهذه الطريقة عبر المخاتير ولجان الأحياء». وقالت بأن القرار يهدف إلى «ترشيد الاستهلاك»، و«منعاً للمتاجرة بالخبز أو تحويله لعلف للدواب، حيث تم توفير 40 في المائة من الكميات التي كانت تخبز في السابق»، علما بأن عملية التوزيع هذه أحدثت أمام سيارات التوزيع ازدحاما مماثلا لما كان يحصل على الأفران، ووصل سعر ربطة الخبز «المدعوم» في السوق السوداء إلى أكثر من 600 ليرة. (الدولار الأميركي يساوي 1250 ليرة).

- رفض ونداءات
وقوبلت تلميحات الحكومة بحملات رفض، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي وتضمنت نداءات للرئيس بشار الأسد للتدخل ووقف هذا الإجراء، وذلك بسبب التجربة الفاشلة والمريرة للمواطنين في الحصول على مادتي الغاز والمازوت ومواد تموينية رئيسية (سكر، أرز، زيت نباتي، شاي) من خلال «البطاقة الذكية». إذ أنه رغم إعلان الحكومة أن مخصصات العائلة أسطوانة غاز واحدة كل 23 يوما، تؤكد كثير من العائلات أنها لم تستلم أي أسطوانة رغم مرور 75 يوما على تسجيلها. ويقضي الكثير من المسؤولين عن العائلات نهارا كاملا أمام المؤسسات الحكومية للحصول على مواد السكر والأرز والزيت النباتي والشاي، وربما لا يحصل عليها في ذات اليوم، وإن حصل عليها تكون ناقصة لبعض المواد.
لكن وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عاطف النداف، قال بعد الرفض لتوزيع الخبز على المواطنين عبر «البطاقة الذكية»، في مؤتمر عقده الاثنين الماضي ستمضي الحكومة في تنفيذ هذه الطريقة. ونقلت عنه مواقع إلكترونية وصفحات على موقع «فيسبوك»: إن التنفيذ يمكن أن يبدأ اعتبارا من الأربعاء (اليوم)، وذكر أنه «خلال ٤ أيام انخفض استهلاك الخبز عبر التوزيع عن طريق المعتمدين»، في إشارة إلى المخاتير ولجان الأحياء، في حين أن الكثير من الأحياء يصلها الخبز مرة كل يومين أو ثلاثة بعد أن يكون غير صالح للاستهلاك بسبب طريقة التجميع والنقل السيئة.

- خيانة
«لؤي» مواطن كباقي معظم المواطنين الذين كانوا يترقبون ما سيقوله النداف، يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «أليس كافيا وجود حرب وغلاء وفقر و«كورونا». الحكومة خانت الناس وباتت تحاربهم برغيف خبزهم الذي يعتبر مادة أساسية لهم ولا يمكنهم الاستغناء عنها». وتوضح سيدة منزل تعمل مدرسة في مرحلة التعليم الثانوي لـ«الشرق الأوسط»، أن «الناس باتت محرومة حتى من قرص الفلافل، من البيضة، وفوق كل ذلك الحكومة تعمل من أجل أن يصبح الحصول على رغيف الخبز حلما للناس»!، وتضيف: «كل خطوطهم الحمر التي طالما قالوا إنها لن يتم الاقتراب منها من غاز ومازوت وتموين انمحت، والآن يمحون آخرها وأهمها»!
وخلال سنوات الحرب وفي ظل العقوبات الاقتصادية، تراجع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي من نحو 50 ليرة إلى أكثر من 1250 ليرة وتضاعفت الأسعار أكثر من 30 ضعفا، وبات أكثر من 86 في المائة من المواطنين في مناطق سيطرة يعيشون تحت خط الفقر.
من جهته، يوضح أنه تم تعيين 473 معتمدا، و108 أفران، و86 بقالية في دمشق لتوزيع الخبر على المواطنين عبر «البطاقة الذكية»، بسعر 50 ليرة سورية للربطة الواحدة، يضاف إليها 10 ليرات أجور النقل، ما يعني زيادة بلغت 20 في المائة على السعر الحكومي «المدعوم».

- مجال للتلاعب
اللافت في حديث النداف، إعلانه أنه «يحق لكل معتمد ١٠ في المائة من الكمية لتسليمها للعائلات أو الأشخاص غير مالكي البطاقة الذكية، بعد تسجيل اسمه والرقم الوطني لديه»!، وهو ما قد يؤدي إلى تلاعب كبير في مصير هذه الكمية من قبل المعتمدين.
ومن دون أن يذكر عدد المتوفر منها، تحدث النداف عن «زيادة عدد الأجهزة الإلكترونية القارئة للبطاقة الذكية في الأفران وجاهزيتها بشكل كامل»، على حين لم يذكر عدد الأجهزة التي ستوزع على المعتمدين، وسط معلومات أن دمشق تحتاج إلى ألف جهاز المتوفر منها لا يتجاوز المائة جهاز، الأمر الذي سيتسبب بحدوث حالات ازدحام كبيرة على المنافذ التي تتوفر فيها الأجهزة، علما بأن ثمن الجهاز الواحد يقدر بـأكثر من 450 ألف ليرة سورية.
وفي محاولة للالتفاف على الرفض، تراجع النداف عن تصريحات سابقة لمسؤولين في الوزارة حددوا فيها الحصص اليومية للعائلات من الخبز «المدعوم» بربطة واحدة يوميا للأسرة التي يبلغ عدد أفرادها حتى 3 أشخاص، وربطتين للأسر بين 4 - 7 أفراد، بينما تحصل على 3 ربطات الأسر التي تتجاوز 7 أفراد، وذكر أنه «يحق لكل مواطن الحصول على الكمية التي يرغب بها من الخبز بشكل يومي عبر البطاقة الذكية».
ويرى خبراء اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط» فضلوا عدم ذكر أسمائهم، أن قرار الحكومة المتعلق بالخبز ليس سببه كما «تزعم ترشيد الاستهلاك بقدر ما هو نقص في مادة الدقيق كباقي المستلزمات المعيشية للسوريين وعجز الحكومة عن تأمينها في ظل العقوبات المفروضة على سوريا وتفاقم هذا العجز مع انعدام حركة الشحن التي فرضها تفشي وباء كورونا».

- أسعار أغلى من العالمية
ويلفت أحد هؤلاء الخبراء إلى «احتمال أن يكون هذ القرار تمهيدا لرفع الدعم نهائيا عن مادة الخبر»، مشيرا إلى أن «سيناريوهات مشابهة حصلت إزاء مواد كانت مدعومة مثل الغاز والبنزين والمازوت، إذ انقطت تلك المواد ومن ثم توافرت بكميات قليلة مع رفع أسعارها لتصل إلى أغلى مما هي عليه في السوق العالمية، علما بأن أسعار بعض المواد الغذائية في الأسواق السورية حاليا تفوق ثلاثة أضعاف ما هي عليه في الأسواق العالمية. إذ أن كيلو السكر بالسوق العالمية أقل من 20 سنتا أي يساوي 220 ليرة سورية بينما في السوق السورية حاليا بـ600 ليرة!».
ومما يعزز التكهنات بنية الحكومة رفع الدعم عن «الخبز»، نقل مواقع إلكترونية خلال الأسبوع الجاري عن مسؤول في محافظة دمشق، أن الحكومة تدرس رفع أسعار «الخبز السياحي» والكعك وخبز الصمون، على أن تصدر التسعيرة الجديدة الأسبوع المقبل. وبرر المسؤول ما ستقدم عليه الحكومة بـ«الارتفاع الكبير في كلف الإنتاج»، مشيرا إلى أن التسعيرة السابقة صدرت عندما كان سعر الطحين 150 ليرة بينما اليوم سعره أكثر من 350 ليرة، إضافة لارتفاع سعر الزيت والمحسنات.
وشهدت أسعار «الخبز السياحي» ارتفاعاً خياليا خلال الفترة الماضية ليصل سعر الكيلو إلى 750 ليرة، بينما وصل سعر كيلو الكعك إلى 1400 ليرة، أما خبز الصمون (باغيت) فبلغ سعر الكيلو منه نحو 700 ليرة، علما بأن سعر كيلو «الخبز السياحي» في آخر تسعيرة حكومية يبلغ 350 ليرة، والكعك بالسمسم بـ850 ليرة، وبدون سمسم 800 ليرة، والصمون الطري 400 ليرة والقاسي 450.
وقبل 2011 كانت سوريا تنتج أربعة ملايين طن من القمح في العام، وكان بإمكانها تصدير 1.5 مليون طن، في وقت قدر تقرير أممي، إنتاج القمح فيها العام الماضي بنحو 1.2 مليون طن، وهو أدنى مستوى منذ 29 عاما، وسط معلومات أنها تسلمت منه نحو 500 ألف طن فقط، وأن يتراجع الإنتاج أكثر هذا العام.
وكانت محافظات الجزيرة (الحسكة، ودير الزور، والرقة) التي تسيطر على معظمها «قوات سوريا الديمقراطية»، إضافة إلى حلب، تشكل الخزّان الاستراتيجي للقمح لأكثر من 23 مليون سوري.
وفي العام الماضي أبدت الحكومة استعدادها لشراء كل القمح الذي يقدم لها عبر مراكز الشراء والتجميع، بينما أعلنت الأمم المتحدة أن هناك 13 مليون شخص من السكان في سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
وبينما يقوم عدد من المزارعين في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» ببيع محاصيل القمح لـ«الإدارة الذاتية»، يقوم مزارعون في مناطق الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا ببيع القمح لمراكز تابعة للحكومة المؤقتة المدعومة من تركيا.
وخلال الصيف الماضي، اندلعت حرائق غامضة في الأراضي المزروعة بمحصول القمح سواء الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة أو «الإدارة الذاتية» أو مناطق الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، مع تبادل تلك الأطراف الاتهامات بالوقوف وراء تلك الحرائق.
وتحتاج المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ما بين مليون ومليون ونصف طن سنوياً لسد احتياجاتها من مادة الطحين، ولذلك تقوم «المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب» التابعة للحكومة منذ اندلاع الحرب في البلاد بطرح مناقصات عالمية للشراء.
وكشفت مصادر تجارية غربية الأسبوع الماضي عن أن «المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب» في سوريا طرحت مناقصة جديدة لشراء 200 ألف طن من قمح اللين لتصنيع الخبز للتوريد من روسيا وحدها.
كما أفادت المؤسسة بتلقي البلاد 25 ألف طن من القمح الروسي كمساعدات عبر ميناء اللاذقية، وقالت في بيان: «وصلت إلى مرفأ اللاذقية باخرة محملة بخمسة وعشرين ألف طن من القمح الطري كمساعدة من روسيا إلى الشعب السوري».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.