مخاوف من تقويض الحقوق المدنية باسم «كورونا»

يثير الوباء خطر تكرار رد الفعل على أحداث 11 سبتمبر

رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي يهيمن حزبه على البرلمان مُنح حق الحكم بالمراسيم لمكافحة الوباء وإمكانية سجن الناس لمدد تصل إلى خمس سنوات (رويترز)
رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي يهيمن حزبه على البرلمان مُنح حق الحكم بالمراسيم لمكافحة الوباء وإمكانية سجن الناس لمدد تصل إلى خمس سنوات (رويترز)
TT

مخاوف من تقويض الحقوق المدنية باسم «كورونا»

رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي يهيمن حزبه على البرلمان مُنح حق الحكم بالمراسيم لمكافحة الوباء وإمكانية سجن الناس لمدد تصل إلى خمس سنوات (رويترز)
رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي يهيمن حزبه على البرلمان مُنح حق الحكم بالمراسيم لمكافحة الوباء وإمكانية سجن الناس لمدد تصل إلى خمس سنوات (رويترز)

في الوقت الذي يتفق فيه معظم الخبراء على الحاجة لاتخاذ إجراءات استثنائية، للتغلب على انتشار وباء كورونا، يشعر البعض بالقلق من خطر تردي أوضاع الحقوق الأساسية، وعدم انحسار الإجراءات الاستثنائية بعد انتهاء الأزمة.
وحذر كارل دولان، من معهد السياسة الأوروبية للمجتمع المفتوح، من اتجاه بعض الحكومات إلى استبقاء سلطات استثنائية في قوانينها بعد زمن طويل من اختفاء التهديد الذي صدرت أصلاً للتصدي له. واقترح دولان إجراء مراجعة إلزامية لمثل هذه التدابير كل ستة أشهر، على الأقل، محذراً من خطر «الانزلاق التدريجي نحو الاستبداد».
في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا والأميركتين، فرضت الحكومات حالة الطوارئ لوقف انتشار الفيروس، لتضع بعضاً من أشد القيود صرامة على الحريات المدنية منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حسبما قال محامون ونشطاء حقوقيون.
في أرمينيا، يتعين على الصحافيين، بحكم القانون، أن يضعوا المعلومات الصادرة عن الحكومة في قصصهم الصحافية وتغطيتهم الإخبارية حول تفشي الوباء. وفي الفلبين، قال رئيس البلاد لقوات الأمن، إنهم ينبغي لهم «إطلاق الرصاص وقتل» من ينتهكون إجراءات العزل العام. وفي المجر، أصبح بإمكان رئيس الوزراء أن يحكم بالمراسيم إلى أجل غير مسمى.
وقال كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، «من جوانب كثيرة، يثير الفيروس خطر تكرار رد الفعل على أحداث 11 سبتمبر»، في إشارة إلى الكم الهائل من التشريعات الأمنية والرقابية بجميع أنحاء العالم بعد هجمات تنظيم «القاعدة» على الولايات المتحدة، التي قتل فيها قرابة 3000 شخص. وأضاف لـ«رويترز»: «كان الناس يشعرون بالخوف، وطلبوا من الحكومات حمايتهم. استغلت حكومات كثيرة ذلك لتقويض الحقوق بشكل تجاوز كثيراً حدود التهديد الإرهابي».
كان روث يتحدث عن تشريعات في دول، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، التي كثفت جمع بيانات التأشيرات والهجرة، ووسعت صلاحيات مكافحة الإرهاب. ومن الممكن أن تكتسب بعض التدابير المفروضة كرد فعل على أزمة من الأزمات صفة الإجراء الطبيعي، على غرار طوابير الواقفين للفحص الأمني في المطارات في مقابل الشعور بمزيد من الأمان أثناء السفر. وفي أعقاب تفشي الفيروس، يقول بعض المعلقين السياسيين والاجتماعيين، إن المقايضات المماثلة قد تصبح مقبولة على نطاق واسع في مسائل مثل المراقبة. ويضيفون أن استخدام كوريا الجنوبية للهواتف المحمولة وغيرها من البيانات لتتبع حاملي الفيروس المحتملين، وفرض الحجر الصحي، كان استراتيجية ناجحة ونموذجاً يمكن تكراره في جميع أنحاء العالم للحماية من الأوبئة.
وقال المستشار السياسي برونو مكاييس، وهو وزير برتغالي سابق، إن هواجس الناس بشأن الخصوصية جعلت من الصعب محاربة التهديدات مثل الأوبئة، التي يمكن أن تكون لتكنولوجيا التتبع فوائد في مكافحتها.
وأضاف: «تزداد قناعتي بأن أعظم معركة في عصرنا هي المعركة ضد تقديس الخصوصية. إنه يمكن أن يقتلنا جميعاً».
وقال كلايف ستافورد سميث، وهو محام بارز في مجال الحقوق المدنية، «إنها أزمة فوق العادة تماماً، ولا أرى مشكلة في الواقع في اتخاذ الحكومات إجراءات معقولة، ولو كانت فوق العادة، لحماية الناس».
وأنشأ المركز الدولي للقانون غير الهادف للربح، ومقره في الولايات المتحدة، قاعدة بيانات لتتبع التشريعات، وطريقة تأثيرها على الحريات المدنية وحقوق الإنسان.
وحسب إحصاءاته، فقد أصدرت 68 دولة حتى الآن إعلانات طوارئ، في حين أقرت 9 دول تدابير تؤثر على حرية التعبير، وشددت 11 دولة إجراءات المراقبة، وفرضت 72 دولة قيوداً على التجمعات.
في المجر، على سبيل المثال، مُنح رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الذي يهيمن حزبه على البرلمان، حق الحكم بالمراسيم لمكافحة الوباء، دون وضع حدود زمنية لهذه الصلاحيات، وإمكانية سجن الناس لمدد تصل إلى خمس سنوات إذا نشروا معلومات كاذبة، أو عرقلوا جهود القضاء على الفيروس.
وقالت الحكومة المجرية، إن القانون لم يخولها سوى اتخاذ الإجراءات المطلوبة «للوقاية من فيروس كورونا والسيطرة والقضاء عليه». وقال المتحدث زولان كوفاكس، إنه لا أحد يعرف إلى متى سيستمر الوباء، لكن بإمكان البرلمان إلغاء الصلاحيات الإضافية.
على صعيد آخر، وضعت صياغة لقانون للطوارئ في كمبوديا تمنح سلطات إضافية لرئيس الوزراء هون سين، الذي يحكم البلاد منذ 35 عاماً، وتندد الدول الغربية بقمعه للمعارضين وجماعات الحقوق المدنية ووسائل الإعلام. ومدة القانون ثلاثة أشهر، ويمكن تمديده إذا لزم الأمر. ولم ترد الحكومة الكمبودية على طلب للتعليق. ودافع هون سين عن القانون، في مؤتمر صحافي، هذا الأسبوع، قائلاً إنه ضروري، لكي يتمكن من إعلان حالة الطوارئ، إذا لزم الأمر، لمنع انتشار الفيروس وإنقاذ الاقتصاد.
وفي مكان آخر بجنوب شرقي آسيا، استدعى رئيس الوزراء التايلاندي برايوت تشان أوتشا، وهو زعيم انقلاب سابق احتفظ بالسلطة بعد انتخابات متنازع عليها العام الماضي، صلاحيات الطوارئ التي تسمح له باللجوء إلى الحكم بالمراسيم. وتستمر هذه الصلاحيات حتى نهاية الشهر، لكن يمكن تمديد أجلها أيضاً.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة التايلاندية نارومون بينيوسينوات، «إن الحكومة تستخدم سلطات الطوارئ فحسب عند الضرورة لاحتواء انتشار فيروس كورونا».
وفي الفلبين، قال قائد الشرطة، إن أوامر الرئيس رودريجو دوتيرتي، بإطلاق النار على منتهكي إجراءات العزل العام، هي دليل على جديته، وليست إشارة لإطلاق النار على الناس.
ويرى روث وغيره من المدافعين عن حقوق الإنسان، أن المخاطر لا تقتصر على الحريات الأساسية فحسب، بل على الصحة العامة أيضاً. ويقولون إن القيود المفروضة على وسائل الإعلام يمكن أن تحد على سبيل المثال من نشر المعلومات التي تساعد على وقف انتشار الفيروس.
واتهم معارضون، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بمحاولة تكميم الأفواه من خلال مطالبة الصحافيين بالحصول على تصريح من الحكومة قبل نشر أخبار عن الفيروس، وهو طلب رفضته المحكمة العليا في الهند. وتتهم وسائل الإعلام، مودي، بعدم الاستعداد لمواجهة الفيروس بما في ذلك عدم كفاية معدات الحماية للعاملين في قطاع الصحة. ولم ترد الحكومة الهندية على طلب التعليق، في حين قالت حكومة أرمينيا إنها ليس لديها تعليق على الفور. وتشير كلتا الحكومتين إلى أنهما تريدان منع انتشار معلومات مضللة يمكن أن تعطل جهود السيطرة على الفيروس.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).