المناعة والحرارة وعدم السفر إلى الصين... 3 احتمالات للمقاومة الأفريقية

مع تأكيد خبراء أن الأرقام المعلنة «أقل من الواقع»

سيدة ترتدي قناعاً واقياً وتحمل أكياس تسوّق في جوهانسبورغ أمس (أ.ب)
سيدة ترتدي قناعاً واقياً وتحمل أكياس تسوّق في جوهانسبورغ أمس (أ.ب)
TT

المناعة والحرارة وعدم السفر إلى الصين... 3 احتمالات للمقاومة الأفريقية

سيدة ترتدي قناعاً واقياً وتحمل أكياس تسوّق في جوهانسبورغ أمس (أ.ب)
سيدة ترتدي قناعاً واقياً وتحمل أكياس تسوّق في جوهانسبورغ أمس (أ.ب)

«7 آلاف و987» إصابة بكورونا المستجد، هو الرقم الإجمالي لعدد المصابين بفيروس «كوفيد-19» في دول قارة أفريقيا، وفق آخر تحديث لإحصائيات «منظمة الصحة العالمية»، مساء أول من أمس. وهو رقم لا يزال بسيطاً مقارنة بعدد الإصابات في دولة واحدة فقط مثلاً وهي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تشير إحصائيات جامعة جونز هوبكنز إلى أنها سجلت خلال يوم واحد فقط 31782 إصابة جديدة.
هذا التباين الواضح بين الدول الأفريقية ذات المناخ الحار، وغيرها من الدول في معدل الإصابات، يستخدمه بعض الخبراء المؤيدين لنظرية أن درجات الحرارة المرتفعة في القارة السمراء، ربما تحمل تفسيراً لأسباب قلة عدد الإصابات أفريقياً، مقارنة بباقي القارات.
في المقابل، لا تعتمد «منظمة الصحة العالمية» على هذا الاعتقاد الذي يتم ترويجه أيضاً في إطار حديث البعض عن أن فصل الصيف سيقضي على الفيروس، سواء بالنفي أو الإيجاب. وقال د.أحمد المنظري، مدير إقليم شرق المتوسط بالمنظمة في حوار سابق مع «الشرق الأوسط»: «إننا نتعامل مع فيروس مستجد تم اكتشافه منذ أشهر قليلة، لذا من الصعب التكهن بمعرفة إذا كان سيتغير نشاطه مع ارتفاع درجات الحرارة أم لا، والبيانات أثبتت أن الفيروس يعيش في الأجواء الباردة والجافة، كما يعيش في الأجواء الحارة والرطبة، وقد انتشر في بلدان ذات أجواء حارة، كما انتشر في بلدان ذات أجواء باردة».
لكن إحصائيات الإصابات حتى مساء أول من أمس في القارة الأفريقية، رسمت علاقة بين درجة الحرارة وأعداد الإصابات، عند المقارنة بين الدول الثلاث الأولى في عدد الإصابات؛ وهي بالترتيب الجزائر وجنوب أفريقيا ومصر، وحتى أول من أمس (الجمعة)، كانت معدلات درجات الحرارة في الدول الثلاث الأولى في عدد الإصابات متقاربة، حيث سجلت الجزائر وجنوب أفريقيا ومصر درجات حرارة 20 و19 و23، وكانت معدلات الإصابة 1171 و1505، و985، بينما كانت درجات الحرارة في جنوب السودان (لم تسجل أي إصابات حتى مساء أول من أمس)، وسيراليون، ومالاوي، 36 و32 و31. ولم تسجل الأولى أي إصابة حتى الآن، بينما سجلت الثانية والثالثة، إصابتين و3 إصابات إجمالاً.
ومع اعتراف د.محمد مدحت، أستاذ مساعد الميكروبيولوجي بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمصر، بأن «إمكانات الكشف عن الإصابات، ربما هي المسؤولة عن هذا التباين أفريقياً بين الدول الأكثر إصابة والأقل إصابة، وبالتالي قد تكون مسؤولة عن التباين الكبير بين القارة الأفريقية بشكل عام وباقي القارات»، فإنه يعتقد مع ذلك أن «لدرجات الحرارة تأثيراً كبيراً».
ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نفي منظمة الصحة العالمية وجود علاقة بين الحرارة وانتشار الفيروس، ربما المقصود به عدم تأثير درجات الحرارة في وجود الفيروس داخل الإنسان، لأن درجة حرارة الإنسان ثابتة لا تتغير صيفاً أو شتاء، ولكن درجة الحرارة قد تؤثر في البيئة التي يعيش فيها الفيروس، ومن ثم يقل انتشاره على الأسطح، وبالتالي لا يصيب العديد من الأشخاص حتى ينقلوه لآخرين». ويضيف أن «الفيروس يتكون من غشاء دهني، وهذا الغشاء لا يتحمل الأشعة فوق البنفسجية للشمس، وبالتالي يكون لدرجة الحرارة تأثير في عدم وجوده بالبيئة».
ويتفق زميله بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في الجيزة د.تامر سالم، أستاذ العلوم الطبية الحيوية، مع هذه الرؤية، من حيث التجارب السابقة مع الفيروسات. ولكنه يشدد على أن «هذا الفيروس جديد، والمعلومات المتعلقة به تتغير من يوم لآخر، ومن ثم فإن ما نعتقد أنه اليوم صواب، قد يصبح غداً خطأ». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «منطقياً قد تبدو درجة الحرارة هي المسؤولة حتى الآن عن التباين، ولكن هناك أسباباً أخرى يمكن أن تقدم تفسيراً، أولها تاريخ القارة الأفريقية مع الأوبئة».
وتعرضت القارة طوال تاريخها للعديد من الأوبئة التي ربما شكلت مناعة لسكانها، وهو ما يفسر نتائج دراسات أظهرت أن «لقاح السل أظهر فاعلية في الوقاية من الفيروس الجديد».
ويمنح الأطفال بالقارة الأفريقية هذا اللقاح على نطاق واسع، وكشفت دراسة بحثية نشرها مؤخراً باحثو كلية نيويورك للطب بأميركا، أنه ربما يكون السبب في انخفاض أعداد الإصابات في بعض الدول، حيث وجد الباحثون أن البلدان التي ليست لديها سياسات شاملة للتلقيح ضد السُل، مثل إيطاليا وهولندا والولايات المتحدة، قد تأثرت بشدة بالوباء، مقارنة بالدول التي لديها سياسات التلقيح بلقاح السل.
ومن الأسباب الأخرى التي يطرحها د.سالم، أن «هناك ضعفاً في النظم الإحصائية بالقارة الأفريقية وعدم استعداد لإجراء عدد كبير من الاختبارات يومياً لارتفاع تكلفة اختبار (البي سي آر) الخاص بالكشف عن المرض». ويضيف: «من المؤكد أنه لو كانت لدى دول القارة خبرة بالإحصائيات وقدرات على إجراء مزيد من الاختبارات، لكانت سجلت العديد من الإصابات».
ويشير إلى سبب آخر يتعلق بالتباين في حركة السفر بين الصين التي شهدت بداية الوباء والدول الأوروبية وأميركا، مقارنة بأفريقيا، ويقول: «من المؤكد أن هذا العامل كان مؤثراً أيضاً». وكانت دراسة جديدة نشرتها دورية «لانسيت» في 20 فبراير (شباط) الماضي، أكدت ما ذهب إليه سالم. ووضعت الدراسة خريطة محتملة لانتقال الفيروس من الصين إلى أفريقيا، ووجدت أن مصر والجزائر وجنوب أفريقيا، هي الأكثر تعرضاً لخطر الإصابة بالفيروس في أفريقيا، بسبب «حجم سفر مواطني هذه الدول إلى الصين، لا سيما إلى الإقليم الذي ظهر فيه الفيروس بقوة، وهو مقاطعة هوباي وعاصمته ووهان، وجاءت الإحصائيات الحالية لمؤشرات الإصابة داعمة لهذا التحليل».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل واعتقال عشرات الإرهابيين في نيجيريا

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية - غيتي)
استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية - غيتي)
TT

مقتل واعتقال عشرات الإرهابيين في نيجيريا

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية - غيتي)
استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية - غيتي)

أعلن الجيش النيجيري أن قواته دمّرت مواقع إرهابية واقتحمت مخابئ تابعة للجماعات الإرهابية في ولايات شمال غربي البلاد، سبق أن تورّطت قبل أسبوع في مقتل أكثر من 70 مدنياً خلال هجمات استهدفت قرية نائية.

جاء ذلك خلال عرض رئاسة الأركان العامة للجيش لنتائج عملية «درع السافانا» العسكرية، التي أطلقها عقب مقتل العشرات من سكان قرية وورو، وذلك بهدف تطهير الولايتين من العناصر الإرهابية، حسبما أعلن الرئيس بولا أحمد تينيبو حين أطلق العملية العسكرية.

وقال مدير «عمليات الإعلام الدفاعي»، اللواء مايكل أونوجا، في بيان صدر يوم الجمعة، إن العملية العسكرية أسفرت عن طرد الإرهابيين من ولايتي كوارا والنيجر، بعد تحديد مواقعهم ومخابئهم، وحرمانهم من حرية الحركة في المنطقة.

انتشار أمني

وأوضح أونوجا أن القوات نجحت في طرد المُسلّحين الإرهابيين خلال عمليات عسكرية نُفذت في مناطق بورغو وموكوا بولاية النيجر، وكذلك في باروتن وإدو وإيفيلودون بولاية كوارا، كما ألقت القبض على كامارو تشاواي، وهو إرهابي مطلوب في قضايا اختطاف، إضافة إلى 5 إرهابيين آخرين.

وأضاف: «كما تمكنت القوات، خلال دوريات قتالية داخل غابتي أدونكولو وكاكاندا في مناطق الحكم المحلي بلوكوجا بولاية كوجي، من السيطرة على معسكر باتيجو وضبط مخزن أسلحة وذخائر»، وألقت القبض على عنصر إرهابي مطلوب تابع لإحدى الجماعات الإرهابية.

وفي عرضه لحصيلة العملية العسكرية، ذكر أونوجا أنه تم القبض خلال أسبوع على أكثر من 53 إرهابياً، بينهم مخبرون ومموّنون، كما نجح الجيش في إنقاذ 39 مختطفاً، فيما تم تحييد عدد من الإرهابيين.

دعوات لتدخل دولي

ورغم جهود الجيش النيجيري في مواجهة الجماعات الإرهابية، فإن بعض الأصوات في الطبقة السياسية لا تزالُ تطالب بتدخل دولي لمواجهة خطر «داعش» و«بوكو حرام».

وقال السيناتور علي ندوما، الذي يُمثل دائرة بورنو الجنوبية في مجلس الشيوخ، إنه يؤيد تنفيذ ضربات جوية عسكرية أميركية أخرى ضد الجماعات الإرهابية التي تنشط في أجزاء من شمال شرقي نيجيريا.

وأوضح السيناتور في تصريحات، الجمعة، أن الإرهابيين حافظوا على وجودهم في الغابات والمناطق الجبلية لأكثر من عقد من الزمن، ما أجبر السكان على الفرار من منازلهم وأراضيهم الزراعية. وأضاف أن «شنّ هجمات عسكرية مستمرة ومتواصلة أمر ضروري للقضاء على الإرهابيين، وتمكين النازحين من العودة إلى ديارهم»، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية الصعبة منعته شخصياً من زيارة قريته منذ سنوات، حتى مع وجود مرافقة أمنية.

وشدّد ندوما على أن موقفه يعكس حالة اليأس التي تعيشها المجتمعات التي عانت انعدام الأمن لفترة طويلة، وتسعى إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء التمرد في المنطقة. وقال ندوما: «لقد دعوتُ إلى ذلك؛ لأن قضية (بوكو حرام) هيمنت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. لقد سيطروا على جبال ماندارا حتى الآن. وكُنا نطالب وننادي بضرورة تنفيذ هجمات متواصلة ومستمرة حتى يجري القضاء عليهم جميعاً».

تجدّد الحوادث الإرهابية

وتتصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق مختلفة من نيجيريا؛ حيث أعلن الجيش إحباط محاولة نصب كمين الجمعة، نفّذها عناصر يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، بولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد.

وأوضحت مصادر أمنية أن الجيش رصد عناصر من «داعش» قادمين من الكاميرون، ليندلع اشتباك مباشر أسفر عن إجبار العناصر الإرهابية على الانسحاب والعودة أدراجهم، تاركين خلفهم أسلحة وذخيرة ومعدات لوجيستية.

في سياق منفصل، قُتل البروفسور أبو بكر محمد الجمع، الأستاذ بالجامعة النيجيرية للجيش بمدينة بيو، على يد مسلحين يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، وذلك عقب عملية اختطاف استهدفته بشكل مباشر على طريق مايدوغوري-دامبوا السريع.

وقال زاغازولا ماكاما، الخبير في شؤون مكافحة التمرد والأمن بمنطقة بحيرة تشاد، في منشور عبر منصة «إكس» الخميس، إن المهاجمين، الذين وُصفوا بأنهم أجانب ذوو بشرة فاتحة، استهدفوا البروفسور تحديداً، وكانت بحوزتهم صورة الضحية، ما يشير إلى أن عملية الاختطاف كانت مدبّرة مسبقاً.


«صناعة الدواء»... مدخل لتعزيز الحضور الطبي المصري في أفريقيا

رئيس «هيئة الدواء المصرية» علي الغمري يشارك في ملتقى استخدمات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)
رئيس «هيئة الدواء المصرية» علي الغمري يشارك في ملتقى استخدمات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)
TT

«صناعة الدواء»... مدخل لتعزيز الحضور الطبي المصري في أفريقيا

رئيس «هيئة الدواء المصرية» علي الغمري يشارك في ملتقى استخدمات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)
رئيس «هيئة الدواء المصرية» علي الغمري يشارك في ملتقى استخدمات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)

تسعى مصر إلى تنويع مسارات تعاونها مع دول القارة الأفريقية، في ظل تحديات متعددة تتطلب رسم صورة إيجابية تسهم في تعزيز العلاقات مع شعوب وحكومات القارة. ويتجلّى ذلك في التركيز على الأنشطة التنموية وعرض الخبرات المصرية في مجالات مختلفة، ولا سيما المجال الطبي؛ حيث تعمل القاهرة على تعزيز هذا القطاع من خلال توظيف صناعة الدواء المحلية لتلبية احتياجات الأسواق الأفريقية.

وحققت مصر مستوى متقدماً من الاكتفاء الذاتي في صناعة الدواء، بنسبة بلغت 91 في المائة، نتيجة الاستراتيجية الوطنية لتوطين هذه الصناعة في البلاد. كما تمتلك مصر أكبر سوق دوائية في أفريقيا، بقيمة تتجاوز 6.2 مليار دولار، مستحوذة على أكثر من 25 في المائة من حجم السوق الأفريقية، وفقاً لما أعلنت عنه الحكومة المصرية العام الماضي.

وانعكست هذه المؤشرات الإيجابية على تحركات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال مشاركته في أعمال قمة الاتحاد الأفريقي التي انعقدت يومي السبت والأحد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا؛ حيث التقى جان كاسايا، مدير المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والأوبئة والوقاية منها، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك، ودعم منظومة الصحة والأمن الدوائي في القارة الأفريقية.

ووفق بيان صادر عن «الخارجية المصرية»، السبت، فإن عبد العاطي أكد خلال اللقاء «الأهمية التي توليها مصر لقطاع الصحة، بوصفه ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا، واستعدادها لنقل خبراتها وتجاربها الرائدة في المجالات الصحية والدوائية، ودعم برامج بناء القدرات وتعزيز الاستجابة للتحديات الصحية الطارئة، منوهاً بالتعاون القائم في مجالات توفير الإمدادات الطبية واللقاحات وتعزيز التكامل القاري في القطاع الصحي».

وأكد عبد العاطي «استعداد القدرات التصنيعية والدوائية المصرية لتلبية احتياجات القارة من الأدوية واللقاحات ومشتقات البلازما، في إطار منظومة قائمة على معايير موحدة، وإجراءات تسجيل مبسطة، بما يُسهم في خفض التكلفة وتعزيز استدامة سلاسل الإمداد».

رئيس «هيئة الدواء» يشارك في ملتقى استخدمات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)

ولمصر دور مهم في إمداد القارة الأفريقية باللقاحات منذ انتشار جائحة «كورونا»، وفي يونيو (حزيران) من عام 2022، أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مبادرة لتقديم 30 مليون جرعة للتطعيم ضد «فيروس كورونا» لشعوب القارة بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي.

وبين الحين والآخر تعمل مصر على إرسال قوافل طبية لعدد من الدول الأفريقية بمشاركة جمعيات أهلية، ويُجري أطباء مصريون عمليات جراحية معقدة، لا سيما في مجال القلب. كما تعمل مصر على إنشاء مستشفيات ومراكز متخصصة في جراحات معينة، أبرزها «مركز مصر - رواندا للقلب» الذي يقوده الجراح العالمي مجدي يعقوب، والمقرر افتتاحه هذا العام، إلى جانب مشروعات أخرى يقودها أطباء مصريون لتقديم رعاية متخصصة، وتدريب الكوادر الطبية الأفريقية، ونقل الخبرات المصرية إلى القارة.

رئيس شعبة الأدوية «باتحاد الغرف التجارية المصري»، علي عوف، أكد أن السمعة الطيبة للدواء المصري في أفريقيا، التي تعود إلى تصديره من الشركات المحلية منذ ستينات القرن الماضي، تُسهم في تعزيز الحضور الصحي المصري بالقارة اليوم. ويأتي ذلك بالتوازي مع إطلاق خطة استراتيجية لتوطين صناعة الدواء منذ عام 2014، التي شملت فتح أسواق جديدة في أفريقيا، ما شجع على التصدير بعد تحقيق مصر معدلات إيجابية في مجال الاكتفاء الذاتي.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر لديها وضعية متقدمة الآن بشأن توفير أنواع شحيحة من الدواء في عدد من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، وأضحى لدى الشركات المصرية مميزات عديدة تستطيع من خلالها اختراق السوق الأفريقية، خصوصاً من خلال توفير التطعيمات ومشتقات الدم والإنسولين وأدوية الأورام، وهي عقاقير حققت فيها مصر الاكتفاء الذاتي محلياً، وتتجه للتصدير.

ولا يقتصر الاختراق المصري لسوق الدواء الأفريقية على المصانع المحلية فحسب، بل يُشير علي عوف إلى أن كبرى الشركات الأوروبية والأميركية بدأت تعدّ مصر محطة استراتيجية للوصول إلى الأسواق الأفريقية، وتتجه لإنشاء خطوط إنتاج في البلاد لتظل بوابة لها نحو القارة.

وكشف أيضاً عن اتجاه بعض الشركات المصرية لإنشاء خطوط إنتاج في دول أفريقية، ما يُسهم في الوصول إلى أسواق بعيدة جغرافياً. وأشار إلى أن بعض الشركات اختارت زامبيا نقطة انطلاق لتصدير الدواء إلى 12 دولة مجاورة، ما يسرع من دخول السوق الأفريقية.

ومع الاتجاه نحو التصدير، تنامت العلاقات التي دشنتها شركات دواء مصرية خاصة كبيرة مع بعض الدول التي أسهمت في الاستحواذ على ربع حجم سوق الدواء، مع وجود خطة خلال هذا العام لزيادة الاستحواذ السوقي لما يقرب من 30 في المائة، وفق عوف.

أطباء مصريون أثناء قيامهم بجراحة دقيقة في القلب بزيمبابوي (البعثة الطبية المصرية)

ولدى «هيئة الدواء المصرية» (حكومية)، اتفاقيات تعاون ثنائي ودولي مع عدد من الدول الأفريقية، وأكدت الهيئة في يونيو الماضي توقيع مذكرة تفاهم مع 7 دول أفريقية حاصلة على مستوى «النضج الثالث» من منظمة الصحة العالمية.

وتنتج الشركات المصرية أكثر من 12 ألف مستحضر دوائي، مع مبيعات سنوية تصل إلى 3.5 مليار عبوة، وتدعم هذه السوق قاعدة صناعية قوية تضم 179 مصنعاً للأدوية، و2370 خط إنتاج، و1600 شركة توزيع دوائية، وفق ما أعلنت الحكومة المصرية العام الماضي،

وتعتمد مصر لتعزيز حضورها الصحي على تفعيل «وكالة الدواء الأفريقية» لـ«تعزيز التكامل مع آليات الشراء المجمع، وتوحيد المواصفات الفنية، وتحسين النفاذ إلى الأسواق، بما يُعزز قدرة القارة على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستجابة الفاعلة للطوارئ الصحية»، في محاولة لاستنساخ تجربة السوق المشتركة بشأن تداول الدواء.

وحسب ما أكدته «هيئة الدواء» في مصر سابقاً فإنها تتبنى شعار «من أفريقيا إلى أفريقيا» الذي ترفعه «وكالة الدواء الأفريقية، وذلك لنقل القارة التي تنتج حالياً أقل من 1 في المائة من احتياجاتها الدوائية، في حين تستهدف الخطة الطموحة أن تصل النسبة إلى 60 في المائة بحلول عام 2060.

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، يُشير في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن اهتمام مصر بقطاع الصحة وتوفير الدواء في أفريقيا يأتي ضمن أدوار متعاظمة على المستوى الاجتماعي، تشمل جهود الارتقاء بالصحة والتعليم والثقافة وبناء القدرات، إلى جانب تشجيع مزيد من الاستثمارات التي تُسهم في تحسين مستوى الخدمات المقدمة لمواطني القارة.


شرق الكونغو... تحركات إيجابية نحو اتفاق جديد ومخاوف من انتكاسة

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو    (رويترز)
دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شرق الكونغو... تحركات إيجابية نحو اتفاق جديد ومخاوف من انتكاسة

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو    (رويترز)
دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

شهدت أزمة شرق الكونغو الديمقراطية تحركاً جديداً بعد طرح أنغولا مقترحاً لهدنة قريبة، وتوقيع «مراجع إسناد آلية وقف إطلاق النار» بين الحكومة وحركة «23 مارس» المتمردة.

تلك الخطوات يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» تحمل أجواء إيجابية نحو اتفاق جديد، شريطة بنود بينها الالتزام بوقف القتال، وتعاون دول الجوار في منع توسع الصراع، غير مستبعد حدوث انتكاسة جديدة حال لم يلتزم الأطراف بشروط التهدئة.

وشهدت الأزمة في شرق الكونغو تطوراً جدياً بـ«توقيع مراجع إسناد آلية وقف إطلاق النار بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و(23 مارس)»، رحبت به القاهرة التي تترأس مجلس السلم والأمن الأفريقي، السبت، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، مؤكدة أن «ذلك التوقيع خطوة إيجابية ومهمة نحو خفض التصعيد وتعزيز إجراءات بناء الثقة، بما يمهد الطريق لاستعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو الديمقراطية».

وجاء هذا التطور بعد وصول القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في الكونغو الديمقراطية (مونوسكو)، فيفيان فان دي بير، إلى غوما، وفق إعلان المكتب الإعلامي للبعثة في 12 فبراير (شباط) الحالي، وذلك بهدف إعداد آليات مراقبة وقف إطلاق النار بين السلطات الرسمية والمتمردين.

ومطلع فبراير الحالي، وقّعت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردون وثيقة في الدوحة، تحدد بنود وقف إطلاق النار في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتنص على نشر بعثة مراقبة بقيادة الأمم المتحدة في مناطق النزاع، على أن تحدد الآلية بحسب زيارة للبعثة، بحسب بيان لـ«الخارجية القطرية».

وقال المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إن توقيع ذلك الاتفاق بعد مقترح أنغولا لوقف إطلاق النار المؤقت واتفاق الدوحة يعد إيجابياً، لكن مستقبل هذه التحركات يعتمد على الالتزام الميداني بوقف إطلاق النار، ودور الوسطاء الإقليميين ومدى استعدادهم لتقديم ضمانات حقيقية، إضافة إلى تعاون دول الجوار في منع توسع الصراع.

ويؤكد أن «الأهم من ذلك هو معالجة جذور الأزمة، مثل قضايا دمج المقاتلين، وضمان الأمن للسكان المحليين، وتسوية التعقيدات الإقليمية في منطقة البحيرات الكبرى».

ويلفت إلى أنه «إذا استمرت التهدئة وترافقت مع إجراءات بناء ثقة فعلية، مثل فتح ممرات إنسانية أو ترتيبات أمنية واضحة، فهناك فرصة للانتقال من هدنة مؤقتة إلى اتفاق سياسي أوسع وأكثر استدامة. أما إذا بقي الاتفاق في إطاره التقني من دون تقدم سياسي شامل، فقد يظل مجرد هدنة قصيرة الأمد، وتجدد المواجهات الميدانية مرة أخرى».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ذلك التحرك الإيجابي يأتي بعد عام كامل من اتفاقات في 2025 لم تصمد، حيث أبرمت الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام بوساطة أميركية في واشنطن نهاية العام الماضي، ينص على آلية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم، بدعم من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو (مونوسكو).

كما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) الماضي بواشنطن، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، والذي وقعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

ورغم هذه التحركات، فإن عيسى يعرب عن مخاوف من احتمال حدوث انتكاسة جديدة في شرق الكونغو الديمقراطية، ويوضح أنه في ظل تجارب سابقة لاتفاقات لم تصمد طويلاً، بسبب هشاشة الثقة بين الحكومة وحركة «23 مارس»، إلى جانب تعقيدات المشهد الإقليمي، فإن ذلك يجعل أي خرق ميداني، حتى وإن كان محدوداً، قابلاً للتصعيد السريع.

ورغم أن الوساطة التي تقودها أنغولا تمثل فرصة حقيقية لاحتواء الصراع، فإن نجاحها يظل رهيناً بتوفير ضمانات فعالة وآليات رقابة واضحة، إضافة إلى إرادة سياسية جادة لمعالجة جذور الأزمة، بما يحول دون تكرار سيناريوهات التعثر السابقة، بحسب الخبير في الشؤون الأفريقية.

ويؤكد أهمية وجود حزمة خطوات متوازية تعالج الجوانب الأمنية والسياسية معاً، لا الاكتفاء بوقف إطلاق النار شكلياً، تشمل تعزيز آلية رقابة ميدانية مستقلة وفعالة، مع وجود مراقبين إقليميين ودوليين بصلاحيات واضحة لرصد الخروقات والإبلاغ عنها سريعاً، بما يمنع تراكم الاتهامات المتبادلة، مع الإسراع في إجراءات بناء الثقة مثل تبادل الأسرى، وفتح ممرات إنسانية، وضمان عودة آمنة للنازحين.