غريليش... ضحية للملل أم لسلوكه المنحرف؟

بعد تجاهل قائد أستون فيلا قرار حظر التجول الحكومي المفروض بسبب فيروس {كورونا}

غريليش (يمين) في مواجهة مانشستر سيتي في نهائي كأس الرابطة
غريليش (يمين) في مواجهة مانشستر سيتي في نهائي كأس الرابطة
TT

غريليش... ضحية للملل أم لسلوكه المنحرف؟

غريليش (يمين) في مواجهة مانشستر سيتي في نهائي كأس الرابطة
غريليش (يمين) في مواجهة مانشستر سيتي في نهائي كأس الرابطة

بعد تجاهل قائد أستون فيلا قرار حظر التجول الحكومي المفروض بسبب فيروس كورونا ربما لم يكن جاك غريليش الشخص الوحيد البالغ 24 عاماً الذي تجاهل قرار حظر التجول الحكومي كي يخرج ويستمتع برفقة الأصدقاء، لكنه ربما كان الوحيد الذي فعل ذلك بعدما ألقى محاضرة أمام مئات الآلاف من المتابعين عبر شبكات التواصل الاجتماعي حول أهمية البقاء داخل المنازل للحفاظ على سلامتهم. ودفع توجهه القائم على مبدأ «افعلوا مثلما أقول وليس مثلما أفعل» الكثيرين للشكوى من أنه شخص غير مناسب للاستمرار في تولي قيادة فريق أستون فيلا، وإن كان البعض قد يرى في سلوكه هذا مؤشراً على أنه ربما يصبح رئيساً للوزراء في المستقبل.
لقد أقدم غريليش على أمر منافق وخطير ولم يكن الاعتذار الذي قدمه مناسباً على الإطلاق، نظراً لأن سرده لما «حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع» لم يتضمن أي تفسير لكيفية اصطدام سيارته طراز «رينج روفر» بالعديد من المركبات الساكنة مكانها دونما حراك. وكان من المفيد أن نسمع روايته للحادث بالنظر إلى أن الكثيرين للغاية قدموا روايات خاصة بهم، سواء كانت حقيقية أو متخيلة. وسيكون من المثير متابعة كيف ستتصرف شرطة «ويست ميدلاندز» حيال الأمر. ربما ستؤكد التقارير التي تقول إن غريليش لا يواجه أي اتهامات. حتى هذه اللحظة، رفضت الشرطة التعليق.
أما رد فعل نادي أستون فيلا، فكان التعبير عن «خيبة أمله العميقة» والإعراب عن اعتقاده بأن غريليش يستحق غرامة لتصرفه على نحو يتنافى مع نصائح الحكومة والنصائح التي أعلنها هو شخصياً. ويقدم هذا الموقف حجة عادلة تماماً لأن يقدم النادي على اتخاذ موقف أكثر صرامة إزاء اللاعب وتجريده من شارة القائد، على الأقل حتى يتمكن من استعادتها عبر السلوك اللائق، خاصة أنه يجري إخبارنا كثيراً هذه الأيام أن واحدة من النتائج المحتملة للتجمعات غير الضرورية للأفراد أن يموت الناس. وترك رجل انتهك حظر التجول أستون فيلا نفسه عرضة لاتهامات بأن النادي أيضاً لا يتعامل مع الوضع بالجدية اللازمة.
وكان أستون فيلا قال في وقت سابق إنه سيوقع غرامة مالية على غريليش لعدم التزامه بتعليمات الحكومة بالبقاء في المنزل لاحتواء انتشار فيروس كورونا. وذكرت وسائل إعلام بريطانية في وقت سابق أن الشرطة فتحت تحقيقا بعد أن أظهرت صور اللاعب وهو يغادر أحد العقارات في ضواحي برمنغهام بعد وقت قصير من حادث مروري.
وقال أستون فيلا إنه يشعر بخيبة أمل بسبب تصرف اللاعب وإن غريليش أقر بأن مغادرته لمنزله كان قرارا خاطئا ويخالف تعليمات الحكومة. وأضاف النادي على موقعه «ستتم معاقبة اللاعب وتغريمه وسيتم التبرع بهذه الأموال إلى مؤسسة خيرية تدعم المستشفيات الجامعية في برمنغهام».
إلا أن الأوقات الغريبة التي نعايشها تضع الناس، حتى لاعبي كرة القدم الشباب الأثرياء، تحت وطأة شتى أنواع الضغوط. والآن حدث ما حدث وانتهى الأمر. من جانبه، فإن أستون فيلا ربما قدر من باب معرفته باللاعب أن اعتذاره صادق، وأن عزمه على التكفير عن خطئه حقيقي، وأن منشوره الأخير عبر شبكات التواصل الاجتماعي يبدو أكثر صدقاً عما سبق. في الواقع ليس ثمة ما يعيب في أن يمثل مؤسسة ما من جانب شخص اقترف خطأ واعتذر وعزم على إصلاح سلوكه ـ خاصة بالطبع إذا كان هذا التفسير يتواءم مع مصالح النادي واللاعب. وعليه، فإنه من الأفضل أن يثبت غريليش للعالم أنه أصبح شخصاً ناضجاً.
واعتذر غريليش عن الواقعة في مقطع فيديو على «تويتر» قبل أن يصدر أستون فيلا بيانا أعلن فيه أنه سيتخذ إجراءات انضباطية بحق اللاعب. وقال غريليش «قررت الظهور في هذه الرسالة القصيرة عبر الفيديو لأبلغكم بأني أشعر بحرج شديد لما حدث في عطلة نهاية الأسبوع. تلقيت مكالمة من صديق يطلب مني القدوم إليه ووافقت بغباء.‭ ‬لا أرغب أن يكرر أي شخص هذا الخطأ وأطلب من الجميع البقاء في المنزل واتباع التعليمات. أتمنى أن يتقبل الجميع اعتذاري».‬
لدرجة ما، تعتمد سمعة نادي أستون فيلا على قيام اللاعب بذلك. وبالتأكيد تعتمد سمعة اللاعب نفسه على هذا الأمر. وإذا نحينا جانبا في الوقت الحالي الضرر الذي كان يمكن للاعب إلحاقه بالآخرين عبر سلوكه الطائش، سيبقى من المخجل أن نرى سلوك غريليش خارج الملعب يقف عقبة في طريق بلوغه ذروة مهارته ومواهبه داخل الملعب، الأمر الذي يبدو في متناوله.
في الوقت ذاته، ينبغي لنا تجنب المبالغة في استقراء دلالات تصرف واحد متهور في وقت استثنائي، بجانب حادثي إفراط في الشراب منذ سنوات عدة. حتى هذه اللحظة، لا نعلم ما يكفي عن غريليش كي نعلن أنه شخص منحرف ولا سبيل لتقويمه. ومع هذا، فإن الأمر المؤكد أمامنا أن أي نادٍ يفكر في إغداق عشرات الملايين من أجل إغواء غريليش ودفعه للرحيل عن أستون فيلا، سيتعين عليه بذل أقصى مجهود ممكن للتأكد من كيفية قضاء غريليش وقت فراغه. والسؤال: هل لدى غريليش، أو بمقدوره اكتساب، المزاج العام اللازم لإقرار أي تعديلات لازمة لضمان قضاء أوقات الفراغ والترفيه على نحو مناسب؟
ما يمكننا قوله هنا بثقة إنه داخل أرض الملعب دائماً ما يبدي غريليش مستوى استثنائيا من النضج. داخل الملعب، يبدو غريليش في بيئته الطبيعية النموذجية حيث يتألق ويزدهر. وكان هذا واضحاً للغاية منذ مباراة قبل النهائي ببطولة كأس الاتحاد عام 2015 عندما تألق غريليش، الذي كان حينها مجرد لاعب ناشئ يفتقر إلى الخبرة ولا يتجاوز 19 عاماً، أمام 85.000 متفرج داخل استاد «ويمبلي» ودفع ليفربول لأن يبدو عليه التوتر والاضطراب في مباراة كان يفترض أن المهيمن الأكبر عليها ستيفين غيرارد.
ومنذ عام مضى، قرر مدرب أستون فيلا دين سميث أن اللاعب سيزداد تألقاً حال منحه شارة قائد الفريق. وقال في تصريحات في مارس (آذار) الماضي: «أعلم أن هذا لن يكون عبئاً عليه وأنه سيتألق في هذا الدور. إنه لاعب محترف بارع حقاً وشعرت بأنني إذا لم أمنحه شارة القائد سأكون بذلك قد أغفلت سماته القيادية». وحتى عطلة نهاية الأسبوع الماضي، بدت وجهة نظر سميث صائبة تماماً بفضل أداء غريليش الرفيع في المباريات والتدريب، حيث تولى قيادة زمام القيادة عبر تقديم القدوة الجيدة لزملائه.
في سبتمبر (أيلول)، قال سميث: «أحياناً أضطر إلى جره خارج أرض الملعب. جاك بطبيعته شخص عاشق لكرة القدم، ولديه استعداد لأن يتدرب اليوم بأكمله، ثم يبحث عن غرفة له كي ينام. وبعد ذلك يصحو من النوم ويتوجه إلى صالة ألعاب رياضية. هذا هو نهج حياته، وهذا نمط شخصيته. وعندما يذهب إلى منزله يقضي الوقت في مشاهدة مباريات أيضاً. إنه منغمس في كرة القدم». إلا أن عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ومع توقف مباريات كرة القدم وعدم وجود احتمالية لاستئنافها قريباً، سقط غريليش ضحية للملل واتخذ قراراً أحمق. واليوم، يتعين عليه التوقف عن ذلك، من أجل مصلحة الجميع.


مقالات ذات صلة

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.


المغرب السادس عالمياً... «أسود الأطلس» يتفوقون رسمياً على هولندا وألمانيا والبرتغال

عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)
عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)
TT

المغرب السادس عالمياً... «أسود الأطلس» يتفوقون رسمياً على هولندا وألمانيا والبرتغال

عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)
عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم («أسوشييتد برس»)

شهدت خريطة كرة القدم العالمية تحولاً دراماتيكياً مع انطلاق نهائيات «كأس العالم 2026»، حيث نجح المنتخب المغربي في اقتحام المركز السادس عالمياً، لأول مرة في تاريخه، برصيد 1755.62 نقطة.

يأتي هذا الإنجاز ليكون الترتيب الأعلى لمنتخب عربي عبر التاريخ، متفوقاً على قوى كُروية أوروبية وعالمية عظمى كالبرتغال وهولندا وألمانيا وبلجيكا. وأحدثت الجولة الافتتاحية لبطولة «مونديال 2026» انقلاباً سريعاً في حسابات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» ونظام تصنيفه الحي. ودخل المنتخب المغربي المنافسات وهو مستقر في المركز السابع عالمياً، لكن الثبات التكتيكي والشخصية القوية التي ظهر بها رجال المدرب محمد وهبي أمام البرازيل (المصنفة خامسة عالمياً بـ1765.34 نقطة) أسفرا عن انتزاع نقطة غالية رفعت الرصيد التراكمي للمغاربة.

في المقابل، تسببت المفاجأة الأفريقية الأخرى التي فجّرها منتخب الكونغو الديمقراطية بفرض التعادل بنتيجة 1-1 على البرتغال، في تجريد «برازيل أوروبا» من رصيدها السابق لتتجمد عند 1755.09 نقطة. وهذا التناقض الرقمي سمح لـ«أسود الأطلس» بالقفز خطوة تاريخية إضافية نحو الأمام، ليحتلوا المرتبة السادسة عالمياً بفارق ضئيل بلغ 0.53 نقطة فقط عن رفاق رونالدو.

ترويض عمالقة أوروبا وكسر الهيمنة التقليدية

تجاوز الإنجاز المغربي مجرد فكرة الصعود الرقمي، ليصبح مؤشراً حقيقياً على كسر احتكار منتخبات الصف الأول في أوروبا وأميركا الجنوبية قمة الهرم الكُروي. وبالنظر إلى جدول ترتيب «فيفا» الحالي، يقف المغرب بثباتٍ خلف القوى الخمس الكبرى عالمياً وهي الأرجنتين المتصدرة برصيد 1889.06 نقطة، تليها فرنسا، ثم إسبانيا، فإنجلترا، فالبرازيل. ويعني الحلول في المركز السادس أن «الأسود» نجحوا في تنحية قوى تقليدية كبرى والتقدم عليها، حيث تفوَّق المغرب رسمياً على البرتغال (السابعة)، وهولندا (الثامنة بـ1749.20 نقطة)، وألمانيا (التاسعة بـ1743.54 نقطة)، وبلجيكا التي تراجعت للمركز العاشر برصيد 1733.93 نقطة. هذا التفوق الصريح يعكس النضج الفني لجيل كُروي مغربي بات قادراً على مقارعة أعتى المدارس التكتيكية في العالم دون مركّب نقص.

التراكم الاستراتيجي من قطر إلى ملاعب أميركا الشمالية

لم يكن اقتحام المركز السادس عالمياً وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار تراكمي تصاعدي بدأ منذ الملحمة التاريخية في «مونديال قطر 2022»، حين أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم ويُنهي البطولة رابعاً. ومنذ تلك المحطة، واصلت الإدارة الفنية البناء على المكتسبات عبر تدعيم خطوط الفريق بمواهب شابة متلألئة في الملاعب الأوروبية، مثل جوهرة خط الوسط الموهوب أيوب بوعدي، إلى جانب عناصر الخبرة والوزن الثقيل كأشرف حكيمي وإبراهيم دياز. هذا المزيج البشري منح المنتخب صبغة تنافسية عالية ظهرت بوضوح في قدرة الفريق على تسيير المباريات الكبرى، وتحقيق الألقاب الإقليمية، وهو ما أمّن للفريق مخزوناً نقطياً هائلاً جعله يهدد حتى الرقم القياسي الأفريقي المطلق المسجل باسم جيل نيجيريا الذهبي عام 1994، والذي بلغ المركز الخامس عالمياً.

آفاق الصدارة وطموح النجمة المونديالية الأولى

تضع هذه المرتبة التاريخية ضغوطاً إيجابية وتوقعات عريضة على كاهل «الأسود» في بقية المشوار المونديالي الحالي. ويتطلع الشارع الرياضي العربي والأفريقي إلى استثمار هذه الطفرة المعنوية الكبرى وترجمتها على أرض الواقع في الملاعب الأميركية. ويمتلك رفاق حكيمي، الآن، فرصة ذهبية لتعزيز هذا المركز والتقدم أكثر في حال تحقيق نتائج إيجابية خلال المواجهات المقبلة للمجموعة الثالثة، بدءاً من الموقعة التكتيكية المنتظَرة أمام منتخب أسكوتلندا في بوسطن. فالتحليل الرقمي لنتائج المغرب يُثبت أن الفريق لم يعد مجرد «حصان أسود» عابر في البطولات، بل تحوّل إلى قوة كُروية عظمى ومنظم هيكلي ثابت ضمن النخبة الستة الأولى التي تدير دفتها كرة القدم على كوكب الأرض.


جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام
TT

جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

جدران المونديال المنيعة: أفضل 6 حراس في تاريخ كأس العالم بالأرقام

تعدّ حراسة المرمى في نهائيات كأس العالم الخط الفاصل بين المجد التاريخي والانكسار المرير، حيث يتحول حراس المرمى في الكثير من الأحيان إلى خط الدفاع الأخير وصناع الفرح الأول لمنتخبات بلادهم. وعلى مر عقود من الإثارة المونديالية، نجحت نخبة من الأساطير في حفر أسمائها بأحرف من ذهب، مستندة إلى أرقام قياسية، وتصديات إعجازية، وكاريزما هزت ثقة أعتى المهاجمين في العالم. هؤلاء الحراس لم يكتفوا بالدفاع عن شباكهم، بل غيروا بأقدامهم وقفازاتهم مجرى البطولة الكبرى في تاريخ كرة القدم.

وفيما يلي رصد لأبرز أساطير حراسة المرمى الذين صاغوا تاريخ المونديال بروايات وقصص ملهمة:

ليف ياشين... العنكبوت الأسود الذي غير مفاهيم الحراسة

الحارس الأسطورة السوفياتي ليف ياشين (فيفا)

بدأ الأسطورة السوفياتي ليف ياشين كتابة التاريخ المونديالي عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية بين عامي 1958 و1970، متميزاً بقميصه الأسود وبنيته الجسدية المرعبة. ولم يكن ياشين حارساً تقليدياً يكتفي بالوقوف على خط المرمى، بل كان أول من أدار منطقة الجزاء بالكامل وخرج لقطع الكرات العرضية وبناء الهجمات. ويمتلك هذا الجدار التاريخي سجلاً فريداً بالحفاظ على نظافة شباكه في أربع مباريات مونديالية، بجانب كونه الحارس الوحيد في تاريخ كرة القدم الذي نال جائزة الكرة الذهبية عام 1963، بعد مسيرة حافلة تصدى خلالها لأكثر من 150 ركلة جزاء.

جانلويجي بوفون... جدار برلين المنيع وصاحب الهيبة القياسية

الحارس الإيطالي جيانلويجي بوفون (رويترز)

صنع الإيطالي جانلويجي بوفون مجداً شخصياً وجماعياً لا يُمحى في نسخة ألمانيا 2006، التي كانت واحدة من أصل خمس نسخ مونديالية وُجد فيها. وقدم بوفون في تلك البطولة أداءً دفاعياً إعجازياً حيث اهتزت شباكه مرتين فقط خلال سبع مباريات، وجاء الهدف الأول بنيران صديقة عبر زميله زاكاردو، بينما جاء الثاني من ركلة جزاء نفذها زين الدين زيدان في النهائي. ونال بوفون جائزة أفضل حارس في المونديال بعد أن حافظ على عذرية شباكه في خمس مباريات كاملة، ليقود «الآزوري» إلى النجمة الرابعة بهيبة قيادية لم تتكرر كثيراً.

إيكر كاسياس... «القديس» وصائد الأحلام الإسبانية

الحارس الإسباني إيكر كاسياس (رويترز)

جسد الحارس الإسباني إيكر كاسياس دور البطل المنقذ في اللحظات الحاسمة، وتحديداً في مونديال جنوب أفريقيا 2010 عندما قاد بلاده لمنصة التتويج التاريخية الأولى. ولم تستقبل شباك كاسياس سوى هدفين فقط طوال سبع مباريات، محققاً الشباك النظيفة في خمس مواجهات متتالية بالدور الإقصائي. ويمتلك كاسياس بصمة رقمية فريدة كونه الحارس الوحيد الذي تصدى لركلتي جزاء في نسختين مختلفتين من المونديال عامي 2002 و2010، إلى جانب إنقاذه الأسطوري لانفراد الهولندي آريين روبن في نهائي 2010، وهو التصدي الذي كفل لإسبانيا ملامسة الذهب العالمي.

مانويل نوير... الحارس القشاش وثورة التكتيك الحديث

مانويل نوير حارس مرمى المنتخب الألماني (أ.ف.ب)

أحدث الألماني مانويل نوير ثورة تكتيكية شاملة في مركز حراسة المرمى خلال مونديال البرازيل 2014، حيث قدم للعالم مفهوم «الحارس القشاش» الذي يلعب كقائد ومدافع متأخر يقطع الكرات من خارج منطقة الجزاء. وبلغت دقة تمريرات نوير بالبطولة 244 تمريرة ناجحة، متفوقاً في بناء اللعب على لاعبي خط وسط بارزين. وإلى جانب تميزه بالقدمين، كان نوير سداً منيعاً باستقباله أربعة أهداف فقط، مع الحفاظ على نظافة شباكه في أربع مباريات، ليتوج بالقفاز الذهبي وكأس العالم برفقة الماكينات الألمانية.

بيتر شمايكل... العملاق الدنماركي وبنية الرعب الجسدية

بيتر شمايكل... العملاق الدنماركي (ويكيبيديا)

فرض العملاق بيتر شمايكل هيبته على المونديال بفضل بنيته الجسدية الضخمة وتوجيهاته الصارمة للمدافعين، واشتهر عالمياً بأسلوب القفزة الانتحارية المستوحى من حراس كرة اليد للتصدي للكرات بأطرافه الأربعة. وقاد شمايكل منتخب الدنمارك لطفرة تاريخية غير مسبوقة بالوصول إلى الدور ربع النهائي في مونديال فرنسا 1998. وخاض شمايكل تسع مباريات مونديالية تاريخية تميزت بالثبات العالي والقدرة على إحباط المهاجمين بفضل حضوره الذهني والبدني الطاغي.

إيميليانو مارتينيز... ملك الحروب النفسية ومنقذ النجمة الثالثة

حارس المرمى الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز (أ.ب)

دخل الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز تاريخ كأس العالم من الباب الكبير في نسخة قطر 2022، متسلحاً بأسلوبه الفريد في إثارة الحروب النفسية وتشتيت تركيز المسددين. وقاد مارتينيز «التانغو» للفوز بحصتين حاسمتين لترجيح ركلات الجزاء ضد هولندا في ربع النهائي وضد فرنسا في المشهد الختامي، حيث تصدى لثلاث ركلات ترجيحية بمفرده. ويبقى تصديه لتسديدة الفرنسي راندال كولو مواني في الدقيقة 123 من الوقت الإضافي بالنهائي، واحداً من أثمن وأعظم التصديات في تاريخ اللعبة، إذ لولاه لتبخر حلم الأرجنتين قبل نيل اللقب والقفاز الذهبي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended