نشأته وتأثير الحرارة وعدد المصابين... ما لا نعرفه بعد عن فيروس كورونا

رجل يرتدي قناعاً واقياً بينما يستخدم هاتفه الجوال في قطار بمدينة مومباي الهندية (أ.ف.ب)
رجل يرتدي قناعاً واقياً بينما يستخدم هاتفه الجوال في قطار بمدينة مومباي الهندية (أ.ف.ب)
TT

نشأته وتأثير الحرارة وعدد المصابين... ما لا نعرفه بعد عن فيروس كورونا

رجل يرتدي قناعاً واقياً بينما يستخدم هاتفه الجوال في قطار بمدينة مومباي الهندية (أ.ف.ب)
رجل يرتدي قناعاً واقياً بينما يستخدم هاتفه الجوال في قطار بمدينة مومباي الهندية (أ.ف.ب)

أثار الانتشار السريع لفيروس كورونا بدول العالم تساؤلات كثيرة حول أسباب تفشي الفيروس، الذي وصفته منظمة الصحة العالمية، بأنه «عدو للبشرية»، بالتزامن مع جهود مستمرة من جانب الباحثين لحسم عدد من النقاط الخلافية حول الفيروس، والانتهاء بعلاج يحد من أعداد وفياته وانتشاره.
غير أن هذه الجهود لم تنجح، حتى الآن، في الخروج باستنتاج حاسم يضع حداً لحالة الهلع المسيطرة على جموع سكان العالم، وظلت أجوبة بعض الأسئلة غير محسومة. في الفقرة التالية، تطرح هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عدداً من الأسئلة حول هذه القضايا، وتحاول توضيح بعضها.

1 - كم عدد الأشخاص المصابين بفيروس كورونا؟
هو أحد الأسئلة الأساسية التي يبحث عنها ملايين من سكان العالم، يومياً، لقياس حجم انتشار الفيروس. غير أنه إذا كان هناك مئات الآلاف من الحالات المؤكدة حول العالم، فإن ذلك ليس سوى جزء صغير من العدد الإجمالي للعدوى. وسبب حالة عدم اليقين بأعداد الحالات المُصابة يعود إلى أن هناك عدداً غير معروف من الحالات الذين يحملون الفيروس بدون أعراض، ولا يشعرون بالمرض.
وسيسمح تطوير اختبار الأجسام المضادة للباحثين بمعرفة ما إذا كان أي شخص مصاباً بالفيروس. عندها فقط سوف نفهم إلى أي مدى أو مدى سهولة انتشار الفيروس التاجي.

2 - إلى أي درجة يعد الفيروس قاتلاً؟
الجواب على هذا السؤال يستوجب علينا التأكد من معدل الوفيات بالفيروس. بينما في الوقت الحالي، يُقدر أن حوالي 1 في المائة من المصابين بالفيروس يموتون. ولكن إذا كان هناك عدد كبير من المرضى الذين لا يعانون من أعراض، فقد يكون معدل الوفيات أقل.

3 - مجموعة كاملة من الأعراض
الأعراض الرئيسية للفيروس التاجي هي الحمى والسعال الجاف - هذه هي الأعراض التي يجب أن تبحث عنها. كما تم الإبلاغ عن التهاب في الحلق والصداع والإسهال في بعض الحالات، وهناك تكهنات متزايدة بأن فقدان حاسة الشم قد يؤثر على البعض. لكن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الأعراض الخفيفة الشبيهة بالبرد، مثل سيلان الأنف أو العطس، موجودة لدى بعض المرضى. تشير الدراسات إلى أن هذا أمر محتمل، وأن الأشخاص قد يكونون معدين دون معرفة أنهم يحملون الفيروس.

4 - من أين أتى الفيروس؟
ظهر الفيروس في ووهان الصينية، في نهاية عام 2019، حيث كانت هناك مجموعة من الحالات في سوق للحيوانات.
ويرتبط الفيروس التاجي، الذي يسمى رسمياً «Sars-CoV-2»، ارتباطاً وثيقاً بالفيروسات التي تصيب الخفافيش، ولكن يُعتقد أن الفيروس انتقل من الخفافيش إلى أنواع الحيوانات الغامضة التي انتقلت بعد ذلك إلى البشر. هذه «الحلقة المفقودة» لا تزال مجهولة، ويمكن أن تكون مصدراً لمزيد من العدوى.

5 - هل ستكون هناك حالات أقل في الصيف؟
عادة ما تكون نزلات البرد والإنفلونزا أكثر شيوعاً في أشهر الشتاء عنها في الصيف، ولكن لم يعرف بعد ما إذا كان الطقس الأكثر دفئاً سيغير انتشار فيروس كورونا أم لا. وقد حذر المستشارون العلميون لحكومة المملكة المتحدة من أنه من غير الواضح ما إذا كان سيكون هناك تأثير موسمي. إذا كان هناك واحد، فإنهم يعتقدون أنه من المرجح أن يكون أصغر من ذلك لنزلات البرد والإنفلونزا.
إذا كان هناك انخفاض كبير في الفيروس التاجي خلال فصل الصيف، فهناك خطر من ارتفاع الحالات في الشتاء، عندما تضطر المستشفيات أيضاً إلى التعامل مع تدفق المرضى الذين يعانون من البق الشتوي المعتاد.

6 - لماذا يعاني بعض الأشخاص من أعراض أكثر حدة عن حالات أخرى؟
«Covid-19» هو عدوى خفيفة لمعظم من أصابهم، غير أن أعراضه الحادة تلازم نحو 20 في المائة من حمالي الفيروس. والتفسير الأقرب لسبب حمل هؤلاء أعراضاً أكثر حدة هو أن حالة الجهاز المناعي للشخص جزء من المشكلة، وقد تكون هناك بعض العوامل الوراثية أيضاً.

7- هل يُصيب الفيروس الأطفال؟
يمكن للأطفال بالتأكيد التقاط الفيروس التاجي. ومع ذلك، فإنهم في الغالب يعانون من أعراض خفيفة، وهناك عدد قليل نسبياً من الوفيات بين الأطفال مقارنة بالفئات العمرية الأخرى. في المقابل، يكون الأطفال أكثر الفئات نشراً للمرض، ويرجع ذلك جزئياً إلى اختلاطهم بالكثير من الأشخاص.

8 - إلى متى ستستمر الحصانة من الفيروس، وهل يمكن للشخص أن يُصاب به مرتين؟
هناك الكثير من التكهنات، ولكن القليل من الأدلة على مدى قوة المناعة ضد الفيروس. يجب أن يكون المرضى قد كونوا استجابة مناعية، إذا نجحوا في محاربة الفيروس. ولكن بما أن المرض كان موجوداً لبضعة أشهر فقط، فهناك نقص في البيانات طويلة المدى التي تنتهي لجواب حاسم حول هذه القضية. قد تكون شائعات إصابة المرضى مرتين مراراً إلى الاختبارات التي تقول بشكل خاطئ أنهم خالون من الفيروس. وفهم مسألة الحصانة تجاه الفيروس على المدى الطويل أمر مهم لكشف تفاعلات الفيروس مع مناعة جسم الإنسان.

9 - هل سيتحور الفيروس أم لا؟
تتحور الفيروسات طوال الوقت، ولكن معظم التعديلات على الشفرة الجينية لا تحدث فرقاً كبيراً.
لكن كقاعدة عامة، تذهب توقعات العلماء إلى أن الفيروسات تتحور لتكون أقل فتكاً على المدى الطويل، ولكن هذا غير مضمون. القلق هو أنه إذا تحور الفيروس، فإن الجهاز المناعي لم يعد يتعرف عليه، ولم يعد لقاح معين يعمل (كما يحدث مع الإنفلونزا).


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟