فالح العجمي: المشهد الثقافي في السعودية ذو لون واحد فقط

الكاتب السعودي يرى أن إتاحة النقد الحل الأنجح لمواجهة التشدد

فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية
فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية
TT

فالح العجمي: المشهد الثقافي في السعودية ذو لون واحد فقط

فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية
فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية

يرى المؤلف والكاتب السعودي الدكتور فالح بن شبيب العجمي أن الحركة الثقافية في السعودية متقدة بـ«شباب رائع ذي قدرات ذهنية على مستوى عالٍ من التفكير»، لكن المشهد الثقافي منذ التسعينات كان له لون واحد – كما يقول * فقد «كان شحيحا فيما يخص المعرفة المثمرة، لكنه بالنسبة إلى المتطرفين والمتشددين لم يكن سيئا».
ويقول أستاذ اللسانيات اللغوية بجامعة الملك سعود بالرياض، إن «الأسلوب الأمثل لمواجهة خطاب التشدد الفكري هو إتاحة النقد، وتشريع النوافذ مع الأبواب لدخول الهواء النقي، وإطلاق طاقات الشباب في ميادين شتى؛ أبرزها المسرح والفنون».
صدر للعجمي حديثا كتاب بعنوان «النص والخطاب والحياة» يناقش فيه الدراسات التاريخية للنصوص الدينية، وآليات البحث العلمي في التاريخ الإسلامي.
التقينا العجمي وناقشناه حول قضايا كتابه وشؤون المشهد الثقافي، وهنا نص الحوار:
* ذكرت في كتابك «النص والخطاب والحياة» أن كثيرا من الدراسات الدينية تجاهلت الأسئلة الملحة بسبب الثقافة التي تخلط بين التناول العلمي والقناعة الآيديولوجية.. السؤال هو كيف يمكن الفصل بين الأمرين دون أن يؤثر أحدهما على الآخر؟
ـ القضية في هذا المجال أوسع من الخلط في حقيقة الأمر، فما طرحته في كتابي «النص والخطاب والحياة» يتعلق أساسا بالتعمق الضروري في طرح القضايا الشائكة في النص المقدس، وفي الخطابات الدينية المترتبة عليه، على طاولة البحث، وذلك عندما لم أجد اهتمام دارسي ذلك النص بقضاياه الرئيسية المتعلقة بواقع النص وشواهد الواقع، وقبل ذلك طرحت بطريقة مماثلة تاريخ الحريات في شبه الجزيرة العربية، عندما لم أجد اهتماما من المؤرخين بذلك الجانب في كتابي «صراع الحريات»؛ إذ يتناقلون الأحداث، وكأنها إملاءات تصنع المفاهيم، لكن فيما يخص الخلط، طبعا هو موجود، لأن الجوهر لم يُدرس كما ذكرت.
أما كيف يمكن الفصل بين التناول العلمي والاقتناع الآيديولوجي، فهما في الأصل على طرفي نقيض، ولو نظرنا إلى ما أنتجه العلماء المؤثرون في تاريخ البشرية، لوجدناه بعيدا عن الأدلجة. أما صنّاع الشر، فهم متورطون حتى آذانهم في إلباس الآيديولوجيا بحلية العلم والخير والدين.
* هل تتفق أن الخوف هو عامل آخر يدفع نحو عدم إثارة هذه الأسئلة.. الخوف على قناعة آيديولوجية متوارثة أن تهتز بالبحث العلمي؟
ـ هذا السؤال في الصميم؛ إذ أستغرب فعلا من أمة تدّعي أنها على حق مطلق، وتتردد كثيرا في طرح الأسئلة الحساسة، كما يتبارى كبار منظّريها إلى التخويف من إثارة الشكوك، وكأن معتقداتهم ومكوناتهم الثقافية ورقية، يمكنها السقوط من أدنى هبّة ريح. طبعا، عندما تكون تلك الأبنية المتوارثة قائمة على القص واللزق، والمبالغات في وصف أوضاع طوباوية في الماضي، فالأمر طبيعي؛ أن تهزها الأسئلة البحثية العلمية العميقة والجذرية والمباشرة، وأن يشعر الملفقون بالقلق إزاء من يجرؤون على مثل ذلك التناول.
* سبق وقلت إن تاريخ الإسلام «فاتن وخطير».. لماذا هذان الوصفان؟
ـ نعم هو كذلك؛ فاتن لأنه يدعو إلى نظريات ثورية، تبدأ برفض أي نوع من الآلهة التي كانت تقدسها الجماعات البشرية، والتمرد على كل الأنماط السابقة في الحياة، والخضوع التام لمرجعيات قسرية، كما يدعو إلى تطهير الروح والزهد في الدنيا والتآخي بين الناس، والتدخل في أدق تفاصيل حياة الإنسان وخصوصياته وأطر المجتمعات وأنظمتها الثقافية والاقتصادية والسياسية. وزادت الفترات التاريخية المتنوعة، وحالات الانقسام الديني والطائفي من جاذبية بعض الفئات، أو الممارسات الروحانية لأعداد ليست قليلة من غير المسلمين إلى تلك الطقوس أو الشعائر المتميزة.
لكنه خطير، لأن تلك الثورات لم تتحقق، إلا لترجع إلى الوراء أكثر مما تقدمت، كما أن التمرد الفردي لم يتملص من شيطنة الإنسان ورغباته الحسية – كما هو متوقع من رؤية فلسفية نظرية – مما أوجد تباينا بين الواقع والنظرية، لكن الخطورة ليست هنا فحسب، بل تكمن بقوة في كون قادة الرأي فيه في كل عصر لا يرون هذا التباين إلا انعكاسا وهميا لمن يعملون ضد المبادئ الإسلامية؛ مما أوجد عقيدة خفية لدى المؤدلجين بضرورة التفتيش دوما عن المؤامرة. ومن نتائج عدم نجاح التمرد في الشخصية الإسلامية أنه أوجد أشخاصا منفلتين من كل قيد أخلاقي، ومستسلمين بصورة كاملة للغرائز، كلما أتاحت الظروف ذلك.
ومما يتعلق بهذه الازدواجية ما يتناقله بعض الناس من مقولات الإسلاميين المدافعين عن المبادئ، من خلال رفض ممارسات المسلمين غير المتطابقة معها، لكنه رفض يشمل الحركات الإسلامية والمجتمعات الإسلامية والأفراد الذين تتأذى منهم مجتمعات أخرى، وتلصق تصرفاتهم بالإسلام، فيردد أولئك المدافعون: «هؤلاء لا يمثلون الإسلام»!
* برأيك هل استطاعت الدراسات التاريخية العربية أن تجلي هذه الفتنة والخطورة.. ولماذا؟
ـ الدراسات التاريخية العربية مع بالغ الأسف! تلتفت إلى التفصيلات الصغيرة، وتضيف إليها بعض التحليلات، كما تأخذ الآراء السائدة بوصفها مسلّمات؛ لهذا خلت تماما من المواقف النقدية الجادة، إذا استثنينا بعض المؤرخين العرب الذين تعلموا في الغرب، وعرفوا معنى «نقد التاريخ»، واستخلاص الآليات من مسار الأحداث، وليست تراكمات الوقائع، وبعض المدوّنات التي تشيد بهذا الطرف أو ذاك.
وقد حاولت في كتابي: «الإنسان المسلم» تبيّن مفاصل نشأة الكيان الإسلامي، وتنوعاته من خلال تطبيقات الأفراد والمجتمعات، ثم علاقات الأفراد داخل المؤسسات العامة (سواء فيما يتعلق بالعبادة والانتماء، أو العدالة وتأطير الحياة على الأرض)، مثلما ركّزت على مفهوم المسلم لنظرية العقد الاجتماعي بوصفها تأطيرا للدولة التي يريد أو لا يريد أن يعيش في كنفها. وبالطبع لا بد من التعرض للأزمات الفكرية التي مرت في التاريخ الإسلامي القديم والحديث، وهي تترك آثارا عميقة في مخيلته، كل ذلك لا تتعرض إليه الدراسات التاريخية العربية بمجملها.
* ما تفسيرك لانبعاث التطرف الديني المستمر رغم توافر عوامل كثيرة في ظل التطور الحضاري والتقني كان المتوقع أنها ربما تساهم في إذابته وتفكيكه؟
ـ التطرف الديني في نظري لم ينشأ من فراغ، بل هو موجود وطالما وجد المنتفعون من توظيف النصوص لصالح سلوك متطرف، وكلما وجدت الجموع الجاهلة أو الغاضبة أو المستلبة، فهذا هو الثالوث المنشئ للتطرف، وبالطبع، طرفاه الأولان (النص والمنتفع) موجودان باستمرار، أما الطرف الثالث، فهو المتغير، إذا وجدت الظروف، التي تجعل الغوغاء تبلع الطعم، اشتعلت الفكرة في رؤوسهم، وأوقدوا أوار التطرف، كما تتزايد مع الأفكار المتطرفة مشاعر الكراهية لكل ما هو مختلف عن الفكرة، التي زرعها المنتفع في أذهان الأتباع.
المشكلة في قضية أفكار التطرف الديني، أن الموبوء بها لا يظن أنه كذلك، بل إنه كلما زاد تطرفا، اشتغلت عنده الحمية للفكرة الدينية أو المذهبية، بوصفه مدافعا عن النقاء من التلوث، وعن الحق أن يصيبه الباطل، وباسم الرب لئلا يغضب على الجميع، فينزل عليهم عقابه، فهو موتور ويظن بأنه مخلص، كاره للأكثرية ويظن بأنه محب لهم، وسيط بين المنتفع من جهة والمال والجاه من جهة أخرى وهو يظن بأنه وسيط بين البشر والرب.
لذلك فهو لا يخضع لعوامل التطور الحضاري، ولا حتى لمقاييس الأحاسيس البشرية بوجه عام. وبهذا لا يمكن تفكيك خطاب التطرف إلا بإبعاد رؤوس المثلث المذكور أعلاه عن الاتصال بعضها ببعض، لئلا تكتمل الدورة، ويسير تيار التطرف بين هذه الرؤوس، ليعود النص المؤول من جديد أخطر مما كان.
* شهدت السعودية اهتماما ملحوظا بالثقافة والفلسفة بين أوساط بعض الشباب، ومن ذلك إنشاء «الحلقة الفلسفية».. ما تقييمك لهذا الاهتمام.. وهل ترى أن البيئة مهيئة لإنضاج خطاب ثقافي مختلف؟
ـ نعم، السعودية فيها شباب رائع، وقدرات ذهنية على مستوى عالٍ من التفكير، وقد عرفت بعض الزملاء الذين اشتركوا في دعم هذه النواة، وبعض الشباب الذين ساروا بالمشروع قدما، وأنتجوا معرفة فلسفية لا بأس بها، والبيئة إذا خلت من عوامل التطرف قابلة للازدهار الفكري، وخلق خطابات ثقافية متنوعة. لكن ذلك مرهون أيضا بإطلاق طاقات الشباب في ميادين شتى؛ أبرزها في المسرح والفنون، التي تعيقها المؤسسات البيروقراطية بأثر من عرقلة الحقبة، التي هيمن فيها خطاب التطرف، وأخاف رموز المتشددين كل من كان يفكر في لمسة جمال فني، أو إتاحة الفرصة لإبداع الشباب وإبراز طاقاتهم.
فلم يبق لهم في الواقع سوى مجال الرياضة – وهو للذكور فقط – وحتى هذا المجال حاول أعداء الحياة محاصرته، لكن أصحاب القرار لم يستسلموا لهم، سوى في حرمان المرأة من مزاولة النشاطات الرياضية، وأتمنى أن يتم تداركه، من أجل عدم منع النساء من أبدان سليمة تنعكس آثار صحتها على وضع الأسر التي تنشئنها.
* يؤمن عدد من المنشغلين بالفلسفة أن إقرار تدريسها مادة في التعليم العام هو الحل الأنجع للقضاء على خطاب التشدد والانغلاق.. ما رأيك؟
ـ بالطبع قراءة الإنتاج الفلسفي العالمي مفيدة جدا، وتدريسها وتناولها في نقاشات فكرية أكثر فائدة أيضا، لكن الأزمة التي اقترنت بحياة المجتمع السعودي مع تفشي خطاب التطرف لم تقف عند منع الفلسفة من مناهج التعليم ومن الكتب التي تفسحها المؤسسات العامة، بل تعدى الأمر إلى تكفير الفلاسفة المسلمين، وتحريم تناول كتبهم، أو الإشادة بها في أي مناسبة.
مجابهة التشدد الذي يفتك بالعامة لن يكون بالإكثار من الجرعات الفلسفية، التي لن يفهمها القطب الثالث لخطاب التطرف (أفراد العامة البسطاء ذوو الصبغة الدينية والقدرات الذهنية المتواضعة). أما ما هو ناجع في نظري، فهو إتاحة النقد، وتشريع النوافذ مع الأبواب لدخول الهواء النقي من كل صوب، ليزيل بؤر العفن، التي لا تنشأ إلا نتيجة إقفال المنافذ، وتفشي الفطريات في الجوانب المظلمة.
كما أن لصرامة السلطة وسن الأنظمة الواضحة دورا في الحد من شراسة الخطاب المتشدد، الذي تنعشه السلطات الضعيفة المضطربة، والبيئات التي تغيب فيها الأنظمة، أو تكون متقلبة وغير قابلة للتطبيق على الجميع.
* هناك من يقول بأن المشهد الثقافي في السعودية منذ التسعينات تحديدا كان شحيحا معرفيا.. كل نتاجه عبارة عن سجالات حول المفاهيم الوافدة، وردود فعل، وصراعات حزبية، دون نتاج ثقافي متكامل؟ ما رأيك؟
ـ المشهد الثقافي منذ التسعينات له لون واحد دون شك، وبالطبع كان شحيحا فيما يخص المعرفة المثمرة، لكنه بالنسبة إلى المتطرفين وأنصاف المتشددين لم يكن سيئا، فقد عاشوا في ذلك العقد أزهى عصورهم، قمعوا في ذلك الزمن من سواهم، واستفادوا من خلاياهم التي كونوها في التعليم خلال عقد الثمانينات. وعندما سولت «القاعدة» لنفسها حرب السعودية بالتفجيرات بدءا من 2003م، شنّت السلطات حربا على مصادر تغذيتها المالية والفكرية؛ مما جعل ذلك التيار يفقد تعاطف المؤسسات الرسمية والمخلصين من المواطنين معه، فلم يبق معهم سوى «الأمميين»، الذين لم يؤمنوا بالوطن في أي حين.
نعم، هي سجالات عن غرابة العلوم والحياة بكاملها عن الدين الإسلامي، وعدم مواءمتها للشريعة، لكنها كانت من طرف واحد؛ فهم من كانوا يقولون ويكتبون، ويأمرون وينهون فيما أطلقوا عليه بصفة عامة «أسلمة العلوم»، حتى انتشرت عنهم الطرفة الخاصة بتدريس الرياضيات: «الخطان المتوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله، وإن التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله»!



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».