جزر سيشيل... أقرب إلى الجنّة على الأرض

جزر سيشيل... أقرب إلى الجنّة على الأرض
TT

جزر سيشيل... أقرب إلى الجنّة على الأرض

جزر سيشيل... أقرب إلى الجنّة على الأرض

هل تحلم بمداعبة السلاحف العملاقة على رمال الشاطئ الذهبية مع طلوع الفجر، والغوص في المياه الدافئة بين شعاب المرجان والأسماك الملوّنة؟ هل تريد أن تعرف أي بقعة هي أقرب إلى الجنّة على الأرض، وأي مكان هو الذي يغنيك عن أطباء النفس وتتمنّى أن تكون فيه مع أحبّ الناس إليك؟ تعالَ معي إذن إلى أرخبيل سيشيل العائم في المحيط الهندي قبالة السواحل الأفريقية، محجّة الباحثين عن المحميات الطبيعية، وقِبلة عشّاق السياحة والرياضات البحرية على ضروبها، حيث لك أن تختار بين أفخم المنتجعات الموجودة في العالم والإقامة غير المكلفة لدى بعض السكّان المحليين الذين بدأوا في السنوات الأخيرة يستقبلون السيّاح في بيوتهم التقليدية.
أكثر من مائة جزيرة منثورة فوق مياه المحيط على مسافة غير بعيدة من مدغشقر، لا تزيد مساحتها على 500 كيلومتر مربع، ثلاثة أرباعها غير مأهولة وأكبرها هي جزيرة «ماهي» التي يعيش فيها معظم سكّان الأرخبيل الذين لا يتجاوزون مائة ألف. «فيكتوريا» هي العاصمة التي لا تشبه القرى الصغيرة، ببيوتها المبنّية على الطراز الاستعماري، والهدوء الذي يسكن شوارعها حيث وتيرة الحياة هدهدة ناعمة بين الحدائق النباتيّة الفسيحة الممتدة عند أقدام جبال شاهقة تبدو طالعة مباشرة من مياه المحيط الفيروزيّة.
من ميناء فيكتوريا تنطلق الزوارق السياحيّة غرباً في رحلاتها إلى الشواطئ الساحرة التي تنتشر عليها أفخم المنتجعات السياحية في العالم وعشرات المنازل الرائعة التي ابتناها العديد من المشاهير الذين اختاروا هذه الجزيرة لقضاء عطلاتهم. أجمل هذه الشواطئ هو Beau Vallon الذي يبعد دقائق عن العاصمة ويمتد على شكل هلال عريض من الرمال البيضاء الناعمة تظلّلها أشجار النخيل الباسقة التي ينحني بعضها حتى يلامس الماء. ومع اقتراب المغيب تبدأ زوارق الصيّادين بالعودة إلى الميناء لعرض مصيدهم الطازج تحت أشجار «تاكاماكا» الوارفة التي تكثر في هذه البلاد.
وعلى امتداد هذا الشاطئ توجد مراكز للغطس الذي يتيح التعرّف على الثروات الطبيعية الفريدة والأسماك الملوّنة، خصوصاً عند خليج «تيرناي» الذي توجد فيه مجموعة نادرة من الشعاب المرجانية وتنوّع كبير من الحيوانات البحرية التي يمكن الاقتراب منها بلا خطر. وفي أواخر فصل الصيف تأتي حيتان القِرش بالعشرات إلى مياه الخليج الدافئة ولا تغادرها حتى أواخر الخريف. لكن لعلّ أجمل ما تختزنه هذه الجزيرة من كنوز هو شاطئ «كارانا» الصغير عند أقصى الطرف الشمالي، بمياهه التي يتماوج صفاؤها بين الأخضر والأزرق وتحنو عليها غابة من النخيل الوارف الذي يضفي على أجوائها عذوبة لا تحظى بها الشواطئ الأخرى في الجزيرة.
مفاتن الجزيرة الرئيسية في شواطئها الساحرة، لكن الداخل لا يقلّ جمالاً عنها بطبيعته الخلّابة والمحمية الوطنية التي تغطّي ربع مساحة الجزيرة تقريباً وتضمّ عدداً كبيراً من الأجناس النباتية النادرة التي يعيش بينها أصغر ضفدع في العالم لا يتجاوز طوله 12 سنتيمتراً ويحاط بعناية فائقة خوفاً عليه من الانقراض. زيارة المحمية ممكنة بالسيارة على طريق جميل يعبرها من أولها إلى آخرها، أو سيراً على الأقدام في دروب تطلّ على مناظر طبيعية أخّاذة وتتعرّج بين الوهاد والهضاب الخضراء وتمرّ على فنادق صغيرة ومطاعم تقليدية للاستراحة، وعلى مصنع للشاي ينظّم زيارات للسيّاح الذين يرغبون في التعرّف على مراحل زراعة هذه النبتة وإنتاجها ثم تجفيفها وتوضيبها حسب الطرق التقليدية.
رياضة الغطس في مياه هذه الجزيرة هي أيضاً من الأنشطة التي تجذب أعداداً كبيرة من السيّاح الذين يقصدونها للتمتّع برؤية أجناس غريبة من الأسماك قلّما توجد بمثل هذه السهولة في مناطق أخرى، والغوص بين شعاب المرجان والإسفنج الملوّن الذي تنفرد به هذه السواحل التي أدرجتها منظمة «يونيسكو» على قائمة التراث الطبيعي العالمي.
وعلى بُعد 95 كيلومتراً من «ماهي» نحو الشمال توجد «جزيرة الطيور»، وهي كناية عن كتلة صخرية تحيط بها شواطئ مرجانيّة حيث تعيش مئات الآلاف من الطيور الغريبة التي تعشّش فيها من بداية الربيع حتى أواخر الخريف. كما تكثر على شاطئها السلاحف البحرية حيث تفقس وتربّي صغارها إلى جانب السلاحف الخضراء التي تنفرد بها هذه المنطقة، والسلاحف البرّية التي نادراً ما تصل إلى الشاطئ.
نغادر فيكتوريا ونتّجه إلى محميّة «سانت آن» البحرية التي تضمّ خمس جزر صغيرة على بُعد عشر دقائق من العاصمة، لكل منها نظام خاص للزيارات وممارسة الرياضات البحرية. جزيرة «راوند» المستديرة مثلاً محظورة على الزيارات وكانت في الماضي مصحّاً يُعزل فيه المرضى المصابون بالجذام لمنع انتشاره.
جزيرة «سانت آن» هي الكبرى بين هذه المجموعة وفيها توجد أجمل الشواطئ والفنادق الفخمة، لكن «الجزيرة الوسطى» هي التي تخفي قصة طريفة وراء ما وصلت إليه اليوم. فهي كانت غير مأهولة حتى أواسط القرن الماضي، إلى أن قام بشرائها الصحافي البريطاني برندون غريمشاو الذي كان مراسلاً لوكالة «رويترز» ويدير مجلّة أسبوعية في تنزانيا.
اشترى غريمشاو الجزيرة مقابل 8500 جنيه إسترليني في عام 1962 عندما كان في السابعة والثلاثين من عمره، وأمضى سنوات يزرع الجزيرة بالأشجار ويعتني فيها بالسلاحف والطيور التي كانت تعيش فيها بعد أن كان الباحثون عن كنوز القراصنة قد دمّروا نباتاتها وعاثوا بأوكار الحيوانات. وتضمّ الجزيرة اليوم أكثر من 15 ألف شجرة ومئات الأجناس من الطيور والسلاحف البحري والبريّة. وقبل وفاته في عام 2012 رفض غريشماو عرضاً لشراء الجزيرة من أحد الأثرياء مقابل 40 مليون دولار قائلاً: «لأني تقدّمت كثيراً في السن ولن يتسنّى لي إنفاق هذا المبلغ من المال، ولن أجد مكاناً أجمل من هذا لأُمضي آخر أيامي فيه».
هنا تنتهي الجزر الصغيرة والقريبة من العاصمة، لكن على بُعد 400 كيلومتر من «ماهي» توجد جزيرة «ألفونس» التي تحيط بها بحيرة ضخمة وحدائق مرجانية تمتد عليها شواطئ ساحرة ومنتجعات فخمة وعشرات الفنادق الصغيرة التي تقدّم إقامة مع وجبات كاملة بأسعار مقبولة. وهي مشهورة عالميّاً بصفاء مياه بحيرتها التي يقصدها هواة الصيد بالطرق التقليدية والغطس في أعماق شواطئها التي لا نظير لها في بلدان المحيط الهندي. وعلى بُعد ألف كيلومتر من عاصمة الأرخبيل توجد جزيرة «آلدابرا» التي أدرجت محميتها الطبيعية على قائمة التراث العالمي، وتعيش فيها أكثر من 150 ألفاً من السلاحف الضخمة وآلاف الطيور المهاجرة، وهي محظورة على الزوار حفاظاً على هذه الثروة الطبيعية الوحيدة من نوعها في العالم.
لكن الجزيرة الأجمل في سيشيل، والتي تمثّل أكثر من أي مكان آخر الصورة التي نحلم بها عندما نفكّر في هذه البقعة الساحرة من العالم، هي «براسلين» التي تبعد 44 كيلومتراً عن «ماهي» وتسير فيها الحياة بعذوبة وهدوء بين المنتجعات الرائعة المنثورة على شواطئها الساحرة والغابات الكثيفة التي تلطّف مناخها وتخفي بين أشجارها الباسقة العديد من الفنادق الصغيرة التي تكاثرت مؤخراً تلبيةً للطلب المتزايد على إقامة بأسعار في متناول الجميع. كيفما اتجهت في هذه الجزيرة ستقع على شواطئ تحبس الأنفاس بجمالها، أو على مناظر طبيعية عذراء تبدو لك قطعة من الجنّة على الأرض، وستأسرك دماثة أهلها ودفء معاملتهم والابتسامة التي يحملون على وجوههم طوال النهار. لكن الشاطئ الأجمل الذي لا شك أنك ستتعرّف عليه من صوره التي تتناقلها وكالات السياحة ووسائل الاتصال في أنحاء العالم، هو شاطئ «فولفير» الذي يمتدّ على شكل نصف دائرة من الرمال البيضاء الناعمة تحت أشجار معمّرة من النخيل والبابايا التي تكثر أيضاً في جزيرة صغيرة قبالته يمكن الوصول إليها سباحةً، وتُعرف بجزيرة الوطواط.
لكنّ نخيل سيشيل، على روعته في كل أنحاء الأرخبيل، يبلغ ذروة جماله وسط جزيرة «براسلين» في محميّة وادي «ماي» التي تضمّ غابة من النخيل البحري الذي يثمر جوز الهند ويصل علوّه إلى ثلاثين متراً، وهي الوحيدة من نوعها في العالم إلى جانب غابة أخرى نحو الشمال في جزيرة «كوريوز». وفي هذه المحمية أيضاً تعيش أصناف نادرة من الطيور مثل «بلبل سيشيل» أو «اليمامة الزرقاء» و«الببغاء الأسود» المهدد بالانقراض.
نهاية رحلتنا إلى هذا الفردوس الطبيعي في جزيرة «ديغ» لزيارة المحمية الصغيرة التي تعيش فيها مجموعة من أضخم السلاحف البحرية في العالم، يتراوح وزنها بين 500 و700 كيلوغرام ويمكن أن يصل إلى 850 كيلوغراماً في بعض الحالات النادرة. مشهد أخّاذ لهذه الكائنات التي تبدو من عالم آخر يبقى محفوراً في البال وأنت تراقب هبوط الشمس المتهالكة أمامك في مياه المحيط، قبل أن تتوجّه إلى الميناء الصغير لتناول آخر عشاء في هذه البقعة الفريدة بين أهلها الذين يختمون لياليهم بالغناء الشجيّ والموسيقى الحزينة.



السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.