وزير الطاقة السوداني: ورثنا اقتصاداً منهاراً... وقدمنا 13 ملف فساد إلى النائب العام

قال لـ«الشرق الأوسط» إن النظام السابق يخنق البلاد بأزمة الوقود... والربط الكهربائي مع مصر شارف على نهايته

عادل علي إبراهيم
عادل علي إبراهيم
TT

وزير الطاقة السوداني: ورثنا اقتصاداً منهاراً... وقدمنا 13 ملف فساد إلى النائب العام

عادل علي إبراهيم
عادل علي إبراهيم

اتهم وزير الطاقة والتعدين السوداني عادل علي إبراهيم، شركات تابعة لنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، بالتسبب في أزمة الوقود، مرجحاً أن تكون لها أهداف سياسية أو مدفوعة من جهات لخنق اقتصاد البلاد، كما كشف عن إحالة 13 ملف فساد بوزارة الطاقة والتعدين للنائب العام.
وقال الوزير السوداني، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أمس، إن إنتاج البلاد من النفط تناقص إلى 60 ألف برميل، ما اضطر السلطات إلى الاستدانة من شركاء صناعة النفط وجنوب السودان، لتغطية العجز في تشغيل مصفاة الخرطوم، البالغ 100 ألف برميل في اليوم، وتغطي المصفاة حالياً نصف حاجة البلاد من المشتقات النفطية، ويتم استيراد النصف المتبقي.
وتغطي مصفاة الخرطوم 90 في المائة من حاجة البلاد لوقود «البنزين» و60 في المائة من الغازولين، وتبلغ الطاقة التصميمية للمصفاة نحو 100 ألف برميل يومياً.
وقال إبراهيم إن شركات استيراد مشتقات النفط التي تعمل منذ النظام البائد لها مديونيات على الحكومة، اشترطت منذ فبراير (شباط) الماضي تسديد مديونياتها، ثم أوقفت الاستيراد، في وقت كان التعامل يتم عن طريق البيع الآجل أيام نظام المعزول البشير، ثم استمرت عليه الحكومة الانتقالية. وأضاف: «ما يثير حفيظتي، أن هذه الشركات لم تراعِ المصلحة الوطنية والمواطنين، فخنقت البلاد».
وعزا الوزير عدم معالجة الأزمة الراهنة بشكل سريع، إلى عدم توفر النقد الأجنبي، وقال: «الحكومة ورثت وضعاً مالياً واقتصادياً منهاراً منذ سنين، ناتجاً عن السياسات الخاطئة للنظام البائد»، واستطرد: «أدت السياسات الخاطئة إلى تدمير المشروعات المنتجة، وخلفت ديوناً بمئات الملايين لصالح شركات أجنبية ومحلية في قطاع الكهرباء».
ويستورد السودان في الشهر 4 بواخر غازولين، وباخرة بنزين، وباخرة غاز طبخ، يتراوح سعر الباخرة بين 25 – 27 مليون دولار. وأضاف الوزير: «هذه الأرقام توضح حجم المبالغ المالية المطلوبة شهرياً». وتابع: «ورثنا خزانة فارغة، ومديونيات كبيرة للصناديق العربية والإسلامية والإقليمية والبنوك الممولة»، واستطرد: «في هذا الوضع يصعب بناء مخزون استراتيجي».
وتحدث الوزير عن خطة إسعافية ومتوسطة وطويلة الأمد، لسد فجوة المحروقات، عن طريق زيادة الإنتاج وتوفير تمويل عمليات حقول البترول المملوكة للدولة بعد انسحاب الشركاء. وأضاف: «نسعى إلى زيادة إنتاج الحقول لتكفي مصفاة الخرطوم، لتغطية الاستهلاك المحلي ووقف الاستدانة».
وأكملت الوزارة دراسات وبرنامج تطوير حقول النفط، وقال الوزير: «وضعنا خطة تفصيلية مع الشركات الوطنية والصينية لزيادة الإنتاج في الحقول النفطية، وحددنا الكلفة وخيارات التمويل لوزارة المالية»، مشيراً إلى معوقات تتمثل في عدم الاستقرار الأمني في مناطق الإنتاج وتذبذب سعر العملة الوطنية.
وبحسب الوزير، تلقى السودان عروضاً لتطوير الحقول والاستكشافات النفطية الجديدة، من 5 شركات نرويجية وسويدية وإماراتية وكويتية وتركية، تقوم وزارة الطاقة والتعدين بدراستها، وقال: «قيم الثورة السودانية الممثلة في الشفافية والحرية والديمقراطية، تشجع المستثمرين على الإقبال على الاستثمار في الطاقة والتعدين».
وأكد الوزير وجود مناطق واعدة في مجالات النفط في ولايات النيل الأزرق والجزيرة وكردفان ودارفور والبحر الأحمر ووسط السودان والشمالية. وأضاف: «وضعنا خطة إسعافية لتلافي الضرر الذي أصاب قطاع النفط». واستطرد: «الخراب الذي أحدثه النظام السابق في قطاعي النفط والكهرباء كبير جداً». وتابع: «أعدنا تسمية مربعات إنتاج النفط على أسس جديدة بتوفير المعلومات عن المسوحات والاستكشافات».
وأبدى تفاؤله بحل الأزمة الراهنة في المشتقات البترولية بالبلاد، قائلاً: «العاملون في قطاع النفط يبذلون جهوداً كبيرة، وهم مصممون على استغلال الموارد بشكل جيد، والدأب على تطوير وإصلاح الواقع السيئ الموروث من نظام المخلوع عمر البشير».
ورهن الوزير جلاء أزمة نقص المشتقات البترولية بتحسن الوضع المالي للدولة، وقال: «بدأنا البحث لإيجاد موارد نقد أجنبي، وتشكلت آلية عليا لمعالجة الأزمة الاقتصادية بالبلاد، لوضع برامج للتغلب على المشكلة جذرياً». وأوضح الوزير أن النظام البائد عمد إلى إخفاء معلومات النفط، وكان يتعامل معه كملف أمني، لكنه تعهد بتقديم كل الحقائق والأرقام المتعلقة بالنفط والتعدين إلى الشعب بكل شفافية. وقال: «بانفصال دولة جنوب السودان في العام 2011. ورث السودان حقول نفط صغيرة ومراكز المعالجة وخطوط الأنابيب والمصفاة، فتراجع إنتاج النفط لأقل من 130 ألف برميل، وفشل النظام المباد في رفعه إلى 130 ألف برميل، بسبب شح التمويل وهروب النقد الأجنبي والشركات المستثمرة، وتأزم الوضع السياسي، وتواصل التدهور، فتقلص الإنتاج إلى 60 ألف برميل في اليوم».
وأشار الوزير إلى تكوين لجنة لمعرفة حجم الأموال المنهوبة من النفط وتهريبها للخارج، «والفساد الكبير» في ملفاته والمخالفات الإدارية والمالية لبعض الأفراد، وترسية عطاءات لشركات أمنية. وقال إبراهيم: «بعض المشروعات أنشئت بضمان النفط، لكنها نفذت بقروض أخرى، ما يشير لأعمال مريبة حدثت لأموال النفط، ما دفع النظام المعزول لإخفاء المعلومات والأرقام حول النفط وإنتاجه».
وأعلن اكتمال نحو 13 ملف فساد في وزارة الطاقة والتعدين، ستحال للنائب العام، ترتبط بقضايا الفساد ومخالفات مالية وفساد إداري، وأن لجنة محاربة الفساد في الوزارة أنجزت المرحلة الأولى، وهي بصدد إحالة الملفات للنائب العام، وقال: «انتهجنا طريقة جديدة، تتضمن إبعاد الوسطاء والسماسرة عن عمليات إدارة الاستثمار».
وقدر وزير الطاقة والتعدين إنتاج السودان من الذهب بنحو 120 طناً في العام، وأرجع التضارب في أرقام الإنتاج لغياب الإحصاءات عن المنتج من الذهب، وتعهد بتكوين آلية لضبط الإنتاج، ووضع سياسات تسعير جديدة، وفقاً للبورصات العالمية للتقليل من التهريب.
وتعمل الوزارة على تطوير إنتاج الذهب، وحل المشكلات في مناطق التعدين، وتوفير الوقود والخدمات في مناطق الإنتاج، وتقليل التأثير البيئي السالب، بوقف استخدام الزئبق في استخلاص الذهب بالتدريج خلال العام الحالي، وتوفير بدائل ميكانيكية روسية، وتجربة جامعة ألمانية لاستخلاص الذهب من دون الزئبق، على أن تصنع الآليات اللازمة لذلك محلياً، وهي تحقق نسبة استخلاص أعلى من الزئبق.
وتطرح وزارة المعادن مربعات جديدة للاستثمار، إضافة إلى المربعات التي كان يحتكرها النظام السابق، والمربعات غير المستثمرة التي ستطرح بموجب قانون تفكيك نظام الإنقاذ، التابع لعناصر النظام البائد، وإعطاء الأولوية للقطاع الخاص السوداني.
وتلقت وزارة الطاقة والتعدين عروضاً للاستثمار في الذهب من شركات أميركية وكندية وأسترالية، تنتظر رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب. وتعهد الوزير بتشريع سياسات لتنمية المجتمعات المحلية في مناطق التعدين، وتخصيص نسبة من الإنتاج لها، وتوظيف أبناء تلك المجتمعات في شركات التعدين.
وبحسب الوزير السوداني، زاد إنتاج النفط في دولة جنوب السودان، وتحسنت العلاقة بين البلدين كثيراً، وهما يتعاونان لزيادة الإنتاج في حقلي الوحدة وسارجاث، كما مددا اتفاقية التعاون النفطي بين البلدين إلى 2022 دون زيادة في الرسوم.
واعتمدت الاتفاقية إمداد مصفاة الخرطوم ومحطة أم دباكر بخام دولة الجنوب (28 ألف برميل يومياً) بواقع 14 ألف برميل لكل محطة، بجانب دفعات الترتيبات الاقتصادية.
وعزا الوزير تدني التوليد الكهربائي بالبلاد هذه الأيام إلى نقص الوقود في المحطات الحرارية، وقال: «قطاع الكهرباء مثقل بالديون والخراب، وعقود التوليد الخاصة راكمت ديوناً كبيرة عبر شركة تركية». وتعهد بإجراء الصيانات اللازمة لمقابلة احتياجات فصل الصيف.
وأوضح أن الربط الكهربائي بين السودان ومصر شارف على نهايته، وانتهت مرحلة الاختبارات، وتبقي فقط اختبار توازن الذبذبة بين الشبكتين، وأن مصر تبرعت بالجهاز اللازم، وسيتم تركيبه خلال الأسبوعين المقبلين، وينقل خط الربط 50 ميغاواط في المرحلة الأولى. ويحصل السودان على 130 ميغاواط من إثيوبيا بسعر رخيص، وتعمل البلدان على إنشاء خط أنابيب من بورتسودان لمد إثيوبيا وأواسط السودان بالبنزين.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)