قفزة الإصابات بـ«كوفيد ـ 19» في إيطاليا تربك أوروبا

الحالات في فرنسا تضاعفت خلال 24 ساعة

سائحون يتجوّلون في شوارع ميلانو بكمامات وقائية أمس (رويترز)
سائحون يتجوّلون في شوارع ميلانو بكمامات وقائية أمس (رويترز)
TT

قفزة الإصابات بـ«كوفيد ـ 19» في إيطاليا تربك أوروبا

سائحون يتجوّلون في شوارع ميلانو بكمامات وقائية أمس (رويترز)
سائحون يتجوّلون في شوارع ميلانو بكمامات وقائية أمس (رويترز)

بعد صدمة الانتشار السريع لفيروس كورونا الجديد («كوفيد - 19»)؛ حيث بلغت حالات الوفاة حتى الساعة 17 وزاد عدد الإصابات عن 650، يواجه الإيطاليّون بقلق كبير انتقال العدوى إلى القطاع الاقتصادي، الذي بدأ يترنّح تحت وطأة تداعيات الأزمة الصحّية، التي ترخي بظلّها الثقيل على جميع نواحي الحياة.
ومع مرور الساعات، يزداد عدد البلدان التي تمنع مواطنيها أو تنصحهم بعدم السفر إلى إيطاليا، أو تلك التي ترفض استقبال الزائرين الوافدين من مدن الشمال الإيطالي، كما حصل في جزيرة موريشيوس وإسرائيل، أو تلك التي تفرض الحجر الصحي الإلزامي على مواطنيها الذين كانوا في زيارة إلى إيطاليا مؤخراً.
المؤشرات الأولى على فداحة الخسائر الاقتصادية المرتقبة لهذه الأزمة الصحيّة بدأت تظهر على قطاع السياحة الذي يوفّر إيرادات تزيد على 150 مليار دولار سنوياً؛ حيث تراجعت الحجوزات بنسب تتراوح بين 30 و60٪ للأسابيع المقبلة. ويقول مسؤولون في القطاع السياحي إن 60 ألف فرصة عمل مهددة بسبب هذه الأزمة، وإن الامتحان العسير ستكون عطلة الفصح مطالع أبريل (نيسان) المقبل.
ومن المتوقّع أيضا أن يكون لأزمة كورونا في إيطاليا تداعيات على قطاع السياحة في البلدان الأوروبية المجاورة بسبب إحجام الإيطاليين عن السفر إلى هذه البلدان، وبخاصة منها إسبانيا التي سجّلت في الأيام الأخيرة الإصابات الأولى بالفيروس لدى إيطاليين أو مواطنين إسبان كانوا مؤخراً في زيارة إلى إيطاليا. وقد أوفدت السلطات الإسبانية أمس فريقاً من الخبراء للتنسيق مع الجهات الإيطالية ومحاولة تتبّع الإصابات التي كان مصدرها إيطاليا. وتستعدّ إسبانيا لاحتمال مواجهة موجة من الانتشار على غرار ما حصل في إيطاليا بعد أن تأكدت الإصابة الأولى لدى شخص لم يغادر البلاد في الأشهر الأخيرة، ما يعني أن الفيروس كان متفشّياً في إسبانيا منذ فترة قبل أن بدأت تظهر العوارض على المصابين به.
ومع ازدياد منسوب القلق بين الإيطاليين بسبب من انتشار الفيروس في مناطق الوسط والجنوب، وإصابة أربعة أطفال بعد أن ساد الاعتقاد بقدرتهم على مقاومة هذا الفيروس، وبعد الخوف الذي يسود الأوساط الاقتصادية من ركود آخر بسبب الانعزال عن المحيط الحيوي وتراجع معدلات الاستهلاك وعجلة الإنتاج، برز عامل آخر هو الصراع السياسي الذي عاد ليحتدم بشدّة ويعمّق فجوة الخلافات السحيقة في مثل هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها البلاد.
ويتمثّل هذا الفصل الجديد من الصراع بمحاولة ماكيافيلية يقودها رئيس الوزراء الأسبق ماتّيو رنزي، الذي انشقّ عن الحزب الديمقراطي ويشارك في الحكومة الحالية، بالتعاون مع زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف ماتّيو سالفيني، لإزاحة رئيس الوزراء جيوزيبي كونتي الذي ارتفعت أسهمه منذ بداية أزمة فيروس كورونا التي جنّد كل طاقاته للتفرّغ لها ومعالجتها مع جميع أعضاء حكومته.
وكانت المعارضة اليمينية قد بدأت تشنّ حملة مركّزة تلقي اللوم عليه لانتشار العدوى بسرعة، وتتّهمه بالإبطاء في اتخاذ التدابير اللازمة لاحتواء الأزمة الاقتصادية والتخفيف من تداعياتها.
وبعد أن سرت إشاعات في الأيام الأخيرة عن تواطؤ ضمني بين سالفيني ورنزي، التقى زعيم «الرابطة» صباح أمس الخميس رئيس الجمهورية سرجيو ماتّاريلّا، وأعرب له عن استعداده للمشاركة في تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تقف إيطاليا على أبوابها. وتبعه رنزي بتصريحات أكّد فيها استعداده للانضمام إلى مثل هذه الحكومة، فيما أعلن الأمين العام للحزب الديمقراطي رفضه القاطع للدخول في حكومة مع «الرابطة».
ولم يتضّح بعد موقف حركة «النجوم الخمس»، الشريك الأساسي في الحكومة وصاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان، التي تعاني من انقسامات حادة بدأت بانشقاق بعض نوابها وانضمامهم إلى «الرابطة»، وكان فصلها الأخير استقالة زعيمها لويجي دي مايو الذي يتولّى حقيبة الخارجية في الحكومة الحالية.

وقد بلغ الضغط على كونتي ذروته ظهر أمس، عندما أعلنت زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف والمتحالف مع سالفيني، عن استعدادها لطرح الثقة بالحكومة «من أجل إنقاذ البلاد من كارثة اقتصادية معلنة». وعلّق سالفيني على ذلك مصرّحاً: «نريد لإيطاليا أن تنهض من المستنقع بحكومة وحدة وطنية لمواجهة حالة الطوارئ الاقتصادية، والرابطة مستعدة لمساعدة البلد على النهوض والذهاب إلى الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة».
وانتقل الارتباك الإيطالي من انتشار عدوى «كورونا» الجديد إلى الجوار الأوروبي، مع تسجيل عدة إصابات جديدة في كل من فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وسويسرا وغيرها من الدول.
وقال وزير الصحة الفرنسي، أمس، إن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا الجديد في فرنسا تجاوز الضعف في غضون 24 ساعة، ليصل إلى 38 حالة من 18 حالة فقط الأربعاء.
وأضاف الوزير أوليفيه فيران، في مؤتمر صحافي، أن هذه «الزيادة الحادة» كانت بسبب تحديد ما يسمى «الأشخاص المتصلين» الذين خالطوا حالات معروفة قبل ذلك، مضيفا أن فرنسا «جاهزة» للتصدي للوباء، كما نقلت عنه وكالة رويترز.
وفي وقت لاحق، قال جيروم سالومون أمين عام وزارة الصحة إن شخصين توفيا من أصل المصابين الثمانية والثلاثين، و12 شخصا تعافوا، بينما يُعالج 24 شخصا في المستشفيات، بينهم اثنان في «حالة خطيرة».
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، صباح أمس، في حديث مع أطباء في مستشفى باريسي توفي فيه أول فرنسي مصاب بفيروس كوفيد - 19»: «أمامنا أزمة وتفشي وباء (...) وعلينا مواجهته بأفضل طريقة». وأضاف خلال زيارة لمستشفى بيتييه – سالبيترييار: «علينا مواجهته بأفضل طريقة مع مواصلة العيش بشكل طبيعي. نعلم أننا في البداية (...) سنحاول مع كل الطاقم الطبي أنا نأخذ القرارات الصائبة».
وأوضح، وفق ما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية: «سجلتم حالة واحدة (الأربعاء). أعلم أن ذلك أثر كثيرا على الطواقم الطبية، وأردت أن أدعم كل واحد وواحدة منكم»، وأن «أكون صادقا ما يسمح بتنظيم الأمور بهدوء». وقال: «نعلم أننا في بداية هذه المرحلة. أعلم أنكم في حال تأهب، سنحاول أن نتخذ القرارات الصائبة مع كل الطاقم الطبي وبطريقة منظمة».
كما سجلت بريطانيا وإسبانيا والنمسا من جهتها حالات إصابة جديدة أمس، واتخذت إجراءات معززة لعزل الحالات المشتبه بها، ما أدى إلى إغلاق مدارس وفرض الحجر الصحي على فندق سياحي، وإرغام العشرات على العمل من منازلهم.



النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
TT

النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)

لم يعد الحديث عن «نظام عالمي جديد» مجرد كلام تنظيري، فالفعل الملموس وردود الفعل تنبئ بأن «الصفائح التكتونية» في المشهد السياسي تتحرك بسرعة وبمنحى «زلزالي». وكان الجو العام في منتدى دافوس الاقتصادي أخيراً مثالاً حياً على ذلك، فقد خرج القلق من أروقة الاجتماعات إلى الواجهة، متأثراً على نحو مباشر بالخطاب السياسي الأميركي وتجسيده على الأرض.

لقد قرر الرئيس دونالد ترمب منذ بداية ولايته الثانية اعتماد مقاربة «استثمار القوة» لتحقيق مصالح بلاده في كل زوايا الأرض، وتعظيم الاستفادة من عوامل التفوق على الخصوم والحلفاء والأصدقاء من غير تردد. ومن هنا رأينا تجدد المطالبة بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وتهديد الحلفاء بسلاح الرسوم الجمركية، والانسحاب من منظمات ومعاهدات واتفاقات دولية لأن مبادئها وأساليبها لا تتفق والأهداف الاستراتيجية التي تعمل واشنطن على تحقيقها، وسوى ذلك من مواقف وأفعال تبدو للوهلة الأولى صادمة لكنها تغدو «منطقية» متى وضعناها في إطار النظام العالمي الجديد.

في مثال على ردود الفعل التي يولّدها الفعل الملموس، سارع الاتحاد الأوروبي والهند إلى تجاوز عقبات جعلت المفاوضات تطول أكثر من 20 عاماً لعقد صفقة تجارية ضخمة بين اثنين من أكبر أسواق العالم ضماناً لبعض الاستقرار بعد تعرض الجانبين لنيران الرسوم الأميركية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا في نيودلهي (أ.ب)

وألقت تصريحات القيادتين الهندية والأوروبية الضوء على المشهد الجيوسياسي الأوسع المحيط بالاتفاق الذي يُفترض إنجاز صياغته النهائية في الأشهر القليلة المقبلة. فقد قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «إنها حكاية عملاقين، ثاني ورابع أكبر اقتصادين في العالم. عملاقان اختارا الشراكة بصيغة ربح حقيقية. إنها رسالة قوية مفادها أن التعاون هو الردّ الأفضل على التحديات العالمية».

ووصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاق بأنه «أكبر اتفاق للتجارة الحرة في التاريخ». وأضاف: «يشهد النظام العالمي اليوم حالة اضطراب عميقة. في سياق كهذا، ستساهم الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي في تعزيز الاستقرار داخل النظام الدولي».

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوقيع أعقب اتفاقاً تجارياً بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور بدوله الأربع: البرازيل، والأرجنتين، وباراغواي وأوروغواي.

لكن هل كل هذا هو «تعزيز» أم محاولة لوقف تداعي البنيان؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حرب أوكرانيا في ظل الواقع الجديد

في الشهر الأول من 2026، وفي ظل استمرار الهجوم الروسي على أوكرانيا واستعجال ترمب التوصل إلى تسوية سلمية، اجتمع قادة أكثر من عشرين دولة أوروبية إلى جانب كندا في باريس لتحديد الضمانات الأمنية المطلوبة والكافية لكييف. ورغم إشادة القادة الأوروبيين بقمة «تحالف الراغبين» ووصفها بأنها اختراق مهم، فإن نتائجها المعلنة جاءت تكراراً مألوفاً لالتزامات سبق الإعلان عنها ولم تتحقق إلا جزئياً.

يريد «الراغبون» إنشاء قوة متعددة الجنسيات تقودها أوروبا، تُنشر في أوكرانيا متى تمّ التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وقد بدأت أعمال التخطيط لهذه القوة، التي ستضم أجنحة برية وبحرية وجوية، بين الجيوش ووزارات الدفاع الأوروبية، مع إنشاء مقر قيادة لها قرب باريس. وتتمثل مهمة هذه القوة في شقّين: «دعم إعادة بناء القوات المسلحة الأوكرانية، وتعزيز الردع».

ويجري الأوروبيون مناقشات لما سيكون مطلوباً لردع روسيا وإقناع الأوكرانيين المنهكين من الحرب بأن وقف إطلاق النار سيكون دائماً وسيقود إلى حل يوفر الاستقرار. غير أن الضمانات المقترَحة لأوكرانيا تعتمد على عاملين لا تملك أوروبا السيطرة عليهما: استمرار الدعم الأميركي، وموافقة روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

العامل الأول هو في يد دونالد ترمب الذي لم يخفِ رغبته في طي صفحة الحرب الروسية - الأوكرانية ولا إعجابه بفلاديمير بوتين، داعياً فولوديمير زيلينسكي إلى التحلي بالواقعية وتقديم التنازلات المطلوبة التي تعني في المقام الأول ضم مناطق في شرق أوكرانيا إلى روسيا.

أما العامل الثاني فهو في يد بوتين الذي يُستبعد أن يقبل بوجود عسكري دولي في أوكرانيا إلا إذا أُرغم على ذلك ميدانياً - والتطورات لا توحي بذلك - أو اقتنع بأن الوجود العسكري الدولي سيكون أيضاً «ضمانة» لروسيا أقل خطراً من إعادة بناء الجيش الأوكراني وتسليحه، خصوصاً أن الدول الأوروبية التي ستشارك في التشكيل العسكري لن تجازف بالانجرار إلى مواجهة مع موسكو.

السيادة الهشّة

ينبع التركيز على واقع ما يجري في أوكرانيا من كونها أكبر مثال على إعادة رسم لوحة النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد مؤتمر يالطا في فبراير (شباط) 1945، حين رسم فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وجوزيف ستالين مستقبل أوروبا بعد مرحلة أدولف هتلر، بهدف إعادة صوغ مفهوم السيادة وربما تجديد روح اتفاقات وستفاليا والاعتراف بحق الشعوب الأوروبية في تقرير المصير.

أركان مؤتمر يالطا 1945 من اليمين: جوزيف ستالين وفرانكلين د. روزفلت ونستون تشرشل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولعل هذه المدينة الصغيرة التي أسسها الإغريق (اسمها مشتق من كلمة يالوس اليونانية وتعني الشاطئ أو الساحل) والتي يبلغ عدد سكانها نحو 75 ألفاً، تجسّد نهاية نظام ما بعد الحرب الثانية. فهي تقع في جنوب شبه جزيرة القرم على البحر الأسود، ولطالما كانت مقصد النخب الروسية الثرية قبل أن يعلنها فلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية، وجهة سياحية للبروليتاريا، أي الطبقة العمالية الكادحة... وفي عهد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، انتقلت منطقة القرم من جغرافيا الجمهورية الروسية إلى جغرافيا الجمهورية الأوكرانية، إنما ضمن العائلة السوفياتية الواحدة.

في فبراير 2014 قرر فلاديمير بوتين استعادة القرم بعد سقوط حليفه الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش على وقع احتجاجات شعبية وفراره من كييف، لتندلع بعد شهرين الحرب في شرق أوكرانيا بين الانفصاليين الروس في حوض الدونباس والقوات الأوكرانية.

كان ذلك محطة مهمة في مسار اهتزاز النظام العالمي، وتسارعت بعدها التطورات وصولاً إلى الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير 2022.

النافر في هذه البيئة السياسية العالمية أن العولمة التي استبشر بها البشر تحوّلت من اقتصادية إلى سياسية، بل إلى جيوسياسية. وهو ما بدأ يطيح مفهوم السيادة القائم على الهويات والحدود، فالعولمة الاقتصادية تجاوزت عوائق الحدود بالمعنى الإيجابي عموماً، بينما العولمة الجيوسياسية تقوّض الهويات والسيادات، كما سمعنا ونسمع ونرى ما يدور حول غرينلاند وبنما وفنزويلا وأوكرانيا وتايوان وبالطبع غزة.

والخطير في هذه البيئة السياسية، أن العالم يديره خبراء تكتيكيون لا خبراء استراتيجيون. لذا نرى سعياً محموماً إلى الربح والسيطرة على المقدرات والموارد الاقتصادية وكسب الحروب التجارية.

من أين سيأتي القادة الرؤيويون الذين يُخرجون القطار العالمي من مسار فخ الكسب الفوري ويعيدونه إلى سكة السلام والاستقرار؟


غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
TT

غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت رسالة اطلعت عليها «رويترز»، الجمعة، أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أبلغ الدول الأعضاء بأن المنظمة تواجه خطر «انهيار مالي وشيك»، عازياً ذلك إلى رسوم غير مدفوعة وقاعدة في الميزانية تُلزم الهيئة العالمية بإعادة الأموال غير المنفقة.

وكتب غوتيريش في رسالة إلى السفراء مؤرخة في 28 يناير (كانون الثاني): «تتفاقم الأزمة، ما يهدد تنفيذ البرامج ويعرّضنا لخطر الانهيار المالي. وستتدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب».

وتواجه الأمم المتحدة أزمة سيولة حادة، حيث خفضت الولايات المتحدة، أكبر مساهم في المنظمة، تمويلها الطوعي لوكالات الأمم المتحدة، ورفضت سداد المدفوعات الإلزامية لميزانيات الأمم المتحدة العادية وميزانيات حفظ السلام.

وفي الرسالة، قال غوتيريش: «تم الإعلان رسمياً عن قرارات عدم الوفاء بالاشتراكات المقررة التي تموّل جزءاً كبيراً من الميزانية العادية المعتمدة».

لم يتضح على الفور أي دولة أو دول كان يشير إليها، ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من متحدث باسم الأمم المتحدة.

وقال: «إما أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها بالدفع كاملاً وفي الوقت المحدد، أو أن تُجري الدول الأعضاء إصلاحاً جذرياً لقواعدنا المالية لتجنب انهيار مالي وشيك»، محذراً من احتمال نفاد السيولة بحلول شهر يوليو (تموز).


«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
TT

«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)

كشف بنك «سيتي» في مذكرة أنه يتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل إجراءات محدودة ضد إيران في المدى القريب تجنباً لتصعيد الرد، وأن ​تلك الإجراءات هدفها دفع طهران إلى إبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي.

وذكر البنك في المذكرة أمس الخميس أن الإجراءات صغيرة النطاق ستشمل على الأرجح ضربات عسكرية أميركية محدودة ومصادرة ناقلات نفط، وهو ما من شأنه أن يبقي علاوة المخاطر في أسواق النفط مرتفعة، خصوصاً بسبب المخاوف من أن تغلق إيران مضيق هرمز، الممر البحري ‌الحيوي. وارتفعت أسعار ‌النفط ثلاثة في المائة إلى أعلى مستوى ‌لها ⁠في ​خمسة أشهر، أمس ‌الخميس، بسبب تزايد القلق من احتمال اضطراب الإمدادات العالمية إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، أحد أكبر منتجي النفط الخام في منظمة أوبك.

وقالت مصادر متعددة إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس خيارات للتعامل مع إيران تشمل ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لتشجيع المتظاهرين على الخروج إلى ⁠الشوارع، على الرغم من قول مسؤولين إسرائيليين وعرب إن القصف الجوي وحده ‌لن يطيح بحكام البلاد.

وأشار البنك إلى أن التصور ‍الأساسي للإجراءات المحدودة، الذي ‍يرجح حدوثها بنسبة 70 في المائة، «يعكس حساسية الولايات المتحدة ‍تجاه ارتفاع أسعار الطاقة» بسبب اعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية، «وتفضيل الرئيس ترمب تجنب الحرب واحتمال أن تؤدي الضغوط الداخلية المستمرة داخل إيران إلى تغييرات قد تؤدي إلى التوصل إلى اتفاق».

ويستبعد ​«سيتي» رداً كبيراً من إيران «لأنها لا تريد الحرب أيضاً، في ظل اقتصاد متعثر واضطرابات ⁠داخلية». ويتوقع البنك بنسبة 30 في المائة حدوث صراع متصاعد ولكن محدود وعدم استقرار سياسي داخل إيران مما قد يتسبب في اضطرابات متقطعة في إنتاج النفط وصادراته، ويرى احتمالاً 10 في المائة بحدوث خسائر كبيرة في الإمدادات الإقليمية بسبب الاضطرابات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي تصوره الأساسي، يتوقع «سيتي» إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع التوتر في وقت ما في عام 2026، مما سيقلل من علاوة المخاطر الجيوسياسية المتعلقة بإيران، التي تبلغ حالياً سبعة إلى عشرة دولارات للبرميل مع اقتراب ‌سعر برنت من 70 دولاراً. وسجلت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية أمس الخميس 70.71 دولار للبرميل.