أكبر إعفاءات جمركية صينية للسلع الأميركية

بكين تحث واشنطن على «تقييم موضوعي» للتعاون التجاري

الحي الصيني في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا وقد تراجعت الحركة التجارية فيه نتيجة انتشار فيروس كورونا (أ.ف.ب)
الحي الصيني في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا وقد تراجعت الحركة التجارية فيه نتيجة انتشار فيروس كورونا (أ.ف.ب)
TT

أكبر إعفاءات جمركية صينية للسلع الأميركية

الحي الصيني في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا وقد تراجعت الحركة التجارية فيه نتيجة انتشار فيروس كورونا (أ.ف.ب)
الحي الصيني في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا وقد تراجعت الحركة التجارية فيه نتيجة انتشار فيروس كورونا (أ.ف.ب)

قررت الصين الثلاثاء إعفاء 696 سلعة أميركية من رسوم جمركية عقابية، في أكبر إعفاء من الرسوم حتى الآن، حيث تسعى بكين لتنفيذ التزاماتها في اتفاق التجارة الأولي المبرم مع الولايات المتحدة.
ويأتي الإعلان بعد سريان اتفاق المرحلة الأولي بين البلدين في 14 فبراير (شباط) الجاري، وهذه هي الجولة الثالثة من الإعفاءات التي تمنحها الصين للسلع الأميركية. وتعهدت الصين بزيادة مشتريات السلع والخدمات من الولايات المتحدة بواقع 200 مليار دولار على مدى عامين في إطار الاتفاق، وألغت بالفعل بعض الرسوم الإضافية على واردات أميركية بعد التوقيع.
ومن بين السلع التي شملتها الإعفاءات منتجات زراعية ومنتجات للطاقة مثل لحم الخنزير ولحوم الأبقار والغاز الطبيعي المسال والنفط الخام، والتي أُخضعت لرسوم إضافية في خضم تصاعد الخلاف التجاري بين البلدين.
وتبدأ لجنة التعريفات الجمركية التابعة لمجلس الدولة الصيني (مجلس الوزراء) في تلقي طلبات الشركات المحلية للإعفاء من التعريفات الجمركية الإضافية المفروضة على بعض المنتجات الأميركية اعتبارا من الثاني من شهر مارس (آذار) المقبل، وسيكون الإعفاء نافذا لمدة عام بعد الموافقة عليه.
وأشار مراقبون إلى أن الإعلان الصيني يشمل بعض التجهيزات الطبية الأميركية المستوردة، لتتمكن بكين من احتواء وباء فيروس كورونا المستجد بشكل أفضل. ووفقا لوسائل إعلام صينية، فإن من المستلزمات التي سيتم إعفاؤها من الرسوم أجهزة مراقبة وضع المرضى، ومعدات نقل الدم، وأدوات قياس ضغط الدم، وذلك وفقا لقائمة صادرة عن لجنة الرسوم الجمركية بمجلس الدولة الصيني. وأشارت اللجنة إلى أن الخطوة تهدف إلى المساعدة في «تلبية الطلب المتزايد من جانب المستهلكين في الصين».
وكانت وزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية قالت على موقعها الإلكتروني يوم الاثنين إن الصين وافقت على استيراد جميع منتجات الدواجن من الولايات المتحدة، بما في ذلك الطيور الحية إلى جانب لحوم الدواجن التي جرت الموافقة عليها أواخر العام الماضي.
وكانت بكين تحظر جميع أوجه التجارة في منتجات الدواجن من الولايات المتحدة منذ 2015 بسبب نوبات تفش لإنفلونزا الطيور هناك. لكنها رفعت الحظر على واردات لحوم الدواجن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، كتنازل للولايات المتحدة، قبيل إتمام اتفاق تجارة محدود.
لكن في ذات الوقت الذي تفتح فيه الصين أبوابها شيئا فشيئا أمام المنتجات الأميركية، حثت الصين، الثلاثاء، الولايات المتحدة على النظر إلى الشركات الصينية والتعاون التجاري بين الجانبين بطريقة موضوعية وعادلة، وعدم الذعر بشأن التنمية في الصين.
جاء ذلك في تصريح للمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية جينغ شوانغ خلال المؤتمر الصحافي عبر الإنترنت، تعليقا على تقارير بأن الإدارة الأميركية تدرس اقتراحا بوقف تصدير محركات الطائرات النفاثة التي شاركت في تصنيعها شركة «جنرال إلكتريك» إلى الصين، والتي تستخدم في طائرة «كوماك C919»، خشية أن يحاكي الصينيون تقنيات الإنتاج، ما يقوض المصالح التجارية الأميركية.
وقال جينغ: «تابعنا التقارير ذات الصلة، حيث تشير أيضا إلى أن شركة جنرال إلكتريك ترفض هذا التحرك المحتمل للحكومة الأميركية، وتؤكد أن محاكاة تقنيات التصنيع المتقدمة في المحركات أصعب بكثير مما يعتقد بعض مسؤولي الإدارة الأميركية، وأن هذه المحركات موجودة بالفعل لدى الصين منذ سنوات، ما يعني أن الصينيين، وفقا لهذا السيناريو، بدأوا بالفعل في استخدام الهندسة العكسية، فلماذا انتظرت الإدارة حتى الآن للقيام بذلك؟»
وأضاف «إذا كان محتوى التقارير صحيحا، فإن ذلك يشير إلى عدة نقاط، وهي: يبدو أن الأميركيين في القطاعات الصناعية يتمتعون بحس أكثر وأكثر عقلانية، والمرجح أنهم يقولون الحقيقة أكثر من بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية، كما أن بعض المسؤولين الأميركيين يجهلون العلوم والتكنولوجيا ومبدأ السوق، ولديهم حالة من الذعر بشأن التنمية في الصين، بالإضافة إلى أن هذا التوجه سيكون مثالا آخر على استخدام الولايات المتحدة للوسائل السياسية لتقويض تعاونها التجاري مع الصين وقمع الشركات الصينية».
وحذر من أن التحركات الأميركية الأخيرة لا تضر بمصالح الشركات الصينية فقط، بل بمصالح الشركات الأميركية أيضا على المدى البعيد، إلى جانب أنها ستضر بشكل خطير التبادل والتعاون الثنائي والعالمي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتجارة.
ومن جهة أخرى، يرى رئيس معهد كيل الألماني للاقتصاد العالمي، غابريل فيلبرماير، أن الاتفاق التجاري الذي دخل حيز التنفيذ مؤخرا بين الولايات المتحدة والصين يضر «بألمانيا على وجه الخصوص». وقال إنه من المتوقع أن تتسبب الاتفاقات التجارية في تراجع الصادرات الألمانية للصين العام المقبل بمقدار 4.5 مليار دولار، مشيرا إلى أن أكثر القطاعات التي ستشهد تراجعا هي صناعة السيارات والطائرات والآلات.
وذكر فيلبرماير أن تقديرات المعهد تشير أيضا إلى أن مزارعي الصويا في البرازيل سيتضررون بصورة أكبر، حيث ستتراجع صادراتهم للصين العام المقبل بمقدار 5 مليارات دولار. وأشار إلى أن الصينيين ألزموا أنفسهم في الاتفاق التجاري باستيراد بضائع أميركية، وبالتالي فإنها ستتخلى عن منتجات من دول أخرى كانت تفضل الاستيراد منها، وقال: «تجلب هذه الاتفاقية من ناحية مساوئ لباقي الشركاء التجاريين للصين، الذين ستحل المنتجات الأميركية محل منتجاتهم، وسيفقدون نصيبا كبيرا في السوق الصينية».
وبحسب التقديرات، فإن ألمانيا ستكون الأكثر تضررا على المستوى الدولي من الاتفاق الصيني - الأميركي في قطاع الصناعات التحويلية، ومن المتوقع أن تتراجع صادراتها إلى الصين بحلول عام 2021 بمقدار 4.3 مليار يورو، وذلك في سيناريو يخلو من حرب تجارية ومن هذا الاتفاق التجاري الأولي. وتشير التقديرات إلى أن هذا سيصيب على وجه الخصوص قطاعات الطائرات والسيارات والآلات.
ويرى فيلبرماير أن هذه الاتفاقية مثيرة للقلق من عدة نواح، وقال: «الولايات المتحدة تستفيد منها على نحو منفرد، بينما تخسر الصين ودول الطرف الثالث. هذه الاتفاقية تنتهك بوضوح قواعد منظمة التجارة العالمية وتترك الكثير من الأسئلة دون إجابات، مثل ماذا سيحدث إذا لم تف الصين بالتزامات الاستيراد».


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.