روسيا وتركيا نحو جولة محادثات جديدة حول إدلب

أنقرة ترفض اتهامات موسكو بانتهاك تفاهم سوتشي

عائلة سورية نازحة في مخيم بلدة سرمدا في ريف إدلب أمس (أ.ف.ب)
عائلة سورية نازحة في مخيم بلدة سرمدا في ريف إدلب أمس (أ.ف.ب)
TT

روسيا وتركيا نحو جولة محادثات جديدة حول إدلب

عائلة سورية نازحة في مخيم بلدة سرمدا في ريف إدلب أمس (أ.ف.ب)
عائلة سورية نازحة في مخيم بلدة سرمدا في ريف إدلب أمس (أ.ف.ب)

تكتمت موسكو، أمس، على نتائج جولة المحادثات الروسية - التركية التي جرت خلال اليومين الماضيين في العاصمة الروسية، وسط بروز تسريبات أشارت إلى «تحقيق تقدم ملموس، وإن كانت بعض النقاط ما زالت عالقة، وتحتاج إلى مزيد من الحوار».
وعقد الجانبان، أمس، جلسة محادثات قصيرة، بالمقارنة مع الجولة التي انعقدت أول من أمس، واستمرت لأكثر من 5 ساعات، إذ انتهى اللقاء بعد مرور أقل من ساعتين من دون أن يكشف الجانبان تفاصيل عن مجرياته أو نتائجه.
وأثارت تصريحات أطلقها الجانب التركي لاحقاً تكهنات مختلفة، إذ ركزت وسائل إعلام حكومية روسية على تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو حول احتمال نقل المفاوضات إلى المستوى الرئاسي، في حال فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق، في حين جاء إعلان سياسيين أتراك عن أن أنقرة «أبلغت الجانب الروسي باستعدادها لإطلاق عملية عسكرية لإجبار الحكومة السورية على التراجع عن مواقع شغلتها أخيراً»، ليسلط الضوء على واحدة من أبرز النقاط الخلافية التي عرقلت تحقيق تقدم حتى الآن في المفاوضات بين الجانبين.
ووفقاً لمصدر روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، فقد نجح الجانبان في تحقيق «تقدم ملموس» لجهة الاتفاق على ضرورة الانطلاق من تثبيت وقف النار، وعدم السماح بتقدم أوسع للقوات النظامية نحو مدينة إدلب. ووفقاً للمصدر، فإن موسكو تنطلق من واقع أن «العمليات العسكرية حققت حتى الآن النتائج المرجوة منها، خصوصاً ما يتعلق بفرض السيطرة على الطريق الدولي دمشق - حلب، والسيطرة على المناطق المحيطة بحلب، ما سمح بإعلان هذه المدينة محررة بشكل كامل».
لكن النقطة الأساسية التي ما زالت عالقة تتعلق بأماكن تمركز نقاط المراقبة التركية، وضرورة إعادة نشرها في مناطق أخرى، مع الأخذ بالاعتبار التطورات الميدانية التي حصلت خلال الفترة الأخيرة، وهو أمر ما زالت أنقرة تعارضه، خصوصاً مع مواصلتها التعبئة الإعلامية الواسعة باتجاه تحرك عسكري لإجبار القوات النظامية على الانسحاب.
وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد لفت الأنظار بتصريحات وصفت بأنها «متفائلة»، أول من أمس، عندما أشار إلى وجود «تفاهم كامل» بين الجيشين الروسي والتركي في إدلب، وأعرب عن أمل في أن ينعكس هذا التفاهم على أجواء محادثات الطرفين. وبدا أن محادثات موسكو مثلت الفرصة الأخيرة للاتفاق، بعدما فشل الجانبان في جولتين سابقتين من المشاورات في تقريب وجهات النظر، خصوصاً على خلفية التصريحات القوية لأنقرة باحتمال إطلاق عملية عسكرية واسعة.
وأبلغ مصدر دبلوماسي «الشرق الأوسط» بأنه «مجرد أن اللقاءات استمرت ليومين، فهذا يعني أن المكلفين من قبل الرئيسين بوتين وإردوغان قد تلقوا تعليمات بالعمل على التوصل لصيغة من الاتفاق، وإجراءات يجب أن تتخذ لاحقاً»، مشيراً إلى أنه «ظهرت خلافات حول الدور الذي يجب أن يقوم به الجيش السوري، وكيفية عودة سيطرة النظام الحالي في دمشق على المناطق التي يتم تحريرها من المسلحين المصنفين إرهابيين، وكذلك هناك اختلاف حول مفهوم بعضهم الآخر من المسلحين، ووضع (الجيش السوري الحر)، والمهام الذي يقوم بها في كثير من مناطق الشمال، بما فيها مناطق التهدئة والمناطق الحدودية التي فيها وجود مكثف للاجئين، ومراعاة رغبة الملايين من السوريين بأن يكون لهم دور في شكل إدارة الأمور في مناطقهم، لذلك فالقضية معقدة، ولكن الاتفاق المبدئي بين الرئيسين على أن الوضع في الشمال وقضية اللاجئين يجب أن تحل بالتوازي مع العملية الشاملة للوضع الانتقالي لنظام الحكم في سوريا، على أساس ما نص عليه قرار مجلس الأمن (2254)، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية والسيادة».
وقال المصدر إن «المستجدات تحتاج إلى لقاء في القريب العاجل للرئيسين لاتخاذ القرار بخصوص الرؤية التي وضعها فريق الدبلوماسيين والعسكريين والأمنيين»، في حين أشار مصدر آخر إلى احتمال أن يعقد الطرفان جولة محادثات جديدة، تشكل تمهيداً للقمة المرتقبة، وقال إن بعض النقاط «ما زالت عالقة، وتحتاج إلى إنضاج أكبر»، خصوصاً أن الفكرة المتعلقة بـ«تحديد مفهوم القوى التي يمكن وصفها بأنها إرهابية» ما زالت لم تحسم، لأن موسكو ترى أن كل القوى المرتبطة بـ«جبهة النصرة» تدخل تحت التصنيف الدولي على لائحة الإرهاب، وهذا أمر تطرق إليه الوزير سيرغي لافروف عندما أشار إلى أن عزل الإرهابيين يعد «مفتاح حل مشكلات إدلب».
ونقلت صحيفة «كوميرسانت» الروسية عن كيريل سيمينوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الخارجية، أنه «تنشط قوتان متعادلتان تقريباً في إدلب (جبهة النصرة وحلفاؤها في هيئة تحرير الشام) وجماعات المعارضة المسلحة، متحدين بمساعدة تركيا في هيكل واحد: الجيش الوطني السوري، الذي تشكل في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. ولدى كل من الطرفين نحو 20 ألف مسلح».
وأشار الخبير إلى أنه «يبدو أن هناك اتفاقاً بين موسكو وأنقرة على حدود التحرك، وليس من قبيل الصدفة أن الرئيس إردوغان أعطى دمشق وقتاً حتى نهاية فبراير (شباط).
من جهتها، أعلنت أنقرة أمس، رفضها الاتهامات الروسية سواء الرسمية أو الصادرة من وسائل الإعلام لها بعدم تنفيذ بنود مذكرة تفاهم سوتشي. ووصف المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، عمر تشيليك، التصريحات الصادرة عن مسؤولين في روسيا بأنها «مليئة بالأحكام المسبقة».
واتهم تشيليك النظام السوري بخرق وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد بإدلب نحو 20 ألف مرة. وأكد في مؤتمر صحافي ليل الاثنين - الثلاثاء عقب اجتماع للمجلس التنفيذي للحزب الحاكم برئاسة إردوغان، استمرار مساعي تركيا من أجل الحفاظ على اتفاقية خفض التصعيد في إدلب، ووضع حد للكارثة الإنسانية في المنطقة.
وقال، تعليقا على مباحثات الوفد التركي في موسكو، إننا «أبلغنا الجانب الروسي بشكل واضح وصريح أننا أجرينا التحضيرات العسكرية اللازمة من أجل إعادة النظام إلى حدوده السابقة (حدود اتفاق سوتشي) في حال لم ينسحب».
وأعلنت روسيا الليلة قبل الماضية أن تركيا استأنفت دوريات مشتركة مع الجيش الروسي في شمال شرقي سوريا بعد توقف دام أسبوعين مع استمرار هجوم النظام في إدلب.
إلى ذلك، شنت القوات التركية قصفا مدفعيا على مواقع انتشار القوات الكردية في الشمال السوري، دون الإشارة إلى وقوع إصابات.
كان الجيش التركي والفصائل السورية الموالية له شنت هجوما حادا بالمدفعية، أول من أمس، على عدد من المناطق التابعة للقوات الكردية، أسفر عن وقوع إصابات.
بالتوازي، أكد السفير الروسي لدى تركيا، أليكسي يرهوف، أنه لا يزال يتلقى تهديدات عبر صفحة السفارة الروسية في أنقرة، بسبب الأحداث الأخيرة في محافظة إدلب شمال سوريا والتي قال في وقت سابق، إنها تسببت في هستيريا معادية لبلاده على شبكات التواصل الاجتماعي التركية.
وقال يرهوف إن مستخدمي الإنترنت يواصلون إرسال الشتائم، والتهديدات . وشدد على أن «مثل هذه التصريحات لا يمكن تجاهلها، لأنها لا تتعلق فقط بالدبلوماسيين شخصياً، ولكن روسيا وجميع ممثليها أيضاً».
والأسبوع الماضي، أبلغت الملحق الصحافي في البعثة الدبلوماسية الروسية، إيرينا كاسيموفا، وكالة نوفوستي، أن السلطات التركية اتخذت تدابير إضافية لحماية السفارة الروسية في أنقرة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.