وليد جنبلاط: سأعطي فرصة لحكومة دياب رغم وجود عناصر تابعة للنظام السوري

قال لـ «الشرق الأوسط» إنه سيواجه عون منفرداً ويستبعد إمكانية الإصلاح في عهده

وليد جنبلاط: سأعطي فرصة لحكومة دياب رغم وجود عناصر تابعة للنظام السوري
TT

وليد جنبلاط: سأعطي فرصة لحكومة دياب رغم وجود عناصر تابعة للنظام السوري

وليد جنبلاط: سأعطي فرصة لحكومة دياب رغم وجود عناصر تابعة للنظام السوري

من موقعه الجديد في المعارضة، للمرة الأولى منذ العام 2005 يقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط «وحيدا» ومترقبا المرحلة المقبلة، فهو يميل إلى إعطاء حكومة الرئيس حسان دياب «فرصة» على الرغم مما يرى فيها من عناصر تابعة للنظام السوري - اللبناني الأمني الذي كان قائما، ومن جهة أخرى يترقب مواجهة مرتقبة مع عهد الرئيس ميشال عون الذي يرى جنبلاط أنه لا مجال للتعاون معه بعد اليوم، وحمل جنبلاط في حواره مع «الشرق الأوسط» على سياسات صهر عون، رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل.
ويرى جنبلاط أنّ لبنان يقع اليوم بين العقوبات والضغوط، من جهة هناك الولايات المتحدة، ومن جهة ثانية هناك ردة فعل إيران وحلفائها، ووسطهما الحراك. وبحسب رئيس «الاشتراكي» فالحراك رافض للواقع والفساد والحكومة والنظام، وهو على حقّ، ولكنه لم يصل بعد إلى كيفية الوصول إلى تغيير النظام، والطريق الوحيد لتغييره يكون عبر نظام انتخابي حديث خارج القيد الطائفي وعلى أساس لبنان دائرة انتخابيّة واحدة. ولتخفيف مخاوف الملل المتعددة والطوائف يمكن إنشاء مجلس شيوخ.
ويعتبر جنبلاط أنّ ردة فعل بعض المواطنين ضد المصارف لم تكن عفوية من دون أن ينكر وجع الناس من احتجاز أموالها في هذه المصارف. وفي هذا السياق يقول: «ردة الفعل كانت مسيرة، وبعضها كان عفويا، ونحن ننتظر الإجراءات التي قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إنه سيتخذها لتسهيل خدمة الناس»، مضيفا: «بعض المصارف، وبعض الموظفين داخلها يتصرف بشكل أرعن تجاه المودع الذي لا علاقة له بهذا الصراع الأميركي الإيراني».
ويذكّر جنبلاط في هذا الصدد بما قاله الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بصراحة «جارحة» للمواطن العادي، ويقول: «نصر الله قال إن ماله وسلاحه من إيران وحتى إذا وصلت الدولة اللبنانية إلى حال إفلاس، فيستطيع ويملك الإمكانات الكافية من أجل ضمان جماعة الحزب. وفي كلامه بعض المبالغة، لأن الانهيار سيطال الجميع. لا بد من جرأة وعلى هذه الحكومة أيا كانت توصيفاتها أن تتخذ إجراءات حاسمة خاصة فيما يتعلق بإصلاح قطاع الكهرباء الذي يشكل 40 في المائة من العجز».
ويعتبر جنبلاط أنّ كل هذا لا يمكن تحقيقه أو تحقيق قسم منه إلا من خلال قضاء مستقل، ويتساءل: «هل يمكن في ظل هذه الطبقة السياسية وهذا النظام السياسي المنحاز وهذه الحكومة شبه اللون الواحد أن تأتي بقضاء مستقل؟». ويرى أنّ قسما من المطالب محق وقسما منه معقد مثل موضوع محاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، موضحا أنّ ما يمكن استعادته منها الأملاك البحرية عبر تغريم المعتدين عليها وإدانتهم قضائيًا ولا بد من اعتماد الضريبة التصاعدية.
في موضوع الخروج من الحكومة يقول جنبلاط: «طالبت الشيخ سعد الحريري في بداية الحراك بالاستقالة وكانت لديه معطيات مختلفة. تضامنا معه وخرجنا سويا ونحن اليوم أكثر حرية»، ويضيف «صحيح أن ضررا كبيرا لحق بنا جرّاء خروجنا المتأخر من الحكومة، شريحة من الحزبيين وغير الحزبيين لم تفهم قراري بعدم الخروج بعد 17 تشرين (أكتوبر)، وأتحمل مسؤولية القرار».
ولا يعتقد جنبلاط أنّه يمكن التعاون مع العهد «خاصة أن لون هذا العهد فاقع في الثأر»، ويقول: «قبل الحراك رأينا ما حدث معنا في الجبل في البساتين وقبر شمون وكيف استطعنا أن ننجو بأعجوبة، هناك ضغوطات محلية وغير محلية ساعدت وربما أدراك الرئيس عون في لحظة معينة بأن سياسة صهره مدمرة لكن هذه ومضة إدراك في ظل تراكم سياسي. وهذه الحكومة وكأننا أمام حكومة تعود بنا ببعض رموزها ووزرائها الذين جاءوا من بعض رموز النظام الأمني الذي كان سائدا عام 2005، النظام الأمني السوري المشترك كي نكون أكثر وضوحا.
وفيما خصّ البيان الوزاري يعتبر جنبلاط أنّه ليس المطلوب بيان وزاري يكون «إنشائيا» يتضمن عبارة «سنقوم وسنقوم»، المطلوب خاصة لوقف التدهور ووضع سكة العهد على خطى مقبولة، خطوات إصلاحية جدية بدءا من قطاع الكهرباء، ويضيف «هذا كان المطلب الدولي وبالتحديد الفرنسي في خطة (سيدر) أتتنا فرص ذهبية، فالكويتيون عرضوا منذ سنوات (من خلال صندوق التنمية الكويتي) بناء معامل كهرباء والإشراف على التنفيذ ورفضنا، أتت شركة (سيمنز) ورفضنا، وأتى على ما أعتقد عرض فرنسي ورفضناه، فقط لأن سمة الذين يتحكمون بمفاصل وزارة الطاقة هي عدم الجدية والانتهازية، فهؤلاء يفضلون البقاء على توليد الكهرباء من خلال السفن التي أعتقد أنها أصبحت مولدات إضافية لأصحاب وزارة الطاقة أو الذين يتولون شؤون وزارة الطاقة».
ويرى جنبلاط أنّ وزارة الطاقة اليوم هي عبارة عن «وزير ومدير عام من دون مجلس إدارة» فقد تم رفض كل محاولات سعد الحريري بإقامة الهيئة الناظمة ومجلس إدارة «لا يريدون رقابة على أنفسهم لأنهم يتصرفون بكل حرية». ويعتبر جنبلاط أنّه في ملف الكهرباء يمكن الحديث عن «فساد كبير». ويقول: «الحملة المفتوحة على السياسيين ليست شاملة بل انتقائيّة، لا أسمع بحملة كافية على العهد بل الحملة موجهة على سعد الحريري ونبيه بري ووليد جنبلاط، الحراك الأول سمى جبران باسيل، اليوم لا أرى هذا الأمر ثم كيف يتم الإصلاح بوجود هذا العهد؟ هذا سؤال أساسي».
وفي سؤال حول ما إذا كانت مشكلته مع العهد أو مع رئيس الجمهورية يجيب جنبلاط أنّ «سعد الحريري ظنّ أنه قد يستطيع أن يحيّد رئيس الجمهورية ويتعاطى معه لكنه فشل مع الأسف، فهناك فريق عمل إلى جانب الرئيس مخيف، ليس المهم أن ندخل في التسميات لكن هناك الفتاوى القضائية والسياسية من فريق العمل المتعدد والمتنوع والرئيس يستجيب لهذه الفتاوى».
وهل الطريق مقفلة في ظلّ وجود هذا العهد، سؤال يجيب عنه جنبلاط بالقول: «لا تزال هناك 3 سنوات، حاول الحريري دبلوماسيا وفشل، وسنرى ماذا تبشر هذه الحكومة الجديدة.
مررنا بفترات محاربة العهود، إميل لحود حاربناه، انقسمت بيروت وانقسمت الساحات وأتى 7 أيار (مايو) لكن الوضع الاقتصادي كان مقبولا، أما اليوم فالوضع مختلف، لذلك نتحرك كالسائر على حبل»، مضيفا «من باب معرفتي بالعهد ورموزه سابقا وحاليا وبالوضع الاقتصادي أركز على الوضع الاقتصادي، كيف نستطيع أن نخرج من هذه الأزمة، آخذين بعين الاعتبار أن ما من أحد سيأتي لينقذنا، آخذين بالاعتبار أيضا أن رفيق الحريري لم يعد موجودا وأن جهود باريس 1 وباريس 2 وباريس 3 أعطت ثمارها، فكان يأتي الحريري بودائع أعطت ثمارها بالسياسة للتعويض عن الخسائر الداخلية، لكن حتى في تلك اللحظة لم تكن هناك خطوات جدية لإقامة اقتصاد لبناني منتج بكل أسف».
وبالعودة إلى الحكومة يصرّ جنبلاط على وصفها بالمفخخة ولكن «فيها عناصر إيجابية»، ويقول: «أنا أعطيتها وقتا ولكن في الوقت نفسه أنا في المعارضة، لا نعطي الثقة ولكن نحضر الجلسة. وقلت وطلبت أن يستقبل رئيس الوزراء، وأعلم أن هناك حظر سياسي عليه لكن على الأقل محاولة». وعن الأطراف المعارضة الأخرى يؤكّد جنبلاط: «أنا أعارض وحدي وعلى طريقتي، الحزب يعارض على طريقته لن نعود لأحلاف قديمة كي لا ينغش البعض لن نعود إلى 14 آذار (مارس)، ظروف 14 آذار شيء وظروف اليوم شيء آخر»، مضيفا: «اتفقنا على التنسيق مع تيار المستقبل، ومع الآخرين لكل حادث حديث، حاليا لا يوجد شيء».
وفي تعليقه على حديث رئيس «القوات» سمير جعجع لـ«الشرق الأوسط» حين قال: «التقدمي الاشتراكي والمستقبل والكتائب يفضلون التعاطي مع القوات على طريقة (نحب بعضنا من بعيد لبعيد) دون تنسيق مباشر»، قال جنبلاط: هذا الكلام غير دقيق، لأننا نسقنا سويا، اتصل بي جعجع بعد بداية الحراك، وكان هناك تواصل بشكل يومي معه أو مع السيدة جعجع، وكان يلح بأن أطلب من الشيخ سعد الحريري أن يستقيل، لكن جوابي كان دائما وبصيغ مختلفة دبلوماسيا بأنني لن أطلب منه هذا الشيء لأن وقفتي الأولى كانت التضامن مع الشيخ سعد وبقيت حتى آخر لحظة متضامنا معه».
وفيما إذا كان يواجه منفردا يقول جنبلاط: «بالوقت الحالي أنا أواجه وبالقدرة الموجودة لدي منفردا نعم»، مواجهة للصمود وليس للتغيير وهنا يقول جنبلاط: «إذا خرج صوت التغيير من وليد جنبلاط نعود إلى 2005 عندما طالبت بالتغيير في عهد إميل لحود ماذا حدث؟ حتى رحمة الله عليه البطريرك السابق مار نصر الله بطرس صفير والنائب بطرس حرب آنذاك عارضا، وأعتقد بهيج طبارة عارض أيضا، جميعهم عارضوا، هذا من المحرمات بكل أسف».
في ظلّ هذا الواقع ماذا يمكن أن نفعل وما مصلحة لبنان ببقائه ساحة صراعات؟ يجيب جنبلاط: «لا يمكننا أن نفعل شيئا لسبب بسيط وهو غياب كيان عربي موحد وتنسيق عربي، ولا جامعة عربية، وغزو العراق سمح للجمهورية الإسلامية بالامتداد والنظام السوري بتركيبته الفئوية والمذهبية سهّل كثيرا للجمهورية الإسلامية بالوصول إلى لبنان».
ويضيف «كم كلّفت تلك الحرب من مليارات العرب، ظن العرب أن صدام حسين هو خالد بن الوليد، انهزم ثم أتت أميركا تحت حجّة سخيفة أنه يملك صواريخ تدمر العالم ولم يكن لديه شيء، منذ تلك اللحظة عام 2003 تغير كل الهلال الخصيب هلال أنطون سعادة ووصلنا إلى ما وصلنا إليه، هذه المرة الرابعة أو الخامسة في التاريخ التي تصل فيها (فارس)، أفضل كلمة فارس التي هي اليوم الجمهورية الإسلامية، إلى حدود البحر الأبيض المتوسط».
وعن الدور الروسي في لبنان يرى جنبلاط أنّ هذا الدور لم يتقدّم معتبرا أنّه على الروس «التقدم عمليا في لبنان» ويقول: «شكلت في الماضي لجنة، لكنها كانت على الأقل لجنة رسمية بين الدولة اللبنانية والدولة الروسية حول إعادة اللاجئين، والسؤال إلى أين سيعودون؟ إلى أي سوريا؟ فهل يستطيعون العودة إلى القصير وحمص ومحيط الشام؟».
ويعتبر جنبلاط أنّه إذا كان لا بد من خطوات ملموسة من روسيا فهي «استئجار قسم من مصفاة طرابلس»، موضحا أنّه من الخطأ استخدام كلمة مصفاة «لأن ليس هناك مصفاة بل مصفاة مدمرة لم يبق منها شيء، واستأجرها أحد رجال الأعمال اللبنانيين الذي يخص روسيا والذي نال وسام استحقاق من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ شهر».
وفي هذا الإطار يقول جنبلاط: «يجب على الروس إصلاح تلك المصفاة وإبعاد رجال الأعمال، وأهلا وسهلا بأن يستفيد لبنان من مصفاة جديدة عبر عقد جديد بين الدولة اللبنانية والدولة الروسية، ونستطيع أن نجلب النفط الذي كان يأتي إلى تلك المصفاة من كركوك عبر سوريا، وبوتين يعطي أمرا للرئيس السوري بشار الأسد و(بيمشي الحال)، أو نفط أو غاز من روسيا، هذا هو الغاز الروسي وصل عبر تركيا إلى البحر الأبيض بعيدا عن التجارة».
ويكشف جنبلاط أنه سبق وفي إحدى المناسبات على العشاء «طلب من السفير الروسي وديعة روسية واليوم وضع الاقتصاد الروسي مقبول، والودائع النقدية لديها من الذهب والدولار وغيره كبيرة جدا. فليعطونا وديعة مشروطة بإصلاح».
وفيما خصّ صفقة القرن يرى جنبلاط أنه ليس هناك أي خطر على لبنان، فالخطر فقط هو «بروز أصوات معهودة ومعروفة ومتعصبة تتحدث عن موضوع التوطين والتي سمعناها منذ 50 عاما وأكثر». ويقول: «ليس هناك الحجم الكبير الفلسطيني الكبير في لبنان والذي يقال عنهم 500 ألف، أعتقد الأونروا أعطت رقم ما بين الـ170 ألفا و180 ألفا، لأن من يستطيع من هذا الشعب المنكوب أن يهاجر سيهاجر. كانت عنصرية ضد الفلسطيني وأصبحت ضد السوري، لا يوجد خوف إلا أن مصلحة اللاجئين الأونروا، أعتقد أن أميركا أوقفت تمويلها واللاجئون في لبنان وفي سوريا في الضفة وغزة سيعانون أكثر».
ويؤكد جنبلاط أنّه مع إعطاء اللاجئ الفلسطيني في لبنان حقوقه، مذكرا أن كمال جنبلاط وفي العام 1959 أهدى «الأونروا» أرضا مساحتها 60 ألف متر مربع في سبلين لإقامة مدرسة مهنية لا تزال موجودة، وأنه هو أعطى للمؤسسات مساحة 10000 متر مربع قرب الأونروا للفلسطينيين لأنهم في عين الحلوة لم يعد لديهم مكان لدفن أمواتهم. وقال: «حينها أخبرني سفير الأونروا في لبنان عن المأساة فكانت المبادرة مني أقل واجب، كانوا يدفنون أمواتهم على الأسطح في عين الحلوة التي مساحتها الفعلية كيلومتر مربع، إلا أن الذين يعيشون في القصور لن يروا ذلك».
يتحدث جنبلاط عن مشروع التقسيم عام 1947 ويقول: «عارضه العرب ورفضوه، أعتقد أنه كان هناك نية نظريا لإقامة دولتين، الرئيس ياسر عرفات ارتكب الخطأ، لكن عرفات كان يريد أن يهرب من الأنظمة العربية، فلسطين هي النكبة والشعب الفلسطيني كان منكوبا من الصهيونية والأنظمة العربية وخاصة الأنظمة التقدمية، وعانينا بسببها في لبنان من الحروب». والآتي أعظم، لأن إسرائيل ستمارس هوية الدولة، وبالتالي سيزداد خطر الترانسفير أكثر من أي وقت مضى.



انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.