تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

الديمقراطية الشعبية تهدد بالقضاء على تراث التعددية الاستقلالي

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند
TT

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

تفاقم الانقسام الديني والطائفي حول {قانون المواطنة} في الهند

أسفرت الاضطرابات المدنية وأعمال العنف التي شهدتها الهند خلال الأسابيع الخمسة الماضية ضد قانون الجنسية الجديد والسجل الوطني للسكان عن انقسام البلاد إلى شطرين: شطر يعارض بشدة ويعتبر القانون والسجل خطوة تستهدف المسلمين بصفة رئيسية والذين يشكلون 14 في المائة من إجمالي سكان الهند، وشطر آخر مؤيد غالبيته من الهندوس وطوائف صغيرة يشكلون معاَ نحو 80 في المائة من السكان. ويمهد قانون المواطنة المعدّل – الذي أثار موجات واسعة من أعمال العنف – الطريق للحصول على الجنسية الهندية للطوائف التي فرت من القمع والاضطهاد في باكستان وبنغلاديش وأفغانستان، وتمكنت من الدخول إلى الهند قبل تاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) 2014. وتحديدا، ينسحب القانون على الأفراد الذين ينتمون إلى طوائف الهندوس والسيخ والبوذيين والجاين والبارسيين والطوائف المسيحية، مقابل استبعاد المسلمين تماماً. ومع أن الحكومة الاتحادية حاولت تصوير القانون الجديد أمام المجتمع الدولي بأنه «وسيلة من وسائل إغاثة طوائف الأقليات الهاربة من القمع والاضطهاد في الدول المسلمة المجاورة»، فإن تحديد الديانة كشرط أساسي مؤهل للحصول على الجنسية الهندية يثير إزعاج معظم مسلمي الهند وسخطهم، وكذلك العديد من الهندوس الليبراليين.

يزعم منتقدو رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن تحديد الديانة كشرط تأهيل الحصول على الجنسية الهندية يجعل من القانون الجديد أكثر إثارة للتوتر والقلق الطائفي في البلاد، إذ يحوّل الهند إلى نسخة من دولة إسرائيل الدينية النزعة والتوجه... ومن ثم لا يمكن أبدا استخلاص فكرة الدولة القومية كفكرة مطلقة في الداخل الهندي.
قبل الانتخابات العامة الهندية الأخيرة، التي أجريت عام 2019. أصدر حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم بزعامة مودي، رئيس الوزراء، بيانه الانتخابي الذي أكّد فيه على التزام الحزب بسن تشريع جديد «يتيح حصول الأقليات الدينية الهاربة من الاضطهاد والقمع في البلدان المجاورة على الجنسية الهندية».
وخلال بضعة شهور من إعادة انتخاب الحزب، قدّمت الحكومة القومية اليمينية قانون المواطنة المعدل إلى البرلمان الاتحادي. وزعمت الحكومة أن الدساتير المعمول بها في كل من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان تنصّ على اعتبار الإسلام ديناً رسمياً لهذه البلدان، وبالتالي، يعاني أفراد الطوائف الدينية فيها من القمع والاضطهاد الديني «ما أدى إلى فرار كثيرين منهم ولجوئهم إلى الهند». ومن ثم، أرادت الحكومة الهندية سنّ القانون الجديد الذي يسمح لهؤلاء المهاجرين من الدول الثلاث - الذين تصفهم بـ«اللاجئين الدينيين» وتقدّر عددهم بنحو 31 ألف نسمة - بالحياة والعمل في الهند.
الجدير بالذكر في هذا الصدد أن فلسفة المهاتما موهانداس غاندي، ثم الحكومات الهندية السابقة تحت رئاسة حزب المؤتمر الهندي (المعارض اليوم)، كانت قد أكدت على أحقية الطوائف الدينية المضطهدة في الدول المجاورة في الحصول على الجنسية الهندية إذا ما رغب أفرادها في ذلك. وحقاً، لدى الهند تاريخ طويل من استضافة ضحايا القمع والاضطهاد من البلدان المجاورة. فقبل قرون، قصد شبه القارة الهندية اليهود والبارسيون المضطهدون، ثم فتحت الهند ذراعيها مرحبة بالبوذيين التبت، وكذلك التاميل ومنحتهم حق الإقامة والجنسية. ومنحت الجنسية الهندية للهندوس المضطهدين الفارين من أوغندا بشرق أفريقيا. وللعلم، حدّدت الحكومة الحالية الجدول الزمني الخاص بممارسات السجل الوطني للسكان لاستكمالها على نحو تام بحلول 30 سبتمبر (أيلول) من عام 2020 الجاري.

- الدين والهوية
في مفارقات واضحة، تشهد الهند راهناً تباينات مختلفة للغاية – فنجد المسلمين يهتفون «الله أكبر» و«لا إله إلا الله» في مظاهرات الاحتجاج العارمة ضد قانون الجنسية الهندي الجديد، مقابل الهندوس الذين يرفعون الشعارات الدينية في مسيرات التأييد الحاشدة له. وهذا، في الهند، التي تمثل عالمياً أحد أبرز وأنجح الأمثلة القائمة في تاريخ إدارة تحديات الوحدة الوطنية من خلال صيغ دينامية وحيوية لتقاسم السلطة وبث التوافق الوطني على كل المستويات.
ويكمن هذا النجاح في ثلاث سمات أساسية تميز الهيكل الدستوري للهند، وهي: الديمقراطية، والفيدرالية، والعلمانية. وفي البلاد التي يمثل الهندوس نسبة 80 في المائة من سكانها، كان الرئيس الأسبق عبد الكلام مسلماً، ورئيس وزرائه مانموهان سينغ من طائفة السيخ، وكانت القوة الحقيقية وراء إدارة البلاد سونيا غاندي المهاجرة المسيحية الكاثوليكية ذات الأصول الإيطالية. ومع هذا، فإن التأكيد على الهوية الإسلامية من جانب المحتجين والمتظاهرين لم تسر على ما يرام لدى العديد من المسلمين والهندوس في البلاد. وفي معرض الانتقاد كتبت الصحافية المسلمة الهندية حياة فاطمة تقول: «عندما نرفع في المظاهرات شهادة لا إله إلا الله، وهي العمود الفقري للعقيدة الإسلامية، فإننا ندفع في آلية تلقائية بإقصاء كل الذين لا يؤمنون بهذه العقيدة. ومع أن هذه الشهادة لا تشكل في ذاتها تهديداً للتعددية والتنوع الطائفي في الهند، فإنها تستبعد الطوائف الهندية الأخرى الذين يصطفون مع المسلمين في معارضتهم للحكومة الهندية الحالية. صارت الاحتجاجات التي نظمها مسلمون وهيمنت على الجامعات ذات الغالبية المسلمة في البلاد أشبه ما تكون بالحركة الوطنية. وهي بلا شك حركة جبهوية مسلمة، لكن لا يجوز أبدا أن تتحول إلى حركة إسلاموية كاملة». وتتابع «يستهدف قانون المواطنة المعدل الجديد المسلمين الهنود، ولكي يحافظ المواطن الهندي المسلم على هويته الهندية عليه وصم القانون الجديد بمخالفة الدستور، وهكذا يحوّل المسألة برمّتها إلى أزمة على الصعيد الوطني بأسره، لأن الدستور الهندي يحمي حقوق مواطني البلاد كافة. ومن ثم، لا يصح قصر حركة الاعتراض والاحتجاج الراهنة على المسلمين الهنود وحدهم. سنتمكن من استعادة التعددية الهندية الحقيقية عندما تتحد أصوات المسلمين والسيخ والمسيحيين الهنود في معارضة هذا القانون الجديد الجائر».

- الانقسام الهندوسي - الإسلامي
يرجع الانقسام على أساس ديني في الهند إلى أيام التقسيم العنيف في نهاية حقبة الحكم البريطاني لشبه القارة الهندية. ففي عام 1947، وهو تاريخ إعلان الاستقلال، قسمت شبه القارة الهندية على أساس ديني، ونشأت باكستان كدولة إسلامية بينما قاومت الهند فكرة التقسيم. وجرى تشريد وقتل الملايين من المواطنين في عدد لا يحصى من أعمال العنف الطائفية التي شاعت في ربوع البلاد خلال فترة التقسيم. ولكن ظل العديد من المسلمين داخل الهند، ولم يتمكن الملايين من الهندوس الفقراء في مناطق السند وبلوشستان الباكستانية من العبور إلى الجانب الهندي من الحدود فظلوا حيث هم.
وعام 1950، وقعت كل من الهند وباكستان على ميثاق نهرو - لياقات، الساعي إلى ضمان حقوق الأقليات الدينية في البلدين، الأمر الذي أسفر عن وقف تحوّل السكان من باكستان إلى الهند. وزُعم حينذاك أنه بينما حافظت الهند على مبادئها العلمانية والتزامها المستمر بحماية الأقليات، قصّرت باكستان في المحافظة على الاتفاق المذكور.
وعام 1971، اندلع الصراع بين قسمي باكستان الشرقي والغربي، وانتهى بقيام دولة بنغلاديش في القسم الشرقي، وواصل كثيرون من الهندوس البنغاليون العيش في الدولة الجديدة.
وعلى نحو مماثل، وخلال حكم حركة طالبان في أفغانستان – بين 1996 و2001 – جرى إقصاء واستبعاد وتهميش الطوائف الدينية المخالفة لعقيدة طالبان، مثل الهندوس والسيخ وغيرهم من الأقليات الدينية الأخرى إثر تعرضهم لعمليات قمع عنيف.
في ضوء هذا الواقع، اضطرت بعض الأقليات إلى الهجرة صوب الهند بين الحين والآخر بحثاً عن وطن جديد وآمن. وثم الكثير من السجلات والوثائق التي تثبت هذه الحقيقة. ويتذرّع مشروع «قانون المواطنة المعدّل» أنه يقر تدابير إنسانية تهدف إلى معالجة مخاوف ومخاطر هذه الأقليات المضطهدة. غير أن مشروع «القانون» هذا عمّق الهوة بين المسلمين والهندوس إذ صوّت 67 في المائة من الهندوس لمصلحته في حين صوّت 71 في المائة من المسلمين ضده.
مع هذا، جاء في استطلاع للرأي أجرته إحدى الصحف الهندية، أن غالبية الناس لا يعتقدون أن مشروع «القانون» موجّه ضد المسلمين. لكن الاستطلاع بيّن أيضاً، أن 63 في المائة من المسلمين يعارضونه، مقابل 35 في المائة منهم يؤيدونه. وفي الجانب الهندوسي، يؤيده 67 في المائة مقابل 32 في المائة يعارضونه تماماً.

- «الرابطة» وغاندي
الصحافي أصغر علي مهندس في صحيفة «المسلمون الهنود» يشرح قائلاً «كان تأسيس رابطة الاتحاد الإسلامي الهندي كحزب سياسي عام 1906 من الخطوات الرئيسية الأولى على مسار الحركة الانفصالية بين المسلمين الهنود. وكانت حركة الخلافة، التي تحولت هي الأخرى إلى حزب سياسي في الهند ضمن الحركة القومية الإسلامية في البلاد، قد تركت انطباعاً راسخاً في الوجدان النفسي للمسلمين الهنود، وألحقت أضرارا لا حصر لها في جهود القادة الكبار أمثال المهاتما غاندي الذين كانوا يناضلون من أجل التوحّد العلماني والديمقراطي للمسلمين ضمن التيار الهندي الوطني الرئيسي في المجتمع بأسره. وشكل هذا الأمر نواة التفكك وانهيار الثقة بين الهندوس والمسلمين في البلاد منذ ذلك الحين».
ويوضح المحلل السياسي هاريش راماسوامي، من جانبه، قائلاً «كان تعريف المهاتما غاندي للأمة الهندية باعتبارها مجتمعاً أخوياً أو كونفدرالية طائفية من مختلف الجاليات تحت مظلة التعدّدية العلمانية الهندية يتعارض بصورة مباشرة مع فكرة إنهاض مجتمع هندوسي يحكم بالغالبية. لكن على المسلمين ومَن يناصرونهم أن يحذروا من التيار الإسلامي غير المتناغم الذي يعتبر لحظات الانقسام الراهنة من الفرص الكبرى السانحة لحشد المؤيدين وتجنيد الكوادر والأتباع. إن بين جموع المعارضين عناصر إسلاموية متطرفة لا تثق في أي نظام علماني ديمقراطي وتصمه بالكفر والزندقة».

- علمانية على المحك
وبالفعل، يرى بعض غلاة القومية الهندية الهندوس أن «العلمانية ليست إلا فكرة احتيالية صاغها أنصار جواهر لال نهرو، أول رئيس لوزراء البلاد، وورثته الذين تعاقبوا على حكم الهند ممن يطلقون عليهم مسمى «الغانديين»، وذلك لاسترضاء الأقليات من المسلمين وتأمين قاعدة التصويت الانتخابية الدائمة لديهم». مقابل هؤلاء يقف أبناء الأقليات وسكان الأقاليم المختلفة، وحفنة من الهندوس العلمانيين ذوي التوجهات اليسارية والليبرالية، الذين يزدرون التعصّب الشوفيني القومي – الديني.
البروفسور خينفراج جانغيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جيندال الهندية، يرى أن صعود مودي إثر النصر الانتخابي الساحق الذي حققه عام 2014 ثم عام 2019 يعد تتويجا لهذه الرؤية المتعصبة الشوفينية. إذ أسفرت أعمال العنف التي أعقبت المصادقة على «قانون المواطنة المعدّل» في مختلف الجامعات، وتصدّر العديد من الجماعات الإسلامية الاحتجاجات، عن ترسيخ تأييد الغالبية الهندوسية الصامتة لحزب مودي الحاكم. ما كان لأحد توقع كيف ستكون ردود فعل قاعدة الناخبين الهندوسية غير المرئية – بما في ذلك الهندوس المعتدلون السابقون – على أعمال العنف الغاضبة التي شاعت في عموم الهند. ومن شأن المنافسة المحتدمة بين الجانبين أن تقرر وحدها مستقبل السياسات الداخلية الهندية على مدى السنوات العشر المقبلة على أقل تقدير.
وجاء في تقرير إخباري نشره موقع «سكرول»، في هذا السياق، «تعد الاحتجاجات التي تعم البلاد راهنا نضالاً مؤجلاً ضد العملية المستمرة منذ حين لإنشاء الأمة الهندوسية الخالصة. حتى الأمس القريب، بدا الأمر وكأنه مفروغ منه تماماً. أما اليوم، فلسنا متأكدين من شيء البتة. إذ يعتقد الحزب الهندوسي الحاكم وأنصاره أن الاحتجاجات الراهنة لا تملك الزخم الحقيقي الذي تعلن عنه، وأن مسيرة نصف مليون مواطن يومياً ليست إلا نسبة هامشية لا تثير القلق من أصل 1.3 مليار مواطن يشكلون إجمالي تعداد البلاد من الهندوس الموالين لحكومة البلاد. كما يعتقد الحزب الهندوسي الحاكم وأنصاره أنهم يستطيعون تجاهل الإجماع العلماني، وربما الدستور الذي يجمع النسيج الهندي معا، لمواصلة العمل لبناء الدولة الهندوسية الخالصة التي تتشكل بأدوات الخوف والسطوة والقوة».

- أصوات قلقة
تتردد أصوات مماثلة مشوبة بالقلق والتوتر عبر مناطق وأحياء المسلمين في الهند منذ شروع حكومة مودي في تمرير «قانون المواطنة المعدّل» في البرلمان. وقال أحد المواطنين المسلمين، في إشارة إلى حكومة مودي الحالية «إنهم يرغبون في رحيلنا عن ديارنا، لكننا لن نغادر أبداً»، وقال آخر «هذا وطننا. لقد ولدنا هنا، ولسوف نعيش ونموت هنا». لكن عالم الإنسانيات طلال أسعد يناقش قائلاً «تقوم الدولة بوظيفة تحديد الوجه العام المقبول من الدين في البلاد. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالهوية الدينية للمسلمين، يتوجب على المسلمين إما استيعاب القيم الليبرالية – والليبراليون أنفسهم يعتبرون ذلك انتهاكا مباشرا لقيم الإسلام بطبيعتها – أو الإقصاء الكامل عن التصوّر السياسي للدولة القومية».
في هذه الأثناء، يدّعي وزير الداخلية الهندي آميت شاه، أن حكومته «لا تسلب أي مواطن حقوقه الأصيلة، وإنما تمنح حقوقاً أخرى لأناس معوزين. وعليه لا يوجد ما يستوجب الاعتراض بشأن القانون الجديد». ويوضح الوزير أن حكومته تسعى إلى «حماية الأقليات الهاربة من البلدان الأخرى بطريقة تتشابه مع جهودها لحماية ودعم الأقليات الموجودة داخل الهند نفسها. إلا أن الكاتبة الصحافية آبارنا بريادارشاني، ترى أنه «مع صعود سياسات «هندوتفا» (أي الكيانية القومية الهندوسية) فإن العلمانية التي يحميها الدستور الهندي تتعرض لتهديد كبير وواضح من قبل الجماعات القومية الهندوسية التي غالبا ما تصف المهاجرين المسلمين بأنهم متسللون أو مخترقون يهددون المحافظة على أمن وسلامة الأمة الهندوسية...».
كذلك يقول الناشط الاجتماعي الهندي يوغندرا ياداف، الذي يؤيد بقوة المسلمين المعارضين للقانون الجديد: «قانون المواطنة المعدل الجديد عبارة عن أداة للتمييز تماماً كمثل المواطنة في دولة إسرائيل القائمة على الهوية الدينية في المقام الأول. وبدلا من بث روح المواطنة المتساوية في البلاد، فإننا صرنا نتحرك على مسار تصنيف المواطنين تحت فئات مختلفة، الأمر الذي ينتهك وبكل وضوح مبادئ النضال الهندية الأصيلة من أجل الحرية».
في المقابل يقول فيجاي روباني، الوزير الأول في ولاية غُجارات (المعقل السياسي لمودي): «في حين أنه يمكن للمسلمين الهنود الاختيار من بين أكثر من 150 دولة إسلامية للعيش والإقامة فيها، فإن الهند هي الدولة الوحيدة حول العالم بالنسبة للهندوس... كان هناك 22 في المائة من الهندوس في باكستان إبان التقسيم عام 1947. والآن، وبسبب أعمال القمع والعنف والاضطهاد والتعذيب، انخفضت النسبة إلى 3 في المائة فقط من تعداد السكان هناك. ولهذا السبب يرغب الهندوس في باكستان بالعودة إلى الهند. ونحن نقوم بما كان ينبغي على حزب المؤتمر الوطني القيام به في مساعدة هؤلاء الهندوس المعذبين». وتابع الزعيم القومي الهندوسي كلامه «من بين 200 ألف هندوسي وسيخي كانوا يقيمون بأفغانستان منذ بضعة عقود ماضية، لم يتبق منهم سوى 500 مواطن فقط اليوم. يمكن للمسلمين الانطلاق والإقامة في أي دولة إسلامية من 150 دولة حول العالم، ولكن ليست هناك إلا دولة واحدة فقط في العالم للهندوس، وهي الهند. فما هي المشكلة التي تتعلق برغبة هؤلاء الهندوس في العودة إلى وطنهم؟».

- عبر السنوات... القوميات واللغات ترسم حدود الولايات وهوياتها
يُعد الحنين إلى فرعيات القومية اللغوية والثقافية والاجتماعية في الهند من ظواهر ما بعد الاستقلال. وفي معظم الأحيان، كانت القومية اللغوية الفرعية تقوم مقام ورقة التوت الساترة لدعوات الانفصال، إذ أنشئت الولايات الهندية الـ28 والمقاطعات الاتحادية الـ9 على أسس اللغة والثقافة الإثنية.
عام 1953 أسست ولاية أندرا براديش لتكون أول ولاية تنشأ على أساس لغوي للناطقين بلغة التيلوغو بجنوب الهند. وأجبرت الحكومة على فصل المناطق الناطقة بلغة التيلوغو عن ولاية مدراس (تاميل نادو حالياً) في مواجهة حالات التحريض المستمرة. وبعد ذلك توالت مطالب مماثلة لإنشاء المزيد من المناطق والولايات حتى اليوم. وهكذا، عام 1960، قسّمت ولاية بومباي لتنشأ من تقسيمها ولايتا غُجارات وماهاراشترا. وعام 1963 أنشئت ولاية ناغالاند لتغدو وطن شعب الناغا الهندية ليرتفع العدد الإجمالي للولايات الهندية إلى 16 ولاية.
بعدها، عام 1966. مرّر «قانون إعادة تنظيم البنجاب» في البرلمان.
وفي أعقاب ذلك ضمت المناطق الناطقة باللغة البنجابية إلى ولاية هاريانا في حين ألحقت المناطق الجبلية إلى إقليم اتحاد هيماتشال براديش. وتمثل مدينة شانديغار، التي انضمت لإقليم الاتحاد المذكور، العاصمة المشتركة لولايتي البنجاب وهاريانا. وعلى نحو متزامن، جرى تشكيل الولايات الهندية الأخرى على نفس المنوال.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.