تقارير حقوقية تتهم الحوثيين بارتكاب 100 ألف انتهاك إنساني

مسنان في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)
مسنان في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية تتهم الحوثيين بارتكاب 100 ألف انتهاك إنساني

مسنان في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)
مسنان في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أوصلت خمس سنوات من الانقلاب الحوثي على الشرعية الدولة في اليمن، لتكون على رأس أكثر الدول في العالم فشلاً وهشاشة، وأقلّها سعادة، في ظل عشرات آلاف الانتهاكات التي أقدمت عليها الجماعة بالتوازي مع وقف الرواتب واتساع رقعة الفقر وتفشي الأوبئة، وفق ما أكدته تقارير دولية ومحلية.
فمنذ اجتياح الميليشيات المدعومة من إيران، بقوة السلاح العاصمة صنعاء ومدن يمنية أخرى، أصبح نحو 80 في المائة من سكان اليمن تحت خط الفقر، في حين تسببت الجماعة بمقتل وتشريد مئات الآلاف من اليمنيين، وحوّلت مأساتهم إلى أكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم.
وتصدّر اليمن نتيجة للانقلاب الحوثي المشؤوم، المركز الأول بمؤشر الدول الهشة بين 178 دولة حول العالم، مع نهاية العام الماضي 2019.
وبحسب تقرير البرنامج الإنمائي للجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن اليمن ضمن الدول الست الأقل سلاماً في العالم، بتقرير السلام العالمي، كما صنف أيضاً ضمن الدول الأقل سعادة على مستوى العالم، حيث جاء في المرتبة 151 من أصل 156 دولة في العالم.
من جهتها، قالت المؤسسة الدولية للسياسات الخارجية، في تقرير سنوي أعدته بالتعاون مع «صندوق السلام الأميركي»، إن اليمن احتل المركز الأول بين دول العالم أجمع من حيث هشاشة الدولة وخطورة الأوضاع فيها، لأسباب أبرزها يتعلق بالحرب التي أشعلت فتيل نيرانها الميليشيات الحوثية. وإلى جانب اليمن، جاءت كل من الصومال وسوريا والسودان في أعلى قائمة الدول التي استوجب سوء الأوضاع فيها «التحذير بدرجة عالية جداً».
ويقيس المؤشر الدولي الذي كان يُطلَق عليه في السابق «مؤشر الدول الفاشلة» ضغوطاً وتحديات مختلفة تواجه 178 دولة حول العالم، من خلال تحليل 12 عاملاً أساسياً، وأخرى فرعية في المجالات السياسة والاجتماعية والاقتصادية.
كما يضع المؤشر الدول ضمن 11 تصنيفاً بناء على ضعفها وعدم استقرارها. وتظهر النتائج تردي الأوضاع في دول عربية، خصوصاً تلك التي تعاني من حروب داخلية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعلها مركزاً لعدم الاستقرار، وضمن فئات الدول ذات الإنذار العالي جداً (في إشارة إلى اليمن ودول عربية أخرى).
والدول الهشة، طبقاً للتقرير، هي تلك التي لديها قدرة في حدود متدنية، لإتمام وظائف إدارة الحكم، وتعاني من أزمات داخلية وخارجية على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ناهيك بتفشي الفساد السياسي والمالي في نظمها.
ورغم اختلاف ظروف الدول الهشة داخلياً، تشترك بسمة واحدة هي تفشي متلازمة الفقر والبطالة والفساد وانعدام الأمن.
فعلى مدى أكثر من خمسة أعوام ماضية من عمر الانقلاب، دخل الاقتصاد اليمني في أتون أزمات متعددة، وشهد خلالها تدهوراً حاداً نتيجة ممارسات النهب والعبث والتدمير الممنهج الذي انتهجته الميليشيات طوال فترة انقلابها.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الانقلاب الحوثي «أثّر بشكل سلبي ومباشر على الاقتصاد اليمني وعمل على انهيار العملة الوطنية، وتسبب في ارتفاع معدلات التضخم، وأدى إلى تدهور الخدمات الاجتماعية، وشبكات الأمان الاجتماعي ومخصصات الفقراء».
ويقول المختصون في الشأن الاقتصادي اليمني: «إن الحرب التي أشعلتها الميليشيات الانقلابية أفرزت أوضاعاً مأساوية على جميع المستويات، وتسببت في أضرار كبيرة على رأس المال المادي والبشري، والنزوح الداخلي والخارجي لليمنيين، وهجرة الكفاءات، وزعزعة الثقة بمستقبل الاقتصاد».
وكشفت تقارير حقوقية يمنية عن أن الانقلاب الحوثي «تسبب بهروب رؤوس الأموال، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع نسبة البطالة، وتضرر كثير من المنشآت الحيوية، كالكهرباء والنفط والنقل والاتصالات وغيرها، وازدياد معدلات البطالة، وتفاقم نسبة الفقر من 42 في المائة عام 2014 (قبل الانقلاب) إلى 78.8 في المائة عام 2017. ووصلت إلى نحو 85 في المائة عام 2018، ونحو 88 في المائة عام 2019».
ويرى التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، وهو منظمة حقوقية يمنية، أن الحرب الحوثية ألقت بظلالها على الحالة الاقتصادية بسبب سيطرتها على معظم موارد الدولة، ورفضها للوفاء بالتزاماتها، وعدم توريد هذه الموارد إلى البنك المركزي الذي جرى نقله إلى عدن ليدخل ضمن موازنة الدولة. وفي سياق متصل، كشف تقرير المؤشرات الاقتصادية في اليمن لعام 2017 أن 85 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن مَن كانوا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2018 نحو 22 مليون شخص، وهناك 6 من كل 10 أشخاص يعانون انعدام الأمن الغذائي.
وبينما قالت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» إن 8 من كل 10 يمنيين بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، كشفت منظمة «اليونيسف» هي الأخرى عن مقتل وإصابة أكثر من 6700 طفل يمني، بسبب الحرب الحوثية، كم كشفت عن وفاة 30 ألف طفل بسبب سوء التغذية في 17 محافظة يمنية، منذ اندلاع الحرب.
من جانبها، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نحو 24 مليون يمني بحاجة للمساعدات الإنسانية بما يمثل نحو 80 في المائة من سكان البلاد. وفي وقت سابق قالت المفوضية إن نحو 3.6 مليون شخص يمني هجّرهم الصراع القائم في اليمن منذ عام 2015.
وعدّ مراقبون محليون سنة 2019 سنة الجرائم والانتهاكات وجباية الأموال بالنسبة لجماعة الحوثي، حيث شهدت لجوء الميليشيات الإرهابية إلى ارتكاب الآلاف من الجرائم والانتهاكات وتنفيذ المئات من حملات النهب والابتزاز والتعسف التي طالت مختلف فئات وشرائح المجتمع اليمني.
وأشار المراقبون إلى أن اليمن تحوّل في زمن حكم وسيطرة الميليشيات، إلى ساحة حرب مفتوحة، ومستنقع للأمراض والأوبئة الفتاكة. إلى ذلك تشير أرقام وإحصائيات ميدانية رصدها تقرير حقوقي يمني، إلى أن جماعة الحوثي ارتكبت نحو 100 ألف انتهاك ضد المدنيين في 18 محافظة يمنية منذ انقلابها عام 2014، وحتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي.
ورصد التقرير الحقوقي أزيد من 14 ألفاً و222 حالة قتل طالت مدنيين يمنيين في 18 محافظة، بينهم 618 امرأة و974 طفلاً.
ووثّق «تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات»، مقتل 646 مدنياً جراء الألغام التي زرعتها ميليشيات الحوثي، بينهم 123 طفلاً و157 امرأة. كما وثّق 33 ألفاً و438 حالة إصابة في صفوف المدنيين بسبب الألغام، بينهم 2467 امرأة و1780 طفلاً.
ولفت التقرير إلى بلوغ عدد المختطفين والمختفين قسراً من المدنيين لدى مسلحي جماعة الحوثي نحو 12 ألفاً و636 مختطفاً ومخفياً في 20 محافظة يمنية، بينهم سياسيون وأكاديميون وناشطون وتربويون وأطباء. وأوضح أن من بين المختطفين 222 طفلاً و52 امرأة و7 أجانب.
وسجلت فرق «الرصد» التابعة للشبكة نحو 2537 حالة إخفاء قسري لمواطنين، بينهم 231 امرأة و158 طفلاً. كما رصدت 719 حالة تعذيب في سجون الحوثيين، و21 حالة اتخاذ دروع بشرية، و48 حالة تصفية داخل السجون، و19 حالة وفاة بسبب الإهمال في السجون، و23 حالة وفاة لمعتقلين بنوبات قلبية.
وشملت الجرائم والانتهاكات الحوثية، التي تطرق إليها التقرير، جميع الممتلكات العامة والخاصة كالاقتحامات والتفتيش ونهب الممتلكات وتفجير المنازل والمساجد ودور العبادة ومقرات الأحزاب السياسية، وإحراق المنازل والقصف العشوائي المتعمد والتمترس في الملاعب والأندية الرياضية والمواقع الأثرية السياحية ونهب المعسكرات واحتلال المقرات الأمنية والمؤسسات التعليمية والطبية ومنازل المدنيين، واتخاذها مواقع عسكرية. وأشارت الشبكة في تقريرها إلى رصد 27 ألفاً و744 حالة انتهاك طالت المواقع المدنية ومؤسسات أهلية ومحلات تجارية ومزارع ومركبات خاصة بالمواطنين ونهب المقتنيات.
ولفتت إلى أن الانتهاكات شملت تفجير 386 منزلاً بـ«مادة TNT»، ونهب 519 مركبة، إضافة إلى 535 حالة انتهاك طالت مزارع المواطنين، و928 حالة نهب مقتنيات.
كما رصد الفريق 5475 حالة انتهاك طالت الممتلكات العامة، و1692 حالة تضرر وإغلاق للمرافق التعليمية، و1245 حالة تضرر وإغلاق للمرافق الصحية، و1342 حالة نهب واستيلاء على المقرات الحكومية، و110 حالات تضرُّر للمعالم الأثرية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.