الملاحق الثقافية والتنوير العربي

ينبغي أن تفتح صفحاتها لمختلف تيارات الفكر وبالأخص إذا كانت متناقضة متعارضة

فولتير  -  عباس محمود العقاد  -  طه حسين  -  ميشيل فوكو
فولتير - عباس محمود العقاد - طه حسين - ميشيل فوكو
TT

الملاحق الثقافية والتنوير العربي

فولتير  -  عباس محمود العقاد  -  طه حسين  -  ميشيل فوكو
فولتير - عباس محمود العقاد - طه حسين - ميشيل فوكو

لا ينبغي أن نستهين بالملاحق الثقافية التابعة للجرائد الكبرى، كـ«الشرق الأوسط» السعودية و«الاتحاد» الإماراتية و«الأهرام» المصرية... إلخ. فهي تلعب عادة دوراً كبيراً في تنشيط الحركة الفكرية للأوطان أياً تكن. فعلى صفحاتها، تنعكس هموم العالم العربي، بل والعالم كله، في فترة من الفترات. أقول ذلك ونحن نعلم أن كبار الأدباء العرب كانوا صحافيين في فترة من الفترات، وقد شغلوا الصفحات الثقافية، وخلعوا عليها الأهمية، وأعطوها وهجاً وإشعاعاً لا مثيل له، إذ نشروا مقالاتهم فيها. نذكر على سبيل المثال، لا الحصر، عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ومنافسه الكبير عباس محمود العقاد. ففي حين أن الأول كان يشغل الصفحة الثقافية في جريدة «السياسة»، ظل الثاني يوقع مقالاته الفكرية في جريدة «البلاغ» التابعة لحزب الوفد المصري العريق. بل ينبغي القول إن كتاب طه حسين الشهير «حديث الأربعاء» كان قد نشر على حلقات صحافية متلاحقة في جريدة «السياسة» المذكورة، قبل أن يجمع لاحقاً بين دفتي كتاب. وحتماً فعل العقاد الشيء ذاته بالنسبة لبعض كتبه، وربما فعل ذلك أيضاً توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وبقية العباقرة. ولا ينبغي أن ننسى الرابطة القلمية التي أسسها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ورفاقهما في المهجر عام 1920، والتي كانت بمثابة ملحق ثقافي كبير أدى إلى تجديد اللغة والآداب العربية بشكل غير مسبوق. وقل الأمر ذاته عن كبار كتاب فرنسا، فسارتر كان يوقع مقالاته في مجلة «الأزمنة الحديثة»، وألبير كامو في منبر آخر، وفرنسوا مورياك في مجلة «الإكسبريس». وأما جان دورميسون، فكان رئيساً لتحرير جريدة «الفيغارو»؛ وقس على ذلك.
بعد هذه الديباجة القصيرة، دعوني أدخل في صلب الموضوع. عندما ابتدأت الكتابة في الملاحق الثقافية العربية، شعرت وكأني أدخل في مغامرة حقيقية. وكانت من أمتع المغامرات. لا أعرف ما إذا كان القراء قد استمتعوا بقراءة هذه المقالات، ولكني -أنا شخصياً- استمتعت كثيراً بالتخطيط لها وتدبيجها وكتابتها؛ لقد أتاحت لي هذه المغامرة المفتوحة على الآفاق أن أستعرض عشرات، بل مئات، الكتب الفرنسية التي كانت قد أعجبتني ولفتت انتباهي، وأردت نقل انطباعاتي عنها إلى القراء العرب. ومعظم كتبي كانت عبارة عن تجميع لهذه المقالات؛ أذكر من بينها كتاب «مدخل إلى التنوير الأوروبي»، وكتاب «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟»، وكتاب «الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ»، وكتاب «العرب والبراكين التراثية»... إلخ. وأتذكر أن المرحوم الدكتور بشير الداعوق، صاحب «دار الطليعة» كان قد قال لي، في جلسة عمل في أحد المقاهي الباريسية، ما يلي: ينبغي أن تعلم أن المقالات المنشورة سابقاً عندما تجمع بين دفتي كتاب، فإن ذلك يؤدي إلى رواج الكتاب، لا إلى الانتقاص منه. وقد فاجأني كلامه تماماً؛ وكنت أعتقد أن العكس هو الصحيح، ولكني صدقته لأنه رجل صادق أولاً، ثم لأنه خبير مجرب نشر سابقاً لعشرات المثقفين العرب.
وأعتقد شخصياً أن الثقافة العربية بحاجة إلى ضخ أفكار جديدة في عروقها وشرايينها لكي تخرج من حالة التكلس والتحجر والتحنط، وبخاصة على المستوى الديني أو اللاهوتي. وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى، من غربية وشرقية. ولكن بما أن إقامتي الطويلة في فرنسا على مدار 33 سنة متواصلة طبعتني بطابعها، فقد كان من المتوقع أن أركز على الكتب الفرنسية والتيارات الفكرية الباريسية أكثر من سواها. وأما غيري، فقد ركز على الثقافة الأنغلوساكسونية. وبما أن الملحق الثقافي لجريدة «الشرق الأوسط» اللندنية، والملحق الثقافي لجريدة «الاتحاد» الإماراتية، يعطيانك هامشاً معقولاً من الحرية، فقد استطعت التعبير عن أفكار وتيارات كثيرة؛ لم أشعر بأن سيف الرقابة كان مسلطاً فوق رأسي، ولولا ذلك لفشلت تجربتي ومقالاتي، فلا كتابة ناجحة من دون حرية. لا أقول حرية مطلقة، فهذا مستحيل، ولكن هامش معين من الحرية. واكتشفت من خلال تجربتي الطويلة أن أي جريدة تريد أن تنجح، وأي ملحق ثقافي يريد أن يزدهر، ما عليهما إلا اتباع القاعدة التالية: الحرية - التنوع - التعددية. بمعنى آخر: ينبغي أن يفتح أبوابه وصفحاته لمختلف تيارات الفكر العربي، ولمختلف المثقفين العرب على اختلاف مشاربهم، حتى لو كانت متناقضة متعارضة، بل وبالأخص إذا كانت متناقضة متعارضة. أما الجريدة ذات اللون الواحد والصوت الواحد والرأي الواحد، فهي مملة جداً، ومصيرها الفشل الذريع؛ هذا شيء مفروغ منه. واكتشفت من خلال التجربة أن الجريدة لكي تنجح، يكفي أن تطلب من كل كاتب أن يعطيها ما هو قادر على الإبداع فيه. عندئذ، تكون النتيجة موفقة وناجحة. ينبغي أن يتاح لكل كاتب أن يعطي أفضل ما عنده، وضمن دائرة اهتماماته واختصاصاته فقط. وعندئذ، يكون النجاح حليف أي ملحق ثقافي في العالم؛ هذه هي القاعدة الذهبية. أما إذا طالبنا هذا الكاتب أو ذاك بأشياء لا علاقة له بها، ولا تدخل ضمن دائرة اهتماماته، فعندئذ يكون الفشل والخسران. لقد نجح الملحقان المذكوران لجريدة «الشرق الأوسط» و«الاتحاد» في مهمتهما التنويرية لأنهما فتحا صفحاتهما للفكر الاستكشافي الجديد. أقول ذلك وبخاصة أن المشرفين عليهما هم عموماً من أنصار التنوير الفكري، لا الظلامية الدينية.
ينبغي العلم بأن حركة الإخوان المسلمين لا مستقبل لها لسبب بسيط، هو أنها تمشي ضد حركة التاريخ. وكل من يمشي ضد حركة التاريخ سوف يلفظه التاريخ، إن عاجلاً أو آجلاً. أقصد بذلك أن هذه الحركة التي أسست عام 1928 مضادة لروح الأزمنة الحديثة وجوهرها، بل ومضادة لجوهر الإسلام ذاته الذي هو دين الشفقة والرحمة بالدرجة الأولى، لا دين القسوة والعنف والتجهم المكفهر. كل السور والأدعية والصلوات تبتدئ بالآية الكريمة الشهيرة «بسم الله الرحمن الرحيم». فإذا بهذا الدين الحنيف يتحول على أيديهم إلى رعب وظلام وبعبع يخيف العالم بأسره. بيعة الإخوان تتمثل في أن تحلف اليمين على المسدس والمصحف! ورمز الجماعة سيفان متقاطعان كثعبانين، بينهما كلمة تهديد: «وأعدوا»! هل يمكن اختزال دين عالمي كبير كالإسلام إلى هذا؟ الإسلام الحضاري أكبر من هذا بألف مرة، ولذلك أقول: لا مستقبل لـ«الإخوان» المسلمين إذا لم يتغيروا ويتطوروا بشكل جذري. وحتى لو كانت هذه الجماعة تتمتع ببعض الشعبية في الشارع العربي أو التركي، فإن مصيرها الفشل الذريع في نهاية المطاف. وإنه لمن المؤسف أن يغرروا بشباب طيب مخلص، فيدجنونهم عقائدياً، ويدفعونهم في طريق مسدود. وذلك لأن المستقبل هو لإسلام التنوير الذي هو وحده القادر على مصالحتنا مع أنفسنا، ومع العالم كله. وهو وحده القادر على إعادة العصر الذهبي، وكل أمجاد الحضارة العربية الإسلامية التي كانت أعظم حضارة على وجه الأرض في بغداد أو قرطبة. هذا هو خط التاريخ أو السهم المؤشر على حركة التاريخ؛ لا عودة إلى الوراء، وإنما تقدم إلى الأمام (أو قل: يمكن الترحيب بالعودة إلى الوراء الحضاري لا إلى الوراء الانحطاطي!). لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسير خاطئ للإسلام. لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسير توتاليتاري ظلامي إخوانجي داعشي يحتقر جميع الأديان الأخرى ويزدريها، بل ويكفر أتباعها قاطبة، ويستبيح دماءهم. لا نستطيع في عصر العولمة الكونية أن نشعر الآخرين بأنهم كفار عن بكرة أبيهم، لمجرد أنهم ليسوا من ديننا أو مذهبنا! الفهم الصحيح للإسلام يقول عكس ذلك تماماً؛ إنه يعترف بالتعددية، ويعدها مشيئة الله: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة». ولكنه لم يشأ. وهذا يعني أن التعددية مشروعة بنص القرآن الكريم، ولكنها مرفوضة من قبل الإخوان المسلمين وبقية المتزمتين الذين خانوا جوهر الإسلام الحنيف، وأدخلونا في صدام مروع مع العصر، ومع جميع أمم الأرض قاطبة. كما أدخلونا في صراعات مذهبية وحروب أهلية وفتن داخلية دمرت النسيج الوطني لشعوبنا.
وبالتالي، فالفهم الصحيح والتنويري للإسلام هو ذلك الذي يعترف بجميع الأديان، من مسيحية ويهودية وبوذية وهندوسية وصينية كونفشيوسية وسواها. إنه يحترم تراثات جميع الأمم، من شرقية وغربية، طبقاً للآية الكريمة التي تقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». هذه آية تصلح شعاراً هادياً لعصر العولمة الكونية. وكذلك الآية الكريمة: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». هذا التفسير التنويري السمح للإسلام هو الذي سوف يدخل في صراع مباشر مع التفسير الظلامي القديم. وهذا يعني أن المعركة الكبرى ستكون بين إسلام الأنوار وإسلام الإخوان، بين إسلام العصر الذهبي وإسلام عصر الانحطاط. وضمن هذا التوجه، حصل عناق الإسلام والمسيحية في أبوظبي، وتم إصدار «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019. وقد مثل ذلك حدثاً تاريخياً بالفعل. ولا ننسى بالطبع «وثيقة مكة المكرمة» الهادفة إلى نشر قيم الوسطية والاعتدال بغية إرساء السلام والتعايش بين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة. وقد صدرت بتاريخ 30 مايو (أيار) 2019 هاتان الوثيقتان المباركتان اللتان تمثلان أقوى رد على التيارات الإخوانجية الداعشية.
أخيراً، لقد فوجئت بأن ميشيل فوكو كان يحلم في أواخر حياته بإنشاء قسم خاص في إحدى دور النشر الباريسية مكرس فقط لاستعراض الكتب الأجنبية، وتعريف القارئ الفرنسي بها. وكان يفكر بشكل خاص بالكتب الألمانية والأنغلوساكسونية في مجال الفلسفة، وهم الذين عندهم شيء جديد لكي يقدموه إلى الفرنسيين ويتحفونهم به. هم وحدهم الذين يستطيعون أن يتفوقوا على الفرنسيين على أرضية الفكر الفلسفي العميق. فالكتاب الألماني أو الإنجليزي أو الأميركي قد يحتوي على اكتشافات مضيئة غير معروفة حتى من قبل الفرنسيين أنفسهم، فما بالك بنا نحن العرب؟ ولذلك أقول: لكي ينجح أي ملحق ثقافي ينبغي أن يغتني بمشاركات الكتاب العرب المختصين بالفكر الفرنسي والإنجليزي والألماني والروسي والإسباني، إلخ. ينبغي أن يرصدوا آخر المستجدات الفكرية، والكتب الجديدة الصادرة في هذه اللغات العالمية الحية، ويقدموها لقمة سائغة إلى القارئ العربي. والتنوير العربي المقبل سوف يكون نتيجة ومحصلة لكل ذلك. فهذا ما فعله فولتير عندما نقل إلى الفرنسيين أفكار الإنجليز الذين سبقوهم إلى الحداثة والتنوير. انظروا كتابه الشهير «رسائل إنجليزية» الذي تحول لاحقاً إلى «رسائل فلسفية». وقد اضطر إلى النزول تحت الأرض بعد نشر الكتاب مباشرة خوفاً من ملاحقات الإخوان المسيحيين الأشداء. وهذا يعني أن التنوير معركة حقيقية، وليس مزحة أو نزهة سهلة في واد من الورود. فالظلاميون الفرنسيون لم يغفروا له أنه روج للإنجليز البروتستانتيين، وأبدى إعجابه بتسامحهم الديني، وخروجهم من التعصب الطائفي والمذهبي، ولم يغفروا له أنه هاجم بلاده التي كانت غارقة في ظلاميات الأصولية الكاثوليكية آنذاك، وعده الكثيرون مارقاً، بل وخائناً للأمة الفرنسية.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».