الملاحق الثقافية والتنوير العربي

ينبغي أن تفتح صفحاتها لمختلف تيارات الفكر وبالأخص إذا كانت متناقضة متعارضة

فولتير  -  عباس محمود العقاد  -  طه حسين  -  ميشيل فوكو
فولتير - عباس محمود العقاد - طه حسين - ميشيل فوكو
TT

الملاحق الثقافية والتنوير العربي

فولتير  -  عباس محمود العقاد  -  طه حسين  -  ميشيل فوكو
فولتير - عباس محمود العقاد - طه حسين - ميشيل فوكو

لا ينبغي أن نستهين بالملاحق الثقافية التابعة للجرائد الكبرى، كـ«الشرق الأوسط» السعودية و«الاتحاد» الإماراتية و«الأهرام» المصرية... إلخ. فهي تلعب عادة دوراً كبيراً في تنشيط الحركة الفكرية للأوطان أياً تكن. فعلى صفحاتها، تنعكس هموم العالم العربي، بل والعالم كله، في فترة من الفترات. أقول ذلك ونحن نعلم أن كبار الأدباء العرب كانوا صحافيين في فترة من الفترات، وقد شغلوا الصفحات الثقافية، وخلعوا عليها الأهمية، وأعطوها وهجاً وإشعاعاً لا مثيل له، إذ نشروا مقالاتهم فيها. نذكر على سبيل المثال، لا الحصر، عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ومنافسه الكبير عباس محمود العقاد. ففي حين أن الأول كان يشغل الصفحة الثقافية في جريدة «السياسة»، ظل الثاني يوقع مقالاته الفكرية في جريدة «البلاغ» التابعة لحزب الوفد المصري العريق. بل ينبغي القول إن كتاب طه حسين الشهير «حديث الأربعاء» كان قد نشر على حلقات صحافية متلاحقة في جريدة «السياسة» المذكورة، قبل أن يجمع لاحقاً بين دفتي كتاب. وحتماً فعل العقاد الشيء ذاته بالنسبة لبعض كتبه، وربما فعل ذلك أيضاً توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وبقية العباقرة. ولا ينبغي أن ننسى الرابطة القلمية التي أسسها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ورفاقهما في المهجر عام 1920، والتي كانت بمثابة ملحق ثقافي كبير أدى إلى تجديد اللغة والآداب العربية بشكل غير مسبوق. وقل الأمر ذاته عن كبار كتاب فرنسا، فسارتر كان يوقع مقالاته في مجلة «الأزمنة الحديثة»، وألبير كامو في منبر آخر، وفرنسوا مورياك في مجلة «الإكسبريس». وأما جان دورميسون، فكان رئيساً لتحرير جريدة «الفيغارو»؛ وقس على ذلك.
بعد هذه الديباجة القصيرة، دعوني أدخل في صلب الموضوع. عندما ابتدأت الكتابة في الملاحق الثقافية العربية، شعرت وكأني أدخل في مغامرة حقيقية. وكانت من أمتع المغامرات. لا أعرف ما إذا كان القراء قد استمتعوا بقراءة هذه المقالات، ولكني -أنا شخصياً- استمتعت كثيراً بالتخطيط لها وتدبيجها وكتابتها؛ لقد أتاحت لي هذه المغامرة المفتوحة على الآفاق أن أستعرض عشرات، بل مئات، الكتب الفرنسية التي كانت قد أعجبتني ولفتت انتباهي، وأردت نقل انطباعاتي عنها إلى القراء العرب. ومعظم كتبي كانت عبارة عن تجميع لهذه المقالات؛ أذكر من بينها كتاب «مدخل إلى التنوير الأوروبي»، وكتاب «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟»، وكتاب «الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ»، وكتاب «العرب والبراكين التراثية»... إلخ. وأتذكر أن المرحوم الدكتور بشير الداعوق، صاحب «دار الطليعة» كان قد قال لي، في جلسة عمل في أحد المقاهي الباريسية، ما يلي: ينبغي أن تعلم أن المقالات المنشورة سابقاً عندما تجمع بين دفتي كتاب، فإن ذلك يؤدي إلى رواج الكتاب، لا إلى الانتقاص منه. وقد فاجأني كلامه تماماً؛ وكنت أعتقد أن العكس هو الصحيح، ولكني صدقته لأنه رجل صادق أولاً، ثم لأنه خبير مجرب نشر سابقاً لعشرات المثقفين العرب.
وأعتقد شخصياً أن الثقافة العربية بحاجة إلى ضخ أفكار جديدة في عروقها وشرايينها لكي تخرج من حالة التكلس والتحجر والتحنط، وبخاصة على المستوى الديني أو اللاهوتي. وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى، من غربية وشرقية. ولكن بما أن إقامتي الطويلة في فرنسا على مدار 33 سنة متواصلة طبعتني بطابعها، فقد كان من المتوقع أن أركز على الكتب الفرنسية والتيارات الفكرية الباريسية أكثر من سواها. وأما غيري، فقد ركز على الثقافة الأنغلوساكسونية. وبما أن الملحق الثقافي لجريدة «الشرق الأوسط» اللندنية، والملحق الثقافي لجريدة «الاتحاد» الإماراتية، يعطيانك هامشاً معقولاً من الحرية، فقد استطعت التعبير عن أفكار وتيارات كثيرة؛ لم أشعر بأن سيف الرقابة كان مسلطاً فوق رأسي، ولولا ذلك لفشلت تجربتي ومقالاتي، فلا كتابة ناجحة من دون حرية. لا أقول حرية مطلقة، فهذا مستحيل، ولكن هامش معين من الحرية. واكتشفت من خلال تجربتي الطويلة أن أي جريدة تريد أن تنجح، وأي ملحق ثقافي يريد أن يزدهر، ما عليهما إلا اتباع القاعدة التالية: الحرية - التنوع - التعددية. بمعنى آخر: ينبغي أن يفتح أبوابه وصفحاته لمختلف تيارات الفكر العربي، ولمختلف المثقفين العرب على اختلاف مشاربهم، حتى لو كانت متناقضة متعارضة، بل وبالأخص إذا كانت متناقضة متعارضة. أما الجريدة ذات اللون الواحد والصوت الواحد والرأي الواحد، فهي مملة جداً، ومصيرها الفشل الذريع؛ هذا شيء مفروغ منه. واكتشفت من خلال التجربة أن الجريدة لكي تنجح، يكفي أن تطلب من كل كاتب أن يعطيها ما هو قادر على الإبداع فيه. عندئذ، تكون النتيجة موفقة وناجحة. ينبغي أن يتاح لكل كاتب أن يعطي أفضل ما عنده، وضمن دائرة اهتماماته واختصاصاته فقط. وعندئذ، يكون النجاح حليف أي ملحق ثقافي في العالم؛ هذه هي القاعدة الذهبية. أما إذا طالبنا هذا الكاتب أو ذاك بأشياء لا علاقة له بها، ولا تدخل ضمن دائرة اهتماماته، فعندئذ يكون الفشل والخسران. لقد نجح الملحقان المذكوران لجريدة «الشرق الأوسط» و«الاتحاد» في مهمتهما التنويرية لأنهما فتحا صفحاتهما للفكر الاستكشافي الجديد. أقول ذلك وبخاصة أن المشرفين عليهما هم عموماً من أنصار التنوير الفكري، لا الظلامية الدينية.
ينبغي العلم بأن حركة الإخوان المسلمين لا مستقبل لها لسبب بسيط، هو أنها تمشي ضد حركة التاريخ. وكل من يمشي ضد حركة التاريخ سوف يلفظه التاريخ، إن عاجلاً أو آجلاً. أقصد بذلك أن هذه الحركة التي أسست عام 1928 مضادة لروح الأزمنة الحديثة وجوهرها، بل ومضادة لجوهر الإسلام ذاته الذي هو دين الشفقة والرحمة بالدرجة الأولى، لا دين القسوة والعنف والتجهم المكفهر. كل السور والأدعية والصلوات تبتدئ بالآية الكريمة الشهيرة «بسم الله الرحمن الرحيم». فإذا بهذا الدين الحنيف يتحول على أيديهم إلى رعب وظلام وبعبع يخيف العالم بأسره. بيعة الإخوان تتمثل في أن تحلف اليمين على المسدس والمصحف! ورمز الجماعة سيفان متقاطعان كثعبانين، بينهما كلمة تهديد: «وأعدوا»! هل يمكن اختزال دين عالمي كبير كالإسلام إلى هذا؟ الإسلام الحضاري أكبر من هذا بألف مرة، ولذلك أقول: لا مستقبل لـ«الإخوان» المسلمين إذا لم يتغيروا ويتطوروا بشكل جذري. وحتى لو كانت هذه الجماعة تتمتع ببعض الشعبية في الشارع العربي أو التركي، فإن مصيرها الفشل الذريع في نهاية المطاف. وإنه لمن المؤسف أن يغرروا بشباب طيب مخلص، فيدجنونهم عقائدياً، ويدفعونهم في طريق مسدود. وذلك لأن المستقبل هو لإسلام التنوير الذي هو وحده القادر على مصالحتنا مع أنفسنا، ومع العالم كله. وهو وحده القادر على إعادة العصر الذهبي، وكل أمجاد الحضارة العربية الإسلامية التي كانت أعظم حضارة على وجه الأرض في بغداد أو قرطبة. هذا هو خط التاريخ أو السهم المؤشر على حركة التاريخ؛ لا عودة إلى الوراء، وإنما تقدم إلى الأمام (أو قل: يمكن الترحيب بالعودة إلى الوراء الحضاري لا إلى الوراء الانحطاطي!). لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسير خاطئ للإسلام. لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسير توتاليتاري ظلامي إخوانجي داعشي يحتقر جميع الأديان الأخرى ويزدريها، بل ويكفر أتباعها قاطبة، ويستبيح دماءهم. لا نستطيع في عصر العولمة الكونية أن نشعر الآخرين بأنهم كفار عن بكرة أبيهم، لمجرد أنهم ليسوا من ديننا أو مذهبنا! الفهم الصحيح للإسلام يقول عكس ذلك تماماً؛ إنه يعترف بالتعددية، ويعدها مشيئة الله: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة». ولكنه لم يشأ. وهذا يعني أن التعددية مشروعة بنص القرآن الكريم، ولكنها مرفوضة من قبل الإخوان المسلمين وبقية المتزمتين الذين خانوا جوهر الإسلام الحنيف، وأدخلونا في صدام مروع مع العصر، ومع جميع أمم الأرض قاطبة. كما أدخلونا في صراعات مذهبية وحروب أهلية وفتن داخلية دمرت النسيج الوطني لشعوبنا.
وبالتالي، فالفهم الصحيح والتنويري للإسلام هو ذلك الذي يعترف بجميع الأديان، من مسيحية ويهودية وبوذية وهندوسية وصينية كونفشيوسية وسواها. إنه يحترم تراثات جميع الأمم، من شرقية وغربية، طبقاً للآية الكريمة التي تقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». هذه آية تصلح شعاراً هادياً لعصر العولمة الكونية. وكذلك الآية الكريمة: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». هذا التفسير التنويري السمح للإسلام هو الذي سوف يدخل في صراع مباشر مع التفسير الظلامي القديم. وهذا يعني أن المعركة الكبرى ستكون بين إسلام الأنوار وإسلام الإخوان، بين إسلام العصر الذهبي وإسلام عصر الانحطاط. وضمن هذا التوجه، حصل عناق الإسلام والمسيحية في أبوظبي، وتم إصدار «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019. وقد مثل ذلك حدثاً تاريخياً بالفعل. ولا ننسى بالطبع «وثيقة مكة المكرمة» الهادفة إلى نشر قيم الوسطية والاعتدال بغية إرساء السلام والتعايش بين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة. وقد صدرت بتاريخ 30 مايو (أيار) 2019 هاتان الوثيقتان المباركتان اللتان تمثلان أقوى رد على التيارات الإخوانجية الداعشية.
أخيراً، لقد فوجئت بأن ميشيل فوكو كان يحلم في أواخر حياته بإنشاء قسم خاص في إحدى دور النشر الباريسية مكرس فقط لاستعراض الكتب الأجنبية، وتعريف القارئ الفرنسي بها. وكان يفكر بشكل خاص بالكتب الألمانية والأنغلوساكسونية في مجال الفلسفة، وهم الذين عندهم شيء جديد لكي يقدموه إلى الفرنسيين ويتحفونهم به. هم وحدهم الذين يستطيعون أن يتفوقوا على الفرنسيين على أرضية الفكر الفلسفي العميق. فالكتاب الألماني أو الإنجليزي أو الأميركي قد يحتوي على اكتشافات مضيئة غير معروفة حتى من قبل الفرنسيين أنفسهم، فما بالك بنا نحن العرب؟ ولذلك أقول: لكي ينجح أي ملحق ثقافي ينبغي أن يغتني بمشاركات الكتاب العرب المختصين بالفكر الفرنسي والإنجليزي والألماني والروسي والإسباني، إلخ. ينبغي أن يرصدوا آخر المستجدات الفكرية، والكتب الجديدة الصادرة في هذه اللغات العالمية الحية، ويقدموها لقمة سائغة إلى القارئ العربي. والتنوير العربي المقبل سوف يكون نتيجة ومحصلة لكل ذلك. فهذا ما فعله فولتير عندما نقل إلى الفرنسيين أفكار الإنجليز الذين سبقوهم إلى الحداثة والتنوير. انظروا كتابه الشهير «رسائل إنجليزية» الذي تحول لاحقاً إلى «رسائل فلسفية». وقد اضطر إلى النزول تحت الأرض بعد نشر الكتاب مباشرة خوفاً من ملاحقات الإخوان المسيحيين الأشداء. وهذا يعني أن التنوير معركة حقيقية، وليس مزحة أو نزهة سهلة في واد من الورود. فالظلاميون الفرنسيون لم يغفروا له أنه روج للإنجليز البروتستانتيين، وأبدى إعجابه بتسامحهم الديني، وخروجهم من التعصب الطائفي والمذهبي، ولم يغفروا له أنه هاجم بلاده التي كانت غارقة في ظلاميات الأصولية الكاثوليكية آنذاك، وعده الكثيرون مارقاً، بل وخائناً للأمة الفرنسية.



تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
TT

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

ويُعدّ الشقيقان، البالغان من العمر 33 عاماً، من بين 5 متهمين يُحاكمون قرب باريس، بتهمة ارتكاب جريمة قتل مزدوجة ومحاولات قتل عدة لاحقة في عام 2020، وفقاً لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية المرموقة.

وتشير الصحيفة إلى أن كليهما يُشتبه في تآمره لتدبير جريمة القتل المزدوجة، إلا أن الحمض النووي الموجود على بندقية هجومية استُخدمت في أحد الاشتباكات المسلحة اللاحقة لا يمكن أن يكون إلا لأحد التوأمين.

وأبلغ ضابط شرطة المحكمة أن خبراء الطب الشرعي لم يتمكنوا من تحديد أي من الشقيقين متورط بشكل قاطع.

ونُقل عن أحد المحققين قوله للمحكمة في بوبيني، شمال العاصمة الفرنسية: «أمهما فقط هي من تستطيع التمييز بينهما».

كما أفادت تقارير بوجود أجواء متوترة داخل قاعة المحكمة، حيث جرى إخراج التوأمين مؤقتاً بعد رفضهما الوقوف أثناء الجلسة.

وتعتقد الشرطة أنهما استغلا التشابه بينهما للتلاعب بسير التحقيق. ونقلت صحيفة «لو باريزيان» عن ضابط رفيع قوله إن التوأمين كانا يتبادلان الملابس والهواتف ووثائق الهوية بشكل متكرر.

وينشأ التوأم المتطابق من بويضة مخصبة واحدة تنقسم أثناء الحمل. ولأنهما ينشآن من البويضة والحيوان المنوي نفسيهما، فإنهما يتشاركان الحمض النووي نفسه تماماً؛ ما يجعل تحديد هويتهما جنائياً أمراً بالغ الصعوبة.

وبسبب عدم قدرة البيانات الجينية على التمييز بينهما، اعتمد المحققون على سجلات الهاتف، ولقطات المراقبة، والتنصت، وجهود التحقق من مكان وجودهما وتحركاتهما.

لكن السؤال المحوري حول هوية مطلق النار من السلاح الذي تم العثور عليه لا يزال مطروحاً.

وتستمر المحاكمة، ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكمها في أواخر فبراير (شباط).


جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
TT

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

قالها الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن: «أولادُكم ليسوا لَكُم، أولادُكم أبناءُ الحياة». هو لم يقصد حينَها الانفصال بين الأولاد وأهلِهم إلى حدّ القطيعة، غير أنّ الجيل «زد» أخذَ مقولة جبران إلى أقصاها، فبات يُسمّى «جيل اللا تواصل».

ليسَ خلاف بروكلين بيكهام مع والدَيه ديفيد وفيكتوريا، سوى نموذج عن تحوّل اللا تواصل No Contact، من مجرّد «ترند» رائج على «السوشيال ميديا»، إلى واقعٍ يهزّ العلاقات العائلية. فما خفيَ تحت الضجيج الذي أحدَثَته قصة آل بيكهام، قضيةٌ اجتماعية مستجدّة هي قطعُ بعض الجيل «زد» وجيل الألفيّة علاقاتهم بذويهم لأسباب متعددة، على رأسها تلك النفسية.

وإذا كان ابنُ بيكهام قد ذكر معاناته مع القلق والتوتّر بسبب تحكّم ذويه بحياته وزواجه، فإنّ لائحة الأسباب التي يبرّر بها أبناء جيله القطيعة مع أهلهم طويلة.

القطيعة بين بروكلين بيكهام وذَويه نموذج عن موضة اللا تواصل المنتشرة بين الجيل «زد» وأهاليهم (إ.ب.أ)

«تيك توك»... المنصّة الشاهد

على «تيك توك»، تُحصى أعداد مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ #ToxicFamily أي «عائلة سامّة» و#NoContact (لا تواصل) بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين، والتي تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات على المنصة الأحَبّ إلى قلب الجيل «زد».

وتَشهد «تيك توك» انقساماً حادّاً في الآراء حول الموضوع. ففي وقتٍ تُبدي غالبية روّاد المنصة دعمَها لمَن قرروا قطع التواصل مع أهاليهم، يعبّر قسمٌ آخر عن ذهوله أمام هذه الظاهرة. وفيما يبرّر الأولاد القطيعة بالقول إنها تحصل انطلاقاً من الحفاظ على الصحة النفسية واحترام الذات والحَدّ من القلق، يصرّون على أنّ رابط الدم لا يبرّر تقبّل سوء المعاملة. أما الأهالي ومَن ينتمون إلى جيلهم، فيُبدون ذهولهم غير مصدّقين ما يجري، وغير مستوعبين العبارات التي يستخدمها الأبناء تبريراً للهَجر، مثل «التربية النرجسية» أو «التلاعب بالعقول».

تتركّز غالبية حالات اللا تواصل في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث ذهبت مقولاتٌ على غرار «العائلة أوّلاً»، و«العائلة إلى الأبد»، و«الدم لا ينقلب ماءً» أدراج الرياح.

@katherinechoiii

Even though I’m no longer living with them and am currently no contact, their reactions have still affected me. Every time I post, there’s a quiet awareness that they’re watching. And while that’s difficult, I don’t want them to continue silencing me after I’ve already left their home.

♬ autumn - Gede Yudis

مبرّرات القطيعة معظمها نفسيّ

في زمن فَورة الحديث عن الصحة النفسية وسقوط المحرّمات ووصمة العار التي كانت تُحيط بها سابقاً، ينطلق الجيل الجديد في قرار القطيعة مع ذويه من مسبّباتٍ معظمها نفسيّ.

يقولون إنهم حريصون على صَون سلامهم الداخلي واتّزانهم العقلي، حتى وإن كلّف ذلك بَترُ علاقاتٍ يعتبرونها سامّة مع أحد الوالدَين أو مع الاثنَين معاً. يستَقون كلماتٍ من قاموس علم النفس للتعبير عن المسبّبات التي دفعتهم إلى هذا القرار. يتحدّثون عن تصرّفاتٍ مؤذية صادرة عن الأهل، مثل «النرجسيّة»، و«التلاعب النفسي»، و«السلوك الصِدامي»، و«اضطراب الشخصية الحدّيّة»، و«التحكّم المفرط».

يَحدثُ كذلك أن يأتي قرار اللا تواصل كردّ فعلٍ على صدماتٍ وتجارب صعبة حصلت خلال الطفولة، ولم يتمكّن الولد التعامل معها وهو في سنٍ صغيرة. ومع تراكم السنوات والسكوتِ طويلاً عن جرحٍ تسبّبَ به الأهل، يقررون قطعَ الخيط ما إن تسنح لهم الظروف بذلك.

في المقابل، تبدو بعض أسباب ومبرّرات القطيعة غير منطقية أحياناً. يذكر الشبّان والشابات المنفصلون عن أهلهم من بينها الاختلاف في أسلوب العيش والقِيَم، والملل من القواعد التي تفرضها العائلة. يتحدّثون كذلك عن تخطّي ذويهم الحدود التي رسمَها الأولاد لهم. من بين الأسباب التي يبرّر بها الجيل الجديد كذلك الانقطاع عن العائلة، الاختلافات في الآراء السياسية، وكلام الأهل بطريقة سلبيّة عن شركائهم العاطفيين.

معظم الأسباب التي يبرر الأولاد القطيعة مع أهلهم هي نفسية (بكساباي)

«جائحة» اللا تواصل

وسط غياب الأرقام والإحصائيات الموثوقة، يلفت خبراء علم النفس إلى أنّ الظاهرة إلى تزايد، وهم يشبّهون قطع التواصل مع الأهل بـ«جائحة تصيب الأبناء البالغين». ووفق مجلّة «سيكولوجي توداي»، فإنّ الهَجرَ غالباً ما يحصل من دون سابق إنذار أو تفسير، فيُترَك الأهل في حالٍ من الألم العميق والتساؤل.

وكلّما كان الدافع النفسيّ جدّياً، كأن يكون الولد قد تعرّض لصدمة في الطفولة بسبب الوالدَين أو أحدهما، كلّما وجد لنفسه تبريراً للانسحاب وأسباباً تخفيفيّة لعدم الشعور بالذنب.

تشهد على ذلك فيديوهات «تيك توك» والمنتديات الإلكترونية المخصصة لظاهرة اللا تواصل، حيث يقدّم مَن اختبروا الأمر الدعم لبعضهم البعض. ويستند روّاد تلك المنتديات إلى نظرية تقول إنه إذا كان الخروج من علاقة زوجيّة سامّة مبرراً، فيجب أن ينطبق الأمر كذلك على العلاقات العائلية السامّة.

في حوار مع مجلّة «نيويوركر»، يقول المعالج النفسي جوشوا كولمان إنّ «القطيعة أصبحت أكثر شيوعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى تغير المفاهيم حول ما يُعتبر سلوكاً ضاراَ أو مسيئاً أو صادماً»؛ بمعنى أنّ ما كان يُعَدّ إساءة عابرة في الماضي، بات يُرفع اليوم إلى مرتبة الصدمة النفسية. ويضيف كولمان إن مفهوم «أكرِم أباك وأمّك قد سقط على حساب مفاهيم كالسعادة الشخصية وحب الذات والصحة النفسية».

صراع الأجيال

ما بدأ كظاهرة اجتماعية بات يهدد بأن يتحول إلى عدوى نابعة من التأثّر بموجة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن يكفي النظر بمنطقٍ إلى القضية المستجدّة، للاستنتاج أنها مرآةٌ لصراع الأجيال.

أساليب التربية المختلفة بين الأجيال هي أحد أسباب ظاهرة اللا تواصل مع الأهل (بكسلز)

نشأ جيل «طفرة المواليد» (1946 - 1964) على يد آباء من «الجيل الأعظم» (حتى 1927)، الذين كبروا خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، فتبنّوا أساليب تربية صارمة وسلطوية. كان يُتوقّع من الأطفال الطاعة والصمت. وكان الخوف، بما في ذلك العقاب الجسدي، وسيلة لضبط السلوك وبناء الشخصية.

رداً على ذلك، سعى كثير من أبناء طفرة المواليد إلى تربية مختلفة عن تلك التي عاشوها. فأصبحوا أكثر انخراطاً في حياة أبنائهم، وبرز مفهوم «الأبوّة المفرِطة». كما سعى «الجيل إكس» (1965 - 1980) وجيل الألفيّة (1981 - 1996) إلى بناء علاقات أكثر مساواةً مع أطفالهم، رافضين استخدام الخوف كأداة تربوية.

بدلاً من العقاب، اعتمدت هذه الأجيال على الحوار والتبرير، وأحياناً تجنّبت الصراع خشية الإضرار بالعلاقة. ومع نضوج الأبناء، أدَّى ضعف الخبرة في إدارة الغضب والخلافات الأسريّة إلى صعوبة تحمّل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. وفي بعض الحالات، تحوَّلت القطيعة مع الوالدين إلى وسيلة للتعامل مع هذه المشاعر، عبر إلقاء اللوم عليهم بدلاً من معالجة الصراع داخل الأسرة.


بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.