بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات

تقليديو الحزب الديمقراطي ويساريوه يتخوفون من استقطابه الشباب

بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات
TT

بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات

بروفايل: بيت بوتيجيج مرشح رئاسي أميركي مغمور... يخالف كلّ التوقعات

هل يمكن أن تحصل مفاجأة تعيد خلط أوراق سباق الرئاسة الأميركية، أقله لدى الديمقراطيين؟ سؤال تصاعدت احتمالاته أخيراً مع البروز المفاجئ لأسهم المرشح المغمور بيت بوتيجيج، رئيس بلدية مدينة ساوث باند في ولاية إنديانا، قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التمهيدية في ولايتي آيوا ونيوهامبشير. إذ منحت استطلاعات الرأي بوتيجيج (37 سنة) في هاتين الولايتين تقدّماً لافتاً إلى جانب متصدِّرَي السباق في الحزب الديمقراطي، وهم جو بايدن وبيرني ساندرز وإليزابيت وارين.
هذا التقدم قد يكون من الصعب تجاهله، إذا ما تمكن بوتيجيج من الاحتفاظ بزخم حملته الانتخابية في المراحل المتقدمة من السباق. ونشير إلى أن هذا المرشح لفت الأنظار، ليس بسبب مظهره أو تمرّده، بل لنجاحه في جمع التبرّعات، الذي كان إنجازاً مذهلاً لشخص لم يشغل منصباً سياسياً أعلى من رئيس بلدية مدينة يربو عدد سكانها بقليل عن 100 ألف نسمة.

اسمه بيتر «بيت» بول مونتغمري بوتيجيج من مواليد 19 يناير (كانون الثاني) 1982، وهو سياسي أميركي يعد أول شخص مثلي الجنس يسعى للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية. وكان بوتيجيج قد أطلق حملته في 14 أبريل (نيسان) 2019، واكتسب قوة دفع كبيرة في منتصف عام 2019 عندما شارك في العديد من المناقشات في قاعات البلديات والمنتديات. وفي بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اعتبره العديد من وسائل الإعلام واحداً من أربعة مرشحين ديمقراطيين «من العيار الثقيل».

- بطاقة شخصية
ولد بيت بوتيجيج، المتحدر من أصل مالطي - ويعني اسم عائلته «أبو دجاج» -، في ساوث باند بإنديانا. وهو الابن الوحيد لجوزيف بوتيجيج وجنيفر آن مونتغمري. والده من مواليد بلدة همرون في مالطا، وكان قد درس اللاهوت، ليغدو كاهناً يسوعياً قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، ويبدأ في ممارسة التعليم كأستاذ للأدب في «جامعة نوتردايم» العريقة في ساوث باند لمدة 29 سنة. وتلقى ابنه بيت تعليمه الجامعي في اثنتين من أشهر جامعات العالم وأرقاها، وهما «هارفارد» الأميركية و«أوكسفورد» البريكانية (بموجب «منحة رودز»).
بين عامي 2009 و2017، شغل بوتيجيج منصب ضابط استخبارات بحرية في احتياطي البحرية بالولايات المتحدة، برتبة ملازم. وفي عام 2014، خدم في أفغانستان لمدة 7 أشهر وحصل على ميدالية الثناء المشترك للخدمة وجائزة وحدة الاستحقاق المشتركة. ومن 2007 إلى 2010 عمل مستشاراً في شركة الاستشارات الإدارية الشهيرة «ماكينزي وشركاه».

- في المعترك السياسي
شغل بوتيجيج منصب رئيس بلدية ساوث باند من يناير 2012 إلى يناير 2020. ونشط في الحملات السياسية للمرشحين الديمقراطيين. كذلك هُزِم في انتخابات 2010 لمنصب وكيل الخزانة في إنديانا قبل انتخابه عمدة لساوث باند في العام التالي، ليغدو أصغر عمدة لمدينة يزيد عدد سكانها عن 100 ألف مواطن. وفي عام 2015، اعترف علناً بمثليته، وفي وقت لاحق من ذلك العام أعيد انتخابه بأكثر من 80 في المائة من الأصوات. وفي عام 2017، ترشّح لمنصب رئيس اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي لكنه فشل.
بالنسبة للشرق الأوسط، سبق لبوتيجيج القول إن الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001 في أعقاب هجمات «11 سبتمبر (أيلول) 2001» له ما يبرّره. إلا أنه يدعم الآن سحب القوات الأميركية من المنطقة، مع الحفاظ على وجود مستمر لأجهزة الاستخبارات. وهو رغم التزامه بتأييد إسرائيل، فإنه يفضل حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ويعارض ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وكذلك دعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتطبيق القانون الإسرائيلي في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. ومن جانب آخر، أعرب عن استمرار تمسكه بالعمل مع المملكة العربية السعودية لصالح الشعب الأميركي، ودعم إنهاء حرب اليمن. كذلك انتقد قرار ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا، التي يقول منتقدون إنها أعطت تركيا الضوء الأخضر لشن هجومها العسكري على الأكراد السوريين.

- مواقفه السياسية الداخلية
أما في الشأن الداخلي، فلقد دعم بوتيجيج تحقيقات مجلس النواب الأميركي لإقالة الرئيس دونالد ترمب، قائلاً: «لقد أوضح أنه يستحق أن يتم عزله». لكنه قال أيضاً إنه سيكون هناك «الكثير من الفوائد» إذا ما هُزم ترمب في عام 2020 مع أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين يسعون لتجديد انتخابه بدلاً من عزله من منصبه. وخلال الحملة الرئاسي الحالية، فإنه بنى استراتيجيته على فكرة «التغيير بين الأجيال»، وسرعان ما بدأ صعوده يثير الخوف، ليس فقط في صفوف «الحرس القديم» في الحزب الديمقراطي، بل، خصوصاً، في تيار اليسار الراديكالي.
إذ أثار المرشح الشاب غضب أعضاء مجلس شيوخ حاليين محنكين وحكام ولايات حاليين وسابقين، لأن الناخبين يتوقون إلى قيادة من خارج واشنطن ومن جيل الشباب، حسب صحيفة «ذا هيل».
واليوم، التيار اليساري يعتبره خصماً كبيراً يمكن أن يهدد حظوظه في استقطاب الفئات الشابة، التي تميل بطبعها نحو الوجوه الشابة، رغم انحيازها الطبيعي نحو التجديد والتمرد على التقاليد. ومع أن حملته لم تركز حتى الساعة على استقطاب الفئات الشابة، (حل بوتيجيج في آخر استطلاع بولاية آيوا ثالثاً متخلفاً بمسافة عن بيرني ساندرز وإليزابيث وارين لدى جيل الشباب بين 18 و29 سنة)، كما هو معهود من مرشح يفترض أن يعتبر التقرّب من جيل الشباب أولوية له، كما فعل جون كنيدي وبيل كلينتون. لكن إعلان بوتيجيج أنه ترشح لاستكمال مسيرة الرئيس السابق باراك أوباما، قرع جرس إنذار لدى يساريي الحزب الديمقراطي.

- حملة مالية ناجحة
المقلق الآن بالنسبة إلى منافسيه أنه على الرغم من تمكن ساندرز من الاحتفاظ بالمرتبة الأولى لناحية جمع التبرّعات، مع تحقيقه نحو 34.5 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، جمع بوتيجيج نحو 25 مليون دولار. وبذا تقدّم على نائب الرئيس السابق جو بايدن الذي جمع نحو 23 مليوناً، وهو ما وضعه في الصفوف الأولى بين المرشحين الديمقراطيين، ويمكّنه من تمويل كبير لحملته الانتخابية مع اقتراب الانتخابات التمهيدية.
وحسب حملته، تلقى بوتيجيج حتى الآن أكثر من مليوني تبرّع من أكثر من 733 ألف شخص منذ دخوله السباق، بينهم 326 ألف شخص تبرّعوا له في الربع الأخير من عام 2019، متجاوزاً في ذلك ساندرز الذي تبرع له 300 ألف شخص في المدة نفسها. ومع جمعه نحو 76 مليون دولار عام 2019، يثبت بوتيجيج أنه قوة غير متوقعة في جمع الأموال، رغم أنه لم يكن شخصية معروفة. ومقابل تعرضه للانتقادات، بسبب مغازلة المانحين الأثرياء، أشادت حملته الانتخابية بأنه «مدعوم بالطاقة الشعبية من جميع الولايات الخمسين، وبأن متوسط قيمة التبرعات التي حصل عليها في الربع الأخير من العام الماضي بلغ 34 دولاراً». ودافع بوتيجيج عن قبوله التبرّعات من كبار المانحين، بالقول «إن هزيمة ترمب لا يمكن أن تتحقّق إذا خضنا المعركة وإحدى يدينا مكبلة».
مدير حملته مايك شموهل قال في مذكرة يوم الأربعاء، إن بوتيجيج «عزز نفسه كمرشح رئاسي رفيع المستوى». وأضاف أنه فعل ذلك «ليس من خلال الاستفادة من قائمة جمع الأموال أو الحساب المصرفي لعضو مجلس الشيوخ، أو شخص كان قد خاض انتخابات للرئاسة من قبل»، في إشارة إلى كل من ساندرز ووارين. إلا أنه على الرغم من أن قوته المالية كانت واضحة منذ عدة أشهر، ومن تحسّن وضعه في السباق الرئاسي بعد الاستطلاعات التي أجرت في آيوا أخيراً، فهو لا يزال يواجه أسئلة مهمة حول قدرته على توسيع قاعدة دعمه بما يتجاوز الناخبين البيض.

- كسب الأقلية اللاتينية
في هذا السياق، عمدت حملة بوتيجيج إلى ترجمة العديد من أنشطتها ومنشوراتها إلى الإسبانية، وتوزيعها حتى في احتفالات التجنيس مستهدفة الناخبين اللاتينيين. ويبحث المرشحون الديمقراطيون راهناً، وكذلك الرئيس ترمب، عن طرق جديدة لاستغلال الأحداث، وبث الرسائل باللغة الإسبانية لاستمالة ما يقرب من 32 مليون ناخب لاتيني مؤهل، وهي الأقلية المرشحة للتفوق على الناخبين السود كأكبر كتلة تصويت للأقليات في الولايات المتحدة خلال العام المقبل.
فقد بلغ عدد اللاتينيين الذين صوتوا في انتخابات مجلس النواب عام 2018، 11.7 مليون ناخب، أي ضعف ما يقرب من 6.8 مليون صوتوا عام 2014، التي اعتبرها مركز «بيو للأبحاث» أنها أكبر زيادة فردية على الإطلاق بين انتخابات منتصف المدة وأخرى. ولم تكتف حملة بوتيجيج بالتركيز على ساحة المعركة المبكرة في الولايات التي تعيش فيها أقلية لاتينية كبيرة كولاية نيفادا، بل أيضاً على المناطق الريفية في آيوا ونيوهامبشير، حيث تقول إنه يجري تجاهل الناخبين اللاتينيين.

- اليساريون يناصبونه العداء
هذه المعطيات والأرقام والتقدم الذي تحققه حملة بوتيجيج، أفقدت يساريي الحزب الديمقراطي الصواب، مع إحساسهم بأن فرصة «القبض» على الحزب، قد تضيع مع مرشح يحمل العديد من نقاط القوة، ليس أقلها مثليته، التي قد تلقى على الأقل تأييداً؛ خصوصاً في الولايات ذات الكتل السكانية الكبرى والأكثر ليبرالية، ككاليفورنيا ونيويورك وفلوريدا. فقد أعلن بوتيجيج تأييده لتعديل قانون الحقوق المدنية من خلال قانون المساواة الفيدرالي، بحيث يحصل المثليون على حماية فيدرالية غير تمييزية. كما يعارض الحظر المفروض على مشاركة المتحولين جنسياً في الخدمة العسكرية الذي فرضه ترمب.
وحقاً، شنت مجلات راديكالية ومنابر يسارية عدة ضده حملة شرسة، واصفة إياه بأنه «جمهوري متخف». فصعوده المفاجئ يرعبهم، خصوصاً الجيل الشاب منهم من الذين فازوا أخيراً في مقاعد بمجلس النواب في انتخابات 2018، أمثال أليكساندريا كورتيز. ورغم تفضيلهم لساندرز، فإن كرههم لبوتيجيج يفوق اعتراضهم على كل من بايدن ووارين. ولتفسير ذلك جمعت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» قائمة من التفاسير المحتملة على «تويتر»، بما في ذلك أن اليسار قد يعتبره خائناً لجيله أو انتهازياً صارخاً أو ممثلاً عن فئة احترافية مظلمة وغير موثوقة. كما أجرت مجلة «أتلانتيك» أيضاً استطلاعاً خلص في النهاية إلى أن المزيد من عهد باراك أوباما الذي وعد به بوتيجيج قد يكون أمراً لا يمكن هضمه من التقدميين. لكن هذه التفاسير لا تزال عامة جداً، ولا تفسر غضب اليساريين من منافس رئاسي يحتل حتى الآن المركز الرابع. فآيديولوجيته لا تختلف عن السيناتورة إيمي كلوبوشار ومايكل بينيتس، وكلاهما من المعتدلين سياسياً أكثر من بوتيجيج، الذي دعا من بين أمور أخرى، إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً، وإدخال خيار الرعاية الصحية العامة، وتوسيع حجم المحكمة العليا وإلغاء الكلية الانتخابية.

- تخوف من استقطابه الشباب
من ناحية ثانية، اليساريون يعتقدون أن الشباب يقفون إلى جانبهم، مستندين إلى استطلاع أخير لـ«كينيباك» عن شعبية ساندرز بين من هم تحت سن الثلاثين. وقال كل من النائبين جو كراولي وأليكساندريا كورتيز: «نحن لا نمثل فقط حملتنا ولكن حركتنا». وعبر ممثلو جناح ما يعرف بـ«الاشتراكيون الديمقراطيون الأميركيون» المعبؤون «عمّا يجب أن يكون عليه الحزب الديمقراطي»، في رسالة إلى صحيفة «نيويورك تايمز». وكتب وليد شهيد المتحدث باسم «ديمقراطيو العدالة» الموالية لكورتيز، في تغريدة على «تويتر»، «إن الصراع هو بين الأجيال»، مقتبساً جملة الزعيم اليساري الإيطالي الراحل أنطونيو غرامشي الشهيرة: «أميركا القديمة تموت، أميركا الجديدة تكافح من أجل الولادة. الآن هو وقت الوحوش».
لذلك ما يثير قلق تلك المجموعات اليسارية الشابة التي تؤمن بأن أمامها فرصة جدية لخوض معركة رئاسية ناجحة، أن صعود بوتيجيج قد يهددها. فهو فضلاً عن كونه أحد المحاربين القدامى، وفخوراً بمسيحيته، ومستشاراً سابقاً لشركة «ماكينزي» الشهيرة، يعتقد البعض أن أسلوبه في إحداث الصدمات الشخصية أقرب إلى ميت رومني من ساندرز أو حتى كورتيز. في نظر اليساريين الشباب الراديكاليين، فإن بوتيجيج ليس مجرد عدو آيديولوجي، بل هو أسوأ من ذلك.
ومما يثير قلق اليساريين أن معظم الناخبين غير راديكاليين بشكل حازم. لهذا السبب، وعلى الرغم من تشكيكه في برامج مثل «الرعاية الصحية للجميع والتعليم الجامعي المجاني»، فإن بوتيجيج ليس في منافسة مباشرة مع ساندرز. فهو يتنافس على الناخبين مع وارين، حيث أنصارها الليبراليون عرضة أكثر لتكنوقراطيته. وإذا نجح اليساريون في تشويه سمعة بوتيجيج وإضعافه، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي تعزيز حظوظ وارين، أقرب منافسي ساندرز.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.